آية (١٣) : (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)
* مناسبة هذه الاية لما قبلها :
هو عندما قال أنهم يقولون (لوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَاء مَعَهُ مَلَكٌ) لماذا يقولون هذا غير لأنهم يعتقدون أنه ليس من عند الله وأنه مفترى؟ معناه أنهم يظنون أنه كاذب مفتري فيأتي إلى أصل القضية أنت تقول مفتريات إذن هاته!
* الفرق البياني بين قوله تعالى (مِّن مِّثْلِهِ) فى سورة البقرة و(مِثْلِهِ) فى سورة هود؟
أولًا: إذا افترضنا أن لهذا الشيء أمثالاً فيقول: ائتني بشيء (مِّن مِّثْلِهِ)، أما عندما نقول : ائتني بشيء (مثله) فهذا لا يفترض وجود أمثال لكنه محتمل أن يكون له مثيل فإن كان موجودًا ائتني به وإن لم يكن موجوداً فافعل مثله.
ثانيًا: قال تعالى في سورة البقرة (وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ) وهي بلا شك أعم مما جاء في سورة هود (افْتَرَاهُ) لأن مظنة الإفتراء أحد أمور الريب.
ثالثًا: المفسرون وضعوا احتمالين لقوله تعالى (مِّن مِّثْلِهِ) أي من مثل القرآن أومن مثل هذا الرسول الأمي الذي ينطق بالحكمة أي فاتوا بسورة من القرآن من مثل رجل أمي كالرسول صلى الله عليه وسلم، وعليه فإن (مِّن مِّثْلِهِ) أعمّ لأنه تحتمل المعنيين أم (مِثْلِهِ) فهي لا تحتمل إلا معنى واحداً وهو مثل القرآن ولا تحتمل المعنى الثاني.
رابعًا: أنه حذف مفعولي الفعلين المتعديين في قوله (فَإِن لَمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا) والحذف قد يعني الإطلاق عموماً في اللغة.
* هل يمكن أن نضيف كلمة مفتراة في سورة البقرة فيقول مثلاً فاتوا بسورة من مثله مفتراة كما قال (مفتريات) في هود؟
هذا التعبير لا يصح من عدة جهات:
أولًا: هم لم يقولوا افتراه كما قالوا في سورة هود.
ثانيًا: وهو المهم أنه لا يُحسن أن يأتي بعد (مِّن مِّثْلِهِ) بكلمة مفتراة لأنه عندما قال من مثله افترض وجود مثيل له فإذن هو ليس مفترى ولا يكون مفترى إذا كان له مثيل إذن تنتفي صفة الافتراء مع افتراض وجود مثل له.
ثالثًا: لا يصح أن يقول في سورة هود أن يأتي بـ (فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ) لأن استخدام (مِّن مِّثْلِهِ) تفترض أن له مثل إذن هو ليس بمفترى ولا يصح بعد قوله تعالى (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ) أن يقول (فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ) لنفس السبب الذي ذكرناه سابقاً. إذن لا يمكن استبدال إحداهما بالأخرى.
رابعًا: قال تعالى في آية سورة البقرة (وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) ولم يقل ادعوا من استطعتم كما قال في هود (وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) لأنه في آية سورة البقرة عندما قال (مِّن مِّثْلِهِ) افترض أن له مثل إذن هناك من استطاع أن يأتي بهذا المثل وليس المهم أن تأتي بمستطيع لكن المهم أن تأتي بما جاء به فلماذا تدعو المستطيع إلا ليأتي بالنصّ؟ فقال (وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ) ليشهدوا إن كان هذا القول مثل هذا القول فالموقف إذن يحتاج إلى شاهد محكّم ليشهد بما جاءوا به وليحكم بين القولين. أما في آية سورة هود فالآية تقتضي أن يقول (وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ) ليفتري مثله، هم قالوا افتراه فيقول تعالى ادعوا من يستطيع أن يفتري مثله كما يقولون، إذن في سورة البقرة أعمّ وأوسع لأنه تعالى طلب أمرين: دعوة الشهداء ودعوة المستطيع ضمناً أما في آية سورة هود فالدعوة للمستطيع فقط.
ومما سبق نلاحظ أن الآية في سورة البقرة بُنيت على العموم أصلاً (لا ريب، من مثله، الحذف قد يكون للعموم، ادعوا شهداءكم). ثم إنه بعد هذه الآية في سورة البقرة هدّد تعالى بقوله (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (٢٤)) والذي لا يؤمن قامت عليه الحجة ولم يستعمل عقله فيكون بمنزلة الحجارة.
* حدد في آية سورة هود السور بعشر سور لأن هذا من طبيعة التدرج في التحدي يبدأ بالكل ثم بالأقل فالأقل.
آية (١٤) : (فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ اللّهِ وَأَن لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ)
* (فَإِلَّمْ) متصلة وفي القصص منفصلة (فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ ... (٥٠)) :
رسم المصحف لا يُقاس عليه هذا رسمهم والقرآن لم يبتدع له رسم خاص به، ولكن أحياناً الخط فيه ناحية بيانية.
آية هود التكذيب فيها هو لمحمد صلى الله عليه وسلم خاصة (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ) (فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَآئِقٌ بِهِ صَدْرُكَ) (أُنزِلِ بِعِلْمِ اللّهِ) هذا القرآن، التكذيب لمحمد فوحّد الرسم وحذف النون (فَإِلَّمْ) .
آية القصص التكذيب لمحمد وموسى (قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ) ثم قال (قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا) منهما يعني التوراة والقرآن، الكلام على اثنين فجعل الرسم على اثنين (فَإِن لَّمْ) هذه فيها نون وفصل بينهما لأنهما في زمانين منفصلين الرسول في زمان وموسى في زمان. كان هو متناسب الرسم مع هذه المسألة كونه واحد وحّد.
* (فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ) لم يكتفِ بقول بمجرد العلم بقوله فاعلموا...أنه لا إله إلا هو لأنه لو صدّق المرء بقلبه وعلم الحق ولم يكن منقاداً لم ينفعه ذلك، فإذن بعد العلم طلب أن يدخلوا في الإسلام للإنقياد والاستجابة لأمر الله.
* الاستفهام (فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ) أقوى من قوله أسلموا لأن ألا يدعوكم هذا للإسلام؟ ألا تنقادوا لأمر الله؟ فيه تحفيز.
* قال تعالى (فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ) مع أن الضمير في الخطاب موجه للمسلمين:
ما الفائدة إن لم يستجيبوا إلى الإسلام؟ فلا بد بعد هذا العلم بد أن يسلموا وإلا يكونوا ممن أضلهم الله على علم مثل قوم عاد وثمود وقد كانوا مستبصرين، ثم (فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ اللّهِ وَأَن لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُو) هذا هو السبيل للدخول إلى الإسلام، بالشهادة لا إله إلا الله محمد رسول الله. (فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ اللّهِ) هذه محمد رسول الله ، و(وَأَن لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُو) هذه لا إله إلا الله. إذن هذه الآية هي الدخول في الإسلام فقال (فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ) .
آية (١٥) : (مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ)
* مناسبة هذه الآية لما قبلها:
- في أول السورة ذكر حقيقة إرادة الحياة وسبيل المتاع الحسن في الدنيا (وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا) هذا الذي يريده في الحياة الدنيا.
- ثم ذكر (وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاء بَعْدَ ضَرَّاء مَسَّتْهُ) لأن الإنسان يريد الحياة الدنيا وزينتها فذكر هذه الأمور مما يبتغيه الإنسان ويريده من الرحمة والمتاع الحسن والنعماء فقال (نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا) فذكر أثر الرحمة وأثر النعماء في الإنسان.
- ثم قال (لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ) لماذا الكنز؟ للمتاع الحسن والزينة، إذن هكذا الجو هو متدرج في وسائل المتاع.
* قال (مَن كَانَ يُرِيدُ) المضارع مسبوق بـ(كان) الدالة على الاستمرار يعني هم ما أرادوا شيئاً غير الدنيا بهذا الكلام لا يريدون الآخرة أصلاً.
* (نُوَفِّ إِلَيْهِمْ) عدّى الفعل بـ(إلى) وأحيانًا يعديه بدون حرف الجر:
(نُوَفِّ إِلَيْهِمْ) بمعنى نوصل إليهم، لكن في التعبير القرآنى إذا تعدى الفعل (وفى) بحرف الجر (إلى) فإنه يخصها بالأموال في الدنيا والآخرة، مثل (وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ) (مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ) يريد الحياة الدنيا يعني يريد مالاً، أما إذا عداه بنفسه بدون (إلى) يستعمله في الآخرة (يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ).
* كرر فيها فقال (نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ) :
الأولى (فِيهَا) أي أعمالهم في الدنيا، الثانية (وَهُمْ فِيهَا) فيها احتمالين، أن تكون عائدة على الأعمال يعني لا يبخسون في أعمالهم، ويحتمل أن تكون في الدنيا لا يبخسون فيها، ولو قال وهم لا يبخسون سيكون عدم البخس في الدنيا والآخرة وهذا لا يمكن أن يكون فقد قال بعدها (أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) .
آية (١٦) : (أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ)
* جمعت الآية بين فعلين ربما يكون بينهما تقارب دلالي (صَنَعُواْ) و (يَعْمَلُونَ) :
الصنع هو إجادة العمل، العمل عام سواء بإجادة أم بغير إجادة، سواء ما صنعوه أو ما عملوه من غير صنع كلاهما ذهب هباء.
* (وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا) الضمير (فيها) فيه احتمالان الأول أنه حبط في الآخرة الذي صنعوه في الدنيا، ويحتمل حبط ما صنعوا في الدنيا، وكلاهما مرادان مقصودان، ولو قدّم وقال حبط فيها ما صنعوا كان ينصرف للذهن للآخرة فقط ولا يصح للدنيا، لكن في هذا التأخير جمع الأمرين.
* ذكر الحبوط مع الصُنع أولاً (وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ) ثم البطلان مع العمل ثانياً (وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) :
الحبوط لم يرد في القرآن إلا في الأعمال (فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ) (فَأُوْلَـئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ)، أما البطلان فهو أعمّ في العمل وغير العمل في القضاء والاعتقاد (رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً)، الحبوط أخص فذكره مع الصنع الذي هو أخص والبطلان أعم ذكره مع العمل الذي هو أعم.
* (مَا صَنَعُواْ) فيها احتمالان تحتمل أن تكون (ما) مصدرية بمعنى حبط صنعه أو تحتمل إسم الموصول (الذي) أي حبط الذي صنعه، فنحن عندنا أمران الصنع كحدث وعندنا ما صنعوه.
* (وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) ما قال (فيها) بينما ذكرها في (وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا) :
هناك فرق بين العبارتين من حيث التركيب والدلالة والذكر والحذف واختيار الفعل والإسم والصنع والعمل وذكر الضمير وعدم ذكر الضمير وكل شيء:
- (وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا) هذا مبني على الخصوص، (وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) مبني على العموم، فالحبوط أخص من البطلان، والصنع أخص من العمل، هذا من حيث الدلالة.
- (حبط) حبط فعل ماضي و(باطل) إسم، أيّ الأعم؟ الإسم أعم وأثبت من الفعل هذا من حيث الصيغة.
- قال (مَا صَنَعُواْ) فعل ماضي، و (مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) ماضٍ مستمر، أيّ الأعم؟ الثانية، الماضي المستمر يشمل ذاك وما قبله.
- قال (مَا صَنَعُواْ فِيهَا) قيّد الصنع بالحبوط وفي الدنيا، في الثانية قال (باطل) غير مقيّدة، لم يقل باطل فيها، جعلها عامة في الدنيا والآخرة، أّي الأعم؟ (وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ).
- (وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا) فعل وفاعل سواء كان مصدراً أو إسم موصول، (وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) فيها احتمالان إما أن يكون (باطل) خبر مقدّم، ومحتمل أن يكون (َبَاطِلٌ) إسم فاعل (ما) الذي فاعل، فذاك واحد وهذه إثنان أيّ الأعم؟ الثانية.
آية (١٧) : (أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إَمَامًا وَرَحْمَةً أُوْلَـئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ)
* حكمة الترتيب في ذكر البينة ثم الشاهد ومن قبله كتاب موسى:
صحة الحكم في القضاء تستند إلى أمرين البينة أو الشهود العدول، فإذا اجتعمت تصبح حجة دامغة، هو الآن ذكر بينة وشاهد لما كانت الدعوة أنه عليه الصلاة والسلام مرسل من ربه، إذن يحتاج بينة من ربه وإضافة إلى ذلك يجب أن يكون شاهد من ربه، إذن صارت البينة شاهد عدل قطعاً لأنه من ربه، ذكر كلاهما ولكنه لم يكتف بهذا قال أيضاً هنالك شاهد آخر وهو كتاب سابق من ربه شهد بنبوة محمد عليه الصلاة والسلام قال صراحة أنه سياتي هذا الرسول وذكر اسمه ومكان نشاته وأين نزل الوحي وعلامته البدنية ومن أي شعب هو؟ وإلى أين يهاجر؟ هذا في التوراة الحالية سفر التثنية الإصحاح ٤٣، الآية رقم ٢ ، هم رقّموها: "جاء الرب من سيناء وأشرق لنا من ساعير واستعلن من جبل فاران ومعه ألوف الأطهار" "جاء الرب" يعني شريعة الرب، و"ساعير" مكان المسيح فلسطين، "واستعلن" سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام نزل عليه الوحي في غار حراء "من جبل فاران" فاران مكة بالإجماع والحجاز إسمها فاران أصلاً، وفي التوراة أن إبراهيم جعل إسماعيل في بادية فاران، " ومعه ألوف الأطهار" أي الذين معه وهذه الجملة موجودة في بعض النسخ ومحذوفة في نسخة أخرى، ثم أشار إلى الهجرة وقال "لتترنم سكان سالع" سالع هذا جبل في المدينة، يتكلم بعد الهجرة، وذكر الشامة على كتفه. (بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى) هذه كلها تأكيدات على نبوة سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام.
* لم يذكر لفظ الجلالة ولكن قال (بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ) الرب في اللغة هو المربي والمرشد والموجّه والمعلم إذن هو الأنسب لذكر البينة الذي يبيّن، وفي القرآن كله لم ترد البينة مقترنة إلا مع الرب، لم ترد مع الله.
* (وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ) مضارع فيه تجدد واستمرار ما قال تلاه، ذكر شاهدين شاهد من قبله كتاب موسى، وشاهد يتلوه فاستغرق كل الزمن الماضي والحال والاستقبال، فهذا الشاهد يمكن أن يكون مستمراً إلى يوم القيامة، وفي كل زمان قد يظهر شاهد ودليل جديد على صحته ولا تنقضي عجائبه.
* قال (وَمَن يَكْفُرْ بِهِ) ولم يقل من كفر حتى يشمل كل من يكفر إلى يوم القيامة.
* (فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ) (تَكُ) وليس تكن:
نحوياً تصح تكُ وتكُن، لكن بعد أن ذكر الأمور وكل واحد منها كافي في إثبات الدعوة قال (فَلاَ تَكُ) يعني إحذف أي شك أو ريبة من نفسك كما حذف النون من أصل الكلمة.
* (وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ) بعد أن ذكر هذه الأمور البينة من ربه والشاهد من ربه والكتاب من ربه والحق من ربه ماذا بقي؟! لا شيء، ثم لعله يبقى في النفس شيء بأن لعله يرى أنه كيف لا يؤمن الناس بعد كل هذه، فاحتاط بعد ذلك حتى يقطع كل شك لعله في النفس أنه لماذا هؤلاء لا يؤمنون فقال له إذا رأيت أكثر الناس لا يؤمنون فهذه طبيعتهم.
* النهي الذي ورد في الآية (فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ) أبلغ ما يكون النهي:
- جاء بالفاء الدالة على السبب يعني بعد أن ذكرنا الأسباب الموجبة على صحة الدعوة (فَلاَ تَكُ) .
- ثم جاء بالنهي (لا) .
- ثم حذف النون (تَكُ) .
- ثم قال (فِي مِرْيَةٍ) ولم يقل على مرية أو ممترياً أو شاكاً، (في) ظرفية يعني لا تكن في الشك كما يكون الشخص في اللُجة أُخرج منها.
- ثم نكّر المرية حتى يشمل كل شك.
- ثم قال (مِّنْهُ) من القرآن، لم يقل لا تك في مرية لأن الإنسان يشك في أمور كثيرة لكن المقصود هنا القرآن.
- ثم قال (إِنَّهُ الْحَقُّ) أكّد بـإنّ ثم عرّف الحق ليدل على أنه وحده الحق ولا حق سواه، فلو اتبعت أي كتاب آخر كان اتباعك باطلاً، فكل كتاب آخر منسوخ.
- ثم ذكر الجهة التي تدل على أحقيته (مِن رَّبِّكَ) .
- ثم قال (وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ) حتى يحتاط للمسألة.
- حذّر قبلها بأن الذي لا يؤمن موعده النار (وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ) .
آية (١٨) : (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا أُوْلَـئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَـؤُلاء الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ)
* مناسبتها لما قبلها:
بعد أن ذكر الافتراء في الآية التي قبلها (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ) قال لا أحد أظلم (مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا) .
* ربنا قال (وَمَنْ أَظْلَمُ) وليس (ولا أظلم) :
(لا أظلم) هذا كلام عادي، أسلوب خبري أنت تقرر هذا الأمر، لكن (مَنْ أَظْلَمُ) هذا أسلوب إنشائي استفهامي حتى يشارك المخاطَب ويجعله يقرر بنفسه فتطلب منه أن يجيب.
* الإفتراء هو الكذب والافتراء في الأصل مأخوذ من الفري وهو قطع الجلد، وإفترى الجلد كأنه اشتدّ في تقطيعه تقطيع إفساد. فأُطلق الافتراء على الكذب بغرض الإفساد وأيُّ إفساد أعظم من إفساد شريعة الله تعالى؟!
* جاءت كلمة الكذب هنا نكرة:
المعرفة هى ما دلّ على شيء معين. الكذب يقصد شيئاً معيناً مذكور في السياق، في آل عمران (كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِـلاًّ لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (٩٣)) الكلام عن الطعام، هم كذبوا على الله في هذه المسألة.
التنكير في اللغة يفيد العموم والشمول، كذب يشمل كل كذب وليس الكذب في مسألة معينة هنا (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا) أيّ كذب في أيّ شيء، نكّر لأنها عامة تشمل كل افتراء في كل حالة.
* (يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ) يعرضهم على من أساؤوا إليه وكذبوا عليه وافتروا عليه مباشرة، لتقريرهم والإشهاد عليهم لفضيحتهم هذه فضيحة كبيرة.
* (وَيَقُولُ الأَشْهَادُ) أي الذين شهدوا هذا الأمر وعرفوه فيكون هؤلاء شهود على هؤلاء، لما قال أشهاد هذه تحتمل جمع شاهد وشهيد للمبالغة في الشهادة، فهم عندما افتروا افتروا على ناس متمرسين في الشهادة وعلى عموم من سمع فجمعهم كلهم لتكون شهادة عامة موثقة، إذن أشهاد مقصودة لأنها أعمّ، ثم زيادة في فضحهم وخزيهم يشار إليهم (هَـؤُلاء الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ) يشيرون إليهم وهم موجودون أمامهم، كلهم حضور.
* قال تعالى (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ) بلفظ الجلالة (الله) ثم قال (هَـؤُلاء الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ) :
افتروا على الله خالق السموات والأرض باسمه العلم، ثم افتروا على ربهم - بإضافة الرب إليهم - الذي أحسن إليهم والافتراء على الرب من أسوأ الأفعال وأقبحها أن تفتري على من أحسن إليك على سيدك ومن تولى أمرك ومن أنعم إليك، أليس هذا من أبلغ الإساءات؟ فإن كان الرب هو الله؟! أسوأ، فجمع، لو جاء بواحدة لم تكن بهذه الدلالة لأن كل إسم من أسماء الله له معنى معين ودلالة معينة فمعنى الربوبية غير معنى الألوهية فاللغة تفرق بين الله والرب، الله مأخوذة من ألِهَ يعني عبَد، الله هو المعبود، لكن الرب ليس فيها معنى المعبود، فالإساءة إذن صارت مضاعفة.
* القائل (أَلاَ لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) تحتمل أمرين: أن يكون القائل هم الأشهاد، أو أن يكون كلام الله عندما شهد هؤلاء لعله يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون من كل حدب وصوب فجمع، ولو حدد ستكون محددة فإذن الآن اجتمعت اللعنتان - والله أعلم - من الله ومن الأشهاد للإطلاق لتكون اللعنة أشمل وأعم.
* قال (أَلاَ لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) ولم يقل (ألا لعنة الله عليهم) :
لو قال عليهم لتخصص بهؤلاء لكن (عَلَى الظَّالِمِينَ) كل الظالمين ودخل فيهم هؤلاء، لما قال (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا) هؤلاء ظالمون فناسبها (أَلاَ لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ)، الكذب جزء من الظلم والظلم أعمّ فدخل فيه كل ظالم هؤلاء وغيرهم عموماً، أيضاً اللعنة على الظالمين عامة ليست خاصة.
آية (١٩) : (الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ)
* هنا وصف الظالمين بالمضارع (يَصُدُّونَ) :
قلنا هذه فيها احتمالان احتمال أن هذا مما قاله الأشهاد حين يعرض هؤلاء على ربهم في الآخرة فيكون هذا من حكاية الحال عن أمر مضى، واحتمال أن القائل هو الله سبحانه وتعالى فيصير عاماً (أَلاَ لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) تشمل الدنيا والآخرة.
* (وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا) أي سبيل الله إما يصفونها بالاعوجاج بأنها سبيل معوجة وهي مستقيمة، أو يبغون أهلها أن يرتدوا عن هذا الطريق، ويقولون لماذا تتبعون الطريق وهي كذا وكذا؟ .
* (وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ) بينما في الأعراف (وَهُم بِالآخِرَةِ كَافِرُونَ) :
في سورة هود آكد لأنه زاد الكذب قبلها (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا) فلما زاد الكذب زاد التوكيد في وصفهم، لكن في الأعراف (فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (٤٤)) من هم؟ (الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُم بِالآخِرَةِ كَافِرُونَ (٤٥)) فقط.
آية (٢٠) : (أُولَـئِكَ لَمْ يَكُونُواْ مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ)
* في قوله (مُعْجِزِينَ) لم يذكر المفعول به أنت إذا قلت هل فلان يسمع؟ تقول لا يسمع، إذا جئت بمفعول فأنت تعلقه بذلك المفعول، لكن إن لم تحدد فأنت تنفي عنه صفة السمع أصلًا، وفي الآية هو لا يريد أن يحدد فهم ليسوا معجزين لا لخالق ولا لمخلوق ولا لأي أحد هم أضعف من أي شيء، هذا إطلاق فليس لديهم صفة إعجاز يتصفون بها نفاها عنهم أصلًا.
* (مُعْجِزِينَ) بالإسمية ولم تأت بالفعلية يعجزون مثلًا:
الاسم أقوى وآكد وأثبت من الفعل، فهذه صفتهم الثابتة أصلاً وليست صفة عابرة.
* إذا كانت هذه صفتهم فلماذا حددها بالأرض؟
الإنسان أقوى ما يكون وأعز ما يكون أليس في بلده ومستقره؟ بلى، فإن كان غريباً؟ لا حول له ولا قوة، هؤلاء في مكانهم معجزين، نفاها في مكانهم في موضعهم الذين هم أعز فيه، إضافة إلى ضعفهم هم ليس هنالك من ينصرهم (وَمَا كَانَ لَهُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء) .
* (مِنْ أَوْلِيَاء) هذه (من) الاستغراقية، تفيد الاستغراق والتوكيد والنفي المطلق.
* جمع أولياء مع أنه في آية أخرى أفرد (وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ (١١٦) التوبة) :
(من ولي) أشمل في النفي، لكن هنا لا يصح الإفراد لأن الكلام في الآخرة والآخرة جماعات مختلفة وأزمان مختلفة وبين الجماعات أحياناً قرون متطاولة هؤلاء لا يمكن أن يكون لهم ولي واحد، كل واحد له وليّ، كل جماعة لهم وليّ غير الله، إضافة إلى أنه لم ترد (مِنْ أَوْلِيَاء) أبداً في القرآن الكريم إلا في الآخرة وعندما يقول (ولي) تكون في الدنيا.
* (يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ) لأنهم جمعوا أكثر من حالة، فيها افتراء وكذب على الله وكفر بالآخرة، وصد عن سبيل الله، هذه ذنوبهم وذنوب غيرهم ويبغونها عوجاً إذن سيتحملون ذنوبهم وذنوب غيرهم وقطعاً يضاعف لهم العذاب.
* قدّم السمع على الإبصار مع أنه في الكهف قدّم آلة الإبصار على السمع:
في سياق آية هود ذكر ما يُسمع، ذكر الكذب، والافتراء على الله (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا) (هَـؤُلاء الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ) الكذب يُسمع فقدّم السمع، بينما في الكهف ذكر ما يُرى وهو عرض جهنم قال (وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِّلْكَافِرِينَ عَرْضًا (١٠٠) الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاء عَن ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا (١٠١)) هذا مما يُرى.
* في سورة هود عرّف السمع (مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ) أما في الكهف فهو منكّر (وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا) :
في هود آلة السمع غير معطلة فهم كانوا يسمعون لكن يستثقلون نوع معين من الكلام ويكرهونه فيما يتصل بالدعوة المرسلة من قبل النبي والإسلام والدين ولذلك عرّفه ليدل على نوع معين من الكلام.
في الكهف آلة السمع معطلة وآلة الإبصار معطلة، لأن هنالك غطاء، فإذن السمع ليس خاصاً بأمر معين، أيّ سمع إثباتًا لعدم الاستطاعة فجاءت نكرة.
* اللمسة البيانية في استخدام كلمة السماء في آية سورة العنكبوت وعدم استخدامها في آية سورة هود:
الكلام في سورة هود متعلق بالآخرة وبمحاسبة أهل الأرض أما السياق في سورة العنكبوت ففي الدعوة إلى النظر والتدبر في العلم والبحث (أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (١٩)... وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٢٢)) وهذا الذي يجعل الإنسان ينفذ إلى السماء وحتى عند ذلك لن تكونوا معجزين هناك، ثم إن كلمة السماء نفسها وردت في سورة العنكبوت ٣ مرات وفي هود مرتين.
آية (٢١) : (أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ)
* (مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ) (ما) فيها احتمالان: الأول مصدرية يعني ضل افتراؤهم كله ذهب هباء والآخر الأصنام كله ذهب وليست هناك قرينة سياقية تحدد معنى معينًا للإطلاق ضلّ هذا وذاك.
آية (٢٢) : (لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الأَخْسَرُونَ)
* قال تعالى الأخسرون وليس الخاسرون فالأخسرون هذا تفضيل يعني أعلى درجات الخسران، فالذي يخسر نفسه ماذا بقي له؟! هؤلاء أخسر الناس ليس هنالك أخسر منهم، ليس فقط أخسر وإنما الأخسر.
* التوكيد بـ(لا جرم) وبـ(أن) وفي آية سورة النمل (وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (٥)) بدون (أن) :
لا جرم بمعنى لا بد ولا محالة والعرب تستعملها بمعنى القسم بمعنى حقاً للتوكيد.
آية سورة هود فيها توكيدان حيث جاء فيها الأخسرون أي الأشد خسارة وهي فيمن صدوا عن سبيل الله وصدوا غيرهم، وقد ذكر هنا أربعة أوصاف (كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ) (الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ) (وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا) (وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ) ثم قال (يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ) .
آية سورة النمل (إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ (٤) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (٥)) هذا الخسران للذين لا يؤمنون بالآخرة فقط، وهي حالة من الحالات التي ذكرت في هود تلك أربع أضعاف وهذه واحدة.
* في هود قال (لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الأَخْسَرُونَ) وفي النحل قال (لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٠٩)) :
- آية النحل هي فيمن صد هو ولم يصد غيره، بينما آية هود في الأشد خسارة الذين صدوا عن سبيل الله وصدوا غيرهم.
- في النحل قال قبلها (ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ) (وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) (طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ)، فبسورة هود ذكر معاصي أكثر من النحل فاستعمل الأخسرون الآكد مع الكثير من المعاصي والخاسرون مع المعاصي الأقل.