* في سورة لقمان (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا) وفي سورة الرعد (رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا) :
في الرعد قال (وَالَّذِيَ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ) الإنزال إنما يكون من فوق أي من مكان مرتفع (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) العرش فوق السموات إذن رفع السموات حتى تكون مرتفعة، ثم قال (وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ) وهي من الأجرام السمواية وهي مرتفعة فناسبها رفع.
في لقمان ليس فيها شيء من ذلك بعد هذه الآية في لقمان قال (هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ (١١)) (خلق السموات) مناسب لـ(هَذَا خَلْقُ اللَّهِ) .
* (بِغَيْرِ عَمَدٍ) تحتمل معنيين أنه رفع السموات بغير عمد وهاأنتم ترونها استئناف. والاحتمال الثاني بعمد غير مرئية، أنتم لا ترون العمد. كأنما هي بغير عمد لكن إذا ثبت أن هناك عمد فالنص يحتمل وليس فيه إشكال.
آية (١١ - ١٣) : (يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ * وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالْنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ * وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ)
* دلالة الجمع والإفراد في كلمة آية وآيات:
الآية الأولى (يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ) الزرع ينبت في جزء من الأرض ، والآية (وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأَرْضِ) إذن لما ذكر الأرض أو جزءاً من الأرض جعلها آية ، ولما ذكر ما هو أكثر من الأرض - الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم - قال (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ).
* الفرق بين نهايات الآيات (١١) إلى (١٣) :
- (هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء .. (١٠) يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) كيف ينزل الماء في الأرض وكيف ينبت به الزرع يحتاج إلى فِكر (يَتَفَكَّرُونَ) بمعنى يُعمِل فكره.
- لما ذكر الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم في الآية (١٢) هذه أشياء يومية يراها العاقل فيكفي العقل فيها فقط لمعرفة الله تعالى فقال (لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) ، مجرد العقل وليس العلم، التفكير أكثر من العقل.
- في الآية الأولى والثانية عدّد أموراً واضحة: الزرع والزيتون والنخيل والأعناب والثمرات ثم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم أما الآية الثالثة لم يعدد شيئاً (وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأَرْضِ) فسوف تتذكر أنت حتى تعدد ولذلك ختمها (لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ) .
آية (١٢٨) : (وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِيَ أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَليمٌ)
* الفرق بين (إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَليمٌ) وفي يوسف (إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦)) :
إذا كان السياق في العلم وما يقتضي العلم يقدم العلم وإذا كان الأمر في التشريع أو في الجزاء يقدم الحكمة.
في يوسف: (وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦)) فيها علم فقدم عليم.
في الأنعام: الجزاء حكمة وحكم يعني من الذي يشرع ويجازي ويعاقب؟ هو الحاكم، تقدير الجزاء حكمة فقدم الحكمة .
آية (١٤) : (وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)
* هنا قال (وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ) أما في سورة فاطر (وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ (١٢)) :
-- دلالة التقديم والتأخير واستخدام الواو وعدمه؟
في سورة النحل السياق في الكلام على وسائل النقل حيث تقدم هذه الآية ذكر وسائل النقل البرية الأنعام والخيل والبغال والحمير ، ثم ذكر الفلك وهي وسيلة نقل بحرية فقدّم صفتها (مَوَاخِرَ) وألحق الصفة بالموصوف وأخّر ما يتعلق بالبحر (فِيهِ) لأن الكلام ليس على البحر.
في سورة فاطر الكلام كله على البحر وليس على وسائل النقل (وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ (١٢)) فقدّم ضمير البحر (فِيهِ).
-- دلالة استخدام الواو وعدمه (لتبتغوا) و(ولتبتغوا):
في النحل قال (وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ ... وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً ... وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ .. ) سخر البحر لتأكلوا وتستخرجوا ولتبتغوا ، هذه عطف عِلّة على عِلّة (لتأكلوا) لام التعليل، وتستخرجوا (وَلِتَبْتَغُواْ) معطوفة على ما قبلها.
وهنالك رأي آخر أن الواو (وَلِتَبْتَغُواْ) عطف على عِلّة محذوفة مقدرة ومن الناحية البيانية سياق آيات النحل في الكلام على نِعَم الله وتعدادها قال (وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ) يعني وهنالك نعم أخرى ومنافع أخرى ما ذكرناها وما عددناها يطول ذكرها.
آية فاطر ليس فيها عطف (وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) هنا لام التعليل (لِتَبْتَغُوا) لكنها ليست معطوفة فليس قبلها تعليل فكيف نعطفها؟ إذن وكأن دلالة السياق تتوقف عند (وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ) .
* قال (وَتَسْتَخْرِجُواْ) من دون لام التعليل (وَلِتَبْتَغُواْ) مع لام التعليل:
عندنا قاعدة "الذكر آكد من الحذف"، تستخرجوا حلية تلبسونها ولتبتغوا أيها الأكثر والآكد؟ إستخراج الحلي من البحر (وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً) أو السفر لغرض التجارة (وَلِتَبْتَغُواْ) ؟ السفر في البحر أكثر ويكون لأغراض أخرى غير استخراج الحلى وهذا مقصور على أناس متخصصين يمتهنون هذه المهنة وليس عموم المسافرين في البحر إذن (وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ) آكد.
آية (١٧) : (أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ)
* الفرق بين تذكرون وتتذكرون:
إذا كان المقام تفصيل وكان الحدث أطول تأتي تتذكرون وإذا كان أقل يقتطع من الفعل مثال: (أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ) هذه لا تحتاج إلى تذكر، (وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلًا مَّا تَتَذَكَّرُونَ (٥٨) غافر) هنا صار إيمان وعمل صالحات، هذه أطول من تلك تحتاج إلى تأمل وتفكير.
(١٣٠) : (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَـذَا...)
* الفرق بين (يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ) و (يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ) في الزمر:
(يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ) يقصّ يُخبر، قصّ عليه الخبر أورده (وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ) القصة فقد تكون مكتوبة نصاً أو يكون من غير نص مشافهة، (يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ) تلا يعني قرأ، التلاوة لا تكون إلا لنص يُقرأ سواء عن حفظ أوعن كتاب يجب أن يكون هناك نص لتكون هناك تلاوة .
أيّ الأعمّ قصّ أو تلا؟ قصّ أعمّ من تلا، (يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي) سواء الرسل كان عندهم كتب أو لا كلهم أصحاب رسالة لكن ليس عندهم كلهم كتب وإنما بلغوا مشافهة ، إذن يقصون شملت من أنزل عليه كتاب ومن لم ينزل عليه كتاب أما تلا فشملت من أنزل عليهم الكتاب فقط.
دلالة كل واحدة في مكانها:
في الأنعام: الخطاب موجه من الله تعالى لكل الجن والإنس فقد قال قبلها (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٢٨)) لم يستثني أحداً إذن شملت كل الإنس والجن سواء مبلّغ له كتاب أو ليس له كتاب.
في الزمر: (وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧١)) هذه زمرة، هؤلاء قسم قليل من أولئك، فلما كانت زمرة قال (يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِ رَبِّكُمْ) هم زمرة أقل، ولما عمم الإنس والجن عمم الرسالة فقال (يَقُصُّونَ).
آية (١٨) : (وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ)
* الفرق بين كلمة النِعمة والنَعمة في القرآن :
نِعمة بالكسر تأتي في الخير ، أما نَعمة بالفتح لم ترد في القرآن كلّه إلا في السوء والشر والعقوبات مثل (وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً (١١) المزمل).
* دلالة إستخدام كلمة (نِعْمَةَ) بالإفراد : فقد وردت في القرآن نِعَم ونعمة وأنعم ، أنعم جمع قلة (من ٣ إلى ١٠) فإذا صارت عشرة تدخل في الكثرة.
- المفرد قد يدل على الواحد أو على الجنس. مثلاً تقول: الأسد أقوى من الكلب، لا تعني به أسداً واحداً وإنما الجنس. والجنس أكثر من الجمع لأنه أعم وأشمل ، نعمة أكثر من نِعَم وأنعم.
-- الوجه الآخر أن النعمة الواحدة لا تُعدّ الإحصاء هو العدّ (وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ) أي أن تحاولوا إحصاءها ، فلو جئت تعد نعمة الأكل إحصِ من خلق المادة الأولى ومن زرعها وحصدها وطحنها ..و..و.. ثم لما هُيأت لك لتأكلها بالأسنان والعصارات الهاضمة، إذن لا تحصى مفردات النعمة الواحدة فكيف بالنِعَم؟
* اختلاف صيغة الجمع في آية النحل وآية إبراهيم وآية لقمان:
الله تعالى قال عن إبراهيم عليه السلام (شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (١٢١) النحل) لأنه لا يمكن أن يشكر الإنسان نعم الله فأتى بجمع القلة. وقال تعالى (وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً (٢٠) لقمان) بالكثرة لأن النعم كثيرة.
* الفرق بين ختام الآية وآية سورة إبراهيم (وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)) :
كل فاصلة مناسبة للسياق الذي وردت فيه:
في ابراهيم السياق في وصف الإنسان وذكر صفات الإنسان فختم الآية بصفة الإنسان، قال (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) .. (٢٩) وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ .. (٣٠) ..(٣٣) إلى أن يقول ( .. إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)) مناسب لما ذكر من صفات الإنسان.
في النحل السياق عن صفات الله تعالى ونعمه فذكر ما يتعلق بصفات الله (وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٥) .. إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٧) .. وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨) وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ .. (٩) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً .. (١٠) .. (١١) وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ .. (١٢) وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ .. (١٣) وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ .. (١٤) وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ .. وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا .. (١٥) وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦) أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ .. (١٧) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨)) .
ربنا تعالى يقول أحياناً (وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ) وأحياناً يقول (وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ) في الكلام عن الجبال بمعنى أن التكوين ليس واحدًا وقد درسنا أن بعض الجبال تُلقى إلقاء بالبراكين (جبال بركانية) والزلازل أو قد تأتي بها الأجرام المساوية على شكل كُتل ففي سورة الحجر (وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ) وهناك شكل آخر من التكوين (وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ) (وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ)، وهذا يدل والله أعلم على أن هناك أكثر من وسيلة لتكوين الجبال. وكينونة الجبال تختلف عن كينونة الأرض فالجبال ليست نوعاً واحداً ولا تتكون بطريقة واحدة هذا والله أعلم.
* مرة يقول تعالى (أَن تَمِيدَ بِكُمْ) ومرة لا يقولها:
(وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ) المعنى كما يقول النحاة لماذا ألقى الرواسي؟ كراهة أن تميد بكم أو لئلا تميد بكم.
إذا أراد بيان نعمة الله على الإنسان يقول أن تميد بكم لماذا خلقها؟ فيها نعمة لئلا تميد بهم وإذا أراد فقط أن يبين قدرة الله فيما صنع وليس له علاقة بالإنسان لا يقول هذا لأن الكلام لا يتعلق بالإنسان وإنما يتعلق بصنع الجبال والرواسي.
آية (٢٦) : (قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ)
* دلالة (مِن فَوْقِهِمْ) مع أنه معلوم أن السقف يخر من فوقهم:
خر عليهم السقف يعني انهدم ووقع لكن ليس شرطاً أن يكونوا تحته ، (مِن فَوْقِهِمْ) يعني هم كانوا تحته ووقع عليهم تحديداً هكذا تكون المصيبة أكبر. وعندنا التوكيد للمعنى كما تقول رأيته بعيني وسمعته بأذني.