عرض وقفات أسرار بلاغية

  • ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ ﴿٦٨﴾    [التوبة   آية:٦٨]
* إسناد الوعد إلى الله يكون الوعد مخصصاً بالمؤمنين والكافرين (وَعَدَ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ (٧٢)) (وَعَدَ الله الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ (٦٨)) (وعد الله) وردت في ١٢ موضع في القرآن الكريم كلها مخصصة، وإذا أسنده إلى الرحمن وعد عام يشمل عموم العباد تحقيقاً لإسمه الرحمن الواسع التي وسعت رحمته كل شيء للرحمة الواسعة مع أنه قد يقصد بهم المؤمنين مثال (جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ) عموم وشمول ليس فيها تحديد فئة معينة مع العلم أن المقصود بها من آمن وتاب وعمل صالحاً لكن ما قالها يجعلها عامة. * دلالة استخدام الكفار للجمع وليس الكافرين: كفار جمع تكسير وكافرين جمع مذكر سالم، كافر صفة، جمع الصفات جمع المذكر السالم يقرب الصفة من الفعلية (الحدث) ويبعدها عن الإسم بينما جمع التكسير يقربها إلى الإسم، ويأتي السياق بما يود التركيز عليه فإذا أراد التركيز على الحدث يقول الكافرين، وإذا أراد التركيز على الأشخاص يقول الكفار، مثلما لو قلنا وجدنا الكُتّاب غير كاتبين، كتاب يراد بها الأشخاص (إسمية) وكاتبين يراد بها الحدث. لما قال (وَالْكُفَّارَ) : - يعني هؤلاء الأشخاص هو جمع لكن ليس فيه معنى الحدث، وهذا أعم. - جمع التكسير إذا كان معه جمع المذكر السالم فهو يدل على الكثرة يعني كُفّار أكثر من كافرين. - كُفّار فيها عنصر المبالغة الذين يكفرون بكثرة، إذن أقرب للمبالغة.
  • ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿٦٩﴾    [المائدة   آية:٦٩]
آية (٦٩) : (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) * عبّر تعالى هنا بالذين هادوا ولم يقل اليهود إشارة إلى أنهم الذين انتسبوا إلى اليهود وليسوا اليهود من سبط يهوذا . * وجه الإختلاف من الناحية البيانية بين آية ٦٢ في سورة البقرة وآية ٦٩ في المائدة (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِؤُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحًا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٩)) وآية ١٧ في الحج (إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١٧)) : من حيث الناحية الإعرابية : النصب في آية البقرة وآية الحج (وَالصَّابِئِينَ) معطوف على منصوب . الرفع في آية المائدة على محل إسم إنّ ، فالأصل إسم إنّ قبل أن تدخل عليه مرفوع فهذا مرفوع على المحل ، أو يجعلوه جملة معترضة (والصابئون كذلك) . لكن لماذا رفع؟ (إنّ) تفيد التوكيد ، (الصابئون) غير مؤكد والباقي مؤكد لماذا؟ لأنهم دونهم في المنزلة ، أبعد المذكورين ضلالاً والباقون أصحاب كتاب ، الذين هادوا عندهم التوراة والنصارى عندهم كتاب الإنجيل والذين آمنوا عندهم القرآن ، الصابئون ما عندهم كتاب خرجوا عن الديانات المشهورة ، صبأ في اللغة أي خرج عن الدين ، ولذلك هم دونهم في الديانة والاعتقاد ولذلك لم يجعلهم بمنزلة واحدة فرفع فكانوا أقل توكيداً ، وجاءت هذه الآية لتلفتنا أن هذه التصفية تشمل الصابئين أيضاً فقدمتها ورفعتها لتلفت إليها الآذان بقوة ، ولتقطع اليأس فالصابئون كذلك كلهم يغفر لهم إذا تابوا . من حيث التقديم والتأخير في الترتيب : آية البقرة (والنصارى والصابئين) لم يذم عقيدة النصارى وحشرهم على الجانب التاريخي فذكر اليهود ومن ورائهم بالترتيب التاريخي ووضع الصابئين في آخر المِلل ، والذين آمنوا (المؤمنون) مقدّمون على الجميع . في المائدة (والصابئون والنصارى) قدّم الصابئين لأنه ذمّ النصارى في المائدة ذماً فظيعاً على معتقداتهم ، تكلم على عقيدة التثليث جعلهم كأنهم لم يؤمنوا بالله وكأنهم صنف من المشركين (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ (٧٢)) (لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ .. (٧٣)) فأخّر النصارى حتى تكون منزلتهم أقل لأنه ذمّ عقيدتهم . في الحج (وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى) الكلام على الفصل يوم القيامة ، تحدث عن مطلق الايمان والكفر والحساب يوم القيامة ، فلا بد أن تكون متلازمة ، فجمعهم وجعل العطف عطفاً طبيعياً . في آية البقرة (فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) أما في المائدة (فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون) : المذكورين في الآيتين هم نفسهم (الذين آمنوا، الذين هادوا، النصارى، الصابئين) لكن : - في سورة المائدة السياق في ذمّ عقائد اليهود والنصارى ذمّاً كثيراً مسهب والكلام على اليهود أشدّ وما ذكرهم في المائدة إلا بمعاصيهم ، أما في البقرة فالسياق في الكلام عن اليهود فقط وليس النصارى ، حتى لما يذكر العقوبات يذكرها في المائدة (قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللّهِ مَن لَّعَنَهُ اللّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُوْلَـئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ عَن سَوَاء السَّبِيلِ (٦٠)) أكثر من البقرة (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَواْ مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ (٦٥)) لذا اقتضى السياق التفضيل بزيادة الخير والرحمة في المكان الذي يكون الغضب فيه أقل (في سورة البقرة) . - جو الرحمة ومفردات الرحمة وتوزيعها في سورة البقرة أكثر من المائدة ، فقد وردت الرحمة ومشتقاتها في سورة البقرة ١٩ مرة بينما وردت في المائدة ٥ مرات ، ولم تُجمع القردة والخنازير إلا في سورة المائدة . - أنواع العمل الصالح في السورتين: في سورة المائدة ورد ذكر ١٠ أنواع من العمل الصالح (الوفاء بالعقود، الوضوء، الزكاة، الأمر بإطاعة الله ورسوله والإحسان والتعاون على البر والتقوى وإقام الصلاة والجهاد في سبيل الله والأمر باستباق الخيرات) ، وفي سورة البقرة ورد ذكر ٣٠ أو ٣٣ نوع من أعمال الخير وتشمل كل ما جاء في سورة المائدة ما عدا الوضوء وفيها بالإضافة إلى ذلك الحج والعمرة والصيام والإنفاق والعكوف في المساجد وبر الوالدين والهجرة في سبيل الله والإيفاء بالدين والقتال في سبيل الله والإصلاح بين الناس وغيرها كثير ، لذا اقتضى كل هذا العمل الصالح في البقرة أن يكون الأجر أكبر (فلهم أجرهم عند ربهم) . - (فلهم أجرهم عند ربهم) تتردد مفرداتها كما يلي : ١. الفاء وردت في البقرة ٢٦٠ مرة ووردت في المائدة ١٨٠ مرة ٢. لهم وردت في البقرة ٢٩ مرة وفي المائدة ١٥ مرة ٣. أجرهم وردت في البقرة ٥ مرات وفي المائدة مرة واحدة فقط ٤. عند وردت في البقرة ١٩ مرة وفي المائدة مرة واحدة ٥. ربهم وردت في البقرة ١٠ مرات ومرتين في المائدة وهذه العبارة (فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) لم ترد إلا في سورة البقرة بهذا الشكل وقد وردت في البقرة ٥ مرات . * الله سبحانه وتعالى يعطف الإيمان على العمل لذلك يقول دائما (آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً) لأن الإيمان إن لم يقترن بعمل فلا فائدة منه ، والله يريد الإيمان أن يسيطر على حركة الحياة بالعمل الصالح ، فيأمر كل مؤمن بصالح العمل وهؤلاء لا خوف عليهم في الدنيا ولا هم يحزنون في الآخرة . * الفرق بين (عَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا) و (وَعَمِلَ صَالِحًا) أنه في عموم القرآن إذا كان السياق في العمل يقول (عملاً صالحاً) كما في آخر سورة الكهف (مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا (١١٠)) لأنه تكلم عن الأشخاص الذين يعملون أعمالاً سيئة أما الآية (٦٢) من سورة البقرة ليست في سياق الأعمال فقال (عمل صالحاً) .
  • ﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ ﴿٧٠﴾    [المائدة   آية:٧٠]
آية (٧٠) : (لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ) * جاء التكذيب بصيغة الماضي ليقص علينا حالتهم بينما أتى الفعل يقتلون مضارعاً لتستحضر الحالة الفظيعة ولتزدري شناعة فاعليها حتى كأنك ترى وتشاهد هذا الصنع الفظيع منهم.
  • ﴿كَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُم بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُم بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴿٦٩﴾    [التوبة   آية:٦٩]
* دلالة تكرار (مِنْ قَبْلِكُمْ) : الخلاق أي النصيب الهيّن التافه، وكررها حتى يشدد على تفاهة هذا الشيء ويبغِّض فيه بأن هذه الأموال والأولاد خلقات. ممكن في غير القرآن أن يقول: هم استمتعوا بخلاقهم فاستمتعوا بخلاقكم كما استمتعوا بخلاقهم لكن سيكون التكرار قريباً، فرجع إلى عبارة بعيدة قليلاً فكرر الأول (كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ) حتى يخفف استعمال الضمائر - وهذا كان معروفًا عند العربي ويسميه إستراحة، يستريح من تكرار الضمائر بهذا الشكل - ثم مضى في هذا التجنب لحشد الضمائر ولم يقل خضتم كخوضهم أو كالذي خاضوه أو خاضوا فيه، لكن قال (وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا) (الذي) فيها شيء من التعريف ليبتعد عن تكرار الضمائر وتكرار العبارة بنصّها. * وردت (كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً) في أكثر من موضع وبملاحظة السياق يتضح الفرق: في التوبة (كَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُواْ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالاً وَأَوْلاَدًا) ماذا قال عنهم؟ ماذا فعل فيهم؟ قال (أُوْلَـئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الُّدنْيَا وَالآخِرَةِ) ما ذكر لهم عقوبة. في الروم (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٩)) ما ذكر شيئاً. في فاطر (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا (٤٤))، ما ذكر لهم شيئاً، هذه الآيات الثلاث من دون (هم). في غافر التي فيها (هم) (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآَثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (٢١) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢٢)) ذكر العقوبة قال (فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ) (وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ) ما ذكر ذلك في الآيات الأخرى، (مِنْ وَاقٍ) فيها توكيدين، (من) تفيد التوكيد واستغراقية، ثم كرر (فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ) للتوكيد ثم قال (إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ) أكّد، إذن توكيدات متعددة إضافة إلى الأخذ فاقتضى الموطن التوكيد بضمير الفصل فقال (كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً). * استخدام صيغة المفرد والجمع في قوله تعالى (وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا): أي خضتم كخوضهم، كالذي خاضوه أي بالشيء الذي خاضوا فيه، و(الذي) عادت على الأمر المفرد وليس عليهم.
  • ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿٧٣﴾    [المائدة   آية:٧٣]
آية (٧٣) : (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) * جاء الفعل (يَقُولُونَ) بصيغة المضارع ولم يقل (عما قالوا) لأنه مناسب لمعنى الفعل (يَنتَهُواْ) فالإنسان ينتهي من شيء مستمر وفي الآية يأمرهم الله بالكف والانتهاء عن قول مستمر لا عن قول مضى فلو مضى لما أمر بالانتهاء بل كان أمرهم بالتوبة.
  • ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴿٧٢﴾    [التوبة   آية:٧٢]
* الفرق بين جنات وجنات عدن: جنات مطلقة، جنات عدن أي جنات الإقامة، عَدَن في المكان أي أقام، والإقامة تحتاج إلى سكن فإذا ذكر مساكن يذكر عدن. * اللمسة البيانية في اختلاف نهاية الآيات (٧٢) (٨٩) (١١١) : (هو) ضمير الفصل يفيد القصر والتوكيد، كل ما جاء فيه آكد مثل الآية (٧٢) زاد المساكن الطيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر فقال (ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) لأنه لما زاد النعيم أكّد وحصر، على عكس الآية (٨٩) (أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) بدون (هو)، وفي الآية (١١١) (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ... فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)، لم يبق لهم أنفس ولا أموال، والجزاء على قدر التضحية فلما كانت التضحية أكبر وبيع وشراء كان الجزاء أكبر فأكّدها (وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) . * الفرق بين (ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) و (وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) و (ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) و (وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) و (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) : في المائدة (ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) خبر فقط، الجنة لهؤلاء الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه (قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١٩)) خبر فقط لمن آمن وكان صادقاً في عباداته وهذا أساس الجنة. في النساء أضاف واو (وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) تلك حدود الله، من دخل الجنة فاز، والفوز أنواع وهناك فوز عظيم لكن هناك أعظم منه والأعظم منه هو الذي فيه واو (وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) هذا لمن يطيع الأحكام في الكتاب والسنة حلال وحرام هذه هي التقوى قال (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣)). في التوبة أضاف هو بدون واو في قوله (ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) من هم هؤلاء؟ الذين هم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ (٧١)) (هُوَ) خصّصّ أن هذا الفوز فوز فريد لا فوز غيره في مقامه (ذَلِكَ هُوَ) لكي يبين أن هذا فوز متميز لأن فيه طاعة الحلال والحرام. في التوبة في موضع آخر أضاف الواو والهاء (وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) هذه للشهداء (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١١)) قطعاً أن فوز الشهداء أقوى من فوز الذين يتبعون الحلال والحرام لأن هذا إضافة، فالحلال والحرام أنت ملزم به لكن هذا لم يكن ملزماً به فنال الشهادة فقال (وَذَلِكَ) جاء بالواو وهو معاً، الله سبحانه وتعالى يقسم بأن هذا هو الفوز الفريد المتميز جداً لماذا؟ لأن فيها شهادة. في الصافات قال (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) إنّ مؤكِّدة ثم لام توكيد ثم هو، متى هذا؟ هذا عندما دخل الناس الجنة ورأوا النعيم المقيم وفازوا فوزاً عظيماً وأدركوا هذه النعمة العظيمة حين اطلعوا على أهل النار وإذا به يرى صاحبه الذي كان سيُضِله (قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (٥٤) فَاطَّلَعَ فَرَآَهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٥٥) قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٥٧) أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨) إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٥٩) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٠)) يعني نحن لن ندخل جهنم ولن نموت ولن نحاسب مرة أخرى!
  • ﴿مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ﴿٧٥﴾    [المائدة   آية:٧٥]
آية (٧٥) : (مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) * الفرق بين نصرّف ونفصّل ونبيّن الآيات: التفصيل والتصريف غير التبيين مع أن كلها إيضاح التصريف هو التغيير يأتي للمسألة الواحدة ويغيّر فيها حتى يوصلها لك، مثل الاستدلال على الحياة الآخرة بخلق الإنسان وتطوره (أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (٣٨) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣٩) أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (٤٠) القيامة) هذا تصريف، يعني كل مرة يأتي بشكل حتى يثبت المسألة. التفصيل هو التبيين بصورة واسعة فيأتي بأمور متعددة مختلفة هذه وهذه وهذه فيفصلها، مثال (إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٩٥) فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٩٦) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٩٧) الأنعام) إنتقل من الحب والنوى إلى الإصباح ثم الشمس والقمر ثم النجوم، ينتقل ويذكر أموراً كثيرة مختلفة قطعاً قطعاً فقال (قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَاتِ). التبيين هو توضيح أمر واحد كما تبين المسألة الواحدة، على سبيل المثال الآيات من (٧٢) إلى (٧٥) في نفس القضية الحديث عن تكذيب أهل الكتاب في تأليه المسيح عليه السلام فاستعمل نبيّن أي نوضح.
  • ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴿٧٦﴾    [المائدة   آية:٧٦]
آية (٧٦) : (قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) * قدم الضر على النفع لأن النفوس أشد تطلعاً إلى دفعه من تطلعها لجلب النفع فكان أكثر ما يدفع المشركين إلى عبادة الأصنام أن يردوا بها الأضرار عن أنفسهم.
  • ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا ﴿٦٠﴾    [النساء   آية:٦٠]
* لو رجعت إلى سبب نزول الآية لعلمت أنها نزلت بمنافق ولكن صيغت بأسلوب الجمع (يَزْعُمُونَ) مع أن المراد بها واحد لأن المقام مقام توبيخ ليشمل المنافق المقصود ومن كان على شاكلته وفعلته. * وصف الله تعالى الضلال بالبعيد والبعد مسافة ولم يصفه بالضلال الكبير فالشيطان يسعى ليُغرق الإنسان في الضلال وليوغل في مسار الفسق حتى يصعب عليه الرجوع عنه أما الضلال الكبير فيمكن أن يتخلى الإنسان عنه ولذلك خصّ الله تعالى الضلال من الشيطان بالبعيد لتعرف بأن الشيطان لن يهدأ حتى يبلغ الواحد منا أقصى غاية في الضلال.
  • ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴿٧٣﴾    [التوبة   آية:٧٣]
* (الْكُفَّارَ) أصلها من كفر الأرض يعني ستر ومنها أخذت كلمة الكفر أنه ستر الإيمان في قلبه وواراه بأعمال الشرك. * استخدم الكفار وليس الكافرين لأن الكفار فيها نوع من المبالغة تدل على كثرة القيام بالكفر وتدل على الذوات الذين هم يقاتَلون، هذه أقرب للمعنى من الكافرين التي تدل على الحدث وليس على الذوات، (الْكُفَّارَ) يعني جعلوا الكفر مهنة لمحاربة المسلمين.
إظهار النتائج من 2561 إلى 2570 من إجمالي 12325 نتيجة.