* الفرق بين (وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا) و((وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ﴿٦﴾ الفتح) :
الله اختار العذاب الذي سيوقع على من يقتل مؤمناً متعمداً لإيمانه متهماً إياه بالشرك مع أنه كان يقول لا إله إلا الله والنبي قال (أقتلته وقد قالها؟) ولم يغفر له الله سبحانه (وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا)، في حين (وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) المنافقون والمشركون يتفاوتون في عذاب جهنم، ولم يختر لهم عذاب سوف تعذبون بما تستحقون، إن الله لا يظلم مثقال ذرة، هو طرد الاثنين من رحمته (وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ) (وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ) طرد المرتدين وطرد المنافقين وطرد القتلة.
* البصر يأتي في اللغة بمعنيين إما البصر من ناحية الرؤية وهي الحاسة التي ينظر بها الباصرة، ضد الأعمى (وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ) ويأتي للإبصار بالقلب ربنا يسميه بصيرة لمن كان قلبه بصيراً عنده معرفة في قلبه (بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ) البصيرة في القلب والبصر للرؤية وليست العين وهذا الفرق بين النظر والبصر. الخبير يعني محيط ببواطن الأمور وظواهرها، إذن خبير العلم ببواطن الأمور خبير بصير يعني عليم ببواطن الأمور وظواهرها ولعلمه ببواطن الأمور فمن باب أولى أنه عليم بظواهرها
آية (١) : (الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ)
* أهمية الكتاب تكمن في أمرين:
- الجهة التي أصدرته (حَكِيمٍ خَبِيرٍ) هذا يدل على العلو، قكتاب الموظف ليس مثل كتاب المدير ولا السلطان إذن الكتاب أهميته تكون من أهمية المرسِل.
- محتواه، ماذا فيه؟ الحكمة، إذن هو دل على رفعته بكل مقتضيات العلو والرفعة حاكم وحكيم وخبير والحكمة محتواه والأمر طلب عبادة الله وتوحيده. هذا شأن الكتاب المذكور في اول السورة إنه كتاب محكم أحكمه حاكم حكيم خبير، هذا يدل على رفعة الكتاب.
* (أُحْكِمَتْ) بمعنى نظمت نظماً رصيناً ليس فيه نقض وخلل ولا أي شيء. الكتاب هنا هو القرآن الكريم وليس اللوح المحفوظ لأنه ذكر بعدها (أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللّهَ) هذا في الكتاب.
* دلالة بناء الفعل للمجهول ثم ذكر الفاعل:
إذا أراد الحديث عن نائب الفاعل بنى الفعل للمجهول وإذا أراد الحديث عن الفاعل ذكره. عموم الكلام ماذا يريد المتكلم؟ مثال (إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ (٢) الزمر) الكلام عن الله وليس عن الكتاب فقال (أَنزَلْنَا)، بينما الحديث هنا عن الكتاب وتعظيمه (أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ) لا على من أحكم وفصّل، ثم ذكر من الذي أحكم وفصّل؟ (مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) هذا من باب التعظيم للكتاب.
* (ثُمَّ) هنا لترتيب الإخبار وليس ترتيباً زمانياً، كما تقول فلان كريم الأصل ثم كريم الفعل، كما في (وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ ... * ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا) لو لم يكن مؤمناً لا قيمة لما أنفق، هذا ترتيب الإخبار لا ترتيب الوقوع.
* (أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ) لم يجمع هذين الوصفين الإحكام والتفصيل إلا في هذا الموضع، إما أن يذكر الإحكام (تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (١) يونس) أو التفصيل (كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا (٣) قصلت) (أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً (١١٤) الأنعام) .
* في السورة نفسها ذكر تعظيم هذا الكتاب في مواطن وكلها متناسبة مع الآية الأولى:
- ذكر شأن الكتاب الذي (أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) ولم يجتمع هذان الأمران في موطن آخر والذي فعل هذا هو الحاكم الحكيم الخبير.
- يذكر تحدي المعاندين والمعارضين (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ (١٣)) هذا الكتاب الذي أحكمه الحاكم والخبير (قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (١٣)) يأتي بمنزلة هذا الكتاب (فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ اللّهِ وَأَن لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ (١٤)) .
- مرة أخرى يقول (فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ (١٧)) في مرية من الكتاب (إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ).
- في موطن آخر (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَاْ بَرِيءٌ مِّمَّا تُجْرَمُونَ (٣٥)) .
- (تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَـذَا .. (٤٩)) يخبر سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام بسيدنا نوح والأنبياء من قبله وهو لم يكن يعلم عنها لا هو ولا قومه، ونلاحظ حتى في الآخر يقول (وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءكَ فِي هَـذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (١٢٠)) .
بيّن علو ومنزلة هذا الكتاب في مدار السورة، كلما تأتي مناسبة يذكر هذا الأمر بشكل معين حسب السياق، ما أجلّ هذا الكتاب! الذي أُحكمت آياته ونُظمت نظماً محكماً ليس فيه نقص ولا نقض وفصّل ما يحتاج إليه العباد بحيث لم يترك شيئاً.
* الفرق بين الحكيم والخبير:
الحكيم من الحكمة والحكم، الحكيم هو ذو الحكمة البالغة أي إحسان القول والعمل ووضع الشيء في محله قولاً وعملاً، والحكيم للحاكم الذي يقضي بمعنى القضاء، قد يكون الحاكم غير حكيم وقد يكون الحكيم غير حاكم. وهذا من باب التوسع في المعنى. فالذي أحكم آياته الحكيم ذو الحكمة والذي بيده الحكم والأمر وهذا يدل على رفعته مكانته.
الخبير هو الذي يعلم بواطن الأمور. فما أعظم هذا الكتاب الذي أحكمه وفصله الحكيم الخبير!.
آية (٢) : (أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللّهَ إِنَّنِي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ)
* (أَلاَّ تَعْبُدُواْ) (لا) تحتمل أن تكون نافية وناهية! . محتمل أن تكون (لا) نافية وهنالك لام التعليل محذوفة بتقدير لئلا تعبدوا إلا الله، وقسم يقول (أن) مفسِّرة و(لا) ناهية يعني أن لا تعبدوا.
* هنا قال تعالى (إِنَّنِي) وفي غير ما آية في القرآن يقول (إِنِّي لَكُم نَذِيرٌ مُّبِينٌ) نون واحدة كما في هود (٢٥) :
إني وإنني من حيث الدلالة العامة واحدة، (إنني) آكد لأن فيها ثلاث نونات، نون (إنّ) عبارة عن اثنين ونون الوقاية التي أكثر ما تقع بين الفعل وياء المتكلم مثل أعطاني وأكرمني، وتقي الفعل من الكسر، ولا تأتي في الإسم.
هنا ذكر وصفين للكتاب الإحكام والتفصيل، ثم ذكر وصفين في المبلِّغ إنذار وبشارة (نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ) ففصل بذكر النونين، لكن إذا أفرد الإنذار دون البشارة يقول إني ولا يقول إنني، كما في خمسة مواضع في القرآن الكريم.
* ذكر (منه) في الآية (إِنَّنِي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ) وفي موضع آخر يقول (إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ (٢٥)) :
إذا تقدم ما يعود على الضمير يقول (منه) مثل (أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللّهَ إِنَّنِي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ) لنعلم أن هذا الإنذار من الله سبحانه وتعالى ، وإذا لم يتقدم ما يعود على الضمير لا يذكر مثل (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ (٢٥)) لو قال (منه) على من يعود؟ لا يصح أن يقول (منه) .
* لم يجمع القرآن بشير ونذير على لسان رسول من الرسل إلا محمد صلى الله عليه وسلم. كل الرسل لما يتكلمون عن أنفسهم يقولون نذير فقط.
* قدم الإنذار على البشارة بينما في سورة فصلت قدم البشارة على الإنذار:
في هود جو السورة كلها إنذارات، قصة عاد ونوح لهذا قدّم الإنذار.
في فصلت (حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (٤)) قال (تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) يناسبه البشارة وليس الإنذار، كما ذكر بشارة الملائكة للمؤمنين (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠)) .
آية (٣) : (وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ)
* (اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ) (ثم) ليست دائماً للتراخي ولكن للبعد بين المنزليتن قد يكون ما بعد (ثم) أعلى ما قبلها، هو بعد معنوي وليس بعد زمني.
* (وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ) الفعل يؤتي فاعله الله سبحانه وتعالى، و(كُلَّ) مفعول به من البشر و(فَضْلَهُ) فيها احتمالين احتمال يعود الضمير على صاحب الفضل الذي يفعل الخير يؤتيه ربنا لا يبخس منه شيئاً يؤتيه حقه بل ويزيد عليه، واحتمال أن يعود الضميرعلى الله إن الله يؤتي صاحب الفضل فضل الله، والآية تحتمل لأن فيها أمرين والمعنيان صحيحان ومرادان.
* قال هنا (وَإِن تَوَلَّوْاْ) وأحياناً يقول (وَإِن تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُم مِّن قَبْلُ (١٦) الفتح) :
هذا الحذف في اللغة جائز للتخفيف، أصل الفعل تتولوا مثل تنابزوا وتتنابزوا، تفرقوا وتتفرقوا، وفي التعبير القرآني تتولوا في الموقف الأشد وتولوا في الموقف الأخف:
- هنا قال (وَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ) قال أعذبكم، المخوف ليس بالضرورة أن يقع، قد يُدرأ. بينما في الآية الأخرى (وَإِن تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُم مِّن قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) هذا قطع. أيّ الموقفين أشد؟ الآية الثانية.
- هنا قال (عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ) ما قال عذاباً كبيراً وإنما قال عذاب يوم كبير، وصف اليوم بالكبر وليس العذاب، بينما في الفتح قال (يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) وصف العذاب، أيُّ الأشد؟ عذاباً أليماً.
آية (٤) : (إِلَى اللّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)
* التقديم والتأخير (إِلَى اللّهِ مَرْجِعُكُمْ) للتخصيص والحصر لا يرجعون إلى غيره.
* هنا يقول (إِلَى اللّهِ مَرْجِعُكُمْ) فقط وأحيانًا (إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا (٤٨) المائدة) :
في كل القرآن إذا قال (جَمِيعًا) يذكر جهات متعددة مختلفة، وعندما يقول (مَرْجِعُكُمْ) فقط فالمخاطبون جهة واحدة، ففي المائدة (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ... وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٤٨)) الآية ذكرت معتقدات اليهود والنصارى، ذكر هؤلاء وهؤلاء وهؤلاء في سبع آيات مستمرة في هذه المسألة فقال (جَمِيعًا) .
* استعمال أداتي النفي (ما) و(لا) : (ما) التي تدخل على المضارع هي لنفي الحال، (لا) قد تكون للحال (فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ) وقد تكون للإستقبال وهو الأكثر، في القرآن (وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ) (وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ) (وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاء وَلَا الْأَمْوَاتُ) هذا مُشاهَد في الدنيا، (لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ) (لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ) (لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ) هذا في الآخرة غير مُشاهَد.
* الفرق بين الضُرّ والضَر والضرر:
الضُر هو ما يكون في البدن من مرض وغيره (أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ).
الضَر هو المصدر بما يقابل النفع (قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا).
الضرر الإسم عام أي النقصان يدخل في الشيء يقال دخل عليه ضرر (أُوْلِي الضَّرَرِ) أي الذين فيهم عِلّة.
* درجة جاءت مفردة وجاءت جمعاً (فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً ) (دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً) فيها احتمالات:
-- لعل الله عز وجل أراد أن يوضح بطريقتين بطريقة الإبهام ثم بطريقة الإيضاح فالآية الأولى أبهمت الأجر عندما قال درجة ثم بيّن أنه جعل لكلا الفريقين الحسنى (وَكُـلاًّ وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَى) ثم عاد إلى توضيح فضل هؤلاء المجاهدين وعِظَم هذا الفضل فقال (دَرَجَاتٍ مِّنْهُ) عبارة عن درجات كثيرة وأنهم يصلون إلى المرتبة الأحسن، يعني هنا إيضاح لهذا التفضيل.
-- هناك رأي آخر يقول أن الله سبحانه وتعالى أراد أن يبين منزلة المجاهدين بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ويبين أنهم أفضل ممن لم يجاهدوا وهم أيضاً مؤمنين ولكن حبسهم العذر فقال أنهم يزيدون درجة، أما الثانية (درجات) فهي تخص من جاهد بماله وبنفسه فهو أفضل بدرجات ممن لم يجاهد ولم يكن له عذر.
-- قول آخر يقول أن الدرجة الأولى تدل على الأفضلية في الدنيا ولكن هذا الأجر في الدنيا لا يناسب الفضل في الآخرة فجاءت الآية الثانية لتوضح أن الأجر في الآخرة درجات وليست درجة واحدة، فقالوا درجة الأولى للدنيا، ودرجات للآخرة لأنه جاء بعدها أيضاً (وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً) تخص الآخرة.
-- قد تكون درجة بمعنى الرتبة والمنزلة فتعني أنهم تفوقوا ولهم رتبة ومكانة بينما درجات تعني منازل والمنازل متعددة الدرجات.
آية (٥) : (أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ)
* (مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ) فيها احتمالان أن تكون (ما) مصدرية يعني إسرارهم وإعلانهم، وتحتمل أن تكون إسماً موصولاً يعني الذي يسرونه والذي يعلنونه، والآية تحتمل المعنيين بحذف العائد (الذي) فهو يعلم الإسرار والإعلان ويعلم الذي يسرونه ويعلنونه هذا يسمى توسع في المعنى، والمقصود كل شيء يعلم إسرارهم وإعلانهم مداره وكيفيته.
* الفرق بين توفاهم وتتوفاهم: الحذف في عموم القرآن جائز من حيث اللغة للتخفيف ويكون في مقام الإيجاز أو للدلالة على أن الحدث أقلّ، قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ) هؤلاء كانوا مستضعفين وظالمي أنفسهم صاروا أقل في العدد فقال توفاهم، أما في سورة النحل (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ فَأَلْقَوُاْ السَّلَمَ) ظالمي أنفسهم فقط ولم يكونوا مستضعفين فلما كثر هؤلاء قال تتوفاهم، وهؤلاء المستضعفين في آية سورة النساء هم قسم من الظالمين فهم أقل، فالذين ظلموا أنفسهم أكثر من المستضعفين لأنهم عموم الظالمين.
* عبّر الله تعالى عن وفاة الظالمين بقوله (تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ) وعدل عن التعبير بـ(يموتون) لما في هذه الصورة من مهابة الموقف والرهبة منه فقبض الملائكة وسيلة تبين شناعة فتنتهم عند الموت.
* الفرق بين الضعفاء والمستضعفين: المستضعفين الذين يستضعفهم غيرهم، حاكم استضعفهم وأذلهم مثل بني إسرائيل استضعفهم فرعون، أما الضعيف فهو ضعيف بنفسه (وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاء).
آية (٦) : (وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ)
* (مِن دَآبَّةٍ) هذه (مِن) الاستغراقية، يعني جميع الدواب كلها بلا استثناء.
* هنا ربنا خصص قال (وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ) ولم يذكر دواب السماء بينما في الشورى (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَابَّةٍ (٢٩)) :
السياق في سورة هود أصلاً على سكان الأرض والكلام فيما قبلها وفيما بعدها على أهل الأرض وما حصل لهم وما يحصل لهم والتكليف، بداية من أولها (يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ) وما قبلها في الأرض، وأصلاً في السورة كسمت عام ذكر الأرض فيها أكثر من السماء حيث ذكر الأرض ١١ مرة وذكر السموات ٦ مرات، بينما علمه تعالى يشمل ما في السماوات أيضًا كما أشارت الآيات (وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ) (وَلِلّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) ما قبلها وما بعدها إشارات إلى قدرته وأنه خلق السموات والأرض وفي الآخر يرجع الأمر كله إليه.
* قدّم الخبر (إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا) للحصر يعني رزقها على الله حصراً ليس على غيره، هو الذي ضمن لها رزقها حصراً، هو حصر كل دابة على رزقه وحصر الرزق عليه. ولو قال (رزقها على الله) ليس فيها حصر.
* قال تعالى (وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا) فأين أماكن الحركة؟
عندما قال (وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا) يعني يرزقها أينما كانت تمشي أو مستقرة، سواء في المستقر أو غير المستقر ضمن لها ربنا رزقها قبل أن تأتي إلى الأرض يرزقها من أمها.
* كلمة مستقر في اللغة إسم مفعول ومصدر وإسم مكان وإسم زمان، يعلم استقرارها ومكان استقرارها وزمان استقرارها في كلمة واحدة وكذلك مستودع ينطبق عليها المكان والزمان والمصدر.
* الآية تضمنت عدة دلالات على العموم:
- جاء بـ (من) الاستغراقية (مِن دَابَّةٍ) الدالة على الشمول لجميع الدواب.
- قال (دَابَّةٍ) وهي أعم شيء في الأحياء تشمل كل الأحياء.
- قال (إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا) بتقديم قصر الرزق على الله دون غيره.
- المستقر والمستودع الزمان والمكان والمصدر.
- قال (كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ) كل ما يتعلق بالدوابّ، كل شيء عن كل دابة كل ما يحصل لها قبل أن تأتي أين رزقها أين تتفرق كل المعلومات بلا استثناء في كتاب مدوّن مسطور، هذا علم.