* الفرق بين حفيظاً ووكيلاً: هنا من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليكم حفيظا يعني ليس عليك حفظهم وأن تردهم إلى الطريق كما يرد الراعي الغنم أنت لست مسؤولاً عن أن تردهم، من تولى تولى لست عليهم حفيظاً لست مسؤولاً أن تحفظ أعمالهم وتحاسبهم عليها، هذه فيها رحمة. في الإسراء (رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (٥٤)) هذه فيها عذاب وأنت لست وكيلاً تدافع عنهم كما يدافع الوكيل مثل سيدنا إبراهيم لما جاءت الملائكة على قوم لوط (يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ)، ولا أنت وكيلا عنا تقصرهم على الإسلام.
* التدبر مشتق من الدَبَر أي الظهر فكيف يراد به التأمل؟ جعلوا الفعل تدبر بمعنى تأمل وتفكر لأننا إذا قلنا تدبر المسألة أردنا نظر في غائبها وعاقبتها وتدبر الأمر نظر في ما وراءه من حِكَم ومعانٍ.
* استعمل ربنا الكفل للشفاعة السيئة واستعمل النصيب مع الشفاعة الحسنة: من معاني الكفل في اللغة النصيب المساوي ومنها المِثل. أما النصيب فهو مُُطلق والنصيب عام صغير وكبير وأكبر وليس له شيء محدد. وفي القرآن الكريم استخدمت كلمة كفل عند ذكر السيئة لأن السيئات تُجزى بقدرها ولا يزيد عليها، أما الحسنة فتضاعف وتتسع وتعظم لذا جاءت كلمة نصيب مع الحسنات لأن لها نصيب أكثر من السيئات، فلما قال الشفاعة الحسنة قال يكن له نصيب منها ليس مثلها وإنما أعلى منها لأن الحسنة بعشر أمثالها أما السيئة فمثلها، أما ما قاله بعض اللغويين أن النصيب في الأمور الحسنة والكفل في الأمور السيئة فهذا غير صحيح لأن الله تعالى قال (يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ (٢٨) الحديد) وقال (فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِّنَ النَّارِ (٤٧) غافر) لكن الكفل من معانيه المِثل ولذلك استعمله مع السيئة، يقول كفلين أي مثلين والأجر يضاعف.
* يعلّم الله تعالى الناس التسابق إلى الخيرات ويخلّقهم بأخلاق الإسلام فقال فحيوا بأحسن منها فقدم الرد بالأحسن وعطف عليه ما يماثله ليعلمنا أن رد السلام بالأفضل هو المقدم ألا ترى أنك تقول لمن سلم عليك (وعليكم السلام) فقدمت عليكم على المبتدأ السلام وهذا تقديم يفيد التخصيص للمخاطب فكان أحسن من السلام عليكم.
* الفرق بين الكلام و الكلمة والكلِم والقول والقيل:
الكلام هو اللفظ مفيد فائدة يحسن الوقوف عليها.
الكلمة قول مفرد أو اللفظ الموضوع لمعنى مفرد، لكن أحياناً من باب المجاز قد يُطلق على الكلام (لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا (١٠٠) المؤمنون) ألقى كلمة، هذا مجاز مرسل يطلق الجزء ويراد به الكل هذا يحصل في اللغة.
الكلِم هو إسم جنس جمعي ثلاث كلمات فأكثر بغض النظر عن المعنى سواء تم المعنى أو لم يتم "إن حضر محمد" هذا كلِم وليس كلاماً، "حضر محمد" كلام.
القول عام يشمل الجميع، القول مصدر قال قولاً.
القيل والقال أسماء ما يقال بمعنى اسم المفعول مثل الحَمل هو المصدر، والحِمل ما يُحمل، فالقيل هو إسم المفعول يعني الذي يُقال (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِيلاً).
* عبّر الله تعالى عن محاولة المؤمنين إدخال الإيمان إلى قلوب المنافقين بالفعل (أَتُرِيدُونَ) وذلك في قوله تعالى (أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ اللّهُ (٨٨)) لأن الإرادة ينشأ عنها الفعل فالمؤمنون يستقربون حصول الإيمان من المنافقين لأن الإيمان قريب من فطرة الإنسان، بينما عبّر تعالى عن رغبة المنافقين في تكفير المؤمنين بالفعل (وَدُّواْ) في قوله (وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء) لأن المنافقين يعلمون أن المؤمنين لا يرتدون عن دينهم فلم يكن طلبهم تكفير المؤمنين إلا تمنّياً ووداً.
* تعددت الصيغ اعتزلوكم، لم يقاتلوكم، ألقوا إليكم السلم، (فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ) يعني كفوا أيديهم لم يتعرضوا لكم، لكن (وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ) معناها الصُلح يعني استسلموا من السِلم.
* الفرق بين السّلْم والسَّلَم: السِلم الإسلام (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً) و (فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ) السلام في الحرب.
* الفرق بين ثقفتموهم ووجدتموهم: ثقفتموهم أي ظفرتم بهم، ثقف تستعمل غالباً في الحرب (فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُواْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوَاْ أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثِقِفْتُمُوهُمْ (٩١)) هذه حرب، أما وجدتموهم فهي عامة وليست متعلقة بالحرب فقط (وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَاء حَتَّىَ يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتَّمُوهُمْ وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا (٨٩)) هذه ليس فيها حرب.
* هو أخذٌ وقتلٌ في المرتين ولكن المأمور بأخذهم وقتلهم يختلفون:
الآية الأولى تتحدث عن أناس يدعون أنهم آمنوا ولكنهم لم يؤمنوا لحظة فالله سبحانه يبين للمؤمنين أن طالما هؤلاء لن يؤمنوا ولن يواجهوا في سبيل الله فهم معتدون يحاربون المسلمين محاربة دائمة فأتاحت الآية لهم أن يقتلوهم في أي مكان (فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتَّمُوهُمْ) في الحِلَ والحرم.
الآية الثانية تتحدث عن قوم كانوا يأتون إلى المدينة فإذا دخلوا المدينة أعلنوا إسلامهم ليأمنوا المسلمين وإذا رجعوا إلى مكة رجعوا إلى الكفر ليأمنوا قوة المشركين وبطشهم (يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ (٩١)) فكلما ردوا إلى الفتنة تجدهم دائماً كافرين فالله يقول (فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثِقِفْتُمُوهُمْ) أي حيث تمكنتم منهم، ثقِفَ الرجلُ الرجلَ يعني تمكن منه وليس مجرد الإيجاد فقط لأنهم قد يجدونهم ولا يتمكنوا منهم، هم ليسوا مستوطنين المدينة وقد يهربون ولا يستطيع المسلمون أن يتمكنوا منهم فجاءت كلمة (حَيْثُ ثِقِفْتُمُوهُمْ) لتناسب الوضع الذي فيه المؤمنون بالنسبة لهؤلاء الكفار فهم لا يقدرون على أن يجدوهم في كل وقت ولو قال القرآن لهم "حيث وجدتموهم" فهذا يعني أن المسلمين سوف يفتشوا عنهم في مكة أو في الجزيرة وهذا أمر صعب جداً.
* الفرق بين استخدام صيغة الماضى والمضارع فى قوله (وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) و(وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ (٩٣)) أنه في القرآن الكريم إذا استعمل الفعل المضارع بعد الشرط فمظنة التكرار، واستعمال الماضي مظنة عدم التكرار. القتل المتعمد يعني أنه كلما سنحت له الفرصة لقتل المؤمن قتل ما دام متعمد يقتل، تتكرر، بينما القتل الخطأ ما يتكرر لأنه غير متعمد. ولذلك الجزاء مختلف.
* انظر إلى هذا الابتداء الذي يهوّل به الله سبحانه وتعالى أمر قتل المسلم أخاه المسلم ولذلك جعله في حيّز ما لا يكون فبدأه بالنفي والحصر في الخطأ بـ (إلا) فقال (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَئًا).
* قدّم التحرير على الدية أولاً ثم أخّر التحرير على الدية لأن الأولى قوم مؤمنون فقدّم التحرير على الفدية، أما الثانية فعلى قوم أعداء يريدون الفدية أولاً يريدون أموالاً وليس لديهم علاقة بالتحرير، والتآلف بينهم يكون بالفدية وليس بالتحرير كيف تزيل العداوة وهم يتقاتلون؟ تعطيهم الفدية حتى تهدأ النفوس فيحتمل أن يحصل ضغائن وقد ينقضون الميثاق بينهم.
* لِمَ جعل تحرير رقبة العبد ديّة للقاتل وهذا لا يعود على أهل الميت؟ إن تحرير الرقبة جعله الله تعالى بدلاً من تعطيل حق الله تعالى في ذات القتيل فإن القتيل عبدٌ من عباد الله تعالى ويُرجى من نسله من يقوم بعبادة الله وطاعة دينه، كما نبّهت الآية على أمر آخر هو أن الحريّة حياة والعبوية موت فمن تسبب في موت نفس حيّة كان عليه السعي في إحياء نفس كالميتة وهي المستعبدة.
* اقتصرت الكفارة هنا على تحرير الرقبة دون دفع الديّة (فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ) لأن الدية جبر لخاطر أولياء الدم فلما كانوا أعداء الله تعالى لم تكن حكمة في جبر خواطرهم.
مختصر اللمسات البيانية في سورة هود
* تناسب فواتح هود مع ما قبلها وما بعدها *
سورة هود تبدأ بقوله تعالى (الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) وسورة يونس بدأت (الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ) ذكر الوصف بأنه حكيم وفي سورة هود ذكر من أحكمه (مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِير).
في آخر يونس قال (وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّىَ يَحْكُمَ اللّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (١٠٩)) وفي أول هود (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١)) واتبع ما يوحى إليك - كتاب أحكمت آياته، وكأن ما يوحى إليه والمأمور باتّباعه الكتاب الذي أحكمت آياته، ومن الذي أحكم آياته؟ خير الحاكمين.
فإذن هنا ناسب قوله (وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ) قول (مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) لأن الحكيم قد يكون بمعنى الحاكم والحاكم لا شك إذا كان ذا حكمة هو خير الحاكمين.
في آخر يونس (فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ (١٠٨)) وفي أوائل هود (أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللّهَ إِنَّنِي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (٢))، نذير وبشير مقابل من اهتدى ومن ضلّ.
(وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (٣)) (يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا) هذا لمن اهتدى، (وَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (٣)) هذا مقابل (وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا) إذن فسر وشرح أنه من اهتدى يمتعه متاعاً حسناً ومن ضل فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير.
بداية السورة التي بعدها سورة يوسف قال (الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (١)) وفي هود (أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ) أيّ كتاب تحكم آياته وتفصل فهو مبين ظاهر ومُظهِر.