عرض وقفات أسرار بلاغية

  • ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴿٢٣﴾    [هود   آية:٢٣]
آية (٢٣) : (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُواْ إِلَى رَبِّهِمْ أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ الجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) * الخَبْت هو الوادي، الأرض المطمئنة، أخبتوا يعني اطمأنوا وخشعوا وخضعوا وانقطعوا إلى عبادة الله ففيها معنى اطمئنان وسكينة وخشوع وتذلل.
  • ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴿٢٤﴾    [هود   آية:٢٤]
آية (٢٤) : (مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ) * الله سبحانه وتعالى ذكر صفات كثيرة كالأعمى والأصم والبصير والسميع ولم يذكر الأبكم: هذا الفريق يتكلم، هم كذبوا على ربهم وافتروا ويصدون عن سبيل الله، إذن هو ليس أبكمًا. * بدأ بالأعمى والأصم وقدّمهما على السميع والبصير: بعد أن ذكر أولئك وذكر صفاتهم، بدأ بالنموذج الأول الذي هو الفريق الكافر ثم ذكر الذين آمنوا (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُواْ إِلَى رَبِّهِمْ) بحسب الترتيب الذي ذكره. * (هَلْ يَسْتَوِيَانِ) ما قال لا يستويان، لكن أراد أن يُشرك المخاطَب حتى يجيب هو ليقيم الحجة ويحكم على نفسه. * (أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ) وليس تتذكرون: قاعدة: الحدث الأخف يخفف معه من الفعل ويحذف منه والعمل الأثقل يعطيه أكثر. الآن لو تسأل أيّ واحد أيّ صاحب عقل تقول له هل الأعمى والأصم هو مثل البصير والسميع؟ هل يحتاج هذا إلى تفكير؟ إلى طول تذكر وتأمل؟ لا، فالحذف من الفعل يدل على أنه يكتفي بكلام قليل ولا يحتاج إلى تذكر كثير، مثل توفاهم تتوفاهم، تفرقوا تتفرقوا، تستطع تسطع.
  • ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ﴿٢٥﴾    [هود   آية:٢٥]
آية (٢٥) : * قصة سيدنا نوح عليه السلام متضمنة في أكثر من عشر سور تقريباً في القرآن الكريم: في القصص القرآني عموماً ليس هنالك تكرار، وإنما يُذكَر في كل موضع ما يناسب المقام الذي وردت فيه وما يُراد أن يسلط عليه الضوء، وقد تكون القصص أحياناً مكملة إحداها للأخرى، يعني يُذكر في السورة ما تكمل السورة التي قبلها، لو لاحظنا في الأعراف أول موضع وردت فيه قصة نوح عليه السلام كانت القصة موجزة من حيث أحداثها، وبدأت بقوله تعالى (لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ (٥٩)) من دون أن تُسبق بالواو، ثم في كل المواطن التي تلتها قال (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا) عدا سورة نوح لأنها بداية السورة، وهي كلها ليست عاطفة (الواو) لكن كأنها معطوفة على القصة الأولى. في سورة الأعراف - تبدأ بدعوة نوح لقومه إلى عبادة الله وهي دعوة الرسل جميعاً في الأعراف (لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٥٩)) . - هم ردوا عليه أجابوا (قَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ (٦٠)) . - هو رد عليهم (قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلاَلَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (٦١)) . - لاحظنا أنه لم يذكر له أتباع هنا لأنها في ابتداء الدعوة فلم يذكر له أتباعاً. في سورة يونس - لم يذكر أنه دعاهم إلى عبادة الله فاكتفي بالدعوة إلى عبادة الله في الأعراف ولم يكررها هنا كأنها استكمال لما ورد هناك. - اكتفى برد قومه في الأعراف فلم يذكر ماذا قال له قومه في يونس ولكن ذكر كلاماً آخر. - بدأوا في الكلام في الأعراف وهو رد عليهم، واستكمل الرد عليهم في سورة يونس فيما أخذوه على شخصه هو، فتحداهم (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللّهِ فَعَلَى اللّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُواْ إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونِ (٧١)) فليفعلوا به ما يشاؤون، هذا ملمح جديد لم يذكره في الأعراف. - لم يذكر أن له أتباعاً (فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٧٢))، حتى هذه اللحظة الدعوة لا تزال في مهدها. في سورة هود - القصة طويلة وهي أطول ما ذكر في سورة هود. - دعاهم إلى عبادة الله وذكر أنه لهم نذير مبين وذكر رد الذين كفروا. - الآن ظهر له أتباع لأنها دعوة، لكنهم سفّهوا الأتباع وبدأوا يزدرونهم (وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ (٢٧)) هذا ليس في يونس. - كان هنالك كلام طويل وجدال بينهم (قَالُواْ يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتَنِا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣٢)) . - ثم ذكر كيفية النجاة التي وصفها، لم يذكرها في الأعراف ولا في يونس. - وذكر صنع الفلك (وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ (٣٨)) واستهزاؤهم به وجريان الفلك وماذا يحمل ومن يحمل والحوار إلى قوله (وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ (٤٤)) كأنها استكمال وتوضيح لما سبق، ففي يونس قال (فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الْفُلْكِ (٧٣)) ولم يذكر كيف نجّاه. - كل ها لغرض بياني ليعرف كيف يتصرف الداعية فبدأ أول مرة بـ (الدعوة) ثم تعرّضوا لشخصه، كيف يدافع عن شخصه هو؟ تعرّضوا لأتباعه كيف يدافع؟ كيف يقول؟ في سورة الأنبياء - القصة ليست في سياق الدعوة والتبليغ أصلاً وإنما في سياق نجاة من نجى من الأنبياء واستجابة من دعا من الأنبياء، هو ذكر نجاة إبراهيم ونجاة لوط ونجاة نوح واستجابة دعائه واستجابه دعاء أيوب وذي النون وزكريا. - قال (وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِن قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٧٧)) لم يذكر دعوة، هذا في سياق دعاء الأنبياء. - سمة عامة متشابهة للأنبياء المذكورين على تطاول المدة ذكر كيف كان الأنبياء مع أقوامهم وكيف كانوا يدعون لهم وكانوا يلجأون إلى الله بالدعاء وربنا يستجيب لهم. في سورة المؤمنون - ذكر قصة نوح والنجاة في الفلك بعد ذكر الأنعام وفوائدها والحمل عليها وعلى الفلك (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٢١) وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٢٢)) الفلك عامة. - الجانب المذكور في سورة المؤمنون من قصة نوح لا يطابق ما ورد من قبل، هو بلّغهم بالدعوة فقط (فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٢٣)) ولم يقل شيئاً آخر. - قومه لم يواجهوه بكلام أبداً لكن كانوا يذكرون رأيهم في مجالسهم في غيبته (فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَأَنزَلَ مَلَائِكَةً مَّا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (٢٤) إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (٢٥)) أما أمامه لم يذكروا شيئاً، هذا مشهد آخر لم يُذكر فيما سبق هذا استكمال، هذا واقع الناس هكذا أنه إذا شخص يتكلم يتحدثون معه ثم إذا ذهب يتكلمون عنه، وهذا تنبيه أيها الداعية أنت تتوقع أن الكلام بينك وبينهم تكلمت وانتهت المسألة لكن فيما بعد سيكون هناك كلام وحديث. - لأول مرة دعا ربه لينصره بصورة صريحة (قَالَ رَبِّ انصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (٢٦)) لجوء إلى الله بصراحة. في سورة الشعراء - أولاً قال في قوم نوح مثل ما قاله في الأقوام الأخرى (كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٠٦) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٠٧) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٠٨)) كل الرسل بدأ بمثل هذه البداية لتدل على وحدة الرسالة. - ثم ذكر مواقف الأمم من رسلهم وهي كلها على نمط واحد والتعليق واحد في الأخير. - في هذه السورة لم يطلب منهم عبادة أصلاً وإنما تقوى الله وطاعة رسوله كأنها كانت استكمالاً لما قبلها، ذكرنا أنه أمرهم بالعبادة في الأعراف وفي المؤمنون (اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ) وفي هود (أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللّهَ) أما هنا مرحلة بعد العبادة، وكأن الخطاب السماوي تغير وانتقل إلى مرحلة أخرى. في سورة العنكبوت - لم يذكر لا دعوة ولا موقف قومه منه. - لم يذكر تقوى ولا طاعة. - ذكر مدة لبثه في قومه وأنهم أخذهم الطوفان لظلمهم، كأن واحد يسأل كم بقي؟ قال عبارة قصيرة (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (١٤) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آَيَةً لِلْعَالَمِينَ (١٥)) . - حتى السفينة لم تذكر إلا هنا وفي الباقي ذكر الفلك. في سورة الصافات - ليس فيها دعوة. - لكن ذكر أن نوحاً دعا ربه فأجابه ونجاه وأهله من الكرب العظيم (وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦)) من أي كرب؟ لم يوضح. - إنما جعل ذريته هم الباقين (وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمْ الْبَاقِينَ (٧٧))، هذا لم يذكر المواطن الأخرى، بعد الـ٩٥٠ سنة الذي حصل أنه نجاه وجعل ذريته هم الباقين. - ذكر ما كان بعد نوح، بعد النجاة، ماذا ترك عليه في الآخِرين؟ (وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآَخِرِينَ (٧٨) سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (٧٩)) (ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآَخَرِينَ (٨٢)) من هم الآخَرين؟ لم يذكر. - في النجاة لم يذكر غير أهله لم يذكر من آمن بينما في السابق كان يذكر من آمن، هذا يسمى من المقامات الخفية، هو قال (وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمْ الْبَاقِينَ) معناها أهلك الآخرين، هل نجاهم ليهلكهم؟ لا. هم نجوا، لكن قضوا أعمارهم وماتوا فلم يشر إليهم، وبقيت ذرية نوح فقط. في سورة القمر - استهل القصة كما يستهل القصص في بقية الأقوام (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ (٩)) . - نلاحظ أنه لم يذكر أنه دعا قومه إلى عبادة الله وإنما ذكر أمراً آخر وهو تكذيب قومه وزجر قومه له. - ثم دعا أنه مغلوب (فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ (١٠)) المغلوب يطلب النصر، الآن بعد أن طالت المسالة واستمرت قروناً ونفض يده من استجابتهم دعا ربه. - وبعد الدعاء الإستجابة السريعة (فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١)) . - لأول مرة تذكر كيفية صنع السفينة (وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣)) . - كان التعقيب على القصص كلها كان تعقيباً واحداً (فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ) تعقيب على موقف البشرية من الرسل على مر التاريخ. في سورة نوح - آخر موطن تذكر فيها قصة نوح واسم نوح، وفي كل موطن يذكر جانباً مختلفًا. - سورة نوح هي أشبه بتقرير نهائي قدّمه نوح إلى ربه في مسار الدعوة، ذكر فيه موقف قومه منه، ولم يخاطب قومه بشيء ولم يخاطبوه بشيء: - (إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١)) هذا بدء الرسالة، أمره ربه بإنذار قومه. - استجاب نوح لأمر ربه (قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ (٢)) . - ثم ذكر إلى ماذا دعاهم (أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣)) . - ثم ذكر ماذا كان منه (قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (٥)) . - ثم ذكر ماذا كان منهم وماذا كان موقفهم؟ (قَالَ نُوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا (٢١)) . - ثم ذكر أنهم مكروا مكرا كبارا (وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (٢٢)) . - ثم ذكر عاقبتهم في الدنيا والآخرة، تقرير جامع والعقوبة كانت جامعة في الدنيا (مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا (٢٥)) وفي الآخرة (فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَنصَارًا) . - ثم ذيل التقرير بمقترح الخاتمة وهو توصية أن يهلكهم كلهم، (وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦)) خاتمة التقرير. - ثم علل المقترح لماذا؟ (إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (٢٧)) إذن المقترح والتعليل. - ثم ختم التقرير بطلب المغفرة له ولوالديه وللمؤمنين والمؤمنات (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ (٢٨)) لعله أن يكون قد قصّر في عمله. - طلب المغفرة والدعاء لأوسع مجموعة لم يذكر مثلها في القرآن الكريم (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ (٢٨)) أوسع دعاء لم يرد مثله في القرآن ، على العموم والإطلاق أوسع دعاء في أوسع دعاء جامع، في أوسع تقرير. سورة نوح عجيبة!.. - لم يرد لهم ذكر في القرآن بعد هذه السورة. - هذا التقرير الذي اقترحه (رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا) ولم يصنعه كثير من الأنبياء لأن قول نوح للبشرية ، والبشرية الآن كلها أولاد نوح أبو البشرية الثاني ولذلك قال (وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمْ الْبَاقِينَ (٧٧) الصافات)، وأما قول الباقين فلأقوامهم، لا يمكن أن تكون مجموعة صغيرة مثل الذي يقدم هذا التقرير، هذا تقرير للبشرية. هذا تقرير عجيب جمع صورة الحدث كله، الصورة النهائية لكل تاريخ الدعوة وخلاصة رحلته الطويلة! - في الأعراف والمؤمنون الأمر بالعبادة (يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ)، وفي هود إنذار (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ)، وفي الشعراء أمر بالتقوى والطاعة (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ)، وفي التقرير النهائي في نوح (قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ * أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ) جمع ما تفرق وما قيل في كل القصص في الأعراف والمؤمنون وهود والشعراء، وكأنه يختصر الرسالة التي جاء من أجلها كلها بجميع أركانها بهذا المقترح. - ليس فقط هذا بل جمع بين القول الصريح (قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ) و(أن) المفسِّرة (أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ) وهذا أيضاً ما تفرق في الأعراف والمؤمنون (فَقَالَ يَا قَوْمِ) قول، وهود (أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللّهَ) (أن) المفسرة، والشعراء (إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٠٦)) قول، فجمع كل الصورة التعبيرية ولم يجمع بينها في موطن آخر. * (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ) ما هي هذه الواو مع أنه ليس قبلها قصة؟ هذه ابتدائية، ذكرنا الغريب أنه عندما ذكرت أول مرة قال (لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ (٥٩) الأعراف) وكل الباقي بعدها عندما يذكر أرسلنا جاءت كلها بالواو (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا) كلها بالواو إلا إذا كل القصص الموجودة ليس فيها واو كما في الشعراء والقمر والباقي كلها بالواو وإن لم تكن هناك معطوفة على كلام. * (إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ) جاءت إني بالكسر على إضمار القول، على تقدير فقال إني لكم نذير مبين.
  • ﴿أَن لَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ ﴿٢٦﴾    [هود   آية:٢٦]
آية (٢٦) : (أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ) * (أن) هنا مصدرية أو مفسرة وفيها احتمالان إما متعلقة بالإرسال يعني أرسلناه بـ(أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ)، هذا ليس قولاً، بما أرسله ربنا؟ أرسله بهذا، وإما متعلقة بنذير (إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ) أنذركم بألا تعبدوا إلا الله. والإثنان مقصودان الرسالة والإنذار فالرسالة هي عبادة الله وعدم عبادة غيره (أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ) والإنذار هو (أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ)،. * إذا قال (إني) هذا قول وإذا قال (أني) قطعاً ليس قولاً وإنما أرسلناه بهذا، وهذه الآية فيها قراءتان متواتران، الأولى (إني) والقراءة المتواترة (أني). المعنى مختلف، (أرسلنا أني) يعني أُرسِل بذلك، (إني) هذا قول نوح هو بلّغهم، القراءتان تدلان على أنه أُرسل بذلك وبلّغهم ما أرسل به، هذا توسع. * وصف اليوم بأنه أليم وليس العذاب هذا تعبير مجازي، اليوم لا يكون أليماً وإنما ما يقع فيه من العذاب، هذا موجود عند العرب مثل نهارك صائم أو ليلك قائم ويسمى هذا مجاز عقلي، هذا يدلنا على اتساع الألم وشدته بحيث الوقوع في ذلك اليوم على سبيل الاستغراق، استغراق اليوم، شمول. لو كانت كما قلت (أخاف عليكم عذاباً أليماً) يحتمل أن يكون في وقت من أوقات اليوم لكن عذاب يوم أليم صار اليوم كله عذاب، صار أشمل، وليس فقط في الوقت بل فيمن يقع عليه العذاب فلو لم يذكر اليوم قد يكون مقيداً بأشخاص (قَالَتْ مَا جَزَاء مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوَءًا إِلاَّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) هذا محدد بشخص وهو يوسف. لكن هذا يوم أليم وشامل للمجموع، اليوم أعم، ولذلك في القرآن لم يصف اليوم بأنه أليم أو عظيم أو محيط إلا في سياق العذاب (عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ) (عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ (٨٤)) ولم ترد في الدخول إلى الجنة، لأن هذا اليوم يوم القيامة عظيم شامل محيط لجميع الخلق هذا أشمل، لكن الجنة ليست لعموم الخلق وإنما مخصصة.
  • ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ ﴿٢٧﴾    [هود   آية:٢٧]
آية (٢٧) : (فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ) * هؤلاء الملأ أشراف القوم ذكروا أموراً تدعوهم إلى الشك، ذكروا شبهات: - الشبهة الأولى: أنه بشر (مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مِّثْلَنَا) فلم أُثرت بهذا الفضل؟ قسم يرون أنه لو أراد الله أن ينزل رسولاً لأنزل ملائكة. - الشبهة الثانية: من الذين اتبعوك؟ أراذل القوم ضعفاء اتبعوك بادي الرأي يعني من دون تفكير، من دون روية، وهم ليس لهم قيمة في المجتمع، كيف يرى هؤلاء الأراذل ما لا يراه الأشراف الذين يرون أنفسهم أصحاب منطق وحجة. - الشبهة الثالثة: قالوا (بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ) الجميع، أنت ومن معك هؤلاء دخلوا هكذا من دون إيمان، الأتباع أيضاً كاذبون في ظنهم، لم يؤمنوا حقاً به إنما لغرض من الأغراض، أول الأمر آمنوا ولم يشاؤوا أن يرجعوا عن ذلك. * هنا (بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ) وفي الأعراف (وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٦٦)) وفي الشعراء (وَإِن نَّظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (١٨٦)) : - القائل مختلف، في الأعراف هذا قول قوم عاد إلى هود وفي الشعراء قول قوم شعيب لشعيب وهنا لنوح. في الأعراف مؤكدة بـ (إنّ) واللام فمقام التكذيب أشد من الموطنين الآخرين والدليل أنهم قالوا لنبيهم (إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ) هذا إتهام حقير لم يرد في المواطن الأخرى، ثم كان بينه وبين قومه مشادة عنيفة لم تحصل في المواطن الأخرى (قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧٠) قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ) المواجهة شديدة لذلك كان التكذيب شديداً (وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ). في الشعراء بـ(إن) المخففة أقل توكيداً لأنهم قالوا (إِنَّمَا أَنتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ) أى مسحور، ثم لم يواجههم شعيب بل قال (قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ) ردة الفعل مختلفة في كلامهم و فيما رد عليهم الرسول. في هود من دون توكيد هم قالوا (مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مِّثْلَنَا) ليس فيه سفاهة ولا مسحرين حتى الرد عليهم لم يكن شديداً (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّيَ وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ (٢٨)) .
  • ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ ﴿٢٨﴾    [هود   آية:٢٨]
آية (٢٨) : (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّيَ وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ) * (يَا قَوْمِ) نداء متلطِّف حتى يتألفهم لا يريد أن يثيرهم يريد أن يتودد لهم ويتألف لهم حتى يسمعون. * (أَرَأَيْتُمْ) معناها أخبروني فيها معنى التعجيب من موقفهم. إذن أرأيتم أخبروني. * رد عليهم رداً منطقياً وكأن هذا سؤال، أخبروني إذا كنت مرسلاً بالفعل إفترضوا أني على بينة وعلى صحة، كيف نلزمكم هذه الحجة وعندكم مانعان الآن أنها مبهمة عليكم ما فهمتموها ثم أنتم لها كارهون تكرهون النظر فيها، لا تريدون أن تسمعوها كيف أوصلها لكم؟! * قال (إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّيَ) ولم يقل بينة من ربكم: لأن البينة بمعنى الرسالة أو الحجة أو المعجزة جاءته هو، لو كانت البينة جاءتهم لكان يقول (مِّن رَّبِّكُمْ)، ولذلك في القرآن حيث يتكلم النبي على نفسه هو يعني البينة له يقول (مِّن رَّبِّيَ) وحيث يقول جاءتكم يقول (مِّن رَّبِّكُمْ) في جميع القرآن، لكن هنالك ملاحظة في هذا التعبير جميع الأمم السالفة التي ذكرها ربنا بالقرآن التي خوطبت بنحو هذا يقول (قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ) (قَدْ جِئْتُكُم بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ) قالها قوم صالح ومدين وموسى إلا الذين أرسل لهم سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام قال (فَقَدْ جَاءكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ) زاد الهدى والرحمة، لماذا؟ لأن الأقوام الماضية كذبوا وعذبوا وهلكوا إلا سيدنا محمد رُحِموا وهُدوا وهذا إلماح إلى أنهم يهتدون ويُرحمون. * (وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ) قدّم الرحمة على الجار والمجرور وفي موطن آخر قال (وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً (٦٣)) : التقديم قائم على الأمور الأهم هنا قدم الرحمة لأن الكلام على الرحمة (فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ) فقدمها، أما في الآية الثانية الكلام عن الله تعالى (فَمَن يَنصُرُنِي مِنَ اللّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ) (الله، منه، الضمير في عصيته) كلها تعود على الله تعالى لذا اقتضى السياق تقديم (مِنْهُ) على الرحمة. * الفرق بين (رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ) و (رَحْمَةً مِنَّا) : الرحمة قطعاً من عند الله. لكن خصوصيات التعبير القرآني أنه لا يستعمل (من عنده) إلا مع المؤمنين فقط فيها خصوصية (فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا) (نِعْمَةً مِّنْ عِندِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ) (وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ)، أما رحمة منا عامة للمؤمن والكافر، للبشر(وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ) . * (فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ) لم يقل أُبهمت وأخفيت: لو نظرنا ماذا قالوا له قبل قليل (مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ) هم ذكروا الرؤية (مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا) (وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ) (وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ) نقيض الرؤية العمى، فقال (فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ) أنتم لا ترون، والغريب هو قال (فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ) بالتضعيف وفيها قراءتان عُمّيت وعَميت، عمّيت عليكم، عَميت أيضاً معناها التبست عليهم البينات، والإثنان مرادان ليؤدي أكثر من معنى، لكن عُمّيت فيها تشديد، لأنهم قالوا (ما نراك) ثلاث مرات فشدد، كما ضعّفوا ضعّف. * (وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ) قدّم الجار والمجرور لأنهم يخصونها بالكراهة لا يطيقون سماعها، لا يكرهون شيئاً ككراهتهم لها. لو قال كارهون لها لاحتمل أن يكونوا كارهون لها ولغيرها. * قال (كَارِهُونَ) بالإسم ولم يعبر بالفعل (تكرهون) لأن الاسم يدل على الثبوت وهذه صفتهم الثابتة لا تتحول، ولو عبّر بالفعل قد تتغير، فالفعل يدل على الحدوث والتجدد.
  • ﴿وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُم مُّلَاقُوا رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ ﴿٢٩﴾    [هود   آية:٢٩]
آية (٢٩) : (وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ) * (لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا) وفي موضع آخر قال (لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا) : - في قصة نوح (مَالًا) وفي قصة هود مع قومه (يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٥١)) لو لاحظنا سياق القصتين لوجدنا أنه في قصة نوح عليه السلام قال تعالى (وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ) جاء ذكر خزائن الله والمال يُوضع في الخزائن أما في قصة هود عليه السلام فلم ترد ذكر الخزائن وإنما قال (أجراً) لأن الأجر عام. - في الأولى ذكر (إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ) بذكر لفظ الجلالة بينما جاء في الثانية (إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي) ولو نظرنا من ناحية السمة التعبيرية في القصتين لوجدنا أن كلمة (الله) وردت في قصة نوح عليه السلام عشر مرات بينما وردت ثلاث مرات في قصة هود عليه السلام. - ذكر تعالى في قصة نوح عليه السلام كلمة (الله) إسم علم وفي هود ذكر (الَّذِي فَطَرَنِي) أي عدّى الفعل إلى ذاته بضمير المتكلم ونلاحظ في قصة هود ارتباط الأمور بشخص هود عليه السلام (إن نقول إلا اعتراك، كيدوني، إن توكلت، ربي) فمن الذي سينجيه من الكيد؟ الذي فطره فهو الذي خلقه ويحفظه من كل سوء فالأمر إذن شخصي وليس عامّاً فاقتضى ذكر (الذي فطرني) . * (بِطَارِدِ) نفى بالإسم ولم يقل لا أطرد أو لن أطرد لأن الاسم آكد وأثبت، وجاء بالباء الزائدة المؤكدة في خبر المنفي. * (بِطَارِدِ) لم يقل بطاردٍ بالتنوين كما قال (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً) : بالإضافة (بِطَارِدِ) تعني أنها مطلقة قد تشمل الماضي والمستقبل، فهو لم يفعلها لا في الماضي ولا في المستقبل، ولو قال وما أنا بطاردٍ فقد خصها بالمستقبل واحتمال أنه فعلها، فالتنوين لا يشمل الماضي، أما (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً) هذا مستقبل لم يجعل خليفة بعد فلم يضفه. * هنا (وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُواْ) وفي الشعراء في قصة نوح قال (وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٤)) : الكلام في سورة هود كان أسبق في الزمن لما هو في الشعراء ففي هود كانت كلاماً (قَالُواْ يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتَنِا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣٢)) لم يهددوه برجم أما في الشعراء هددوه بالرجم (قَالُوا لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (١١٦)) هذه مرحلة متأخرة، إذن هؤلاء مؤمنين صبروا وثبتوا وصدقوا كل هذه المدة الطويلة (فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَن مَّعِي مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١١٨) الشعراء) وثباتهم هذا دلالة على أنهم صادقين في إيمانهم فاستحقوا الوصف بالإسم، تلك في مرحلة وهذه في مرحلة. هم آمنوا ثم استمروا محافظين على إيمانهم. * (وَلَـكِنِّيَ أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ) لما قالوا (مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مِّثْلَنَا) فقال (وَلَـكِنِّيَ أَرَاكُمْ) . * هنا (وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ) وفي الأعراف (قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ) وفي النمل (بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ) : في سورة هود في قصة نوح عليه السلام دعاهم إلى ما يرى (أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللّهَ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ) وذكر ما يراه كل واحد في الآخر في المعتقدات. في سورة الأعراف في قصة موسى عليه السلام قال لبني إسرائيل (إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ) بعدما أنجاهم وجاوزهم من البحر وأغرق آل فرعون (وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَآئِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْاْ عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَـهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨)) هذه ليست مسالة رؤية، هذه فيها أمر فيه تحقيق، لأن هذا ارتداد وشرك، كما أنه أكدها (إِنَّكُمْ) لأنه أمر عظيم وفظيع أكثر من فعل الفاحشة في سورة النمل . في سورة النمل هؤلاء قوم لوط (وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ (٥٤) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاء بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (٥٥)) ليس نقاشاً في فكرة وأخذ ورد وإنما فاحشة، ليست كتلك أنه جاءهم بعقيدة هم يرون هذا وهو يرى هذا، هذا في أمر ظاهر فاحش تقرير أمر واقع، ما قال (إنكم) لكن قال (بَلْ أَنتُمْ) ما قال (إنكم) ليس فيها تأكيد لأن الفاحشة ليست بمنزلة الشرك وعبادة أصنام.
  • ﴿وَيَا قَوْمِ مَن يَنصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِن طَرَدتُّهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴿٣٠﴾    [هود   آية:٣٠]
آية (٣٠) : (وَيَا قَوْمِ مَن يَنصُرُنِي مِنَ اللّهِ إِن طَرَدتُّهُمْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ) * ذكر نوح أمرين يمنعان من طرد من آمن معه: - (إِنَّهُم مُّلاَقُو رَبِّهِمْ (٢٩)) هو أعلم بحالهم. - ثم قال لا أستطيع ذلك ليس الأمر إلي إن فعلت ذلك سيعاقبني (مَن يَنصُرُنِي مِنَ اللّهِ) من يمنعني منه؟ * (مَن يَنصُرُنِي) استفهام أي لا يوجد أحد ينصرني، يجب أن يكون هناك ذات قوية أعلى منه ولا يوجد. * (يَنصُرُنِي مِنَ) هي في الأصل نصره على (وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) لما يقول نصره منه أي نجّاه منه، ليس بالمعنى الحرفي فالنصر ليس هو النجاة لكن هذا باب التضمين ليشمل معنيين؛ النصر والنجاة، هنا من ينصرني من الله؟ من ينجيني منه؟ يعني من يمنعني هل هنالك ذات تنصره؟ * قال (إِن طَرَدتُّهُمْ) بصيغة الماضي ولم يقل إن أطردهم: إذا جاء الفعل الماضي بعد أداة الشرط فالغالب أن القرآن يستعمله لما يراد به مرة واحدة يستعمله القرآن (إِن طَرَدتُّهُمْ)، وإن جاء مضارعاً فمظنة التكرار أكثر من مرة، (وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا) لأن هذا قتل خطأ، بينما (وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا) هذا مظنة التكرار، إن أطردهم معناها يتكرر لكنه إن طردهم ستأتيه العقوبة ولن ينجيه أحد من الله حتى يكرر فعله. * (أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ) لم يقل تتذكرون: إسأل أي واحد من ينصرني من الله؟ لا أحد، إذن لا تحتاج إلى طول تفكير الأمر واضح، تتذكرون قد تحتاج إلى طول، (أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ) هو كأنما يذكرهم بأمر غائب عنهم.
  • ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ ﴿٣١﴾    [هود   آية:٣١]
آية (٣١) : (وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللّهِ وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ اللّهُ خَيْرًا اللّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ) * قال (وَلاَ أَقُولُ) ولم يقل ما قلت أو ما أقول، (وَلاَ أَقُولُ) نفى بـ (لا) يعني على وجه الاستمرار في الماضي والآن وفي المستقبل، عامة، (لا) أوسع حرف نفي، وما أقول حال يعني الآن لكن يمكن أن أقول غداً. * قال (خَزَآئِنُ اللّهِ) ولم يقل خزائن لله لأن (خَزَآئِنُ اللّهِ) يعني كلها، أما خزائن لله ليست كل الخزائن ولو كانت ثلاثة أربعة صارت لله، إذن الذي عنده خزائن لله يخشى النفاذ لكن الذي عنده خزائن الله كيف تنفذ؟! والناس يستهويهم المال الكثير أيضاً مال كثير ولا تنفذ، إذن خزائن الله أولى. * هنا قال (وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ) وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في سورة الأنعام قال (قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللّهِ (٥٠)) : السياق في سورة هود في مقام التلطف والدعوة بهدوء من سيدنا نوح لقومه، بينما السياق في الأنعام في مقام التبكيت والتعنيف (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُم مَّنْ إِلَـهٌ غَيْرُ اللّهِ يَأْتِيكُم بِهِ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ (٤٦) قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ (٤٧)) . * دلالة اللام في (لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ اللّهُ خَيْرًا) : النحاة يخرجونها تخريجين من حيث النحو ولكل منهما معنى خاصاً به: - الأول أن تأتي بمعنى (عن) بمعنى لا أقول عن الذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرًا، وفي الآية نوح يخاطب الفئة الكافرة يحدّثهم عن المؤمنين، فاستعمال يؤتيهم صحيح لأنه يخاطب فئة عن الفئة الأخرى. - الثاني أن اللام تفيد التعليل بمعنى لأجل هؤلاء فالأصح هنا أن يقول لن يؤتيهم الله خيرًا، وفي الحالتين استعمال يؤتيهم هو المناسب للآية. * (تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ) وليست ازدرت لأنهم لا يزالون، لو قال ازدرت قد تتغير أو تنتهي. * (وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ) حذف العائد ولم يقل تزدريهم أعينكم: حذف الضمير إكراماً لهم فأحياناً نحذف من باب الإكرام لا نريد أن ينال الفعل شخصاً نكرمه ونجله إذا كان فيه شدة مثل (مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى) ولم يقل ما قلاك إكرامًا له. * أسند الازدراء إلى الأعين (تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ) ولم يقل تزدرونهم: أراد إكرامهم، كأنه قال أنتم ترون مظاهرهم بأعينكم لا ترون الحقيقة، هذا منتهى الإكرام لهم، ثم هم قالوا (وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ) فقال لهم هذه الرؤية لا تدل على الصواب ولا الحقيقة، فالرؤية لا تدل دائماً على الحقيقة. * (لَن يُؤْتِيَهُمُ اللّهُ خَيْرًا) (لن) تفيد الاستقبال. الاستقبال قد يكون في الدنيا وقد يكون في الآخرة وقد يكون فيهما، جاء بـ(لا) للمستقبل في (وَلاَ أَقُولُ) ما أدراكم ماذا سيحصل في المستقبل، في الدنيا والآخرة. * لم يقل (لن يؤتيكم) أحياناً يُتكلم في الشخص في غيبته ما لا يواجَه به حياء أو خوف، لا نواجه الشخص بكل ما نريد أن نقول. هو أراد أن يكرمهم قال أنا في غيبتهم لا أقول ذلك لعلهم يسمعون فيتأذون، (لن يؤتيكم) فيها مواجهة بينما (لَن يُؤْتِيَهُمُ) ليست فيها مواجهة حتى في غيبتهم لا أقول ذلك فما بالك في مواجهتهم، فيها إكرام. * لاحظ التعبير العجيب في إكرام نوح عليه السلام لهؤلاء: - حذف مفعول (تَزْدَرِي) ما قال تزدريهم، حذف العائد. - قال (لَن يُؤْتِيَهُمُ) بضمير الغيبة حتى لا يقول فيهم ما يسيء إليهم. - أسند الازدراء إلى الأعين، فرؤيتكم لا تعبر عن الحقيقة. * هنا (اللّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنفُسِهِمْ) وفي الإسراء (رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ) : القرآن أحياناً يستعمل القلة النسبية، الأنفس جمع قلة ونفوس جمع كثرة، هنا قال (اللّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنفُسِهِمْ) أنفس جمع قلة لأنهم قليل (وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ)، بينما في آية الإسراء (رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ (٢٥)) هذه لعموم الخلق المكلفين ففيها كثرة قاستعمل نفوس. * قال في هود (اللّهُ أَعْلَمُ) وفي الإسراء قال (رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ) : المقام في هود مقام العبادة (أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللّهَ) كثيراً ما يأتي لفظ الله مع العبادة، أما في الإسراء ففي مقام الإحسان للمربي (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا (٢٣)) هذا في مقام التربية، الوالدان يربيان أولادهما والرب هو المربي فناسب ذكر الرب مع التربية. * ملاحظات في الآية الكريمة: - يتفق ما قاله أول رسول في القرآن وهو سيدنا نوح ما أُمر به أن يقوله خاتم الرسل سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام مما يدل على وحدة الرسالة ووحدة المجتمع البشري، نوح قال (وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللّهِ وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ) لكن الله تعالى أمر محمد عليه الصلاة والسلام (قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ (٥٠) الأنعام) نفس العبارات كأن المجتمع واحد لأن موقف المجتمع البشري من فجر التاريخ ما تغير. - قال نوح (وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّهُم مُّلاَقُو رَبِّهِمْ وَلَـكِنِّيَ أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ) وربنا قال لسيدنا محمد (وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢) الأنعام). ولا تطرد الذين يدعون ربهم - وما أنا بطارد. - حتى نفس الوصف (فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢) الأنعام) تحذير أو تنبيه، نوح قال (إِنِّي إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ) .
  • ﴿قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ﴿٣٢﴾    [هود   آية:٣٢]
آية (٣٢) : (قَالُواْ يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتَنِا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) * (جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا) سيدنا نوح أسقط الشُبَه التي في أنفسهم، ولم يبق عندهم ما يحتجون به، كل الأشياء التي ذكروها انتهت فأرادوا أن يقطعوا الجدال ويوصدوا الباب. * (قَدْ جَادَلْتَنَا) لم يقولوا (تَجَادَلنَا) ولم يقولوا فكثر الجدال بيننا، فهم لم يأتوا ليجادلوه، هم كانوا يردوه، هو الذي كان يتعرض لهم يذهب إليهم ليجادلهم ولا يتركهم أن تجري الأمور هكذا كيفما تكون وإنما كان يلاحقهم ويدعوهم إلى ربهم وكان مأموراً بهذا وهذا شأن الدعاة يذهب إليهم ويثير المسائل ويناقشهم، ولو قال تجادلنا هذه تصبح مشاركة، وهذا فيه إكبار لدور سيدنا نوح في الدعوة. * قال (فَأْتَنِا بِمَا تَعِدُنَا) وليس (ما وعدتنا) فهو كان يكرر الوعد، لم يعدهم مرة واحدة وسكت وإنما كان يحذرهم. * (فَأْتَنِا بِمَا تَعِدُنَا) فيها تحدي لم يقولوا (فإت بما تعد) لأنهم غير مهتمين بتحذيره.
إظهار النتائج من 2651 إلى 2660 من إجمالي 12325 نتيجة.