{وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (111)}
أي "وما أدري لعل تأخير هذا الموعد امتحان لكم لينظر كيف تعملون، أو تمتيع لكم إلى حين ليكون ذلك حجة عليكم وليقع الموعد في وقت هو فيه حكمة" (1).
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الرابع من ص 261 إلى ص 262.
(1) الكشاف 2/339.
{قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (112)}
أي دعا الرسول بذلك فقال: رب احكم بالحق.
و(رب) منادى مضاف إلى ياء المتكلم، أي يا رب احكم على هؤلاء بالحق وعجل لهم العقوبة وشدد عليهم العذاب بما يستحقون ولا ترحمهم.
جاء في (الكشاف): "ومعنى (بالحق) لا تحابهم وشدد عليهم كما هو حقهم" (1).
وجاء في (روح المعاني): "والحق: العدل، أي رب اقض بيننا وبين أهل مكة بالعدل المقتضي لتعجيل العذاب والتشديد عليهم، فهو دعاء بالتعجيل والتشديد وإلا فكل قضائه تعالى عدل وحق" (2).
وجاء في (التفسير الكبير) للرازي: {رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ} فيه وجوه: أحدها: أي رب اقض بيني وبين قومي بالحق، أي بالعذاب، كأنه قال: اقض بيني وبين من كذبني بالعذاب.
وقال قتادة: أمره الله تعالى أن يقتدي بالأنبياء في هذه الدعوة وكانوا يقولون: {رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ} [الأعراف: ۸۹] فلا جرم حكم الله تعالى عليهم بالقتل يوم بدر.
وثانيها: افصل بيني وبينهم بما يظهر الحق للجميع وهو أن تنصرني عليهم" (3).
{وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ}
أضاف الرب إلى ضمير المؤمنين وجاء باسمه الرحمن، أي نستعين بربنا الرحمن ليرحمنا ويعيننا على ما تصفون.
وقرأ الأكثرون (قل) بالأمر (4).
وأنزلت القراءتان مرة بالأمر ومرة بالفعل الماضي ليدل سبحانه على أنه أمر رسوله بالدعاء فدعا. والله أعلم.
{عَلَى مَا تَصِفُونَ}
يعني ما تذكرونه من الشرك والأباطيل ونحو ذلك مما يصفون الله مما لا يليق به سبحانه.
وما يصفون به رسوله من صفات الاستخفاف والاستهزاء كوصفه بالجنون والكذب والسحر.
ويصفون به المؤمنين من صفات الاستهجان والاستهزاء بهم ووصفهم لهم بالضلال كما قال تعالى: {زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا} [البقر: 212].
وقالوا لهم: { إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ } [يس: 47].
وقالوا: { إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ} [الملك: 9].
وكانوا يقولون إذا رأوا المؤمنين: {أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا} [الأنعام: 53].
ونحو ذلك من صفات الاستكبار والاستخفاف بهم.
وكانوا يطمعون أن يكون لهم النصر والغلبة وأن العاقبة لهم فخيب الله أملهم.
جاء في (الكشاف): "كانوا يصفون الحال على خلاف ما جرت عليه، وكانوا يطمعون أن تكون لهم الشوكة والغلبة، فكذب الله ظنونهم، وخيب آمالهم، ونصر رسوله والمؤمنين، وخذلهم" (5).
وجاء في (التفسير الكبير) للرازي: "أما قوله تعالى: {وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} ففيه وجهان:
أحدهما: أي من الشرك والكفر وما تعارضون به دعوتي من الأباطيل والتكذيب.
كأنه سبحانه قال: قل داعيًا لي: {رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ} وقل متوعدًا للكفار: {وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ}...
أي قل لأصحابك المؤمنين: وربنا الرحمن المستعان على ما يصف الكفار من الأباطيل. أي من العون على دفع أباطيلهم.
وثانيها: كانوا يطمعون أن تكون لهم الشوكة والغلبة فكذب الله ظنونهم وخيب آمالهم ونصر رسوله والمؤمنين وخذلهم" (6).
وقرئ: (على ما يصفون) وذلك - والله أعلم - ليذكر حالتين، حالة مواجهتهم فيقول لهم: {وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ}
وحال غيبتهم فيقول للمؤمنين: (وربنا الرحمن المستعان على ما يصفون).
فجمع في القراءتين حالتي المواجهة والغيبة.
وقال: {عَلَى مَا تَصِفُونَ} بالفعل المضارع ولم يقل: (على ما وصفتم) بالفعل الماضي؛ وذلك لأنهم يكررون الأوصاف ويذكرونها باستمرار.
إن هذه الآية فيها جانبان:
جانب يتعلق بالأشخاص.
وجانب يتعلق بالمعتقدات.
أما الجانب الأول فهو قوله: {قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ} فهو دعاء على الكافرين بأن يحكم عليهم بالعدل لا بالرحمة.
وأما الجانب الآخر فهو قوله: {وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} فهو استعانة على معتقداتهم وما يصفونه على العموم.
وفي ختام السورة يحسن أن نشير إلى ارتباط خاتمة السورة بأولها كما أشرنا إلى ارتباط مفتتح السورة بخاتمة السورة التي قبلها، أعني سورة (طه) في مفتتح السورة فنقول:
إنه من النظر في أول السورة وخاتمتها يتضح أن بينهما مناسبة ظاهرة وارتباطاً بينا.
فقد ابتدأت السورة باقتراب الحساب للناس وهو قوله: {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ}.
وختمت باقتراب الوعد الحق وأحداث الساعة وما بعدها إلى ورود النار أو دخول الجنة، ابتداء من قوله سبحانه: {وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا} وما بعد ذلك من الآيات.
وذكر الغفلة في أول السورة وذلك قوله: {وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ}.
وقال في أواخرها: {يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا}.
كأن ذلك تسلسل مشهد متصل (7).
وهو شأن السور على العموم في التناسب بين المفتتح والخواتيم (8).
جاء في (نظم الدرر): "فقد انطبق آخر السورة على أولها بذكر الساعة ردًا على قوله: {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ} وذكر غفلتهم وإعراضهم.
وذكر القرآن الذي هو البلاغ، وذكر الرسالة بالرحمة لمن نسبوه إلى السحر وغيره، وتفصيـل مـا استعجلـوا بـه مـن آيـات الأوليـن وغيـر ذلك" (9).
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الرابع من ص 262 إلى ص 266.
(1) الكشاف 2/339.
(2) روح المعاني 17/108 وانظر تفسير أبي السعود 3/732.
(3) التفسير الكبير 8/195.
(4) انظر النشر في القراءات العشر 2/365.
(5) الكشاف 2/340
(6) التفسير الكبير 8/196.
(7) انظر كتابنا (التناسب بين السور في المفتتح والخواتيم) 33 – 34.
(8) انظر القسم الأول من كتابنا (التناسب بين السور في المفتتح والخواتيم).
(9) نظم الدرر 12/515.
{يس (1)}
قيل في الأحرف المقطعة كلام كثير، وأنا لا استطيع أن أذكر أكثر مما ذكروا، غير أني أود ان أقول هنا إن هذه الاحرف مهما قيل فيها فإنها تلفت انتباه السامع وتجعله يصغي إلى ما يقال بعدها فكأنها وسيلة تعبيرية تشد الذهن، ولذا قال قوم: إنها فواتح للتنبيه واستئناف الكلام. وقال آخرون إنها إشارة إلى حروف المعجم، كأنه قال للعرب: إنما تحديتكم بنظم هذه الحروف التي تعرفونها فأنا أجعل منها كلامًا معجزًا يعجز عن مثله الإنس والجن ولو تظاهروا عليه. وقال قوم: إن المشركين لما أعرضوا عن سماع القران بمكة نزلت ليستغربوها فيفتحون لها أسماعهم فيستمعون القران بعدها فتجب عليهم الحجة (1).
وأريد أن أشير إلى أمر أخر بخصوص (يس)؛ فقد ذهب بعضهم إلى أنه اسم من أسماء محمد بدليل قوله بعدها: {إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ} (2).
ولا أرى هذا الاستدلال سديدًا، فقد ورد خطاب الرسول بعد غيرها من الأحرف المقطعة مما يعلم يقينًا أنه ليس من أسماء الرسول. فقد قال تعالي: {حم (1) عسق (2) كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} }الشورى:1 - 3{، وقال: {كهيعص (1) ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا} }مريم:1 - 2{، وقال: {ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (1) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (2) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ (3)} }القلم:1 - 3{
ولم يقل أحد إن {حم (1) عسق} أو {كهيعص} أو {ن} من أسماء الرسول.
جاء في (التبيان في أقسام القران): "والصحيح أن يس بمنزلة حم والم ليست من أسماء النبي " (3).
(1) انظر البحر المحيط 1/34.
(2) انظر البحر المحيط 7/322 – 323، فتح القدير 4/348.
(3) التبيان في أقسام القرآن 267.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 5 إلى ص 6
{وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ (2)}
أقسم ربنا سبحانه بالقرآن الكريم، والقرآن علم على الكتاب الذي أنزله على سيدنا محمد ، وهو مأخوذ من لفظ القراءة، فإن القرآن في الأصل مصدر للفعل (قرأ) والمصدر الآخر (قراءة).
قال تعالى: {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ} {القيامة: 18}؛ أي اتبع قراءته (1).
ويسمى أيضًا (الكتاب) وأقسم به ربنا أيضًا فقال: {حم (1) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ} والكتاب من (الكتابة).
والتسمية بالقرآن والكتاب إشارة إلى أنه يقرأ ويكتب، فهو كتاب لكونه مكتوبًا وقرآن لكونه مقروءًا. فأقسم به ربنا مكتوبًا ومقروءًا.
{الْحَكِيمِ}
يحتمل عدة معان كلها يمكن أن تكون مرادة.
فهو يمكن أن يكون (فعيل) بمعني اسم المفعول أي (مُحكَم)، والمحكم هو الذي لا يتناقض ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه (2)، قال تعالى: {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ} {هود: 1}، وقال: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ} {آل عمران: 7}، تقول: أحكمت الشيء فهو محكم وحكيم.
والحكيم أيضًا صاحب الحكمة، فيكون القرآن حكيمًا بمعني أنه ذو حكمة، أي متضمن إياها ومتصف بها، فيكون الإسناد مجازيًا، وحقيقة الإسناد إلى الله تعالى، كما قال تعالى: {وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ} {هود: 97} فنسب عدم الرشد إلى أمره والحقيقة نسبة ذلك إلى فرعون، وهو كما تقول: رأي حكيم وقول حكيم. أو إنه حكيم لأنه ينطق بالحكمة، فجعله كالحي المتكلم، وهو من باب الاستعارة (3).
والحكيم أيضًا صيغة مبالغة من الحكم (4) فهو بمعنى الحاكم، والمعنى أنه قرآن حاكم، وهو كذلك، فهو الحكم العدل والقول الفصل، وحكمه يعلو على جميع الأحكام، فهو يحكم ويهيمن على غيره من الأحكام والكتب كما قال تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ} {المائدة: 48}
وهذه المعاني كلها مرادة مطلوبة، فهو كتاب محكم وحكيم متصف بالحكمة ناطق بها، وحاكم مهيمن على الكتب والشرائع والأحكام.
فجمع بقوله: (الحكيم) عدة معان كلها مرادة مطلوبة، وجمع بين الحقيقة والمجاز وجمع بين المجاز العقلي والاستعارة ولا تؤدي كلمة أخرى هذا المؤدي.
(1) لسان العرب (قرأ) 1/123.
(2) انظر تفسير ابن كثير 3/563، فتح القدير 4/349، البحر المحيط 7/323.
(3) انظر الكشاف 2/581، التفسير الكبير 26/40 روح المعاني 22/211.
(4) انظر البحر المحيط 7/323.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 6 إلى ص 8.
{إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (3)}
جواب القسم، فهو قد أقسم بالقرآن الكريم إنه لمن المرسلين.
وقد تقول: كيف يقسم بالقرآن والمفروض أن يقسم بشيء أجمع المقسم والمقسم له على تعظيمه وقبوله مقسمًا به، والقوم لا يرون أن القرآن كلام الله فلا يتعدون بالقسم به، فما قيمة هذا القسم؟
والجواب: أن القرآن جعله الله معجزة الرسول والدليل الأكبر على رسالته والبرهان الأعظم عليها. قال تعالى: {وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آَيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآَيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (50) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} {العنكبوت: 50 – 51}.
وقد سماه الله برهانًا فقال: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا} {النساء: 174}
وقد تحداهم به أكثر من مرة ووصفه بأنه قرآن حكيم. فهو قد أقسم بما تقوم به الحجة عليهم. فكأنه قال لهم: تدبروا هذا القرآن وتأملوه، فإنه أحكم إحكامًا لا إحكام بعده، وأنه حكيم ينطق بالحكمة وهو حاكم يعلو ولا يعلى عليه، فلو تدبرتموه لعلمتم علم اليقين أنه أنزل من عند الله. فهذا من أحسن القسم.
جاء في (التفسير الكبير): "إن هذا ليس مجرد الحلف، وإنما هو دليل خرج في صورة اليمين لأن القرآن معجزة، ودليل كونه مرسلًا هو المعجزة والقرآن كذلك" (1).
ومثل هذا القسم يستعمل في حياتنا العامة لإقامة الدليل، وذلك كأن ينكر شخص إحسان شخص عليه وأنت تعلم أن قميصه الذي يلبسه هو مما أحسن به عليه فتقول له: (ورب لابس هذا القميص إنه لمحسن) أو (ورب هذا القميص إنه لجواد) بل قد يقولون: (وحق هذا القميص إنه لكريم)، فتقسم بما تقوم عليه الحجة والدليل الذي لا يتمكن من إنكاره.
ثم إن هذا القرآن هو البرهان وهو موضوع الرسالة في آن واحد. فإنه أحيانًا تختلف المعجزة عن موضوع الرسالة فتكون المعجزة لتأييد الرسالة، وذلك كمعجزة موسى في قلب العصا حية أو جعل اليد بيضاء للناظرين أو نحوهما، فإن هذه المعجزات ليست موضوع الرسالة وإنما الرسالة هي التوحيد والتعاليم التي أمر بها ربنا سبحانه. وهذه المعجزات لتأييد الرسول وتصديقه بما يقول. ونحو ناقة صالح فإنها معجزة وآية على صدق سيدنا صالح، ولكنها ليست هي موضوع الرسالة، فإنه أرسل بعبادة الله وحده والأوامر والنواهي التي أرادها ربنا وبلغها نبي الله. أما القرآن الكريم فهو المعجزة والآية الدالة على صدقه وإنه هو موضوع الرسالة، وبذلك جمع الفضلين وحاز الشرفين فاستحق بذلك أن يقسم به.
وقد اكد الجواب بـ (إن) واللام {إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ} وذلك لشدة إنكار قومه لرسالته كما بينت ذلك الآيات التي بعدها، فقد ذكر أنهم غافلون وأنه حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون. وأنه جعل من بين أيديهم سدًا ومن خلفهم سدًا فأغشاهم فهم لا يبصرون، وأنه سواء عليهم الإنذار وعدمه فهم لا يؤمنون على أية حال. فاستدعى ذلك الزيادة في التوكيد.
وقال: {إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ} ولم يقل: (إنك رسول) ذلك أن قوله: (من المرسلين) يدل على أنه واحد من جماعة يشتركون معه في الوصف. وأما قوله: (إنك رسول) فإنه إخبار بصفته بغض النظر عما إذا كان يشاركه أحد في الوصف أم لا. فأنت تقول: (هو ناجح) فتخبر عن نجاحه سواء كان ثمة ناجح غيره أم لا. وتقول: (وهو من الناجحين) وذلك إذا كان معه أخرون. وكذلك تقول: (هو ناج) وقد لا يكون معه ناج آخر، وتقول: (هو من الناجين) إذا كان معه ناجون. وتقول: (هو مُغرَق) و(هو من المغرقين). فقوله: {إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ} يشير إلى إنه ليس بدعًا من الرسل، وإنما هو واحد من جماعة لهم مثل صفته.
(1) التفسير الكبير 26/41.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 8 إلى ص 10.
{عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (4)}
يحتمل أن يكون هذا الجار والمجرور خبرًا بعد خبر، أي: إنك على صراط مستقيم، كما تقول: (إنه من أهل بغداد من أصحاب الثراء) فأخبرت أنه من أهل بغداد، وإنه من أصحاب الثراء.
كما يحتمل أن يكون متعلقًا بالمرسلين، أي: إنك من الذين أرسلوا على صراط مستقيم.
وقد تقول: وما الفرق بين التقديرين؟
والجواب: إنك إذا جعلته خبرًا بعد خبر فإنه يصح أن تستغني بأحد الخبرين ويتم الكلام، فإنه يصح أن تقول: (إنك لمن المرسلين) وتكتفي، كما قال تعالى في موطن آخر {تِلْكَ آَيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ} {البقرة: 252}.
وتقول: (إنك على صراط مستقيم) وتكتفي كما قال تعالى: {فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} {الزخرف: 43}. أما إذا جعلته متعلقًا بالمرسلين فإنك تجعل الكلام لا يتم إلا بمتعلقة، فقوله: {عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} يكون مرتبطًا بما قبله متعلقًا به كما تقول: (أنت من المرسلين بهذا الأمر) أو (أنت من المرسلين إلى هؤلاء القوم) و(أنت من المرسلين على نفقة الدولة).
وقد تقول: ولم لم يكتف بأحد الخبرين كما فعل في موطن آخر؟
والجواب: أنه لو قال: (إنك لمن المرسلين) لدل على أنه على صراط مستقيم تضمنًا لا تصريحًا، فإن كونه من المرسلين يدل على أمور كثيرة، منها: أنه صادق. ومنها: أنه على حق. ومنها: أنه على صراط مستقيم. ومنها أنه يأمر بالخير. ومنها: مجرد الإخبار أنه من المرسلين لا إلى إرادة معنى متضمن، فقوله: {عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} حدد أمرًا معينًا مما تضمنه كونه من المرسلين ولم يدع ذلك للذهن الذي قد ينصرف إلى أمور غير معينة. وقد يقتضي المقام أن يصرح بأمور مما تقتضيه الرسالة.
أما إذا قال: (إنك على صراط مستقيم) فقط فإنه لا يدل على أنه من المرسلين، فكون الشخص على الصراط المستقيم لا يعني أنه رسول من عند الله. فجمع بين الأمرين لإفادة المعنيين تصريحًا.
وقد تقول: إذا كان الأمر كذلك فلم اكتفى إذن بأحد الخبرين في موطن أخر من القرآن، فقال في موطن: {إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ} وقال في موطن آخر: {إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}؟
والجواب: أن كل موطن يقتضي ما ذكر فيه، وإليك إيضاح ذلك:
قال تعالى: {تِلْكَ آَيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ} {البقرة: 252}.
وقال تعالى: {فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} {الزخرف: 43}.
وإذا نظرنا في سياق أية البقرة لم نر فيه ذكرًا للدعوة إلى دين الله وهو الصراط المستقيم، وإنما وردت في سياق القصص القرآني، فقد وردت في سياق قصة طالوت وجالوت ثم ذكر بعدها بعضًا من الرسل.
لقد وردت في سياق إثبات نبوة الرسول بإخباره عما لم يعلم من أخبار الماضين، فإنه لما ذكر قصة طالوت قال بعدها: {تِلْكَ آَيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ} أي أن إجراء هذه الأخبار على لسانك وأنت لا تعلمها دليل على أنه من المرسلين.
وأما آية الزخرف فإنها وردت في سياق الدعوة إلى الله وهداية الخلق إلى صراط المستقيم، قال تعالى: {أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (40) فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (41) أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ (42) فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (43) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ (44) وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آَلِهَةً يُعْبَدُونَ} {الزخرف: 40 – 45}.
فقوله: {أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} يعني هداية الخلق إلى صراط المستقيم ودينه القويم. وقوله: {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ} يعني ما أوحاه فاقتضى ذلك ذكر الصراط المستقيم.
هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى أن قوله: {فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ} يعني أنه نبي مرسل، وكذلك قوله: {وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا}، فجمع بين كونه مرسلًا وأنه على صراط مستقيم كما فعل في آية (يس) فاقتضى كل موطن ما ذكر فيه.
ووصف الصراط بأنه مستقيم يدل على أنه أقرب الطرق الموصلة إلى المطلوب وأنه طريق قويم وشرع مستقيم.
جاء في (الكشاف): { عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} خبر بعد خبر، أو صلة للمرسلين. فإن قلت: أي حاجة إليه خبرًا كان أو صلة وقد علم أن المرسلين لا يكونون إلا على صراط مستقيم؟.
قلت: ليس الغرض بذكره ما ذهبت إليه من تمييز من أرسل على صراط مستقيم من غيره ممن ليس على صفته، وإنما الغرض وصفه ووصف ما جاء به من الشريعة، فجمع بين الوصفين في نظام واحد، كأنه قال: إنك لمن المرسلين الثابتين على طريق ثابت.
وأيضًا فإن التنكير فيه دال على أنه أرسل من بين الصرط المستقيمة على صراط لا يكتنه وصفه (1).
وجاء في (التفسير الكبير): {عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} خبر بعد خبر، أي إنك على صراط مستقيم. والمستقيم أقرب الطرق الموصلة إلى المقصد، والدين كذلك فإنه توجه إلى الله تعالى (2) وتولي عن غيره، والمقصد هو الله، والمتوجه إلى القصد أقرب إليه من المولي عنه والمنحرف منه.
ولا يذهب فهم أحد إلى أن قوله: إنك منهم على صراط مستقيم مميز له عن غيره كما يقال: إن محمدًا من الناس مجتبى، لأن جميع المرسلين على صراط مستقيم. وإنما المقصود بيان كون النبي على الصراط المستقيم الذي يكون عليه المرسلون" (3).
وقد تقول: ولم قدم {إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ} على قوله: {عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} ولم يقل: (إنك لعلى صراط مستقيم من المرسلين)؟
والجواب أنه فعل ذلك لعدة أمور:
منها: أن قوله: {إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ} أفضل من كونه على صراط مستقيم، لأن كونه مرسلًا يعني أنه صراط مستقيم وأنه نبي.
ومنها: أن قوله: {إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ} يتضمن أنه على صراط مستقيم.
ومنها: أن هذا من باب تقديم السبب على المسبب، فإن كونه على صراط مستقيم إنما هو بسبب أنه مرسل أوحي إليه بهذا الصراط فهو أسبق في الرتبة.
ومنها: أن تقديم المرسلين يمكن أن يعلق به {عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} فيكون من تمام معناه كما بينا، أي إنك أرسلت على طريق مستقيم.
ولو أنا قلنا: (إنك على صراط مستقيم من المرسلين) لم يصح تعليق (من المرسلين) بما قبله فينقطع الكلام ولا يتصل.
فإن هذا التقديم أولى من كل ناحية.
(1) الكشاف 2/581.
(2) كذا ورد، والصواب: وتول.
(3) التفسير الكبير 26/41.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 10 إلى ص 15.
{تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (5)}
بعد أن عظم القرآن بأن أقسم به ووصفه بالحكمة عظمه بإضافته إلى ذاته العلية، فإن الكتاب يعظم ناحيتين:
1- من حيث ما أودع فيه، وهو تعظيم لذاته.
2- ومن حيث مرسله.
فقد يكون الكتاب ليس بذي قيمة في ذاته وإنما يعظم بسبب مرسله وصاحبه.
ثم إن صاحبه يكون معظمًا بسببين: أن يكون مرهوبًا مخوفًا أو أن يرجى خيره ويطمع في نعمته. وقد جمع الله ذلك بقوله: {تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ} فجمع بين الترغيب والترهيب وهما مصدر التعظيم للذات وما يتصل بها. فقوله: (العزيز) يفيد أنه نافذه أمره، و(الرحيم) يفيد أنه ذو رحمة وليس متجبرًا عاتيًا.
ففخم الكتاب وعظمه من الناحيتين: من حيث ذاته، ومن حيث مرسله.
جاء في (روح المعاني): {تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ} نصب على المدح أو على المصدرية لفعل محذوف، أي نزل تنزيل... وأيًا ما كان ففيه إظهار لفخامة القرآن الإضافية بعد بيان فخامته الذاتية بوصفه بالحكمة.
وفي تخصيص الاسمين الكريمين المعربين عن الغلبة الكاملة والرحمة الفاضلة حث على الايمان به ترهيبًا وترغيبًا وإشعارًا بأن تنزيله ناشئ عن غاية الرحمة حسبما أشار إليه قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}" (1).
وهناك تعظيم أخر للقرآن وهو مكانه المحفوظ فيه، فإن الشيء إذا كان ثمينًا حفظ في مكان أمين لا تمسه الأيدي ولا يعبث به العابثون. وقد أشار إلى مكانه المحفوظ فيه فذكر أنه في مكان عال وقد نزل إلى الرسول تنزيلًا. فالتنزيل إنما يكون من المكان العالي المرتفع، وهذا يدل على رفعة القرآن ورفعه مكانه.
وعلى هذا يكون أشار إلى تعظيم القرآن من عدة نواح:
1- الإقسام به.
2- وصفه بأنه حكيم.
3- وأنه في مكان عالٍ وقد نزله العزيز الرحيم بأمره.
4- وأن الله أضافة إلى نفسه بوصفي الترهيب والترغيب. فلم يترك جهة من جهة التعظيم إلا أشار إليها وذكرها.
واختيار العزيز الرحيم له أكثر من دلالة في السورة.
فإن العزيز هو الغالب وفي ذكره ترهيب للعباد، والرحيم هو المتصف بالرحمة على وجه الثبات، وفي ذكره ترغيب لهم، فجمع بين الترغيب والترهيب.
وقد طبعت السورة بطابع الاسمين الكريمين، فإن جو السورة يشيع فيه العزة والرحمة.
فقد تظهر العزة بنصر أوليائه ومحق أعدائه، فقد أهلك أصحاب القرية بصيحة واحدة: {إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ} {يس: 29}.
وذكر أن آلهتهم التي يعبدونها من دون الله لا تغني شفاعتهم شيئًا، ولا يتمكنون من إنقاذ من أراده الرحمن بضر، فهي ليست لها وجاهة، وليس لها قوة، وهذا من أظهر الأمور على عزته سبحانه {إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ} {يس: 23}.
وقد ذكر أنه إن شاء أغرقهم فلا معين لهم ولا يتمكن أحد من إنقاذهم إلا إذا أراد هو: {وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ (43) إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ}
{يس: 43 – 44}.
وذكر أنهم ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم جميعًا فلا يبقي منهم أحد وانه يحييهم ويجمعهم بصيحة واحدة: {مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ} {يس: 49}، {إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ} {يس: 53}.
وذكر أنه لو شاء أن يطمس على أعينهم أو يمسخهم على مكانتهم لفعل ولا راد لمشيئته: {وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ (66) وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ} {يس: 66 – 67}.
وذكر أن أمره ينفذ بكلمة واحدة، يفعل ما يشاء ويكون ما يريد، وأنه بيده ملكوت كل شيء وليس لأحد سواه شيء {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (82) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} {يس: 82 – 83}.
فهل هناك أكبر من هذه العزة؟!.
وكذلك جو الرحمة فإنه يشيع في السورة أيضًا.
فقد تردد ذكر الرحمة والرحمن في السورة أكثر من مرة وذلك نحو قوله:
1- تنزيل العزيز الرحيم.
2- وخشي الرحمن بالغيب.
3- وما أنزل الرحمن من شيء.
4- إن يردن الرحمن بضر.
5- ولا هم ينقذون إلا رحمة منا.
6- لعلكم ترحمون.
7- هذا ما وعد الرحمن.
8- سلام قولًا من رب رحيم.
ثم ذكر عددًا من مظاهر رحمته سبحانه منها:
1- ما جعل في الأرض لعباده من جنات وأنهار، وما أخرج لهم من حب يأكلون منه.
2- وأنه حمل ذريتهم في الفلك المشحون، وخلق من مثله ما يركبون.
3- وأنه خلق لهم أنعامًا فهم مالكون لها، وأنه ذللها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون. وجعل لهم فيها منافع ومشارب تستوجب شكره سبحانه.
4- وأنه جعل لهم من الشجر الأخضر نارًا يوقدون منه.
5- وأنه أرسل إليهم رسلًا حذرهم من عبادة الشيطان وهداهم الصراط المستقيم.
وغير ذلك من مظاهر رحمته التي ذكرها في السورة.
وكما لاحظنا أن لهذين الاسمين الكريمين ارتباطًا بجو السورة فإن لهذين الاسمين الكريمين ارتباطًا بما بعد هذه الآية وهو قوله تعالى: {لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ}
إذا من الملاحظ في مواطن عديدة من القرآن الكريم ذكر هذين الاسمين بعد ذكر عدم إيمان الأكثرين من الخلق. فقد عقب في سورة الشعراء بعد قصة كل نبي مع قوه بقوله تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (8) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ}.
كما ذكرت تعقيبًا على موقف أهل مكة من الرسول وذلك قوله تعالى: {فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (6) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (7) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (8) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} {الشعراء: 6 – 9}.
فقد تكرر ذكر هاتين الآيتين في هذه السورة ثماني مرات.
ومن أسرار هذه الذكر في هذه السورة وفي سورة الشعراء أنه من مقتضيات اسمه العزيز أن يعز المؤمنين وينصرهم ويذل الكافرين ويهلكهم، فتكون العزة في حق المؤمنين نصرًا وتأييدًا وفي حق الكافرين محقًا وإهلاكًا.
ومن مقتضيات اسمه (الرحيم) أن يرحم المؤمنين ويكرمهم وينجيهم ويدخلهم الجنة، ويرحم الكافرين بإلزامهم الحجة وإقامة البينة عليهم وإنذارهم المخوف ليتقوا ناره ويأمنوا عذابه، وأنه أبلغهم رسالته كما أبلغ المؤمنين وأنه لا يعاقبهم إلا بعد إقامة الحجة عليم وهذا من رحمته بهم. هذا علاوة على أنه يرزقهم وأنهم يتقلبون في نعمة تعالى على محاربتهم له. وأنت إذا نظرت في هذا التعقيب وجدته يذكر بعد ذكر عقوبة الكافرين وإهلاكهم ورحمته بالمؤمنين وتنجيتهم، وذلك بعد ذكر قصة كل نبي في سورة العشراء، فكان ذكرهما أنسب شيء هنا والله اعلم.
لقد ذكر ثلاثة أسماء لربنا سبحانه، واحدًا بالتضمن واثنين تصريحًا.
أما المذكور بالتضمن فهو قوله: (الحكيم) فإنه وصف به القرآن وهو كلامه، وإذا كان الكلام حكيمًا فصاحبه حكيم أيضًا بكل معاني الوصف.
وأما الاسمان المصرح بهما العزيز الرحيم. وكمال الاتصاف بهما أن تكون الحكمة معهما، فإن العزيز إذا لم يكن حكيمًا كان متهورًا في عزه فتكون عزته من صفات نقصه. وإذا لم يكن رحيمًا كانت عزته شدة وكانت وبالًا على عباده.
والرحمة من دون عزة ضعف، وهي من دون حكمة نقص، لأنه لا يعلم كيف يضعها، ولا أين يضعها.
فهذه الصفات يكمل بعضها بعضًا ويزين بعضها بعضًا. فلا خير في رحمة من دون عزة ولا حكمة. ولا خير في عزة من دون حكمة ولا رحمة. ولا خير في حكم بلا عزة ولا رحمة.
جاء في (التفسير الكبير): "{الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ} إشارة إلى أن الملك إذا أرسل رسولًا فالمرسل إليهم إما أن يمانعوا المرسل ويهينوا المرسل وحينئذ لا يقدر الملك على الانتقام منهم إلا إذا كان عزيزًا، أو يخافوا المرسل ويكرموا المرسل وحينئذ يرحمهم الملك، أو نقول: المرسل يكون معه في رسالته منع عن أشياء وإطلاق لأشياء، فالمنع يؤكد العزة والإطلاق يدل على الرحمة" (2).
(1) روح المعاني 22/212 – 213.
(2) التفسير الكبير 26/24.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 15 إلى ص 20.
{لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آَبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (6)}
يحتمل أن يكون (لتنذر) متعلقًا بقوله: (تنزيل) أو بالفعل المضمر (نزل) فيكون التقدير: تنزيل العزيز الرحيم لتنذر، أو: نزله العزيز الرحيم لتنذر.
كما يحتمل أن يكون متعلقًا بـ (المرسلين) أي: إنك لمن المرسلين لتنذر قومًا بمعني: أنك أرسلت لتنذر قومًا (1).
والظاهر أن (ما) نافية، والمعنى: لتنذر قومًا لم ينذر آباؤهم ولذلك هم غافلون، فإن عدم الإنذار هو سبب غفلتهم المستحكمة. فإن هؤلاء القوم لم يأتهم من نذير، كما قال تعالى: {لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ} {القصص: 46}، {السجدة: 3}.
كما أن آباءهم لم ينذروا فاستحكمت الغفلة فيهم إلى درجة أن الإنذار وعدمه سواء عليهم وأنهم كما وصفهم ربنا بقوله: {إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا..... إلخ}.
وقد جوز بعض المفسرين أن تكون (ما) موصولة أو مصدرية فيكون المعنى (لتنذر قومًا الشيء الذي أنذره آبائهم) أو (لتنذر قومًا مثل إنذار ابائهم). وبهذا يكون إثبات الإنذار لآبائهم، والمقصود بالآباء آباؤهم الأقدمون.
وقد تقول: إن قوله تعالى: {فَهُمْ غَافِلُونَ} يرد هذا المعنى.
والجواب: كلا، إنه لا يرد هذا المعنى، ذلك أن المعنى أن آباءهم الأقدمين أنذروا ولكنهم غفلوا عن ذلك الإنذار لتقادم العهد كما قال تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ} {المائدة: 19}، وهذا نحو قولنا: (انصح فلانًا كما نصحت أباه فإنه غافل عن ذلك) أو (قل لفلان أن يعمل بنصيحتنا لأبيه فإنه غافل عنها) فإنك أثبت النصيحة وأثبت الغفلة عنها.
جاء في (الكشاف) في قوله تعالى: {لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آَبَاؤُهُمْ} "قومًا غير منذر آباؤهم، على الوصف، ونحوه قوله تعالى: {لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ} {القصص: 46}، {وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ} {سبأ: 44}.
وقد فسر {مَا أُنْذِرَ آَبَاؤُهُم} على إثبات الإنذار، ووجه ذلك أن تجعل (ما) مصدرية، لتنذر قومًا إنذار آبائهم، أو موصولة منصوبة على المفعول الثاني: لتنذر قومًا ما أنذره آباؤهم من العذاب كقوله تعالى: {إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا} {النبأ: 40}.
فإن قلت: أي فرق بين تعلقي قوله: {فَهُمْ غَافِلُونَ} على التفسيرين؟.
قلت: هو على الأول متعلق بالنفي، أي لم ينذر آباؤهم فهم غافلون، على أن عدم إنذارهم هو سبب غفلتهم. وعلى الثاني بقوله: {إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ} لتنذر، كما تقول: أرسلتك إلى فلان لتنذره فإنه غافل، أو فهو غافل.
فإن قلت: كيف يكونون منذرين غير منذرين لمناقضة هذا ما في الرأي الآخر؟
قلت: لا مناقضة، لأن الآية في نفي إنذارهم لا في نفي إنذار آبائهم. وآباؤهم القدماء من ولد إسماعيل وكانت النذارة فيهم.
فإن قلت: ففي أحد التفسيرين أن آباءهم لم ينذروا وهو الظاهر، فما تصنع به؟
قلت: أريد آباؤهم الأدنون دون الأباعد" (2).
وجاء في (التفسير الكبير): "فعلى قولنا: (ما) نافية تفسيره ظاهر، فإن من لم ينذر آباؤه وبعد الإنذار عنه فهو يكون غافلًا. وعلى قولنا: هي للإثبات كذلك، لأن معناه: لتنذرهم إنذار آبائهم فإنهم غافلون. وفيه مسائل:
(المسألة الأولى): كيف يفهم التفسيران وأحدهما يقتضي أن لا يكون آباؤهم منذرين، والآخر يقتضي أن يكونوا منذرين وبينهما تضاد؟.
نقول على قولنا: (ما) نافية معناه، ما أنذر آباؤهم، وإنذار آبائهم الأولين لا ينافي أن يكون المتقدمون من آبائهم منذرين، والمتأخرون منهم غير منذرين" (3).
وجاء في (روح المعاني): "{فَهُمْ غَافِلُونَ} هو على الوجه الاول متفرع على نفي الإنذار ومتسبب عنه والضمير للفريقين، أي لم ينذر آباؤهم فهم جميعًا لأجل ذلك غافلون.
وعلى الأوجه الباقية: متعلق بقوله تعالي: (لتنذر) أو بما يفيده {إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ} وارد لتعليل إنذاره علية الصلاة والسلام أو إرساله بغفلتهم المحوجة إليه، نحو: اسقه فإنه عطشان، على أن الضمير للقوم خاصة، فالمعنى فهم غافلون عنه، أي: عما أنذر آباؤهم.
وقال الخفاجي: يجوز تعلقه بهذا على الأول أيضًا، وتعلقه بقوله تعالى: (لتنذر) على الوجوه، وجعل الفاء تعليلية والضمير لهم أو لآبائهم. ا ه، ولا يخفى عليك أن المنساق إلى الذهن ما قرر أولًا" (4).
والذي يترجح عندي المعنى الأول وهو الذي يسبق إلى الذهن. أما إذا أريد بالآباء الآباء الأقدمون فإن إسماعيل عليه السلام أبوهم وكان رسولًا نبيًا ولا شك أنه أنذر قومه، بل إن إبراهيم عليه السلام أبوهم كما قال: {مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ} فلا يتناقص الأمران على ذلك. ولا أرى أنه يعني بذلك إبراهيم أو إسماعيل عليهما السلام أو من هو ممن دونهما ممن كان بعيدًا جدًا عن قوم الرسول .
لأن أقرب رسول إلى نبينا محمد عيسى عليه السلام وبينهما أكثر من خمسمائة عام فما بالك بمن قبله، ولا شك على هذا أن آباءهم لم ينذروا، والله أعلم.
(1) انظر روح المعاني 22/213.
(2) الكشاف 2/581 – 582 وانظر البحر المحيط 26/42.
(3) التفسير الكبير 26/24.
(4) روح المعاني 22/213
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 21 إلى ص 24.
{لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (7)}
معنى (حق القول) في القرآن الكريم ثبت لهم العذاب ووجب، والقول هو قوله تعالى: {وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} {السجدة: 13}.
جاء في (الكشاف): "(القول) قوله تعالى: {لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} يعني تعلق بهم هذا القول وثبت عليهم ووجب؛ لأنهم ممن علم أنهم يموتون على الكفر" (1).
وجاء في (فتح القدير): "ومعنى (حق) ثبت ووجب القول، أي العذاب على أكثرهم.. وقيل المراد بالقول المذكور هنا هو قوله سبحانه: {قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (84) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ} {ص: 84 – 85}" (2).
وجاء في (التفسير الكبير): في قوله تعالى: {لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ} وجوه: (الأول): وهو المشهور، أن المراد من القول هو قوله تعالى: {فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (84) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ}.
(الثاني) : هو أن معناه: لقد سبق في علمه أن هذا يؤمن وأن هذا لا يؤمن فقال في حق البعض: إنه لا يؤمن، وقال في حق غيره: إنه يؤمن (فحق القول) أي وجد وثبت بحيث لا يبدل بغيره.
(الثالث) هو أن يقال: المراد منه لقد حق القول الذي قاله الله على لسان الرسل من التوحيد وغيرها وبان برهانه، فأكثرهم لا يؤمنون بعد ذلك.... (على أكثرهم) فإن أكثر الكفار ماتوا على الكفر ولم يؤمنوا" (3).
ولا شك أن سبق قوله لسبق علمه فلا اختلاف بين القولين الأول والثاني مما ذكره الرازي.
وكذلك أن المعنى الذي ذكره في القول الثالث صحيح، لكن الذي يظهر أن المراد من معنى (حق القول) في القرآن هو ثبوت العذاب ووجوبه كما ذكرت. والذي يرجح ذلك أنه لم يرد في القرآن الكريم (حق القول) إلا لهذا المعنى، وكذلك (حقت كلمة ربك) فإسناد الفعل (حق) إلى القول أو الكلمة لا يعني إلا ثبوت العذاب ووجوبه، وذلك في ثلاثة عشر موضعًا. قال تعالى:
{قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا} {القصص: 63}.
وقال: {وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ} {فصلت: 25}.
وقال: {أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ} {الأحقاف: 18}.
وقال: {وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} {السجدة: 13}.
وقال: {لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} {يس: 7}.
وقال: {فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا} {الإسراء: 16}.
وقال: {لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ} {يس: 70}.
وقال: {فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ} {الصافات: 31}.
وقال: {أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ} {الزمر: 19}.
وقال: {حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ} {الزمر: 71}.
وقال: {كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} {يونس: 33}.
وقال: {إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (96) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آَيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ} {يونس: 96 – 97}.
وقال: {وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ} {غافر: 6}.
وبذا يترجح ما ذكرناه.
وذكر في أية (يس) أنه حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون، وهذا ما حصل فإن أكثر الكفار لم يؤمنوا وماتوا على الكفر وبذا تحقق ما أخبر به القرآن. وهو من الإعجاز لأنه أخبر بالشيء قبل حصوله فحصل.
وقد تقول: وما أدرانا أن هذا الأمر قد تحقق وأن أكثرهم ماتوا على الكفر؟
والجواب: يكفي وروده في القرآن الكريم، فإن القرآن أصدق وثيقة تاريخية عما أخبر في وقته. ولو لم يتم هذا الأمر لكان ذلك دليلًا على كذب ما أخبر به ولأعترض عليه الكفار بأن ما أخبر به لم يحصل. فإن القرآن يتلى عليهم ليل نهار وهذه الآية يسمعونها دومًا، فلو لم يحصل ذلك لكذبوه ولارتدوا عنه.
ثم لنلاحظ أن الآية مصدرة بـ (لقد) وهذه اللام واقعة في جواب قسم عند النحاة سواء كان القسم مذكورًا أم مقدرًا. و(قد) حرف تحقيق وقد دخلت على الفعل الماضي، ومعنى ذلك أن ما أخبر به قد حصل وتحقق فعلًا.
وقال: {فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} ولم يقل: (فهم لم يؤمنوا) ليدل على أنهم سيموتون على الكفر وأنهم لا يؤمنون في مستقبل حياتهم، ولو قال: (فهم لم يؤمنوا) لكان إخبارًا عن أمر قد مضى.
وكذلك لو قال: (فهم غير مؤمنين) لاحتمل أنه يخبر عن حالتهم التي هم عليها وقت نزول الآية، وقد يتغير ذلك في المستقبل، فقد يكون أشخاص غير مؤمنين وقت نزول هذه الآية وسيؤمنون بعد ذلك، فلا يكون عند ذاك إخبارًا عن أمر غيب. فكان قوله الذي قاله أمثل شيء وأنسبه.
وقد تقول: ولم قدم (القول) على الجار والمجرور فقال: {لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ} مع أنه في مواطن أخرى يقدم الجار والمجرور على القول وذلك نحو قوله تعالى: {وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ} {فصلت: 25}، وقوله: {إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ} {يونس: 96}.
والجواب: أن التقديم والتأخير إنما هو لغرض معنوي كما هو مقرر في علم البلاغة، فما كانت العناية به أكثر قدم في الكلام.
فإذا كان الاهتمام بالقول أكثر قدم، وإذا كان الاهتمام بمن حق عليهم القول أكثر قدموا، وإليك إيضاح ذلك:
قال تعالى: {وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ}. فقدم (عليهم) على (القول)، ذلك أن السياق فيمن حق عليهم القول، أي على الأقوام الذين حق عليهم العذاب، ذلك أن الكلام على أعداء الله ابتداء من الآية التاسعة عشرة إلى الآية التاسعة والعشرين. قال تعالى: {وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (19) حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (20) وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (21) وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (22) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23) فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ (24) وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (25) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآَنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (26) فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (27) ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآَيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (28) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ} {فصلت: 19 – 29}.
فناسب تقديم ضمير هؤلاء على (القول) لأن الكلام يدور عليهم.
في حين قال: {كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} {يونس: 33}، فقدم الكلمة على (الذين فسقوا) لأن الاهتمام ليس منصرفًا إلى هؤلاء، وإنما الكلام على الله ونعمة واستحقاقه للعبادة، فناسب تقديم كلمته سبحانه.
قال تعالى: {فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ (29) هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (30) قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (31) فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (32) كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (33) قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (34) قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} {يونس: 29 – 35}.
فانت ترى أن الكلام في آية (يس) فإن العناية بقول الله عليهم أكثر من الكلام على القوم وأفعالهم. فإنه لم يذكر عن القوم إلا أنهم غافلون لأن آباءهم لم ينذروا. ولم يذكر شيئًا عن أفعالهم وإنما ذكر تفسير استحقاق القول عليهم، فذكر أنه سبحانه جعل من بين أيديهم سدًا ومن خلفهم سدًا... إلخ، فذكر ما فعله ربنا ولم يذكر ما فعلوه هم فقال: {إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ} {يس: 8}، فجاعل الأغلال هو الله.
{وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا}، وجاعل السد هو الله، {فَأَغْشَيْنَاهُمْ} والذي أغشاهم هو الله.
فناسب تقديم قوله عليهم وهو المناسب للسياق.
فالجعل جعله، والإغشاء إغشاؤه، والقول قوله.
هذا من حيث السياق والمقام.
وهناك أمر آخر لفظي في هذه الآيات وهو: أنه إذا كان حرف الجر داخلًا على الضمير نحو (عليهم) و(علينا) تقدم الجار والمجرور على القول وإلا تأخر. وهذا لم يتخلف في جميع هذه الآيات.
قال تعالى: {حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ}، في ثلاث آيات: {القصص: 63}، {فصلت: 25}، {الأحقاف: 18}.
وقال: {فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ} {الإسراء: 16}.
وقال: {فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا} {الصافات: 31}.
وقال: {أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ} {الزمر: 19}.
وقال: {إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ} {يونس: 96}.
بتقديم الجار والمجرور على الفاعل في كل ذلك.
في حين قال: {لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ} {يس: 7}.
وقال: {كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا} {يونس: 33}، وقال: {حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ} {الزمر: 71}.
وقال: {وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ} {يس: 70}.
بتقديم الفاعل على الجار والمجرور.
فناسب تقديم القول في سورة يس من ناحية اللفظ إضافة إلى المعنى.
وأود أن أشير إلى أمر آخر وهو: أن كل تعبير قدم فيه ما قدم إنما كان لغرض تقتضيه البلاغة ويقتضيه السياق والمقام إضافة إلى اللفظ، فليس اللفظ وحده الداعي إلى التقديم. فازداد ذلك حسنًا على حسن.
(1) الكشاف 2/582.
(2) فتح القدير 4/394.
(3) التفسير الكبير 26/43، وانظر البحر المحيط 7/323 – 324، روح المعاني 22/213.
(4) انظر التفسير الكبير 26/44.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 24 إلى ص 31.
{إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (8)}
الأغلال: جمع غل، وهو حلقة من حديد تحيط بالعنق أو باليد أو تجمع بينهما وتسمى الجامعة (1)، وذلك بقصد التعنيف والتضييق والتعذيب والأسر (2).
والمقمح: الذي يرفع رأسه ويغض بصره (3).
والمعنى: أنه سبحانه جعل في أعناقهم أغلالًا ثقالًا غلاظًا عراض المساحة لا واسعة الفتحة تحيط بالعنق كله بحيث تبلغ إلى الذقن فلا تدع أحدهم يطأطئ رأسه أو يبصر ما تحته، بل يبقي رافعًا رأسه غاضًا بصره، فلا يتمكن من رؤية ما قدامه ولا ما تحته ولا ما خلفه، بل لا يتمكن من الالتفات يمينًا أو يسارًا لعرض الغل الذي يحيط بعنقه وضيقه فكيف يبصر أو يهتدي؟.
وهذا تمثيل لحال هؤلاء الكفرة وبقائهم على ضلالهم فلا يتمكنون من الهدى ولا يعرفونه، وربما كان هذا حالهم أيضًا في الأخرة.
جاء في (الكشاف): "ثم مثل تصميمهم على الكفر وأنه لا سبيل إلى ارعوائهم بأن جعلهم كالمغلولين المقمحين في أنهم لا يلتفون إلى الحق ولا يعطفون أعناقهم نحوه، ولا يطأطئن رؤوسهم له، وكالحاصلين بين سدين لا يبصرون ما قدامهم ولا ما خلفهم في أن لا تأمل لهم ولا تبصر، وأنهم متعامون عن النظر في آيات الله.
فإن قلت: ما معنى قوله: {فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ}؟.
قلت: معناه: فالأغلال واصلة إلى الأذقان ملزوزه إليها، وذلك أن طوق الغل الذي في عنق المغلول يكون ملتقى طرفيه تحت الذقن حلقة فيها رأس العمود نادرًا من الحلقة إلى الذقن فلا تخليه يطأطئ رأسه ويوطئ قذاله فلا يزال مقحمًا.
والمقمح: الذي يرفع رأسه ويغض بصره. يقال: قمح البعير فهو قامح إذا روي فرفع رأسه" (4).
وجاء في (التفسير الكبير): "معناه: إنا جعلنا في أعناقهم أغلالًا ثقالًا غلاظًا بحيث تبلغ إلى الأذقان فلم يتمكن المغلول معها من أن يطأطئ رأسه.
(المسألة الثالثة): كيف يفهم من الغل في العنق المنع من الإيمان حتى يجعل كناية؟
فنقول: المغلول الذي بلغ الغل إلى ذقنه وبقي مقمحًا رافع الرأس لا يبصر الطريق الذي عند قدمه. وذكر بعده أن بين يديه سدًا ومن خلفه سدًا فهو لا يقدر على انتهاج السبيل ورؤيته. وقد ذكر من قبل أن المرسل على صراط مستقيم فهذا الذي يهديه النبي إلى الصراط المستقيم العقلي جعل ممنوعًا كالمغلول الذي يجعل ممنوعًا من إبصار الطريق الحسي.
ويحتمل وجهًا أخر وهو أن يقال: الأغلال في الأعناق عبارة عن عدم الانقياد، فإن المنقاد يقال فيه: إنه وضع رأسه على الخط وخضع عنقه، والذي في رقبته الغل الثخين إلى الذقن لا يطأطئ رأسه ولا يحركه تحريك المصدق (5).
وإسناد هذا الأمر إلى نفسه سبحانه وتأكيده بـ (إنّ) دال على استحكام هذا الأمر وأنه لا يتمكن أحد من فك هذا الغل فلا يتحررون منه، وهو تأكيد لقوله: {لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} فإنه هو الذي جعل الأغلال في أعناقهم فحق قوله عليهم لما علم من عدم اهتدائهم. ولو قال: (لقد جعلت في أعناقهم أغلال) لكان ثمة أمل في فك الأغلال، ولكن لا يستطيع أحد أن يغير ما قدره الله وحكمه فلا يفك أحد ما أغلقه ربنا ولا يغلق ما فتحه.
وقال: {إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا} فقدم (أعناقهم) على الأغلال ولم يقل: (إنا جعلنا أغلالًا في أعناقهم) لأن الكلام عليهم وهم مدار الحديث فكان تقديم ما تعلق بهم أولى.
(1) انظر لسان العرب 14/13 – 17، تاج العروس 8/49.
(2) انظر البحر المحيط 7/324.
(3) الكشاف 2/582.
(4) الكشاف 2/582.
(5) التفسير الكبير 26/44 – 45.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 31 إلى ص 33.