آية (٤٢) : (وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ)
* (وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ) بصيغة المضارع مع أن الحديث عن حادثة قديمة :
- هذا يسمونه حكاية الحال الماضية يعبّر عنها بالمضارع لأهميتها كأنها مشاهدة.
- هذه الآية جاءت بعد الأمر بالركوب (ارْكَبُواْ فِيهَا) لم يقل فركبوا فيها وجرت السفينة وإنما انتقل رأسًا إلى مشهد الفلك قال (وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ)، هذا من نوع المجاز، اختزال، مفهوم من السياق فعندما قال (تَجْرِي بِهِمْ) يعني هم ركبوا فيها وجرت (بِهِمْ)، فماذا تضيف لو قال فركبوا فيها؟ لا شيء، بحسب الغرض التي تساق فيه القصة ووضعها في سياقها يذكر ما يريد أن يركز عليه في هذا المشهد.
* (وَنَادَى نُوحٌ) النداء هو رفع الصوت، دليل على أن ابنه كان في مكان بعيد في معزل لمّا يصل إليه الماء بعد لا يُسمِعه إلا النداء ومجرد القول لا يُسمعه.
* (يَا بُنَيَّ) ما قال يا فلان، نداء فيه حنان، بالتصغير والتحبيب والتودد والإضافة إلى ضميره يستعطفه حتى يأتي معه.
* (وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ) قال (مع) ولم يقل (من) :
هو دعاه إلى النجاة أولاً الآن ليس وقت إيمان وإنما وقت نجاة ليعيش في مجتمع مؤمن جديد غير الذي ألِفه من تلك الزمرة الضالة الذين أهلكوه حتى تكون مرقاة للإيمان، ولكنه رفض الدعوة، ولو قال لا تكن من الكافرين يبتعد مباشرة.
آية (٤٤) : (وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءكِ وَيَا سَمَاء أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاء وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)
أجمع المعاندون على أن طوق البشر قاصر عن الإتيان بمثل هذه الآية لما فيها من أمور بيانية وحشد عظيم من التعبير والبيان ولذلك أُلِّفت فيها رسائل تحديدًا وكتبت فيها كتيبات في السابق وكلام كثير ويقولون فيها أمر ونداء وإخبار وإبقاء وإسعاد وإشقاء وأمور كثيرة:
* بدأ بفعل القول (وَقِيلَ) والقول يقال لمن يسمع ويعقل، ثم نادى (يَا أَرْضُ) والمنادى عندما تناديه ينبغي أن يعلم أنه نودي حتى يسمع أو تبليغه بأمر، ثم أُمِر على سبيل الحقيقة وليس على سبيل المجاز (ابْلَعِي) كان القول على سبيل الحقيقة والنداء على سبيل الحقيقة والأمر على سبيل الحقيقة والمأمور ينبغي أن يكون عالمًا بما أُبلِغ به ثم ينُفِّذ، وهذا يدل على أن الأرض والسماء سمعتا وعقلتا وامتثلتا، إذن ليس هذا مثل نداء من يؤمر على سبيل المجاز مثل (يا ليل طُل يا شوق دُم) .
* (وَقِيلَ) لم يذكر القائل تعظيمًا له عز وجل ليبين سلطانه أنهما عرفتا القائل ونفّذتا لأنه لا تستطيع أي واحدة منهما أن تخالف هذا الأمر.
* حرف النداء (يا) للبعيد، والله يأمرها (يَا أَرْضُ) من فوق سبع سموات فتستجيب، هذا بُعد منزلة يدل على عظمة المنادي.
* ناداها باسم الجنس (يَا أَرْضُ) كما تقول يا رجل إفعل، ولم يقل يا أرضي، كما تقول يا أخي، يا صاحبي، ولم يضفها لم يقل يا أرض البركة يا سماء الخير، جرّدها من كل إضافة أو وصف تشريف لأن المقام مقام تعظيم وأمر وسطوة وعقوبة. يا أرض، يا سماء، فيها قوة، ليس فيها تودد، لتستجيب (يا أرض) وبالتالي (يا سماء) .
* لم يقل (يا أيتها الأرض) لأنه في النحو لو نُعرِب يا أيتها: يا للمنادى الهاء للتنبيه، هي لا ينبغي أن تكون غافلة عن أي حرف حتى تحتاج إلى تنبيه، هذا أمر الله، لا يقال لعله لم يسمع، (يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ) هذا الإنسان قد يكون غافلًا.
* (ابْلَعِي مَاءكِ) إبلعي أوجز من ابتلعي ابتلع على وزن افتعل فيها تكلف واجتهاد وفيها تأخر في الوقت مثل صبر واصطبر، هذه ليس فيها انتظار ابلعي الآن ليس فيها تأخر ولا تكلف ولا زمن إضافة إلى الإيجاز فيها.
* ذكر تعالى الماء مع الأرض (يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءكِ) ولم يذكره مع السماء (وَيَا سَمَاء أَقْلِعِي) ولو قال يا أرض ابلعي ماذا تبلع؟ الآمر عظيم قد تبلع كل من عليها تبلع التلال الجبال وساكنات الماء والأشجار لا يبقى فيها شيء، هذا أمر الله تنفذ ما يقال لها فلا بد أن يحدد.
* (مَاءكِ) أفادت هذه الإضافة أن الماء ماؤها، ما أنزلت السماء هو من الأرض، من التبخر، هو ماؤك ليس غريبًا عنك.
* قدّم هنا الأرض على السماء وفي سورة القمر في نفس القصة قدّم السماء على الأرض:
في هود قدّم أمر الأرض حتى ترسو السفينة وهذا مطلوب لأهل السفينة إن لم تبلع الماء كيف ترسو وكيف يخرجوا منها؟، ثم يقال إن الماء بدأ منها (حَتَّى إِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ) هذه علامة على بدء الطوفان، ولم لم يذكر هنا أن السماء تنزل ماء أصلًا، بينما في القمر ذكر.
في القمر قدم السماء (فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاء بِمَاء مُّنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا) الواو لا تفيد لا ترتيب ولا تعقيب. قبلها قال (فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ) (فَفَتَحْنَا) الفاء فيها سرعة استجابة الدعاء فتحت أبواب السماء لدعائه بماء منهمر لم يقل هناك مثل هذا الأمر، هذه مناسبة للدعاء، (وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاء عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢)) التقى بماء الأرض إذن ماء الأرض كان موجودًا وإنما فقط تقدم بالدعاء إذن لا تختلف هذه عن هذه. هناك أسبقية، ماء الأرض أسبق لكن السياق يختلف. التقديم والتأخير بحسب السياق.
* (وَغِيضَ الْمَاء) فِعلها غاض بمعنى ذهب ونشف، لاحظ الاستجابة على الفور امتثالًا لأمر الآمر، لم يقل فبلعت الأرض ماءها ولم يقل أمسكت السماء، هذا الحذف يظهر لنا عظمة الموقف كله.
* (وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ) لم يذكر الفاعل أي السفينة فهي معلومة (وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ)، ونسب الجريان إليها ماذا تفيدنا الآن لو قال السفينة؟ إضافة إلى الإيجاز الذي فيها.
* (وَقِيلَ بُعْداً) بنى الفعل للمجهول، من القائل؟ القائل هو الله والملائكة والصالحين كلهم يقولون بعداً للقوم الظالمين.
* قال (بُعْدًا) بالمصدر ليدل على الثبوت بينما الفعل يدل على الحدوث والتجدد، ولأن المصدر لا يحتاج إلى زمن ولا إلى فاعل فهو متناسب مع الإيجاز.
* (لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) جاء باللام التي هي للاستحقاق يعني إستحق هؤلاء البعد لظلمهم هذا.
* بُعدًا للظالمين تحديدًا لأنه وصفهم بالظلم أولًا قال (وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ) ذكر الوصف الذي إستحق به القوم هذه العقوبة وهذا تحذير لكل ظالم وهذه عِلّة الهلاك.
آية (٤٥) : (وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ)
* القول بعد النداء تفصيل بعد الإجمال.
* استعمل الفعل (فَقَالَ) إضافة إلى الفعل (وَنَادَى) وقبلها ببضع آيات (وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ) ما قال (فقال) أو (قال) لأن هذا الموقف أهم وأكبر من الأول هذا الموقف بعد غرق ابنه حين أدركته عاطفة الآباء، أدركه الحزن فلم يكتفِ بالنداء، ففيها اهتمام أكثر و تفصيل.
* قال سيدنا نوح (رَبِّ) تحديدًا دون أي اسم آخر من أسماء الله الحسنى فمع النداء لم يستعمل في القرآن إلا الرب، هذه قاعدة سواء كانت من العبد إلى الله أو من الله للعبد، (وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا) (وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا) لأنه مناسب أنت لما تحتاج شيئًا تنادي ربك القائم على أمرك هو القائم والقيّم والذي يجيبك ويربيك ويرشدك ويعلمك، هو المعلم القيم المرشد المربي والهادي، أقرب الأسماء إلى الغرض من التودد.
* (فَقَالَ رَبِّ) لم يقل يا رب وحذف أداة النداء حتى يصل إلى مقصوده بأقصر طريق ابنه غارق في الماء ولا يريد أن يطيل في الكلام إشارة إلى حالته ماذا في نفسه من لهفة لابنه ولنجاته فيحذف كل ما لا داعي له يدلف إلى المطلوب مباشرة.
* (وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ) ولم يقل ما وعدتني به الحق هو أشار إشارة بأدب، وعدك الحق ليس فقط في هذه وإنما كل ما تعد به هو الحق، لو قال (ما وعدتني) ينحصر فيما وعده به فقط هو الحق الكامل الواقع الذي لا ينتهي ولا يتغير الذي لا حق سواه.
* (وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ) ولم يقل وأنت أرحم الراحمين هو لم يطلب غفران ورحمة لأن ابنه كافر وإنما طلب نجاة ، أنت أحكم الحاكمين أنت فعلت هذا وأنت لا شك لك حكمة في ذلك معناها قد تكون من الحِكمة أو الحُكم كلاهما.
آية (٤٦) : (قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ)
* (إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ) عبّر بالمصدر يعني تحول ابنك كله إلى كتلة عمل غير صالح، لو قال عمِل كان مرة واحدة عمِل لكن هذا التعبير آكد من الفعل مبالغة والإسم آكد عمومًا من الفعل في التعبير، تحول الذات إلى مصدر، العرب عادة إذا كان الشخص مكثرًا في شيء فيصفونه بالمصدر مبالغة فيقولون هو رجل صَوْم يعني كثير الصيام لا يفطر إلا نادرًا.
* (تَسْأَلْنِ) غير مرسومة بالياء، نوح أشار إلى طلبه إشارة ولم يصرِّح فأشار ربه قال (لا تَسْأَلْنِ) .
* (أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ) يعني لئلا تكون من الجاهلين.
آية (٤٧) : (قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ)
* قال (إِنِّي أَعُوذُ بِكَ) بالتأكيد مع أنه في غيرما موضع لا يقول (إِنِّي) مثل (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ) :
الاستعاذة تكون على قدر ما يحذره المستعيذ ويخافه إذا كان المخوف متمكنًا متسلطًا قويًا ويتهدده هو على وجه الخصوص يقول (إني) مثل قول موسى عليه السلام (وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَن تَرْجُمُونِ) مريم لما رأت الشخص أمامها (قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا) لأنه تهديد لها هي على الخصوص تحديدًا فيحتاج إلى تأكيد بينما (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ) فليست خاصة وإنما هي عامة كلنا نقولها وليس هنالك ما يهدد على الخصوص، هنا الأمر صادر لسيدنا نوح رأسًا (إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ) هذه خاصة به فأراد أن يؤكد الاستعاذة بالله عز وجل ليعينه على ذلك يحترز ويحتمي به.
* هنا غير مؤكدة (وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ) وفي الأعراف (وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)) و (قَالُواْ لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (١٤٩)) :
في هود المغفرة والتوبة على قدر المعصية، نوح لم يُذنِب فجاء بالكلام غير مؤكد (وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ) طلب المغفرة لا يدل على وقوع صاحبها في المعصية.
في الأعراف (٢٣) أما سيدنا آدم فيها عصيان (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى) والخسران على قدر المعصية، يحتاج إلى توكيد لطلب المغفرة ، ولذلك آدم قال (وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) جاء بـ (إن لم).
في الأعراف (١٤٩) هذه لبني إسرائيل عندما عبدوا العجل (وَلَمَّا سُقِطَ فَي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْاْ أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ (١٤٩)) هذا أكبر من الشرك هؤلاء يقولون (فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى) هذا أكبر من الشرك. فإذن الخسارة أكبر فجاؤوا بالقسم (لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ). ثم هنا قدّم طلب الرحمة على المغفرة لأنهم خشوا أن يطردهم من رحمته أصلاً .
* قدّم الرحمة على المغفرة لأن طلب الرحمة مرقاة إلى طلب المغفرة، من نال الرحمة له أن يطلب المغفرة لأن رحمته وسعت كل شيء فكل مغفور له مرحوم، كيف يغفر لهم وهو لم يرحمهم؟! .
آية (٤٨) : (قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ)
* في هذه الآية مناسبة لطيفة لما قبلها، قبلها قال (وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ) ثم قال (قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ) كأنما هي بشارة منه سبحانه وتعالى يطمئنه بأنه لم يغضب عليه ويبشّره بالمغفرة والرحمة.
* قال تعالى هنا (قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلاَمٍ) وقبلها (قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ) مع أن القائل هو الله سبحانه وتعالى:
- الأولى (قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ) هذا حكم شرعي، والتشريع لله حصرًا وهو الذي يقول ولا يجوز أن يكون ذلك لغيره، بينما هنا أمر بالهبوط من السفينة وهذا يصح من أي واحد (اهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ) .
- الأولى هناك حوار بين سيدنا نوح وبين ربنا سبحانه وتعالى قال قبلها (فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي) هو يخاطب ربه (فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي) فربنا يجيبه (قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ) ولا يقول (قيل)، ثم قال (فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ) لا يستقيم أن يقول (قيل – ولا تسألنِ) قيل مبني للمجهول ولا تسألنِ وإني أعظك للمعلوم كلها يناسب (قال) ولا يناسب البناء للمجهول، هنا قال (قِيلَ يَا نُوحُ) ثم نسبها لنفسه سبحانه (بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ) .
* قدّم السلام على البركات لأن السلام أهم، السلام مقابل الهبوط، الهبوط بدون سلام قد يغرق، النجاة هي الأهم، ثم البركات الخيرات تأتي فيما بعد، بعد الهبوط والاستقرار، ثم إن السلام عليه والبركات عليه وعلى أمم.
* في آية سابقة وهو يأمرهم بالركوب قال (ارْكَبُواْ فِيهَا) بصيغة الجمع وفي الهبوط قال (يَا نُوحُ اهْبِطْ) بصيغة المفرد:
- في الأولى القائل (ارْكَبُواْ) هو نوح عليه السلام، في الثانية القائل هو الله سبحانه وتعالى لا يخاطب الجميع وإنما يخاطب رسوله فقط، ولا يصح أن يقال يا نوح اهبطوا كما قال تعالى (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ (١) الطلاق) أفرد ثم جمع، لا يصح لأنه قال (وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ) لو جمع لقال وبركات عليكم وعلى أمم ممن معكم، إذن هنالك معهم أمم أخرى غير هؤلاء ليسوا بمؤمنين، وهذا لا يصح.
آية (٤٩) : (تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَـذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ)
* هذا دليل آخر على النبوة بعد أن ذكر الدليل البياني (قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ) تحداهم ثم لم يستجيبوا فألزمهم الحجة، الآن ذكر أحداث قصة ما كان يعلمها هو ولا قومه فمن علّمه إياها؟ الله الذي أوحى إليه!
* لم يقل تلك من الأنباء نوحيها إليك لأن (تلك من الأنباء) يعني نبأ علِمه الناس أو جهلوه لكن من أنباء الغيب يعني أنها ما كان يعلمها هو ولم يكن يعلمها أحد.
* في سورة يوسف (ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ) وفي سورة هود (تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ) :
في سورة يوسف قوله تعالى في أول السورة (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَـذَا الْقُرْآنَ..(٣)) كلمة القَصص مذكر مثل كلمة عدد وكلمة قَصص مذكر وهي ليست جمع قصة وإنما القَصص هنا بمعنى السرد أي بمعنى اسم المفعول أي المقصوص. وهي قصة واحدة هي قصة يوسف فجاءت الآية باستخدام (ذلك) (ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُواْ أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (١٠٢)) .
في سورة هود مجموعة من قَصص الأنبياء فاقتضى أن تأتي الآية باستخدام (تلك) .
* (نُوحِيهَا إِلَيْكَ) أي نحن الذين أخبرناك بها ليست جهة أخرى وهذ تأكيد آخر.
* (مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا) نفاها بـ (ما) لم يقل لم تكن تعلمها، (ما) آكد من (لم) لغة، توكيد في النفي لأنه قطعًا ما كان يعلمها.
* (مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ) (أنت) توكيد للفاعل، هذا زيادة في التوكيد لأن الأمر في الغيب ما أحد علّمه.
* (وَلاَ قَوْمُكَ) جاء بـ (لا) زيادة في التوكيد أيضًا تفيد القطع بعدم علمه هو وعلمهم هم على سبيل الاجتماع أو الإفراد.
* (مِن قَبْلِ هَـذَا) (من) ابتدائية يعني أنت تعلمها الآن فقط بعد هذه الآية. (من قبل هذا) يعني بداية العلم من الآن، إذا قال (قبل هذا) يحتمل قبل هذا بزمن، مدة غير محددة طويلة أو قصيرة، (من) يعني من الآن،.
* (فَاصْبِرْ) ذكر له صبر نوح هذه المدة الطويلة ٩٥٠ عامًا فكانت العاقبة الحسنى فأنت أيضًا إصبر حتى تنال العاقبة المحمودة.
* هنا (إِنَّ الْعَاقِبَةَ) أكّد بـ(إن) مع أنه في الأعراف و القصص لم يؤكد:
في القصص (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣)) الدار الآخرة يعني العاقبة الحسنة هل دخول الجنة خاص بالمتقين؟ الأمر فيه سعة حتى عصاة الموحّدين يدخلونها إذن ليست للمتقين حصرًا لذلك لم يؤكد، لكن لما يذكر المتقين يعني فيهم إيمان.
في الأعراف لم يؤكد (قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (١٢٨)) القائل هو سيدنا موسى لقومه لم يؤكد لهم أن يرثوا الأرض وإنما قال (قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ... (١٢٩)) المقصود خلافة الأرض في الدنيا وهذا غير مؤكد فهو لا يعلم قال (عَسَى) إذن ليس في مقام توكيد، ولو كان استخلافًا في الأرض فهو ليس استخلافًا على الدوام لأنه دين منسوخ فيكف تكون عاقبة الأرض لهم؟! لكن ربنا أكد الاستخلاف في الأرض للمؤمنين (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ... (٥٥) النور) فالكلام من سيدنا موسى، بينما هنا في هود الكلام من الله سبحانه وتعالى فأيّ الذين ينبغي أن يكون آكد؟.
* (لِلْمُتَّقِينَ) وليس للصابرين فالمتقون يشملون الصابرين وزيادة، لاحظ لما قال (لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ .. وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ .. وَآتَى الْمَالَ .. وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ .. وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ .. وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧) البقرة) الصابرين هم قسم من المتقين، هو وصف واحد من أوصاف المتقين، لذلك في كل القرآن لا تجد العاقبة للمؤمنين ولا العاقبة للصابرين، إنما (للمتقين) أعمّ تشمل صفات أشمل، لا بد أن يكون متقيًا.
آية (٥١) : (يَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلاَ تَعْقِلُونَ)
* (لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا) لعل هناك من يظن أن هذا مشوب بمطمع فهو نفاه ابتداء.
* سيدنا نوح عليه السلام قال (إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللّهِ (٢٩)) وهنا (إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي) :
- في قصة نوح قومه لم يقولوا نعبد آلهة ولم يذكر استمساكهم بالآلهة فجاء بالاسم العلم (إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللّهِ) .
- سيدنا هود عليه السلام هنا في هذا الكلام ذكر الآلهة وتمسكهم بآلهتهم وكان الحوار عن الآلهة وعبادتها فذكر لهم أمرين في غاية المنطق: الأول نفى عن نفسه المصلحة (لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا) وهذا عقلاً يكون مخلصًا ولا يكذب لأنه لا يبتغي مصلحة، الأمر الآخر أنا أجري على الذي فطرني وأوجدني من العدم، آلهتكم أوجدتكم من العدم؟! إذن لا يستحق أن يُعبَد إلا من أوجد من العدم، حتى في القرآن لما يقول للكفار (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) تعبدون الآلهة؟! لماذا؟! ما خلقوكم.
* (أَفَلاَ تَعْقِلُونَ) عقلاً هذا المخلص ينبغي أن يُتّبع لأنه صادق، والذي يحق أن يُعبَد هو الذي فطر الخلق، دعاهم لحكم عقلي من الذي يستحق العبادة؟ ما قال الله لكن ذكر أمراً يدعو إلى قبوله (الَّذِي فَطَرَنِي)، هذا ألطف تعقيب.
آية (٥٢) : (وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوا مُجْرِمِينَ)
* تكرار (يَا قَوْمِ) هم قومه يذكرهم لعلهم يستجيبوا وتلين قلوبهم لأنه يخاف عليهم من عاقبة أمرهم إن استمروا على هذا.
* قدم الاستغفار على التوبة لأن الاستغفار يكون من الذنوب، التوبة مرحلة بعدها أن تعزم على ألا تعود إلى ما سبق، ومن شروط التوبة الندم وعدم العودة.
* (يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ) في الآية السابقة نفى إرادة المصلحة لنفسه (يَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا) الآن دعاهم إلى مصلحتهم هم، اتباعكم لي ليس أمراً حيادياً لا، اتباعكم لي فيه مصلحة لكم، كيف؟ أولاً يرسل السماء عليكم مدراراً هو الذي فطرني والخالق وأنتم أصحاب زروع وبساتين وثمار يعطيكم هذه لمصلحتكم ويزدكم قوة إلى قوتكم، المال والزيادة في القوة هذه مصلحتكم من ناحية فردية ومن ناحية عامة في اتباعه.
* قدم إنزال الغيث على زيادة القوة لأن زيادة الغيث من أسباب القوة، لأنه لما يصير عنده مال من أسباب القوة.
آية (٥٣) : (قَالُواْ يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ)
* هم ذكروا مجموعة من الأشياء هل لترتيبها غرض بياني معين؟
هم تدرجوا مسألة مسألة أولاً قالوا أنت ما جئت بحجة واضحة تقتعنا فيها تثبت بأنك نبي مرسل ، لم ينفوا صدقه هم ما قالوا أنه كاذب لكن لم يستطع أن يقيم حجة على ما يريد، لكن لو جاء بحجة لصدقوا، ثم ذهبوا أبعد من ذلك (وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ) لا تقول أنت قولاً ونحن نترك آلهتنا. هذا أمر آخر هم هكذا عام أنت قلت قولاً هل نتبعك؟! وأنت لم تأتي ببينة؟! ثم ذهبوا أبعد من ذلك (وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ) أصلاً لن نتبعك، لا نصدقك أصلاً، ليس هذا فقط ثم ذهبوا ابعد من ذلك (إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوَءٍ) أي أصابك الجنون كأنما لما قال لهم (أَفَلاَ تَعْقِلُونَ) أرادوا أن يثبتوا أنه هو غير عاقل وليس نحن،هم الآن يصفونه بالجنون.
* هذه الآية كل جزئياتها مؤكدة، كل تعبير مؤكد:
- (مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ) لم يقولوا لم تأتي، فرق بين جاء وأتى،
- نفى بـ(ما) ولم ينفي بـ(لم) لأن (ما) تقع جواباً للقسم وهي آكد،
- قال (وَمَا نَحْنُ) أولاً هذه الجملة اسمية ليست فعلية لم يقل لسنا تاركين (لسنا) وهي أدوم.
- جاء بالباء في خبرها (بِتَارِكِي) هذه الباء زائدة للتوكيد.
- قال (بِتَارِكِي آلِهَتِنَا) بالإضافة لم يقل (بتاركين آلهتنا) لأنها بالمستقبل أما (تاركي آلهتنا) فهي عامة الآن وفي المستقبل.
- (عَن قَوْلِكَ) فيها معنيان: احتمال (بِتَارِكِي آلِهَتِنَا) صادرين عن قولك، نصدر عن قولك، والآخر تعليل لأن (عن) تفيد التعليل أيضاً، يعني بسبب قولك. لا نصدر عن قولك ولا نترك بسبب قولك.
- إلى أن قال (وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ) أولاً جملة اسمية ما قال (لسنا مؤمنين لك) .
- جاء بالباء زائدة (بِمُؤْمِنِينَ) .
- وقدّم الجار والمجرور (وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ) نخصّك بعدم الإيمان تحديدًا للتخصيص والحصر.