* الإختلاف بين ختام الآيتين في سورة النساء (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيماً )٤٨) و (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١١٦)، نعود إلى السياق حتى يتضح الأمر:
الآية الأولى نزلت في أهل الكتاب قال تعالى قبلها (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم) أهل الكتاب نزل عليهم كتاب نزل بالتوحيد لا بالشرك فعندما يشركون يكونون قد افتروا على الله هم يفهِمون الناس أنه نزل بالشرك إما بالتثليث أو عزير ابن الله أو غيرها من الأقاويل ينسبونها إلى الله وإلى الكتب وهذا افتراء فختم الآية (فقد افترى إثما عظيما) لأنهم كذبوا على الله، افترى يعني كذب والإثم هو الذنب. إذن أهل الكتاب افتروا واكتسبوا إثماً، إضافة إلى هذا أن السياق أصلاً في ارتكاب الآثام ، (يَشْتَرُونَ الضَّلاَلَةَ) (مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ) (وَلَكِن لَّعَنَهُمُ اللّهُ بِكُفْرِهِمْ) (انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الكَذِبَ) (يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ) هذه كلها آثام إذن ناسب ختام الآية (فقد افترى إثماً عظيماً).
الآية الثانية في كفار قريش لا يعلمون شيئاً غافلين لم ينزل إليهم كتاب وإنما هم ضالون، إضافة إلى أن السياق في الضلال (وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى) تبين له الهدى وشاقق الرسول هذا ضلال، (وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ) (وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ) إذن الآية الثانية في سياق الضلال إضافة إلى أنها نزلت في أناس لم ينزل إليهم كتاب ولا عرفوه فهم ضالون السياق في الضلال أيضاً. كل فاصلة ناسبت السياق الذي وردت فيه ولمن نزلت فيهم الآية.
آية (٤٠) : (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)
* هذا جواب لمن يسأل عن انقلاب حال السارق من العقاب إلى المغفرة بعد التوبة مع عظم جرمه ليحيطنا علماً بأن الله هو المتصرِّف في السموات والأرض وما فيهما فهو العليم بمواضع العقاب ومواضع العفو.
* قدّم العذاب لأن الأمر في البداية يتعلق بقطع اليد للسارق والسارقة ثم على مغفرة وتوبة بعد إقامة الحد (فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ) فالتعذيب سبق المغفرة. بينما في باقي القرآن دائماً يقدم الرحمة ترغيباً للمطيعين ويؤخر العذاب ويذكره تحذيراً من المعصية.
* الفرق بين (كَفَرُواْ بِاللّهِ وَبِرَسُولِهِ) و (كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) في الآية (٨٤) :
- (كَفَرُواْ بِاللّهِ وَبِرَسُولِهِ) كأنه كُفران: كفرٌ بالله وكفرٌ برسوله، إذا تكرر حرف الجرّ كأنه يكرر المعنى فإذا قلت مثلاً: مررت بزيد وعمرو هذا كأنما هما في مكان واحد وأنت مررت بهما مرورًا واحدًا، لكن إذا قلت: مررت بزيد وبعمرو كأنك مررت مرورين مرور بزيد ومرور بعمرو، وقد يكون الإثنان في مكان واحد لكنك تريد العناية والاهتمام بكل منها فتفصل، والآية هنا فيها تفصيل ففي البداية قال (قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا) (إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَبِرَسُولِهِ) (وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ) صلاة وإنفاق.
- (وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (٨٤)) الآيات ليس فيها تفصيل وإنما فيها نوع من الجمع (وَرَسُولِهِ) جمع الكفر مرة واحدة كأن فيها نوع من الاختصار.
* انظر إلى أسلوب إبطال معتقدهم فلم يقل ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم وهم كاذبون ليبيّن حالة التزكية بل قال (بل الله يزكي من يشاء) فقد أبطل معتقدهم في التزكية بإثبات التزكية لله تعالى وقد أفاد تصوير الجملة بـ (بل) حتمية إبطال تزكيتهم خلافاً لحذفها فلو قال والله يزكي من يشاء لكن لهم طمع أن يكونوا ممن زكّاه الله تعالى.
* قال تعالى (انظر كيف) ولم يقل إسمع مع أن الكلام المختلق المكذوب تسمعه الآذان لأن الله تعالى جعل الكذب والافتراء الذي تسمعه الأذن كأنه أمر مرئي يراه الناس يأعينهم ليصف شدة تحقق وقوع ذلك منهم فهو أمر محتّم.
آية (١١۲) : (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ)
* قال تعالى (وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ) ، وفي الآية (١۳٧) (وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ) :
الآية الأولى لما تقدم قوله تعالى (وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلآئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ إِلاَّ أَن يَشَاء اللّهُ) فعرف سبحانه نبيه عليه السلام بما سبق لهؤلاء وما قدره عليهم فى الأزل حتى لا يجدى عليهم شئ ولا ينفعهم تذكار مما يثير أشد الخوف، كان مظنة إشفاق فأنس نبيه صلى الله عليه وسلم بإضافة اسم ربوبيته سبحانه لنبيه عليه السلام ، مخاطبا له (وَلَوْ شَاء رَبُّكَ) فتلطف فى تأنيسه عليه السلام وتأنيس أمته بأنسه.
الآية الثانية لم يقع قبلها مثل هذا وإنما قال (وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُواْ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ) وليس هذا فى اقتضاء الحتم عليهم المؤذن بقطع الرجاء منهم فجاء بلفظ الجلالة من غير إضافة.
* الفرق بين الجبت والطاغوت:
الطاغوت: اشتقاقه العربي من الطغيان، فِعلها طغى وهي مصدر تدل على المبالغة، كل رأس في الضلال يسمى طاغوت (ما عُبِد من دون الله) حتى الساحر والكاهن والصنم وفي العربية المارد من الجن يسمى طاغوت وهي عامة وتستعمل للمذكر والمؤنث والمفرد والجمع بحسب السياق الذي وردت فيه وعندنا جمع (طواغيت).
الجبت: كلمة عامة تطلق على الطاغوت، الساحر، الكاهن، وتطلق الأفعال والأعمال غير المرضية مثل الطيرة والعيافة والاعتقادات الباطلة وتدخل تحتها مجموعة الأفكار والمفاهيم. والبعض قال هي إسم صنم. الجبت لها نفس دلالة الطاغوت وفيها توسع في المعنى ، . ليس لها فعل صيغتها هكذا (الجبت) ليس لها جمع ولا مثنى. لكن الجبْت (بتسكين الباء) ليست من محض العربية أما الطاغوت فمن محض العربية.
آية (٤٢) : (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)
* (فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئًا) استعمل الله كلمة (شَيْئًا) دون غيرها وهو لفظ مبهم لا دلالة محددة له ونُكّره للتحقير والتقليل من الإيذاء أي لن يضروك بأي شيء مهما صَغُر وقلّ.
آية (٤٤) : (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)
* (بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ) وكل الله الحفظ إليهم فبدّلوا التوراة ولكنه تعهد بحفظ القرآن (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩) الحجر).
* الثمن القليل جاء في القرآن حيثما ورد في الكلام عن آيات الله وعن عهد الله سبحانه وذلك لأن العدوان على حق الله مهما بلغ فهو ثمن قليل (وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا) أي ثمن يناسب آيات الله عز وجل؟ لا شيء ، أياً كان الثمن فهو قليل .