آية (٥٨) : (وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ)
* الفرق بين الاستهزاء و السخرية:
الاستهزاء أعم من السخرية ، فالاستهزاء عام بالأشخاص وبغير الأشخاص ويقال هو المزح في خفية.
السخرية لم ترد في القرآن إلا في الأشخاص تحديداً (وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ (٣٨)هود).
* ختمت الآية بقوله (لاَّ يَعْقِلُونَ) لأن فيها تحذير للمستهزئين بأداء الصلاة إذ ليس في النداء إلى الصلاة ما يوجب الاستهزاء فكان هذا الفعل منهم موجباً للاستهزاء بسخافة عقولهم.
* جاءت كلمة يرضوه بضمير الغائب المفرد وليس يرضوهما لأن إرضاء الله تعالى ورسوله أمر واحد لا اختلاف بينهما لأن من أرضى الرسول صلى الله عليه وسلم فقد أرضى الله سبحانه وتعالى ومن أرضى الله تعالى فقد أرضى الرسول صلى الله عليه وسلم ، والأظهر أن الضمير للرسول صلى الله عليه وسلم فبدل أن يحلفوا للمؤمنين ويرضوهم إذهبوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وارضوه فإذا رضي الرسول صلى الله عليه وسلم فقد رضي الله سبحانه وتعالى، ولو قال يرضوهما تدل على أن كل واحد له مطلب وكل واحد يجب إرضاؤه وقد تتعارض الإرادتان.
آية (٦٠) : (قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ)
* الفرق بين صيغة الاستفهام (قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ) وفي سورة الحج (قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكُمُ (٧٢)) :
- (هَلْ أُنَبِّئُكُم) (أَفَأُنَبِّئُكُم) :
(هل) أقوى في الاستفهام من الهمزة وآكد بدليل أنها قد تصحبها (من) الاستغراقية لزيادة التأكيد (هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ (٣) فاطر) (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٢٢) القمر) (فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاء فَيَشْفَعُواْ لَنَا (٥٣) الأعراف) أما الهمزة فلا تصحبها (من).
في الحج سياق الآيات (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا) لم يفعلوا شيئاً وإنما يكادون فقط.
في المائدة السياق قبلها في (الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا) يعني فعلوا، (وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا) فعلوا، ويستمر في ذمّهم، ووصفهم قبلها بالفسق واتخذوا الصلاة هزواً ولعباً، عبدوا الطواغيت، مسخ منهم القدرة والخنازير. إذن أيُّ الموقفين أقوى؟ في المائدة.
- (ذَلِكَ) (ذَلِكُمُ) :
إذا كان في مقام التوسع والإطالة في التعبير والتفصيل يأتي بالحرف مناسباً لأن (ذلكم) أكثر من (ذلك) من حيث الحروف.
في آية المائدة (قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ) المخاطَب جماعة من أهل الكتاب جعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت، وفي الحج (قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) أي الأكثر؟ الذين كفروا، فلما كانت المجموعة أكثر جمع فقال (ذَلِكُمُ) ولما كانت أقل أفرد (ذَلِكَ).
* الفرق اللغوي بين الأجر والثواب والمثوبة :
الأجر هو جزاء العمل لكن يقال في الغالب لما فيه عقد أو شبيه بعقد يجري مجرى العقد (قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ (٢٧)القصص) ، فالأجر فيه نفع لأنك تتعاقد مع أحد على شيء ، والأجر في الغالب يكون في الأعمال البدنية في الطاعات .
الثواب في اللغة يقال في الخير والشر لكن القرآن لم يستعملها إلا في الخير والثواب وهو جزاء على العمل .
المثوبة من الثواب ولكن القرآن استعملها في الخير والشر (وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُواْ واتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللَّه خَيْرٌ (١٠٣)البقرة) (قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللّهِ) ، أثاب يستعملها في الحزن (فَأَثَابَكُمْ غُمَّاً بِغَمٍّ (١٥٣)آل عمران) .
* عبر عن الشر بالمثوبة ولم يقل (بشر من ذلك عقاباً) للاستخفاف بهم وللتهكم من فعلهم لقد استخفّوا بأوامر الله فاستخف الله بعقولهم وبمخاطبتهم فانظر إلى هذا الثواب العظيم الذي وعدهم الله تعالى إياه اللعنة والغضب والمسخ والعياذ بالله .
آية (٦٣) : (لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ)
* قال تعالى (يَصْنَعُونَ) ولم يقل يعملون لأن الصنع أدل على التمكن في العمل والتحري من يعملون.
* جاء استخدام (خَالِدًا) لأن الله تعالى أراد أن يُعذّب أهل النار بالنار وبالوحدة لأن الوحدة هي بحد ذاتها عذاب أيضًا بينما في الجنّة هناك اجتماع (خالدين، متكئين، ينظرون، يُسقون).
آية (٦٦) : (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ)
* (وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ) إقامة الشيء بأن تجعله قائماً وقد استعمل القرآن الإقامة للدلالة على عدم الإضاعة فالشيء الذي يضيع منك يكون مطروحاً وملقى على الأرض والإنسان في حالة قيامه يكون أقدر على الأشياء.
* القاعدة تقول أن اللام في جواب القسم دلالة على إثبات الفعل، اللام في (ليقولنّ) واقعة في جواب القسم. واللام في الاثبات لا بد أن تأتي في الجواب (حتى يكون الفعل مثبتاً). فإذا قلنا لئن سألتهم من خلق السموات والأرض يقولون يُصبح الفعل منفيّاً. كأن نقول "والله لأذهب الآن، أو والله لأذهبنّ" فلو حُذفت اللام فتعني النفي قطعاً فّإذا قلنا والله أذهب معناها لا أذهب كما في قوله تعالى في سورة يوسف (قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (٨٥)) بمعنى لا تفتأ. فمتى أجبت القسم بالفعل المضارع ولم تأت باللام فهو نفي قطعاً
* (لَيَقُولُنَّ) بالضم بينما جاءت بالنصب في سورة هود (وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧)) :
قاعدة: إذا كان الفاعل ظاهراً فنأتي بالفعل في حالة الإفراد ويُبنى على الفتح لأن نون التوكيد باشرته والفعل يُفرد مع الفاعل كما في قوله تعالى (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ) ولا نقول جاءوك المنافقون.
في آية هود الفعل يُبنى على الفتح لأن نون التوكيد باشرت الفعل المضارع لأنه مُسند إلى اسم ظاهر (الَّذِينَ كَفَرُوا) .
في آية التوبة الفعل مُسند إلى واو الجماعة (لَيَقُولُنَّ) ولم تباشره نون التوكيد وأصل الفعل إذا حذفنا نون التوكيد (يقولون) ومثلها الآية ٨ من سورة هود (وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ...) والفعل مرفوع بالنون المحذوفة لتوالي الأمثال والواو المحذوفة لالتقاء الساكنين. أصل الفعل يقولون مرفوع بثبات النون وعندما جاءت نون التوكيد الثقيلة يصبح عندنا ٣ نونات ويصبح هذا كثيراً فيحذفون نون الرفع وتبقى نون التوكيد واللام لام الفعل.
* الفرق بين الاستهزاء و السخرية:
الاستهزاء أعم من السخرية ، فالاستهزاء عام بالأشخاص وبغير الأشخاص ويقال هو المزح في خفية (قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ).
السخرية لم ترد في القرآن إلا في الأشخاص تحديداً (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ ).
آية (٦٧) : (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ)
* مناسبة الآية لسياقها: وقعت الآية في سياق الذين أوتوا الكتاب ومحاربتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمفروض تبليغهم كتبيلغ غيرهم مع أنهم يكثرون مجادلته ويدّعون العلم وكلما جاءهم رسول قتلوا فريقاً وكذبوا فريقاً آخر وطبعاً هذه من المثبطات أن تدعو من لا تأمنه لو كانوا أقل مجادلة لأمل منهم خيراً. ولكنهم يقولون نحن أصحاب الكتب وأصحاب العلم لكن ربنا أوقعها هنا بالذات حتى لا يترك مجالاً لأهل الكتاب أو غيرهم أمره بالتبليغ لا يمنعه من ذلك مانع ولا يثبطه مثبط ثم قال (وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) مع أنهم حاولوا قتله كما قتلوا قبله من الأنبياء وهذا إعجاز لأن الرسول كان يُحرس ولما نزلت الآية صرف الحرس وقال انصرفوا فقد عصمني الله وهذا دليل على أنه يأتيه الوحي من الله تعالى.
* (وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) افتتح ربنا هذه الجملة من الآية بلفظ الجلالة للتأكيد على العاصم وهو الله. فإن عصمك الله يا محمد فلا تخشى أحداً. وفي الابتداء بإسم الله طمأنة لفؤاد النبي صلى الله عليه وسلم بسماع اسم الله .
* سبب الإختلاف بين التعبيرين (بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ) و(بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) فى وصف المنافقين والمؤمنين:
المنافقون والمنافقات ورد في الآيات السابقة (وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (٥٦)) يقسمون أنهم جزء من المسلمين، ثم ترد عليهم الآية مباشرة (وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ) فالمناسب (بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ) ليسوا منكم، المنافق هو جزء من حظيرة المنافقين هو من المنافقين هم بعضهم من بعض وليسوا منكم وإن كانوا من عشيرتكم.
(وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) الموالاة تقتضي المعاونة والنُصرة والمصارحة، وهناك مناصرة بين المؤمنين، أما المنافقون فليس بينهم مناصرة والمنافق لا يُظهر من نفسه مناصرة للمنافقين الآخرين فالمنافقون لا تكون بينهم مناصرة لأن المنافق جبان خوّاف وإلا لما كان منافقاً، ولم ترد في القرآن بعضهم أولياء بعض للمنافقين لكن وردت مع الكافرين والمؤمنين يوالي بعضهم بعضاً فالكافر يولي الكافر ويصارحه بذلك وهو أهون شراً من المنافق.
* الفرق بين:
طوعاً وطائعاً: طوعاً تعني تلقائياً من النفس وطائعاً تعني طائعاً لإرادة الله سبحانه وتعالى.
يُقبل ويُتقبل: يقبل من الرسول من العباد وهو في الدنيا، أما يتقبل فهو من الله تعالى يتقبل الأعمال أو لا وهذا في الآخرة.