عرض وقفات أسرار بلاغية

  • ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴿١١١﴾    [التوبة   آية:١١١]
* (بأن لهم الجنة) ما قال (بالجنة): اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بهذا الوعد مع التأكيد بأن لهم الجنة. * جاء بضمير الفصل هنا لأن الجزاء ليس إدخال الجنة فقط وإنما بيع وشراء، فلما كان الجزاء أكبر يأتي بالضمير للتأكيد. * الفرق بين الآية وآية سورة الصف (يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢)) : آية الصف: - النعيم مختلف فقال (وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ) إذا أدخلتك في قاعة لا تعني أنك تملكها. - طلب منهم قبلها أن يجاهدوا في سبيل الله بما عندهم من الأموال والأنفس يجاهدون فيها، هذا جهاد والجهاد ليس بالضرورة من القتال فالدعوة جهاد (وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (٥٢) الفرقان) . آية التوبة: - قال (اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) فوصفهم بالإيمان. - باع واشترى ولم يبقى عندهم مال ولا أنفس (فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ) القتال حرب وهذا أقوى الجهاد، لا تضحية أكبر من أن يدفع الواحد نفسه فلا يبقى عنده مال ولا نفس؟ هذه أكبر. - قال (بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ) كأنهم اشتروا الجنة فصارت تمليكاً لهم كأن الله تعالى اشترى منهم أنفسهم وأموالهم بالجنة، هذا تمليك بيع وشراء (فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ) فلما كانت التضحية أكبر سيكون الجزاء على قدر التضحية فأكّدها فقال (وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) هذا هو الفوز الأعظم.
  • ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ ﴿١٠٤﴾    [المائدة   آية:١٠٤]
آية (١٠٤) : (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ) * الفرق بين الآيات : في سورة البقرة (أَلْفَيْنَا) وفي لقمان (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٢١)) وفي المائدة (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ (١٠٤)) . - وجدنا وألفينا : في القرآن الكريم لم يرد الفعل ألفى إلا فيما هو مشاهد محسوس (بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا (١٧٠)) (وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ) ، أما (وجدنا) هي أشمل وتستعمل للأمور القلبية والأمور المشاهدة (كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً) (وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ) (وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ) وجدهم يخلفون الميعاد . الذي لا يؤمن إلا بما هو مشاهد محسوس هو أقل علماً ومعرفة وإدراكاً ، ولذلك يستعمل (ألفينا) في الحالة الشديدة للذم أكثر من (وجدنا) . -- (اتَّبِعُوا- بَلْ نَتَّبِعُ) - (تَعَالَوْاْ- حَسْبُنَا) : قولهم (حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَآ) في ظاهرها أبلغ من قولهم (نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ) لكن كل من اللفظين مناسب للسياق الذي جاء فيه فـ (اتَّبِعُوا) يناسبها (نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا) وقوله (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ) يناسبها قولهم ( حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَآ) يعني أنهم حسبوا الأمر واكتفوا به فكلمة الحساب تدل على الدقة بالعدد والأرقام يعني كافينا ما عندنا ولا نريد شيئا غيره، وفي القرآن مرة تأتي لحساب الرقم المادي، ومرة تأتي لحساب الإدراك الظني فالحق يقول (أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُواْ أَن يَقُولُواْ آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ) هل ظن الناس أن يتركوا دون اختبار لإيمانهم؟ هذا حساب بالفكر يمكن أن يخطئ ولذلك نسميه الظن ونعرفها بالفعل ، فإذا قلت حَسَبَ يَحسِب فالمعنى عَدَّ ، وإذا قلت حَسِبَ يَحسَب فهي للظن . --- (لاَ يَعْقِلُونَ) و(لاَ يَعْلَمُونَ) : في آية البقرة نفى عنهم العقل (أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ) ، وفي المائدة نفى عنهم العلم (أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ) . نفي العقل أشد من نفي العلم فاستعمل ألفى في نفي العقل ، ونفي العقل يعني نفي العلم ، فالعاقل يمكن أن يعلم لكن غير العاقل لا يعلم . وفي آية لقمان (أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ) الشيطان يدعو العاقل لأن غير العاقل غير مكلف . رأي آخر: إن (يعقلون) تعني ما ينشأ عن فكرهم وتدبرهم للأمور، لكن هناك أناس لا يعرفون كيف يعقلون، ولذلك يأخذون القضايا مسلماً بها كعلم من غيرهم الذي عقل ، إذن فالذي يعلم أقل منزلة من الذي يعقل ، لأن الذي عقل هو إنسان قد استنبط ، وأما الذي علم فقد أخذ علم غيره ، إذن فنفي العلم عن شخص أبلغ من نفي التعقل لأن معنى (لا يعلم) أنه ليس لديه شيء من علم غيره أو علمه . وعندما يقول الحق سبحانه (لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً) فمعنى ذلك أنه من المحتمل أن يعلموا ، لكن عندما يقول (لاَ يَعْلَمُونَ) فمعناه أنهم لا يعقلون ولا يعلمون ، وهذا يناسب ردهم. فعندما قالوا (بَلْ نَتَّبِعُ) فكان وصفهم بـ (لاَ يَعْقِلُونَ) ، وعندما قالوا (حَسْبُنَا) وصفهم بأنهم (لاَ يَعْلَمُونَ) كالحيوانات تمامًا . ---- يختم الحق الآية في سورة البقرة وفي المائدة بقوله (وَلاَ يَهْتَدُونَ) لنعلم أن هدى السماء لا يختلف بين عقل وعلم ، بين من يعقلون ومن يعلمون .
  • ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِّلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ ﴿١١٤﴾    [التوبة   آية:١١٤]
* دلالة التعبير بكلمة (موعدة) موعدة هو موعد لكن موعدة أبلغ على أوزان المرّة يمكن أن نقول استغفار واستغفارة، نأتي بالتاء ونضعها في نهاية المصدر فتدل على المرّة، هذا ممكن. لكن ربنا تعالى نهى الرسول والمؤمنين عن مثل هذا الموعد، هذه لا ينبغي أن تتكرر ولا ينبغي أن يفعلها مسلم أو نبيّ. كلمة وعد لا تعني بالضرورة مرة واحدة.
  • ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الْآثِمِينَ ﴿١٠٦﴾    [المائدة   آية:١٠٦]
آية (١٠٦) : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ) * الفرق بين حضر وجاء في القرآن الكريم : من الناحية اللغوية : الحضور في اللغة يعني الوجود والشهود وليس بالضرورة معناه المجيء إلى الشيء (يقال كنت حاضراً إذ كلّمه فلان بمهنى شاهد وموجود وهو نقيض الغياب) ويقال كنت حاضراً مجلسهم ، وكنت حاضراً في السوق أي كنت موجوداً فيها. أما المجيء فهو الإنتقال من مكان إلى مكان ، وفي القرآن يقول تعالى (فإذا جاء وعد ربي جعله دكّاء) سورة الكهف بمعنى لم يكن موجوداً وإنما جاء الأمر. من الناحية البيانية : القرآن الكريم له خصوصيات في التعبير وفي كلمة حضر وجاء لكل منها خصوصية أيضاً ، فحضور الموت يُستعمل في القرآن الكريم في الأحكام والوصايا كما في آية المائدة وكأن الموت هو من جملة الشهود حاضر مع من هو جالس شديد القرب ، وهذا الحضور ليس فيه موت كامل لأن الموصي لم تُقبض روحه بعد لكن الموت جالس عنده وشاهد على الوصية فكأنه إقترب منه الموت لكن لم ينفذ. فالقرآن هنا لا يتحدث عن الموت نفسه أو أحوال الناس في الموت. أما مجيء الموت في القرآن فيستعمل في الكلام عن الموت نفسه أو أحوال الناس في الموت كما في آية المؤمنون (حَتَّى إِذَاجَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩)) يريد هذا الذي جاءه الموت أن يرجع ليعمل صالحاً في الدنيا فالكلام إذن يتعلق بالموت نفسه وأحوال الشخص الذي يموت ، كما يستعمل فعل جاء مع الأجل (فإذا جاء أجلهم) ومع سكرة الموت (وجاءت سكرة الموت) . * المفعول به (أَحَدَكُمُ) مقدم للإهتمام به ولإبعاد شبح الموت الحقيقي بتأخير الفاعل (الْمَوْتُ). * الثمن هو المقابل أو العِوَض، ووردت الكلمة في أحد عشر موضعاً في القرآن الكريم كله، مرة وصف بأنه بخس والأماكن الأخرى وصف بأنه قليل عدا موضع واحد فقط لم يوصف وهو الآية (١٠٦) لأنها تتعلق بشهادة على وصية فالأمر يتعلق بمصالح الناس الذين لهم وصية حتى لا يجد أحد هذين الشاهدين أي مجال للتنصّل أو التلاعب فيشمل الحقير والعظيم والمادي والمعنوي والنفيس والتافه يعني حتى يقطع عليهم الطريق لأي تأويل.
  • ﴿أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ ﴿١٢٦﴾    [التوبة   آية:١٢٦]
* الفرق بين يذّكرون ويتذكرون: لغويًا: - يذّكرون أصلها يتذكرون في اللغة صار فيها إبدال جائز. - يتذكر أطول ومقاطعه أكثر هذا أمر. - يتذكّر فيها تضعيف واحد ويذّكّر فيها تضعيفان. والتضعيف يدل على المبالغة والتكثير. بيانيًا: القرآن الكريم يستعمل يتذكر الذي هو أطول لما يحتاج إلى طول وقت وهو تذكر عقلي ويستعمل يذّكّر لما فيه مبالغة في الفعل وهزة للقلب وإيقاظه. (وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ * أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ) هؤلاء في قلوبهم رجس يحتاجون إلى هزة توقظ قلوبهم ليس مسألة تعداد.
  • ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ ﴿١١٠﴾    [المائدة   آية:١١٠]
آية (١١٠) : ( إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ) *الفرق بين قوله تعالى (بِإِذْنِ اللَّهِ) وقوله (بِإِذْنِي) في سورة المائدة : - في سورة آل عمران الكلام (حكاية حال ماضية) كان على لسان سيدنا عيسى عليه السلام (أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ) ما هذه الآية (أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللّهِ..) يتكلم عن نفسه فقال (فأنفخ). فى آية سورة المائدة الكلام من الله سبحانه وتعالى إلى عيسى (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ .. وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي..(١١٠)) الكلام من الله عز وجل فقال (تخلق) (فَتَنْفُخُ فِيهَا). - إذا فهم أحدهم من آية آل عمران (بإذن الله) أن عيسى هو الله كما يقولون افتراء فليعد إلى سورة المائدة التي فيها الكلام موجه من الله تعالى إلى عيسى (بإذني) لأن الله تعالى يعلم أن هناك من سيدّعي ألوهية عيسى فقطع عليهم تعالى خط من زعم الألوهية حتى يفهم الناس أن الذي يبرئ الأكمه والأبرص ويحي الموتى هو الله تعالى وليس عيسى فالقرآن يدعم بعضه بعضاً. * تكررت (وَإِذْ) في آية المائدة ولم تذكر في آل عمران لأنه في المائدة تعداد لنِعم الله سبحانه وتعالى على عيسى عليه السلام وفيها نوع من التأكيد، أما في آل عمران كان نوع من بيان حال عيسى وهو يتكلم وليس تعداداً للنعم. *(وَأُبْرِىءُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِـي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ) خصّ الله تعالى معجزة عيسى عليه السلام بشفاء هذه الأمراض لأنك لو عدت إلى التوراة لوجدت اهتماماً بالغاً في أحكام الأبرص الذي أطال في بيانها بعدما وصفه الوحي لموسى عليه السلام وكيف يمكن علاجه فجاءت هذه المعجزة فائدة لهم في دينهم ودنياهم ودليلاً آخر على فقه عيسى عليه السلام بالتوراة وأحكامها. * جاء نداء الله تعالى (يَا عِيسَى) مجرداً وليس (يا عيسى إبن مريم) كما في باقي القرآن: نودي عيسى عليه السلام أربع مرات في القرآن الكريم كله، والنداء بالاسم المجرد يكون من الأعلى ينادي الأدنى (الأعلى منصباً وجاهاً) وفي هذا نوع من التحبب والتقرّب، ولما كانت المناسبة في آل عمران مناسبة توفّي (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ ..(٥٥)) فلا بد أن يرقق الكلام معه أنه يا عيسى أنت قريب مني أنا سأتوفّاك وسأرفعك إليّ فناداه بالتقرّب ولا مجال أو لذكر أمه هنا.
  • ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُم مِّنْ أَحَدٍ ثُمَّ انصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ ﴿١٢٧﴾    [التوبة   آية:١٢٧]
* حذف فعل القول وذكر المقول لا يقول قال أو يقول لكنه مفهوم ما قال يقولون هل يراكم من أحد. * تناسب فواتح التوبة مع خواتيمها:  بدأت بقتال المشركين وانتهت بالقتال (فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ) وانتهت بقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٢٣)) كأنهما آيتان متتابعتان.  بدأت السورة (بَرَاءةٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ) وانتهت (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (١٢٩)) الابتداء صار فيمن تولّى عن الله واستحق القتال (المشركين) والثانية فيمن تولى ولم يستوجب القتال وإنما استعان عليه بالله فقال (حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ) المتولي قسمان قسم يستوجب القتال وقسم لا يستوجب وإنما نستعين بالله عليه لعله يهتدي.
  • ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ ﴿١١١﴾    [المائدة   آية:١١١]
آية (١١١) : (وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ) * الفرق بين الآية وآية آل عمران (٥٢) : فى آية آل عمران: - (فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ(٥٢)) كلمة منهم إشارة إلى بني إسرائيل، بعد أن كلّمهم ودعاهم وأظهر لهم المعجزات كفروا به وقالوا هذا سحر فتوجه عيسى إليهم بالدعوة وبالسؤال: من يناصرني إلى إبلاغ دين الله فهو يسأل عمن ينصره؟ عن أنصار والنصرة تقتضي الجمع. (مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ) قال الحواريون (والحواري في اللغة بمعنى المنقّى المصفّى كالثوب الأبيض منقى من الشوائب). - (قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ) كان يمكن أن يكتفوا بقول (نحن) وإنما أرادوا أن يوضحوا ويبينوا أي نحن أنصار دين الله، ففيه بيان وتأكيد. - (آَمَنَّا بِاللَّهِ) لأنه سألهم من أنصاري إلى الله؟ فقالوا آمنا بالله الذي تدعوننا لنصرة دينه (وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) فعل أمر لعيسى عليه السلام اشهد علينا أننا مطبقون لشرع الله، لهذا الإيمان. الإيمان في القلب لا يظهر والإسلام تطبيق عملي فنحن نطبق عملياً. - الآية تضمنت تأكيدات وبيان: أنصار الله، آمنا بالله، بأنّا، وأنّ للتوكيد فيها معنى الضم. فقلّل التوكيد في (أنّ) حتى يتوصل إلى الإدغام الموحي بصورة الجمع ولم يقل (بأننا) لأن فيها تفريق.أصلها (أنّ والتحقت بها: نا) فهنا حذف وخفف لأن التوكيدات كثرت فخفف التأكيد وتوصّل عن طريق هذا إلى الإدغام المشعِر بهذا الإلتصاق بين أنصار الله لأن الصورة صورة مناصرة يراد لها صفّ وقرب وإلتصاق. في آية المائدة: - الكلام على الإيمان (أَنْ آَمِنُوا) وهو إلهام الله عز وجل لهذه الصفوة أن تؤمن، والآية ليس فيها تأكيدات فحوفظ على (أنّ) كاملة (وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا) حتى يكون فيها التأكيد لإسلامهم، أننا آكد من أنّا من حيث التأكيد. - (وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ) ولم يقولوا مؤمنون لأن الإيمان لا يظهر وعيسى عليه السلام يحتاج لمن يظهر له علامة الإيمان بالتطبيق (الإسلام) فكأنهم قالوا اشهد أننا مطبقون لهذا الإيمان لأن الإيمان يكون ضمناً، فجمعوا بين الأمرين: إيمان القلب والتطبيق.
  • ﴿وَإِنَّ مِنكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُن مَّعَهُمْ شَهِيدًا ﴿٧٢﴾    [النساء   آية:٧٢]
* اختار ربنا سبحانه وتعالى هذا اللفظ (ليبطّئن) ليعبّر عن المتقاعسين عن الجهاد والمثبّطين للهِمم وهذا اللفظ رسم بمفرده صورة تناسق فيها المضمون مع التعبير والمعنى من خلال إيقاعه وجرسه الذي يلقيه في الأذن حيث رسم جرس (ليبطئن) صورة واضحة للتبطئة فهذه اللفظة مختارة لما فيها من ثقل يتعثّر اللسان في حروفها وجرسها حتى تأتي على آخرها وهو يشدّها شداً وهذا يصور الحركة النفسية لأولئك المتقاعسين وما يعتريهم من تعثّر وتثاقل عن المضي قُدُماً في المعركة.
  • ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴿١١٢﴾    [المائدة   آية:١١٢]
آية (١١٢) : (إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) * النداء (يَا عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ ) : - النداء إذا كان من الأدنى إلى الأعلى لا يناديه بإسمه المجرّد والحواريون أدنى درجة من عيسى فلابد من وجود قدر من الاحترام والمجاملة. - ينادونه باسمه الكامل كأن في نفوسهم نوع من الشك، لِمَ لم يقولوا له يا رسول الله؟ هم قرروا معرفتهم به أنه إبن مريم وأن أمه ولدته من غير أب وأنه معجزة وآية من آيات الله، هم ليسوا منكرين تماماً ولم يكونوا مؤمنين إيماناً جازماً قاطعاً، ولكنهم ما قالوا هل يستطيع ربنا وإنما قالوا (هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ) ولما قال عيسى (اتَّقُوا اللَّهَ) قالوا (قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ). * الإستطاعة في اللغة لها معنيان: بمعنى القدرة (هل يقدر؟) والإستطاعة بمعنى الفِعل (هل تفعل؟). نضرب مثالاً: تقول لشخص فقير:هل تستطيع شراء هذه السيارة؟ أي هل لديك القدرة على شرائها؟ وإذا كان غنياً: هل لديك الرغبة أن تفعل ؟. فلما قالوا: (هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ) لا يعنون هل يقدر ربك وإنما هل يفعل ربك إذا دعوتَه؟. من أين فهمنا هذا المعنى؟ لماذا لا يكون شكاً في قدرته سبحانه وتعالى؟ - أولاً من كونهم آمنوا فهم مؤمنون. - الأمر الثاني من قراءة الكسائي (هل تستطيع ربَّكَ) (ربَّك) مفعول به لفعل محذوف تقديره تدعو، أي هل تقدر أن تدعو ربك؟. هذه قراءة سبعية قرأ بها جمهور كبير من العرب فهي قراءة متواترة تبيّن لنا معنى القراءات الأخرى. فلما نجمع بين القراءات: هل تفعل وتدعو ربك؟ وهل يستجيب لك؟ فالسؤال عن الإستجابة لدعاء عيسى عليه السلام وليس عن قدرة الباري عز وجل. * ما قالوا: ربنا وإنما قالوا (رَبُّكَ) أنت مع أنهم آمنوا به. هذا فيه فائدتان: - كأنما أوكلوا الأمر إليه أنه ربك فهذا الفعل أنت تقوم به. - نوع من رفعة شأن عيسى أنه ربك قبل أن يكون ربنا، فيه إشارة إلى تقديم عيسى عليه السلام. * (أن ينزّل) ليس للتدرج هنا وإنما فيه معنى التأكيد والتقوية فهم يريدون أن يؤكدوا التنزيل. * دلالة التعبير عن الطعام بالمائدة: المائدة هي ما يكون فيها طعام وإذا لم يكن فيها طعام يقال له خِوان مثل المنضدة فإذا وضعنا عليها الطعام تكون مائدة ولا تكون مائدة من غير طعام. فلما قالوا مائدة يعني يريدون طعاماً من السماء.
إظهار النتائج من 2591 إلى 2600 من إجمالي 12325 نتيجة.