آية (١٦) : (يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ)
* الفرق بين السبيل والصراط:
الصراط هو الطريق المستقيم الواسع ولم يرد في القرآن إلا مفرداً لأنه يُراد به الإسلام (وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ (١٥٣) الأنعام) ، والصراط هو أوسع الطرق أياً كان (مِن دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (٢٣) الصافات) ويأتي الصراط دائماً موصوفاً ومضافاً يدل على أن هذا طريق الخير وذاك طريق الشر. وكما قال الزمخشري أصلها من سرط أي ابتلع لأنه يبتلع السالكين فيه.
السبيل هو الطريق السهل السبيل عام وفيه معني السعة ، يأتي مفرداً ويأتي جمعاً (سبل) لأنها سهلة ميسرة للسير فيها، وتستخدم سبل للخير والشر (يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ (١٦) المائدة) طرق الخير، (وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ) طرق الشر، والسبل هي الطرق المتفرعة عن الصراط لذلك تجمعه سبل الخير، سبل الشر.
* (شيئاً) فيها دلالتان إما شيئاً من الشرك لأن الشرك هو درجات هناك شرك أصغر وشرك أكبر كما أن الإيمان درجات أو شيئاً من الأشياء كل شيء سواء كان أحداً من الناس أو الأصنام أو غيره.
* الفعل أحسن ومصدره الإحسان يتعدّى بحرف الجر (إلى) فنقول أحسن إلى فلان، ولكن عبّر هنا بالباء في قوله (وبالوالدين إحسانا) فالإحسان إذا عُدّي بالباء كان متعلقاً بمعاملة الذات أي ذات الأبوين روحاً وجسداً وتوقيرهما واحترامهما والنزول عند رغبتهما وامتثال أمرهما وكأنه يقول: بِرّ بوالديك، وهذا ما نوّهت له الآية. أما تعديته بـ (إلى) فذاك يكون عند قصد إيصال النفع المالي ولذلك قال تعالى لقارون (وأحسن كما أحسن الله إليك).
* الفرق بين (وَذِي الْقُرْبَى) فى سورة البقرة و (وَبِذِي الْقُرْبَى) فى سورة النساء: عندنا آيتين آية اليهود يقول تعالى (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى ﴿٨٣﴾ البقرة) لا يوجد باء، الآية الأخرى للمسلمين (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى﴿٣٦﴾النساء) رب العالمين يعلم أنه ما من أمة على وجه الأرض سوف تصل إلى ما وصل إليه المسلمون من هذا الرحم وهؤلاء القربى والوالدين والتماسك الأسري والكل يشهد بذلك في حين الأمم كلها لا تُعنى بهذا هذا هو أثر الباء.
* سمي المسافر البعيد عن منزله الذي ضاقت به السبل إبن السبيل لأنه لازم الطريق سائراً مسافراً فنُسب إليه وإذا ما دخل قبيلة عرفوه أنه ابن السبيل لأن الطريق رمى به إليهم.
آية (١٧) : (لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَآلُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)
* الملاحظ في القرآن الكريم أنه إذا استعمل الفعل المضارع بعد الشرط فمظنة التكرار، واستعمال الماضي مظنة عدم التكرار ووقوعها مرة واحدة. يقول تعالى (إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ) ما قال إن يريد، لأن الإرادة مرة واحدة، كم مرة يهلكه؟ مرة واحدة إن هلك انتهى الأمر.
* عيسى في القرآن الكريم كله نجد أنه يُذكر على إحدى هذه الصيغ:
لقبه: المسيح ويدخل فيها المسيح عيسى ابن مريم و المسيح ابن مريم، وحيث ورد المسيح في كل السور لم يكن في سياق ذكر الرسالة وإيتاء البيّنات أبدأً ولم ترد في التكليف وإنما تأتي في مقام الثناء أو تصحيح العقيدة. فاللقب في العربية يأتي للمدح أو الذم والمسيح معناها المبارك كما في الآية (١٧).
كُنيته: ابن مريم ، ولم تأتي مطلقاً بالتكليف.
إسمه: عيسى ، وعيسى ابن مريم، وفي كل أشكالها هي لفظ عام يأتي للتكليف والنداء والثناء ولا نجد في القرآن كله آتيناه البينات إلا مع لفظ (عيسى) (وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ) والتكليف جاء فقط باسمه وليس لقبه ولا كُنيته كما في الآية (٤٦) و(١١٢) .
* الفرق بين قوله تعالى هنا (قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللّهِ شَيْئًا ..) وفي سورة الفتح (قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا ..) :
ننظر للمخاطبين في الآيتين:
في سورة الفتح الخطاب مختص بالمخلّفين من الأعراب (سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا .. (١١)) .
في سورة المائدة الخطاب عام وليس لجماعة معينة (لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَآلُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ) ثم قال (وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعًا) هذا الخطاب على مدى الأزمان والدهور فكيف يقول لكم؟ ، فلمّا كان مطلقاً عمّم وأطلق.
* ورد في بعض آي القرآن (السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا) وفى بعض السور لم يرد (وَمَا بَيْنَهُمَا) :
- كل موطن في القرآن الكريم يذكر فيه (وَمَا بَيْنَهُمَا) يأتي تعقيب على من يذكر صفات الله تعالى بغير ما يليق به سبحانه، هنا تعقيب على قول النصارى (الَّذِينَ قَآلُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ) وعلى قول اليهود بعدها (وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاء اللّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ (١٨)) قال بعدها (وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ) لا يحتاج الولد سبحانه، لماذا رقّيتم أنفسكم؟ هو تعالى لا يحتاج هذا حتى يتخذكم أبناء، لِمَ يتخذكم أبناء وهو الغني؟
- أبداً في كل موطن في القرآن الكريم يذكر فيها (وَمَا بَيْنَهُمَا) يذكر في السياق ثلاث ملل؛ في المائدة ذكر الكلام على بني إسرائيل (وَلَقَدْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَآئِيلَ (١٢)) ، نصارى (وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ (١٤))، أهل الكتاب (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ أَن تَقُولُواْ مَا جَاءنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءكُم بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٩))، ثلاث ملل.
* الاختلاف بين (وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ) – (وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ): قال تعالى في سورة البقرة (كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ﴿٢٦٤﴾) وفي النساء (وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ) وفي سورة التوبة (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ ﴿٢٩﴾) الذي لا يؤمن بالله واليوم الآخر كافر يقول أنا لا أؤمن بالله ولا بالآخرة (لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ) هو معلن عن كفره وشركه بالله.
الآخر يدعي أنه مؤمن بوجود الله لكنه كذاب يعني فقط بالظاهر فهو منافق فالله قال له لا أنت لا تؤمن لا بالله ولا باليوم الآخر(وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ) هؤلاء المنافقون فالمنافق كافر لكن يدعي أنه هو مؤمن ولا يتبع الإيمان لكن يخفي هذا الأمر إما لطمع أو خوف، مثلاً شخص جاء وقال لك أنا راسب بالدروس لكن لو قال لا أنا ناجح في الرياضيات واللغة فالمدير قال له لا أنت لست ناجحا لا بالرياضيات ولا باللغة أنت كاذب، هذا الفرق بين التعبيرين.
* كلمة (فكيف) نجد المستفهَم عنه غير موجود والتقدير فكيف المشهد؟ فكيف موقف الجميع يوم القيامة ؟ هذه الآية كان يبكي الرسول صلى الله عليه وسلم عندما يسمعها. حذف هنا للعموم والإطلاق لكل شيء، ويراد فيه تهويل الموقف للكفار.
* دلالة التقديم والتأخير في قوله (وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِّنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَـؤُلاء ﴿٨٩﴾ النحل) و (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا ﴿٤١﴾ النساء) :
في سورة النحل قدمت كلمة شهيد وأخرت عليهم فالشاهد تقدّم والمشهود عليهم تأخروا فجاءت تكملة الآية على نفس النسق (شَهِيدًا عَلَى هَـؤُلاء) قُدِّم لفظ الشهيد في المرة الأولى وكذلك في الثانية ليكون هناك تناسق. إذن المشهود عليهم تأخروا في المرتين والشاهد تقدم في المرتين.
في سورة النساء لم تأت كلمة (عليهم) قبل كلمة شهيد (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَـؤُلاء شَهِيدًا (٤١)) لم يأت ذكر لكلمة (عليهم) فلم يكن هناك أمر يًطلب فيه التناسق. أيضاً ختام آيات سورة النساء تنتهي بألف التنوين أياً كان الحرف الأخير قبل التنوين (شهيدا) الألف المنونة التي يسبقها أي حرف الدال أو غير الدال أما في سورة النحل فلو نظرنا في الآيات نجد الآيات تنتهي بالنون فنهاية الآيات جاءت مراعاة للفواصل مع المعنى وفي القرآن يتحقق الأمران معاً على نسق تام وعلى أروع ما يكون لا يُضعِف شيء شيئاً.
* إذا قدّم الشهيد فلبيان فضله وإذا قدّم المشهود عليهم فلبيان مدى جرمهم، قال (وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ) لبيان عظمة النبي عليه الصلاة والسلام ومدى نفوذه يوم القيامة على كل الأمم وهذه قضية عقائدية وهذا منطقي جداً باعتباره خاتم الرسالات قال (وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ) إذاً الإبراز وبيان الفضل للشهيد بغض النظر من هم المشهود عليهم.لكن لما قال (وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا) بين قباحة الأمة التي ذكرها القرآن بأنهم أشركوا وغيّروا وحرّفوا قال وجئنا بك على هؤلاء الذين انحرفوا شهيداً.
* ذكر الله الضمير في كلمة (بك) ولم يذكر الإسم الظاهر لم يقل وجئنا بالرسول على هؤلاء شهيدا قالوا إن الله قد رفع رسوله بعزّ الخطاب وجعله محلّ الاهتمام فقال (بك) فخاطبه ولم يذكر كلمة الرسول لأنه في ذلك سيكون في موقف غائب فقال (بك) ليكون مخاطباً فيكون في ذلك عزُّ الخطاب.
آية (١٨) : (وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاء اللّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ)
* أسلوب الاستفهام (قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم) حمل معنى النفي والرد فلو كانوا أبناء الله وأحباءه لما عذبهم بذنوبهم. فشأن المحب ألا يعذب حبيبه وشأن الأب ألا يعذب أبناءه.
* سأل الشبلي أبا بكر بن مجاهد: أين تجد في القرآن أن المحب لا يعذب حبيبه؟ فلم يهتد إبن مجاهد فقال له الشبلي: في قوله (قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم).
*جاءت كلمة بشر للدلالة على الجمع في الآية بينما في سورة القمر (فَقَالُوا أَبَشَرًا مِّنَّا وَاحِدًا نَّتَّبِعُهُ (٢٤)) للمفرد:
هناك كلمات تكون للمفرد وللجمع منها كلمة بشر وضيف وطفل ورسول وخصم تستعمل للمفرد والمثنى والجمع والمصدر أيضاً وهذا يسمى في اللغة إشتراك.
آية (٢٠) : (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاء وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّن الْعَالَمِينَ)
* عندما يكون الأمر مؤاتياً بين النبي وقومه يقول (يا قوم) وهذا دليل على المودة، وإذا عصوا وتجبروا وتمردوا لا يقولها وإنما يأتي الأمر لهم مباشرة (إحذروا، إفعلوا، اذكروا).
في آية المائدة ذكر (يَا قَوْمِ) فيها تحبب تودد تلطف في مرحلة طاعة بني إسرائيل وإقبالهم على هذا الدين.
في سورة إبراهيم ماذا فعل بنو إسرائيل بموسى عليه السلام حاربوه واتهموه وآذوه (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ (٦) وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (٧) وَقَالَ مُوسَى إِن تَكْفُرُواْ أَنتُمْ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (٨)) ليس فيها (يا قوم) وإنما فيها غلظة، فيها شدة، فيها جفاء.
* (وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا) تشبيه بليغ وهو ما ذكر به المشبه والمشبه به دون أداة فمثلاً تقول لصديقك: أنت بحر أي أنت كالبحر في أمر اشتركا فيه وهو السعة وكذلك (وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا) أي أنتم كالملوك في صفة مشتركة بينكما وهي حرية التصرف في النفس.
* انظر إلى هذه الصورة التي تشخِّص لك هيئة نفوس الكافرين التي امتلأت خزياً قاتلاً وخجلاً مميتاً في موقف المواجهة حين يُستدعى الشهود فهي لا تتمنى الموت بل تذهب إلى أشد منه، تتمنى لو تضاءلت الأجساد حتى تصير على سوية الأرض. لا شك أن هذا التصوير فيه رصد لعمق المعاناة النفسية والشعورية ورصد لبواطن النفس وخلجات الحِسّ أكثر من التعبير المباشر عن الشعور بالخزي.
* عبّر الله عن عدم جواز الصلاة للسكران بقوله (لا تقربوا الصلاة) ولم يقل لا تصلّوا مع أن الصلاة ليست مكاناً يُقصد حتى يؤمر الإنسان أن لا يقربه، اختيرهذا الفعل للإشارة أن تلك حالة منافية للصلاة وصاحبها جدير بالابتعاد عن أفضل عمل في الإسلام وهوالصلاة.
* دلالة الذكر والحذف في المائدة قال (فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ) بينما في النساء (فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ) :
التفصيل في آية المائدة أكثر من آية النساء، آية النساء هي في الجُنُب وذوي الأعذار تحديداً (وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى) أما آية المائدة ففي الجُنُب وغير الجُنُب وذوي الأعذار وذكر الوضوء (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَـكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦)) إذن هي عامة، وذكر ما لم يذكره في آية النساء (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ) فلما فصّل فصّل في البيان وزاد (منه).
* آية النساء ختمت بقوله (إِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا) لأنه ذكر السُكارى لم تكن الخمر قد حُرِّمت ، بينما ختام آية المائدة (مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَـكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦)) ذكر رفع الحرج وإتمام النعمة ويريد أن يطهركم وهذا يستوجب الشكر .