آية (٩٣) : (وَيَا قَوْمِ اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُواْ إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ)
* الإختلاف بين قوله (فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ) في سورة الآنعام و(سَوْفَ تَعْلَمُونَ) في سورة هود:
علينا أن نلاحظ القائل في كلا الآيتين ففي آية سورة الأنعام (قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدِّارِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (١٣٥)) الله تعالى هو الذي أمر رسوله أن يبلغ الناس كلام ربه وهذا تهديد لهم فأصل التأديب من الله تعالى فجاء بالفاء أما في آية سورة هود فهي جاءت في شعيب وليس فيها أمر تبليغ من الله تعالى فالتهديد إذن أقل فحذف الفاء.
آية (١٠٣) : (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ)
* في يس (إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٥٣)) وهنا (ذَلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ النَّاسُ) :
كلمة (جميع) بمعنى مجموع على وزن فعيل مثل قتيل وجريح وطريد وكسير وأسير، وهذه الصيغة لا تقال إلا لمن وقع عليه الفعل، أما صيغة مفعول لمن وقع عليه الفعل أو من سيقع عليه، (وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَونُ مَثْبُورًا) لم يحصل بعد، ستُثبر.
في يس (إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً) يتكلم عن أمر واقع (فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ (٥١)) إذن جميع يعني مجموعون لا تعني سيجمعون.
في هود في الدنيا ما جاء بعد (يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ .. (١٠٥)) لا يمكن أن يستعمل كلمة جميع لأن الأمر لم يقع.
آية (١٠٥) : (يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ)
* تكلّم وليس تتكلم:
هذا من الحذف الجائز وهو كثير في اللغة تتنزل وتنزل توفّاهم وتتوفاهم وهذا تخفيف، (لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ) معناه أن الكلام الآن صار قليلًا فحذف من الفعل إشعارًا لقلة الكلام.
آية (١٠٧) : (خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ)
* (فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ) اللام هنا هي لام المقوية وتأتي في حالتين: الأولى أن يتقدم المفعول به على فعله كما في قوله تعالى (وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ) والمقصود يرهبون ربهم (لربّهم) مفعول به مقدّم، والثانية إذا كان العامل فرعًا على الفعل كأن يكون إسم فاعل أو صيغة مبالغة كما في قوله تعالى (إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ) العامل هو صيغة مبالغة.
آية (١٠٨) : (وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ)
* بالنسبة للخلود هو البقاء إلى ما لا نهاية فماذا نفهم من الاستثناء (إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ)؟ هل أنهم سيخرجون من الجنة؟
- لا،لا يخرجون لأن هذه المشيئة لها تفسيران إما أن يكون الاستثناء من البرزخ لأن هؤلاء يستحقون الجنة بعد موتهم لكن لا يدخلونها إلا بعد حياة البرزخ مستثناة من دخول الجنة، أو عند القيامة قبل السؤال هم ليسوا في الجنة أو قبل أن يساق الناس إلى مستقرهم ربنا سبحانه وتعالى يجعل الخلق ما يشاء قبل أن يسألهم، هل هم في الجنة الآن؟ لا، إذن مستثنى لم يدخلوا الجنة هذا مما شاء ربك أن لا يدخلوا الجنة.
- الإستثناء للإشارة إلى أنه ليس هناك شيء يُلزِم الله سبحانه وتعالى فهو عز وجل قادر على كل شيء (إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ) حتى لا يُلزَم ربّ العزة بشيء يعني هذا القضاء الذي يقضيه هو ليس ملزمًا للمشيئة والمشئية فوق هذا القضاء، ولما قال عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ) أيضًا ربطها بالمشيئة لكن فيها تطمين لأهل الجنة أن هذه المشيئة لا تتحقق في حرمانهم وإنما طمأنهم لتبقى مشيئة الله عز وجل فوق كل شيء.
آية (١١١-١١٢) : (وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)
* هنا (وَإِنَّ كُـلاًّ لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ) وفي سورة يس (وَإِن كُلٌّ لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٣٢)) :
الآية الأولى (وَإِنَّ كُـلاًّ) إنّ تنصب ما بعدها أما في يس فهي (إن) هذه مبتدأ.
*دلالة التقديم والتأخير (بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) و (بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) :
إذا كان سياق الكلام أو الآية في العمل يقدّم العمل (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) أما إذا لم يكن السياق في العمل أو إذا كان الكلام على الله سبحانه وتعالى وصفاته يقدّم صفته (إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨) الحجرات) .
* الفرق بين ختام الآيتين (١١١)) و (١١٢) :
في الآية الأولى قال قبلها (وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١١٠)) ذكر الشك والشك بحاجة إلى الخبرة لأنك تقطع الشك باليقين، فأتى بالخبير الذي يعرف بواطن الأمور ليزيل الشك. ثم قال (فَاخْتُلِفَ فِيهِ) والحكم في الاختلاف يحتاج إلى خبرة فإذن الشك والاختلاف يناسبهم الخبرة.
في الآية الثانية (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ) الطغيان والاستقامة فيهما جانبان الأصل أن يكون مُشاهَد في عملك، وقد يكون في الاعتقاد، والبصر فيه جانبان جانب بصر وهو مشاهد وجانب غير مشاهد وهو البصيرة فناسب اختيار بصير. هذا مفهوم البلاغة هذه المناسبات داخل الآية القرآنية.
* تناسب مفتتح هود مع خاتمتها:
السورة تبدأ بقوله (الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١)) في خواتيم السورة قال (وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءكَ فِي هَـذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (١٢٠)) يقص عليك من الكتاب الذي أُحكمت آياته.
(ثُمَّ فُصِّلَتْ) - (وَجَاءكَ فِي هَـذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ) هذا تفصيل، ذكر في البداية فصلت آياته ثم ذكر في الأخير آليات التفصيل الحق والموعظة والذكرى.
ثم الذي يختار من القصص ما يثبت به الفؤاد (حَكِيمٍ خَبِيرٍ) والذي يأتي بالحق والموعظة والذكرى (حَكِيمٍ خَبِيرٍ) .
قال في الآية الثانية (أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللّهَ إِنَّنِي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ) وقال في الخاتمة (فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٢٣))، (أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللّهَ) هذا خطاب للناس (فَاعْبُدْهُ) خطاب للرسول، إذن الخطاب للمبلَّغين والمبلِّغ يأمرهم بالعبادة كليهما. لا يأمرهم بشيء هو لا يفعله كما يأمرهم بالعبادة هو نفسه مأمور بالعبادة، كما أنت مأمور بالتبليغ أنت مأمور بالعبادة.
آية (١١٩) : (وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ)
* قال (هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ) ولم يقل هو أعلم بالضالين:
هناك قراءتان (لَّيُضِلُّونَ) أي أنهم يُضلون الناس و (لَيَضِّلون) على أنهم ضالون بأنفسهم، والمضل لا يكون في الغالب إلا ضالاً والمقصود التحذير منهم . وقد سمى الله فعلهم ضلالاً فقال (لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم) ثم جاء ختام الآية بتسميتهم معتدين لأن الاعتداء هو الظلم وهم عندما تقلدوا الضلال دون حجة ولا نظر كانوا معتدين على أنفسهم ومعتدين على كل من دعوه إلى موافقتهم وفي هذا إشارة لكل من تكلم في الدين بما لا يعلمه أو دعا الناس إلى شيء لا يعلم أنه حق أو باطل فهو معتدٍ ظالمٌ لنفسه وللناس.