عرض وقفات أسرار بلاغية

  • ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ ﴿٨٩﴾    [الأنبياء   آية:٨٩]
  • ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ ﴿٩٠﴾    [الأنبياء   آية:٩٠]
{وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (89) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (90)} وردت قصة زكريا في ثلاثة مواضع من القرآن: في آل عمران، وفي سورة مريم، وفي هذا الموضع من سورة الأنبياء. وهي أيضًا ليست متطابقة شأن ما ذكرنا عن القصص القرآني. فقد ذكر ربنا في آل عمران أن زكريا دعا ربه أن يهب له ذرية طيبة ولم يخص الذرية بكونها ذكرا أم أنثى، وذلك لما رأى ما أكرم الله به مريم في أنها كلما دخل عليها المحراب وجد عندها رزقا من عند الله، فدعا ربه أن يهب له ذرية طيبة. وأما في سورة مريم فقد ذكر زكريا حاله من شيخوخته ووهن عظمه وعقر زوجه داعيًا ربه أن يهب له وليًّا يرثه، وطلب من ربه أن يجعله رضيًّا. وقد ذكرنا ما ورد من هذه القصة في سورتي آل عمران وسورة مريم وبينا جانبًا من الناحية البيانية فيهما في كتابنا (بلاغة الكلمة في التعبير القرآني) في باب تعاور المفردات، فلا نعيد القول فيه. وأما ما ورد في سورة الأنبياء فهو طلب موجز وذلك قوله: {رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ}. فاستجاب له ربه بقوله: {وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ} ولم يذكر صفة يحيى كما ذكر في آل عمران بقوله: {أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ} أو في سورة مريم من وصفه له بقوله: {وَكَانَ تَقِيًّا (13) وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا} [مريم: 13 - 14]. ولم يذكر تعجب زكريا من ذلك ولا طلبه أن يجعل له آية كما في الموضعين الآخرين. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى نلاحظ أنه قال في سورة مريم: {إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (3) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي....} فجمع بين النداء والقول: (نادى) و(قال)، في حين قال في الأنبياء: {وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا} فاكتفى بفعل النداء، ولم يقل: (إذ نادى ربه قال رب) وذلك أنه تبسط في النداء والدعاء في مريم، وأوجز في النداء والدعاء في الأنبياء. فناسب التفصيل التفصيل، وناسب الإيجاز الإيجاز. ثم إن الجمع بين النداء والقول يفيد التوكيد إضافة إلى التبسط، فإنه جمع ما فيه معنى القول والقول، فناسب التفصيل والإلحاح في الطلب أن يجمع بينهما في مريم. وقد بينا ذلك بصورة مفصلة في كتابنا (الجملة العربية تأليفها وأقسامها) وعرضنا لهاتين الآيتين فيما عرضنا من الأمثلة (1). ونعود الآن إلى القصة للنظر في شيء من الناحية البيانية. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الرابع من ص 205 إلى ص 207. (1) الجملة العربية تأليفها وأقسامها 253 وما بعدها. {وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (89)} إن مناسبة قصة زكريا لما ذكر قبلها في هذه السورة أنه "لما كان حاصل أمر يونس عليه السلام أنه خرج من بطن لم يعهد الخروج من مثله عطف عليه قصة زكريا عليه السلام في هبته له ولدًا من بطن لم يعهد الحمل من مثله في العقم واليأس ناظرًا إلى إبراهيم عليه السلام أول من ذكر تصريفه في أحاد العناصر فيما اتفق له من مثل ذلك في ابنه إسحاق عليه السلام... تلاه بإبداع ابن خالته عيسى عليه السلام الذي هو علم للساعة على حال أغرب من حاله فأخرجه من أنثى بلا ذكر" (1). ومن الملاحظ فيما ورد من القصص الواردة في هذه السورة أن المناداة من الأنبياء لربهم سبحانه لم تذكر على صورة واحدة. فقد قال في (نوح) عليه السلام: {وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ} [الأنبياء: 76] ولم يقل إنه نادى ربه ولكن علم من قوله: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ} أنه نادى ربه. وقال في أيوب: {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ} فقال: {إِذْ نَادَى رَبَّهُ}، وعرض حاله، ولم يطلب شيئًا صريحًا، ولكن علم من عرض الحال أنه دعا بكشف الضر. وقال في ذي النون: {فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} وهذا واضح أنه نادى ربه، إلا أنه ذكر ذلك بصورة التوحيد والتنزيه. فقوله: (لا إله إلا أنت) هو توحيده سبحانه ونفي الشرك. وقوله: (سبحانك) تنزيه له عن كل نقص. وذكر أنه كان ظالمًا لنفسه. ولم يصرح بطلب شيء معين ولكن علم من قوله سبحانه: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ} أنه كان في غم. وأما دعوة زكريا فهي تختلف عن كل ما ورد. فقد قال: {إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا}. فذكر أنه نادى ربه. وذكر مناداته له بقوله: (رب)، ولم يذكر عن أحد ممن ورد في السورة ذلك. وذكر طلبه الصريح وهو قوله: {لَا تَذَرْنِي فَرْدًا} ولم يذكر مثل ذلك عن أحد من الأنبياء ممن ورد في السورة. فالمناداة متدرجة. إذ نادى إذ نادى ربه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت (بالخطاب الله سبحانه) إذ نادى ربه رب وأما الدعاء فلم يكن بالفحوى ولا بعرض الحال فيما ذكر عن نوح. وكان بعرض الحال في أيوب. وكان بذكر ظلم النفس فيما ذكر عن يونس. وكان بالطلب الصريح في قصة زكريا. ومن اللطيف في ذكر الخطاب الله سبحانه أن يكون كل خطاب مناسبًا لحال الداعي. فلما قال أيوب: {أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ} ذكر صفة الرحمة بقوله: {وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} ليرحمه ويكشف عنه الضر. ولما ذكر يونس ظلمه لنفسه وتقصيره بحق ربه قال لربه: (سبحانك) فنزهه عن كل نقص. فالعبد مقصر ظالم لنفسه، والله سبحانه منزه عن كل نقص. ولما قال زكريا: {لَا تَذَرْنِي فَرْدًا} فطلب ذرية ترثه قال: {وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ} فناسب كل تذييل حال الداعي. وقوله: {رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا} يعني لا تتركني وحيدًا بلا وارث يرثني. وقوله: {وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ} أي أنت خير من يرث خلقه، فإنك "إن لم ترزقني من يرثني فلا أبالي فإنك خير وارث" (2). وجاء في (روح المعاني): أن المراد "وأنت خير حي يبقى بعد ميت. وفيه مدح له تعالى بالبقاء وإشارة إلى فناء من سواه من الأحياء " (3). وقوله: {وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ } يعني أنه "أصلحها للولادة بأن أزال عنها المانع" (4). والظاهر أنه أصلحها لكل ما يحسن بالزوجة أن تكون. "وقدم هبة يحيى مع توقفها على إصلاح الزوج للولادة لأنها المطلوب الأعظم، والواو لا تقتضي ترتيبًا" (5). والتقديم إنما يكون بحسب الأهمية تبعًا لما يقتضيه السياق. وليس بالضرورة تقديم المتقدم حسًّا أو وجودًا. فقد يقدم المتأخر لمقتضى بياني وذلك نحو قوله تعالى: {يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ} [آل عمران: 43]. فقدم السجود على الركوع مع أن الركوع أسبق. وقال: {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ} [عبس: 34 - 35]. والأم والأب أسبق من الأخ. وقال: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآَتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا} [النساء: 163]. ومن ذكر من بعد عيسى أسبق منه. وداود أسبق من سليمان ابنه لكنه ذكر بعده. وقال: { كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ (4) فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (5) وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ} [الحاقة: 4- 6]. وعاد أسبق من ثمود. وقد بينا ذلك من التقديم والتأخير في أكثر من موضع في كتاب (التعبير القرآني)، وفي كتاب (الجملة العربية تأليفها وأقسامها) وغير ذلك من المواضع. {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ}. الظاهر أن الضمير في (إنهم) يعود على الأنبياء المذكورين، أي أن استجابتنا لهم إنما كان بسبب مسارعتهم في الخيرات ودعائهم لنا. جاء في (الكشاف): "(إنهم) الضمير للمذكورين من الأنبياء عليهم السلام، يريد أنهم ما استحقوا الإجابة إلى طلباتهم إلا لمبادرتهم أبواب الخيـر ومسـارعتهـم فـي تحصيلهـا كمـا يفعـل الـراغبـون فـي الأمـور الجادون"(6). وجاء في (البحر المحيط): "والضمير في (إنهم) عائد على الأنبياء السابق ذكرهم، أي أن استجابتنا لهم في طلباتهم كان لمبادرتهم الخير ولدعائهم لنا... وقيل الضمير يعود على زكريا وزوجه وابنهما يحيى" (7). وقال: {يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ} ولـم يقـل: (يسـارعـون إلى الخيرات) لأنهم فيها وهم يجدون في عملها. ولو قال: (يسارعون إلى الخيرات) لكان المعنى أنهم يتجهون إليها وليسوا فيها. ونحو ذلك قوله: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ} [المائدة: 41] فقال: {يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ} لأنهم كفار يجدون في الكفر، ولم يقل: (يسارعون إلى الكفر) أي يسرعون إليه. جاء في (تفسير أبي السعود): "{إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ} تعليل لما فصل من فنون إحسانه تعالى المتعلقة بالأنبياء المذكورين. أي كانوا يبادرون في وجوه الخيرات مع ثباتهم واستقرارهم في أصل الخير، وهو السر في إيثار كلمة (في) على كلمة (إلى) المشعرة بخلاف المقصود من كونهم خارجين عن أصل الخيرات متوجهين إليها كما في قوله تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ }(8). وجاء في (روح المعاني) في هذا التعبير: "والمعنى أنهم كانوا يجدون ويرغبون في أنواع الأعمال الحسنة. وكثيرًا ما يتعدى (أسرع) بـ (في) لما فيه من معنى الجد والرغبة، فليست (في) بمعنى (إلى)، أو للتعليل" (9). {وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا} أي رغبًا في رضاء الله وطاعته، وخوفًا من معصيته وعقابه، كما قال تعالى: {وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا} [الأعراف: 56]. ورغبًا ورهبًا يحتمل أن يكونا مصدرين في موضع الحال، أي راغبين وراهبين، كما يحتمل أن يكونا مفعولاً لأجله (10)، "وهو كقوله تعالى: {يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ} [الزمر: 9]" (11). وقدم المسارعة في الخيرات لأنها مدعاة إلى إجابة الدعاء، فالمسارع في الخيرات أدعى أن يجاب دعاؤه. {وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} أي متضرعين خائفين متذللين له. جاء في (تفسير أبي السعود): {وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ}، أي مخبتين متضرعين أو دائمي الوجل. والمعنى أنهم نالوا من الله تعالى ما نالوا بسبب اتصافهم بهذه الخصال الحميدة" (12). وقيل: متواضعين (13). ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الرابع من ص 207 إلى ص 213. (1) نظم الدرر في تناسب الآيات والسور 12/468. (2) الكشاف 2/336. (3) روح المعاني 17/87. (4) التفسير الكبير 8/182. (5) روح المعاني 17/87. (6) الكشاف 2/336. (7) البحر المحيط 6/336. (8) تفسير أبي السعود 3/724. (9) روح المعاني 17/87. (10) انظر البحر المحيط 6/335. (11) الكشاف 2/336. (12) تفسير أبي السعود 3/724. (13) الكشاف 2/336.
  • ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ ﴿٩١﴾    [الأنبياء   آية:٩١]
{وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آَيَةً لِلْعَالَمِينَ (91)} إن مناسبة هذه الآية لما قبلها ظاهرة، ذلك أنه ذكر قبل الآية ولادة يحيى من أبوين لا يولد لهما في العادة، فأبوه زكريا عليه السلام شيخ كبير واهن العظم، وأمه عاقر. وذكر في هذه الآية ما هو أعجب وأغرب وهو ولادة عيسى من أم بلا أب. لقد ورد نحو هذا المعنى في سورة التحريم وذلك قوله تعالى: {وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (12)}. ومن الملاحظ أن هناك تشابها واختلافا بين التعبيرين. من ذلك: أنه ذكر اسم مريم في آية التحريم، ولم يذكره في آية الأنبياء. وقال في آية الأنبياء: {فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا} بتأنيث الضمير في (فيها). وقال في آية التحريم: {فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا} بتذكير الضمير في (فيه). وذكر ابنها في آية الأنبياء، ولم يذكره في آية التحريم. وقد ذكرنا جانبا من الملاحظ البيانية في ذلك في كتابنا (من أسرار البيان القرآني) في موضع (التشابه والاختلاف) (1) فلا نعيد القول فيه. قد تقول: لقد قال في آية الأنبياء هذه: {وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آَيَةً لِلْعَالَمِينَ} فقدم ضمير الأم على الابن. وقال في سورة (المؤمنون): {وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آَيَةً وَآَوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ (50)} فقدم الابن على أمه، فلم ذاك؟ فنقول: إن كل تعبير هو المناسب في سياقه. فإن الكلام في آية الأنبياء على مريم فقال: {وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا} فناسب تقديمها. وأما آية (المؤمنون) فقد وردت في سياق إرسال الرسل إلى أممهم، فقال: {ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (44)} ثم ذكر إرسال موسى وأخيه هرون (٤٥). ثم ذكر قبل الآية إيتاء موسى الكتاب فقال: {وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (49)}. فناسب تقديم ابنها الذي هو رسول من رسل الله. ثم خاطب بعد الآية الرسل فقال: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا (51)} فناسب هذا أيضًا تقديم ابن مريم الذي هو رسول فدخل في المخاطبين. هذا إضافة إلى أنه لم يذكر أمه التي أحصنت فرجها فنفخ فيها من روحه فلم يقدم ضمير أمه. قد تقول: إن آية الأنبياء وردت أيضًا في سياق الرسل فما الفرق؟ فنقول: ليس الأمر كذلك، فإن سياق آيات الأنبياء في إجابة من دعا من الرسل والأنبياء وما تفضل به عليهم وليس في سياق إرسال الرسل إلى أقوامهم، بخلاف السياق في آيات سورة (المؤمنون)، فإنه في الكلام على الرسل وتبليغ دعوة الله إلى أقوامهم وموقف أقوامهم منهم. وهذا واضح من النظر في كل من السياقين. فإن قصة نوح في الأنبياء وردت في آيتين، ووردت في سورة (المؤمنون) في سبع آيات، من الآية الثالثة والعشرين إلى الآية التاسعة والعشرين. ثم ذكر رسولاً بعد ذلك وتبليغه دعوة ربه وموقف قومه منه في إحدى عشرة آية، من الآية الثانية والثلاثين إلى الآية الثانية والأربعين. ثم ذكر رسلا آخرين على العموم، وذكر بعد ذلك موسى وهارون وإرسالهما إلى فرعون وملئه. ثم ذكر بعد ذلك ابن مريم. فناسب تقديمه مناسبة للسياق الذي وردت فيه الآية. ومن المناسب هنا أن نذكر مناسبة ما ختم به آية (المؤمنون) وهو قوله: {وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آَيَةً وَآَوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ (50)} لما جاء بعدها وهو قوله: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (51)} فقوله: {ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ} مناسب لما بعدها وهو قوله: « {كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ}. فقوله: (ذات قرار) يعني ذات ثمار وزروع وماء جار. والمعين: الماء الظاهر الجاري (2). ومناسبتها ظاهرة لقوله بعدها: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ } ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الرابع من ص 213 إلى ص 216. (1) من أسرار البيان القرآني 181 – 184. (2) انظر الكشاف 2/363، روح المعاني 18/38 – 39.
  • ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ﴿٩٢﴾    [الأنبياء   آية:٩٢]
{إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (92) وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ (93)} أي إن هذه ملتكم ملة واحدة وهي ملة الإسلام، وهي الملة التي كان عليها الأنبياء والمرسلون وهي متفقة في أصولها ولا تختلف إلا في الفروع كما قال تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيه} [الشورى: ۱۳]. وقال لنبيه خاتم الرسل: {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 161]. وقـال: {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [النحل: ۱۲۳]. جاء في (الكشاف): "الأمة: الملة، و(هذه) إشارة إلى ملة الإسلام. أي إن ملة الإسلام هي ملتكم التي يجب أن تكونوا عليها لا تنحرفون عنهـا، يشـار إليهـا ملـة واحـدة غيـر مختلفة... والخطـاب للنـاس جميعًا" (1). وجاء في (البحر المحيط): "ويحتمل أن تكون (هذه) إشارة إلى الطريقة التي كان عليها الأنبياء المذكورون من توحيد الله تعالى هي طريقتكم وملتكم طريقة واحدة لا اختلاف فيها في أصول العقائد، بل ما جاء به الأنبياء من ذلك هو ما جاء به محمد " (2). ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الرابع من ص 216 إلى ص 217. (1) الكشاف 2/336. (2) البحر المحيط 6/337.
  • ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ ﴿٩٣﴾    [الأنبياء   آية:٩٣]
{ وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ (93)} أي إن ذوي الملل السابقة تقطعوا أمرهم بينهم وتفرقوا وخالفوا أمر ربهم وعبدوا آلهة متعددة فأصبحوا فرقًا شتى. ثم توعدهم بأنهم سيرجعون إلى ربهم وهو محاسبهم. جاء في (الكشاف): "والأصل (وتقطعتم) إلا أن الكلام صرف إلى الغيبة على طريقة الالتفات، كأنه ينعى عليهم ما أفسدوه إلى آخرين ويقبح عندهم فعلهم... والمعنى: جعلوا أمر دينهم فيما بينهم قطعًا كما يتوزع الجماعة الشيء ويتقسمونه... تمثيلاً لاختلافهم فيه وصيرورتهم فرقًا وأحزابًا شتى، ثم بأن هؤلاء الفرق المختلفة إليه يرجعون، فهو محاسبهم ومجازيهم" (1). قد تقول: لقد قال في موضع آخر: {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (52) فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [المؤمنون: 52 - 53]. وواضح أن هناك تشابهًا واختلافًا بين النصين. فقد قال في آية الأنبياء: {وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ}، وقال في آية (المؤمنون): {وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ} وقال في سورة (المؤمنون): زُبُرًا. ولم يقل ذلك في آية الأنبياء. وقال: {وَتَقَطَّعُوا} بالواو في آية الأنبياء. وقال: {فَتَقَطَّعُوا} بالفاء في آية المؤمنون. ثم إن خاتمة كل من الآيتين مختلفة عن الأخرى. وقد بينا ذلك في كتابنا: (التعبير القرآني) في باب (الحشد الفني). فلا موجب لتكراره. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الرابع من ص 217 إلى ص 218. (1) الكشاف 2/336 – 337.
  • ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ ﴿٩٤﴾    [الأنبياء   آية:٩٤]
{فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ (94)} {فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ} أي من يعمل بعض الصالحات أو يعمل بعضًا من الصالحات. و(من يعمل بعض الصالحات) أي يعمل عملاً أو أكثر من الصالحة. و(من يعمل بعضا الصالحات) أي يعمل جزءًا من العمل الصالح وإن لم يستوفه كله أو أن يشترك مع جماعة في عمل صالح كأن يشترك مع جماعة لإنقاذ شخص من الغرق أو إطفاء حريق في دار ونحو ذلك. فـ (من) تفيد التبعيض. والكفران هو جحود النعمة وسترها وعدم شكرها. فمعنى (لا كفران لسعيه) أي لا نجحد عمله ولا نحرمه ثوابه. وقال: {فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ} ولم يقل: (لا نكفر سعيه) لأن ذلك أبلغ، فإنه نفى الجنس بـ (لا) فلا يحرمه شيئًا من الثواب. وقال: {فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ}، ولم يقل: (فلا كفران لما عمل) ليدل على أن السعي في الصالحات له أجر وإن لم يفعلها. فإنه إذا سعى ليعمل صالحًا وهو مؤمن كان له في سعيه ثواب حتى وإن لم يتمكن من فعله. فإن السعي في طلب الحسنات له أجره، كما أن السعي في السيئات عليه وزره كما قال تعالى: {وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ} [النساء: 81]. وقال: {وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ} [التوبة: 121]. وقوله: {وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ} أي مثبتون ذلك في صحيفة عمله لا نترك شيئًا من ذلك. وقال: {وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ} ولم يقل: (إنا سنكتب عمله) لأن ذلك أكد وأقوى، فقد جاء بالاسم الدال على الثبوت. لقد قال سبحانه فيمن يسعى في عمل بعض الصالحات: لا كفران لسعيه، وأما من سعى فيما هو أعلى من ذلك فقد ذكر أن له الشكر. قال تعالى: {وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا} [الإسراء: 19]. فمن أراد الآخرة وسعى حقها من السعي كما ينبغي فقد قال فيه: {كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا}. والمشكور: المجزي على عمله مع الإنعام عليه "والشكر من الله المجازاة والثناء الجميل" (1). والفرق ظاهر بين قوله: (لا كفران لسعيه) وقوله: {فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا} فإن قوله: (لا كفران لسعيه) يعني لا نجحد جزاء عمله وإنما نوفيه حقه. وأما قوله: {فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا} فيعني الجزاء والثناء الجميل. وتوضيح ذلك - والله المثل الأعلى - أن الطالب الداخل في الامتحان يعطى على مقدار إجابته لا يحرم من ذلك شيئًا. فإذا أجاب عن سؤال واحد أعطي حقه عن ذلك، وإن أجاب عن أكثر من ذلك أعطي حقه ولا يشكر على ذلك. إذ الشكر إنما يكون على ما هو أعلى من ذلك من الإصابة والإحسان والزيادة في العلم ونحو ذلك. جاء في (الكشاف): "(الكفران) مثل في حرمان الثواب، كما أن الشكر مثل في إعطائه إذا قيل لله: شكور. وقد نفى الجنس ليكون أبلغ من أن يقول: فلا نكفر سعيه. {وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ} أي نحن كاتبو ذلك السعي ومثبتوه في صحيفة عمله" (1). وجاء في (تفسير أبي السعود): "{فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ} تفصيل للجزاء، أي فمن يعمل بعض الصالحات أو بعضًا من الصالحات {وَهُوَ مُؤْمِنٌ} بالله ورسله {فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ} أي لا حرمان لثواب عمله ذلك. عبر عن ذلك بالكفران الذي هو ستر النعمة وجحودها لبيان كمال نزاهته تعالى عنه... وإبراز الإثابة في معرض الأمور الواجبة عليه تعالى ونفي الجنس للمبالغة في التنزيه. وعبر عن العمل بالسعي لإظهار الاعتداد به. (وإنا له) أي لسعيه (كاتبون) أي مثبتون في صحائف أعمالهم لا نغادر من ذلك شيئًا" (2). لقد ذكر سبحانه في الآية أن من يعمل الصالحات أو بعضًا منها فلا يكفر سعيه. وأما من عمل الصالحات فله أعلى الجزاء. ولا شك أن من عمل بعض الصالحات ليس كمن عمل الصالحات. قال تعالى فيمن يعمل بعض الصالحات: {فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ}. وقال أيضًا: {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا} [طه: 112]. وهو نظير ما ذكر في آية الأنبياء. وقال: {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا} [النساء: 124]. في حين قال فيمن عمل الصالحات: {وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَا} [طه: 75]. وقال: {إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (107) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا} [الكهف: 107 - 108]. والفرق ظاهر بين الجزاءين. ومن الملاحظ فيما ورد من القصص القرآني في هذه السورة أنه قال فيه في سيدنا إبراهيم: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً} نافلة، والنافلة: الزيادة - كما ذكرنا - ويقصد بالنافلة يعقوب وهو ولد إسحاق، فقد وهبه له من غير أن يسأله إياه. ولم يرد قوله: (نافلة) في غير هذا الموضع من قصة سيدنا إبراهيم. ومن المناسب أن نذكر أنه سبحانه ذكر في القصص في هذه السورة ما لم يذكره في مواضع أخرى كما ذكر النافلة في قصة إبراهيم. فقد قال في موسى وهارون: {وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ (48)} ولم يرد نحو هذا في موضع آخر من قصة موسى وهارون، أعني قوله: الفرقان وضياء وذكرًا للمتقين. وقال في لوط: {وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (75)} ولم يرد نحو هذا في موضع آخر. وقال في نوح عليه السلام: {وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (77)} ولم يرد نحو هذا فيهما في موضع آخر. وقال في داود وسليمان: { وَكُلًّا آَتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا (79)}. ولم يرد نحو هذا فيه في موضع آخر. وقال في أيوب عليه السلام: { فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ (84)} ولم يرد نحو هذا فيه في موضع آخر. وقال في يونس عليه السلام: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88)} ولم يرد نحو هذا فيه في موضع آخر. وقال في زكريا عليه السلام: {وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ (90) } ولم يرد نحو هذا في موضع آخر. إلى غير ذلك، وهي من المناسبات اللطيفة في جو السورة. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الرابع من ص 219 إلى ص 223. (1) لسان العرب (شكر). (2) الكشاف 2/337. (3) تفسير أبي السعود 3/725.
  • ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ ﴿٩٥﴾    [الأنبياء   آية:٩٥]
{وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (95)} أي إن عدم الرجوع إلى الحياة الآخرة ممتنع، ومقتضى ذلك أن الرجوع واجب. إن هذه الآية مناسبة لقوله سبحانه قبل الآية: {كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ (93} ومناسبة لقوله: {فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ}، لأن ذلك إنما يكون في الآخرة. ولقوله: {وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ} لأن الغرض من كتابة السعي إنما هو للجزاء، وذلك إنما يكون في الآخرة بعد رجوعهم إلى الحياة. ومناسبة لما بعدها وهو ما ذكره من علامات الساعة وأحداث القيامة ورجوع الناس للحساب. لقد قال: {وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا} والضمير في (أهلكناها) يعود على القرية. ثم قال بعدها: {أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ} فذكر ضمير أهلها، ولم يقل: (أنها لا ترجع) وذلك لأن أهلها هم الراجعون والمجزيون على أعمالهم. إن القرية تطلق على المساكن والأبنية وهو الأصل، وقد تطلق على أهلها الذين يسكنونها تجوزا. وقد استعملها القرآن للمعنيين. قال تعالى: {أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا} [البقرة: 259]. وقال: {وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ} [الفرقان: 40]. وهي هنا للمساكن والأبنية. وقال: {وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً} [الأنبياء: 11]. وقال: {وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ} [الحج: 48]. والمقصود بالقرية أهلها فهم الذين ظلموا ثم عاقبهم ربهم. وقد يذكر القرى ثم يعيد الضمير على أهلها وذلك نحو قوله سبحانه: {وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا} [الكهف: 59]. فذكر القرى وأعاد الضمير على أهلها فقال: {أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا} ولم يقل: (أهلكناها لما ظلمت). وقد يذكر القرى ثم يذكر أهلها وذلك نحو قوله سبحانه: {وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ} [القصص: 59]. وقد يذكر أهل القرية كما قال تعالى: {قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ} [العنكبوت: 31]. وقال: {أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ} [الأعراف: 97]. قد تقول: قد يقول ربنا عن القرية أحيانًا: (أهلكناها) بضمير التأنيث، ويقول أحيانًا عنها: (أهلكناهم) بضمير جمع التذكير مع أن الموطن يبدو متشابهًا. وذلك نحو قوله تعالى: {وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ} [الأعراف: 4]. فقال: {أَهْلَكْنَاهَا}. وقوله: {وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ} [محمد: 13]. فقال: {أَهْلَكْنَاهُمْ} فما الفرق؟ فنقول: إن التأنيث قد يفيد التكثير أو يفيد المبالغة. فإذا عبر بالمفرد المؤنث أفاد كثرة القرى المهلكة، أو أفاد المبالغة والشمول، أي إن التدمير الذي أصابها عام، أصابها وأصاب ساكنيها. أو لملحظ آخر في السياق. وذلك نحو قوله تعالى: {وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا} [الإسراء: 58]. فأفاد كثرة القرى أن التدمير سيصيبها كلها على العموم والشمول، وربما أفاد إهلاكها وإهلاك من فيها. ونحو ذلك قوله تعالى: {فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ} [الحج: 45]. ومعنى (خاوية): ساقطة سقوفها. وقوله: {وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ} [الحج: 48]. فكل ذلك يفيد التكثير. والآن نعود إلى الآيتين اللتين ذكرناهما وهما: آية الأعراف وهي قوله: {وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ} وآية محمد وهي قوله: {وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ (13)} فقال في آية الأعراف: {أَهْلَكْنَاهَا}. وقال في آية محمد: {أَهْلَكْنَاهُمْ}. ذلك أن القرى في آية الأعراف أكثر، فقد خصص القرى في آية محمد بالقوة فقال: {هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ}، وأطلقها في آية الأعراف فأفاد الكثرة فجاء بضمير المؤنث فيها، والتأنيث قد يفيد الكثرة كما ذكرنا، فناسب كل تعبير موضعه. هذا إضافة إلى أنه سبق آية محمد ذكر من دمر الله عليهم وهم أهل القرى وساكنوها فقال: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا (10)} فناسب ذكر إهلاك أهلها فقال: {أَهْلَكْنَاهُمْ}. ونحو ذلك قوله تعالى: {وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا} [الكهف: 59]. وقال في سورة الحج: {فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ} [الحج: 45]. فقال في آية الكهف: {أَهْلَكْنَاهُمْ} وقال في آية الحج: {أَهْلَكْنَاهَا} ذلك أنه قال في آية الحج: {فَكَأَيِّنْ}، و(كأين) تفيد التكثير. ولم يقل مثل ذلك في آية الكهف. وأنه قال في آية الكهف: {لَمَّا ظَلَمُوا} بإسناد الظلم إلى جماعة الذكور فناسب ذلك قوله: {أَهْلَكْنَاهُمْ} فإنهم لما ظلموا أهلكهم، في حين أسند الظلم في آية الحج إلى القرية فقال: {وَهِيَ ظَالِمَةٌ} فناسب ذلك قوله: {أَهْلَكْنَاهَا}. ومن ناحية أخرى أنه قال قبل آية الكهف: {وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ} فوصف ربنا نفسه بأنه الغفور ذو الرحمة وأنه لا يؤاخذ الناس بما كسبوا وإلا لعجل لهم العذاب. فناسب ذلك عدم الكثرة في الإهلاك. في حين أنه سبق آية الحج ذكر من أخذهم ربنا من الأقوام المهلكة ثم قال: {فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ} [الحج: 44]. فناسب التكثير فجاء بضمير المؤنث الدال على الكثرة. فناسب كل تعبير موضعه الذي ورد فيه. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الرابع من ص 224 إلى ص 228.
  • ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ ﴿٩٦﴾    [الأنبياء   آية:٩٦]
{حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (96)} {حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ} على حذف مضاف، أي سد يأجوج ومأجوج (1) "فحذف المضاف وأدخلت علامة التأنيث في (فتحت) لما حذف المضاف لأن يأجوج ومأجوج مؤنثان بمنزلة القبيلتين. وقيل: حتى إذا فتحت جهة يأجوج" (2). ونحو هذا التعبير وارد في القرآن وذلك قوله سبحانه: {كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ} [الشعراء: ۱۲3] و {كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ} [الشعراء: ١٤١] بتأنيث الفعل على التقدير. وجاء بـ (إذا) ولم يأت بـ (إن) لأن ذلك واقع لا محالة، فإن (إذا) يؤتى بها لما يقطع بوقوعه أو لما يكثر وقوعه. وأما (إن) فيؤتى بها في الغالب في المعاني المحتملة الوقوع والمشكوك في حصولها والموهومة والنادرة والمستحيلة وسائر الافتراضات الأخرى (3). وذلك نحو قوله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (71) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} [القصص: 71- 72]. وقوله: {وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي} [الأعراف: 143]. و(الحدب): ما ارتفع وغلظ من الأرض (4). (ينسلون): يسرعون. وقال: {وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ }بجماعة الذكور لأن المراد بذلك أفرادهم. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الرابع من ص 228 إلى ص 229. (1) الكشاف 2/337، البحر المحيط 6/339. (2) التفسير الكبير – المجلد الثامن 185. (3) انظر معاني النحو 4/80 وما بعدها. (4) لسان العرب (حدب).
  • ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ ﴿٩٧﴾    [الأنبياء   آية:٩٧]
{وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ (97)} {اقْتَرَبَ} أبلغ في القرب من (قرب) (1) فإن افتعل أبلغ من (فعل) كصبر واصطبر، وكسب واكتسب. {فَإِذَا} الفاء واقعة في جواب الشرط، و(إذا) للمفاجأة. والفاء وإذا كل منهما يقع جوابًا للشرط. قال تعالى: {ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ} [الروم: 25]. وقال: {وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ} [الروم: 36]. و(إذا) في الآيتين جواب للشرط. فإذا اقترنت الفاء بإذا الفجائية كان ذلك أكد. جاء في (الكشاف): "و(إذا) هي إذا المفاجأة، وهي تقع في المجازاة سادة مسد الفاء... فإذا جاءت الفاء معها تعاونتا على وصل الجزاء بالشرط فيتأكد" (2). و(هي): ضمير القصة أو ضمير الشأن، ويسمى ضمير القصة إذا كان ما بعدها مؤنثًا. جاء في (البحر المحيط): وضمير ( هي ) للقصة كأنه قيل: فإذا القصة والحادثة أبصار الذين كفروا شاخصة" (3). وضمير القصة إنما يؤتى به في مواطن التفخيم والتعظيم. فإنه لم يقل: (فإذا أبصار الذين كفروا شاخصة) بل جاء بضمير الشأن لتفخيم الأمر وتعظيمه، فإن الموقف غير مألوف وهو أمر عظيم وأحداثه عظيمة. و{شَاخِصَةٌ} أي لا تطرف أجفانها "والشخوص إحداد النظر دون أن يطرف" (4). وقال: {شَاخِصَةٌ} بالاسم لأن ذلك يدل على ثبات الحال ودوامها. وقدم الخبر {شَاخِصَةٌ} على المبتدأ (أبصار) ولم يقل: (فإذا هي أبصار الذين كفروا شاخصة) للاهتمام وتعظيم الأمر. وقوله: {يَا وَيْلَنَا} مقول لقول محذوف، أي: يقولون يا ويلنا. وحذف فعل القول ليكون ذلك مشهدًا حاضرًا مشاهدًا محسوسًا وليس نقلاً عنه، فكأننا نشاهدهم ونسمع قولهم. {قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا} أي كنا ساقطين في الغفلة تحيط بنا من كل جانب، فإن (في) تفيد الظرفية. جاء في: (التحرير والتنوير): "ودلت (في) على تمكن الغفلة منهم حتى كأنها محيطة بهم إحاطة الظرف بالمظروف" (5). وقال: {فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا }فجاء بـ (من) ولم يقل: (في غفلة عن هذا) للدلالة على أن الغفلة ابتدائية لازمة لهم لا عارضة، أي هم في غفلة دائمة. أما (عن) فللمجاوزة، قال تعالى: {وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ} [النساء: 102] فقال: {لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ} فجاء بـ (عن) التي تفيد المجاوزة للدلالة على أن الغفلة عارضة، فهم قد استعدوا للقتال ومعهم أسلحتهم فود الذين كفروا لو يغفلون عنها، بخلاف قوله: {كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا} فإن الغفلة هنا لازمة، وأنهم لم يستعدوا للآخرة (6). وجاء بـ (قد) الدالة على التحقيق والتأكيد. قد تقول: لقد قال هنا: {قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا} وقال في (ق): {لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا} [ق: ۲۲]. فقال في آية الأنبياء: (قد). وقال في آية (ق): (لقد) بإدخال اللام على (قد). فلم ذاك؟ والجواب: إن هذه اللام الداخلة على (قد) هي اللام الواقعة في جواب القسم زيادة في التوكيد، ذلك أن الموقف في سياق آية الأنبياء إنما هو في اقتراب الوعد الحق وليس في حصوله، فهو في علامات الساعة. وأما ما في (ق) فهو بعد مجيء الساعة وهو من أحداث القيامة. قال تعالى: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (20) وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ (21) لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ} [ق: 20- 22]. فهو في أحداث القيامة فناسب التأكيد. {بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ} إضراب عن وصف أنفسهم بالغفلة، أي لم نكن في غفلة منه حيث نبهنا عليه بالآيات والنذر، بل كنا ظالمين بترك الآيات والنذر مكذبين بها، أو ظالمين لأنفسنا بتعريضها للعذاب الخالد بالتكذيب" (7). لقد قال هنا: {بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ} من دون توكيد. في حين قال في آية أخرى: {إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ} بالتوكيد. قال تعالى: {وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ} [الأنبياء: 46]. فقال: {إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ }بالتوكيد، ذلك أن هذه الآية في مسّهم شيء من العذاب، في حين لم يذكر وقوع شيء من العذاب عليهم في الآية الأخرى، فناسب التوكيد في موضعه دون الآية الأخرى. ونحو ذلك قوله تعالى في آية أخرى من سورة الأنبياء: {قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (14} فأكد ذلك بإن وذلك بعد وقوع العذاب. قال تعالى: {وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آَخَرِينَ (11) فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ (12) لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ (13) قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (14) فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ (15)} ونحو ذلك قوله تعالى في سورة الأعراف: {إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ} فأكد بإن وذلك عند وقوع العذاب. قال تعالى: {وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ (4) فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (5)}. ونحوه قوله في سورة القلم: {قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (29)} وذلك بعد أن أهلك الله جنتهم وأبادها فأصبحت كالصريم بعد أن حرموا منها المساكين. فالتأكيد إنما يكون بحسب ما يقتضيه المقام. وهذا من دقيق مراعاة المقام على تباعد المواطن. إن هذه الآية فيها حشد من الفن كثير، من ذلك: 1- أنه قال: {اقْتَرَبَ} وهو أكد وأبلغ من قرب. ٢- وقال: {وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ} ولم يقل: (واقترب الأمر الحق) لأن هذا مما وعدتهم بهم الرسل وذكرته لهم. ولو قال: (الأمر الحق) لم يدل على أن هذا مما وعدوا به. 3- ووصف الوعد بأنه الحق للدلالة على أنه وحده الحق، وأن كل وعد يخالفه باطل. ٤- وقال: (فإذا) فجاء بفاء الجواب و(إذا) الفجائية للدلالة على تأكيد الأمر. 5- وقال: {فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ} ولم يقل: (فهي شاخصة) للدلالة على سرعة حدوث الأمر. 6- وجاء بضمير القصة فقال: {فَإِذَا هِيَ} للدلالة على تعظيم الأمر وتفخيمه. 7- وقدم الخبر على المبتدأ فقال: {شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا} للاهتمام. ٨- وقال: {شَاخِصَةٌ} بالاسم للدلالة على ثبوت ذلك، ولم يقل: (تشخص). 9- وقال: {يَا وَيْلَنَا} فحذف فعل القول، ولم يقل: (يقولون) للدلالة على أن هذا الأمر مشاهد مرئي. ١٠- وقال: {قَدْ كُنَّا} بذكر {قَدْ} للتحقيق والتوكيد. ١١- وقال: {قَدْ كُنَّا }ولم يقل: (لقد كنا) كما قال في (ق) ذلك أن آية الأنبياء في اقتراب الوعد الحق، وآية (ق) في أحداث القيامة وحصول الوعد الحق. ١٢- وقال: {فِي غَفْلَةٍ} ولم يقل: (غافلين) للدلالة على السقوط في الغفلة وإحاطتها بهم. ۱۳- وقال: {مِنْ هَذَا} للدلالة على أن الغفلة ابتدائية لازمة. 14- وقال: {بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ} فذكر صفة الظلم بالصيغة الاسمية الدالة على الثبوت. ١٥- وقال: {بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ} ولم يقل: (إنا كنا ظالمين) لأنه لم يذكر وقوع العذاب عليهم. في حين قال في مواطن أخرى: {إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ} فأكد الظلم لوقوع العذاب عليهم فصرحوا بالظلم المؤكد. إلى غير ذلك من الأمور البيانية. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الرابع من ص 229 إلى ص 235. (1) البحر المحيط 6/339. (2) الكشاف 2/337. (3) البحر المحيط 6/339. (4) البحر المحيط 6/340. (5) التحرير والتنوير 17/151. (6) انظر معاني النحو – باب حروف الجر (من) 3/331. (7) روح المعاني 17/93.
  • ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ ﴿٩٨﴾    [الأنبياء   آية:٩٨]
{إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (98)} الخطاب صالح لمن تقدم من الذين كفروا الذين قالوا: {يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ}. فقال لهم ربهم: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ}، ويصلح أن يكون خطابا لقوم الرسول الذين يعبدون ما يعبدون من دون الله. وهذه عاقبة كل من كان كذلك. والحصب: ما يحصب به، أي ما يرمى به، من (حَصَبَه) إذا رماه بالحصباء وهو الحصا والحجارة. قال تعالى في قوم لوط: {إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آَلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ} [القمر: 34]. وقال: {أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا} [الملك: 17] والحاصب: هو الريح العاصف فيها حصا وحجارة. وحصب جهنم: ما يرمى به في نار جهنم، جاء في (تفسير أبي السعود): "الحصب ما يرمى به ويهيج به النار، من حصبه إذا رماه بالحصباء" (1). جاء في (لسان العرب): "وكل ما ألقيته في النار فقد حصبتها به، ولا يكون الحصب حصبًا حتى يسجر به. [وقيل]: الحصب: الحطب الذي تنور أو في وقود، فأما ما دام غير مستعمل للسجور فلا يسمى حصبًا" (2). فهم وما يعبدون من دون الله يحصب بهم في نار جهنم. {أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ } أي داخلون. وأصل التعبير (أنتم واردونها) والضمير (ها) مفعول به لاسم الفاعل. قدم المفعول به على اسم الفاعل للاختصاص فصار (أنتم إياها واردون)، وجيء باللام لتقدم المفعول على عامله اسم الفاعل نحو قوله تعالى: {وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ}، وقوله: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ} [المؤمنون: 5]. أي حافظون فروجهم. وهذه اللام تسمى اللام المقوية، أي مقوية للعامل الذي تأخر وهو هنا اسم الفاعل. وقد رجحنا في كتابنا: (معاني النحو) أنها مقوية لمعنى الاختصاص وتوكيده (3). أي أنتم تردونها لا تردون غيرها. وجاء باسم الفاعل للدلالة على ثبات ذلك فكأن الأمر قد حصل. لقـد أكـد الجـزء الأول من الآيـة بـ (إن) فقال: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ}. ولم يؤكد الجزء الثاني منها وهو قوله: {أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} وذلك أن الجزء الأول أدعى إلى التوكيد، فإنه ذكر أنهم وما يعبدون من دون الله يرمى بهم في جهنم. وأما الجزء الثاني من الآية فإنه ذكر فيه أنهم لها واردون، أي داخلون. و(ورد) معناها (دخل) ومعناها أيضًا: وصل إلى المورد من غير دخول كما قال تعالى: {وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ} فإنه وصل إلى الماء ولم يدخله. فالجزء الأول أصعب وأشد وأشق، وذلك أنه جعلهم حصب جهنم، أي حطبًا يرمى به في النار، فأكد الجزء الأول لأنه أشد وأشق، فهما ليسا بمنزلة واحدة، فأكد ما هو أدعى إلى التوكيد. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الرابع من ص 235 إلى ص 237. (1) تفسير أبي السعود 3/728 وانظر البحر المحيط 6/340. (2) لسان العرب (حصب). (3) انظر معاني النحو – باب حروف الجر (اللام) 3/83.
  • ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَّا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ ﴿٩٩﴾    [الأنبياء   آية:٩٩]
{لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آَلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ (99)} الإشارة بـ (هؤلاء) إلى ما يعبد من دون الله، وقد ذكرها ربنا عما قريب فكانت الإشارة بما يدل على القرب. كما هو إشارة إلى ما يعبده قومه  من كفار قريش. وهذا غاية في الاحتجاج على ضعف معبوديهم وهوانهم، وعلى أنهم أنأى شيء عن أن يكونوا آلهة. {وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ} أي كل من العابدين والمعبودين باقون فيها أبدًا. وقدم (فيها) للقصر، أي باقون فيها حصرًا وليس في مكان آخر. فهم (لها واردون) لا يردون غيرها. وهم (فيها خالدون) وليس في مكان آخر. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الرابع من ص 237 إلى ص 237.
إظهار النتائج من 10801 إلى 10810 من إجمالي 12325 نتيجة.