عرض وقفات أسرار بلاغية

  • ﴿قَالُوا طَائِرُكُم مَّعَكُمْ أَئِن ذُكِّرْتُم بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ ﴿١٩﴾    [يس   آية:١٩]
{قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (19)} (طائركم) أي ما طار لكم من الخير والشر أو حظكم ونصيبكم منهما معكم وهو إنما يكون من أفعالكم إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر (1). وفسر الطائر بالشؤم: "أي شؤمكم معكم وهو الإقامة على الكفر، وأما نحن فلا شؤم معنا لأنا ندعو إلى التوحيد وعبادة الله تعالى وفيه غاية اليمن والخير والبركة" (2). {أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ} أي أإن ذكرتم بما هو خير لكم في الدنيا والآخرة تطيرتم أو تتوعدونا بالرجم والتعذيب؟ وحذف جواب الشرط لإطلاقه وعدم تقييده بشيء معين. {بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ} أي مجاوزون للحد في المعاصي أو في التطير أو في العدوان. وأطلق الإسراف ولم يقيده بشيء ليشمل كل إسراف في سوء. (1) روح المعاني 22/224، فتح القدير 4/353. (2) روح المعاني 22/223 – 224. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 89 إلى ص 90.
  • ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ ﴿٢٠﴾    [يس   آية:٢٠]
  • ﴿اتَّبِعُوا مَن لَّا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُم مُّهْتَدُونَ ﴿٢١﴾    [يس   آية:٢١]
{وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20)} في هذا الوقت المتأزم والظرف العصيب الذي كثر فيه التهديد والتوعد واشتد فيه الإرهاب جاء من أقصى المدينة رجل يسعى ليعلن اتباعه للرسل وإيمانه بهم ويبين ضلال قومه غير مبال بما سيحدث له. وفي التعبير دلالات مهمة في هذا الخصوص. 1- فقد ذكر أنه جاء من أقصى المدينة، أي من أبعد مكان فيها لا يثنيه شيء، حاملا هم الدعوة. 2- قال: {مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ} ولم يقل (من أقصى القرية) وقد سماها قرية بادئ ذي بدء فقال: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ} ذلك للدلالة على أنها واسعة، فالقرية إذا كانت متسعة تسمى مدينة أيضًا. فأفاد أن هذه القرية كبيرة متسعة ولذا أطلق عليها مدينة، وذلك يفيد أنه جاء من مكان بعيد وذلك يدل على اهتمامه الكبير بمعتقده الجديد.. ٣- قال: (يسعى) أي يعدو ويسرع في مشيه وليس متباطئًا يقدم رجلًا ويؤخر أخرى، وهو توجيه للدعاة بعدم التواني في أمر الله. 4-لم يسكت عن الحق ولم يجامل أو يهادن بل دعا قومه إلى الإيمان بما جاءت به الرسل وأتباعهم وأعلن عن إيمانه هو. 5- إن مجيئه من أقصى المدينة يدل على وصول البلاغ إلى أبعد مكان فيها، مما يدل على جديتهم في التبليغ وتوسعهم فيه، وهو تصديق لقولهم: {وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ}. وقال هنا: {وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى} فقدم {مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ} على (رجل)، وقال في سورة القصص {وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ} {القصص: 20}، بتقديم (رجل) على {مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ}. ذلك أن القصد في آية (يس) أن يبين أن مجيء الرجل كان من أبعد مواضعها. وأما في القصص فإنه يفيد أن الرجل من أقصى المدينة، أي هو من أهل المواضع البعيدة غير أنه لا يلزم أن يكون مجيئه من أقصى المدينة. وهو كما تقول: (جاءني من القرية رجال) أي جاؤوك من القرية، وتقول: (جاءني رجال من القرية) فالرجال هم من أهل القرية لكن لا يقتضي أن مجيئهم إليك كان من القرية بل قد يكونون في المدينة ثم جاؤوك. وقد يكون المجيء من القرية. فقولك: (جاءني رجال من القرية) يحتمل معنيين، بخلاف قولك: (جاءني من القرية رجال). وعلى أية حال فإن قوله: {وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى} يفيد أنه جاء من أبعد مكان من المدينة. وقوله: {وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ} يحتمل ذلك ويحتمل أنه من أهل الأماكن البعيدة وإن لم يكن مجيئه من هناك. وفي تقديم (من أقصى المدينة) في سورة (يس) فائدة أخرى حتى لو كان مجيئهما كليهما من أقصى المدينة. فإن قوله: {وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ} يدل على أن الاهتمام أكبر لأكثر من سبب: 1- ذلك أن مجيء الرجل من أقصى المدينة إنما كان لغرض تبليغ الدعوة. في حين أن مجيء الرجل إلى موسى كان لغرض تحذيره. والأمر الأول أهم. 2- ثم إن مجيء الرجل من أقصى القرية إنما كان لإشهار إيمانه أمام الملا ونصح قومه. في حين أنه كان مجيء الرجل إلى موسى ليسر إليه كلمة في أذنه، فمجيء رجل (يس) إنما كان للإعلان والإشهار، ومجيء رجل موسى إنما كان للإسرار. وفرق بين الأمرين. 3- إن مجيء رجل (يس) فيه مجازفة ومخاطرة بحياته، وليس في مجيء رجل موسى شيء من ذلك، وإنما هو إسرار لشخص بأمر ما ليحذر. 4- إن المجتمع في القرية كله ضد على الرسل وعقيدتهم مكذب لهم متطير بهم، فإعلان الرجل أنه مؤمن بما جاء به الرسل مصدق لهم فيه ما فيه من التحدي لهم. بخلاف مجتمع سيدنا موسى عليه السلام فإنه ليس فيه فكر معارض أو مؤيد وليست هناك دعوة أصلًا. 5- إن نصر رسل الله وأوليائه ودعاته أولى من كل شيء، فإن تعزيزهم تعزيز لدعوة الله. وأما موسى عليه السلام فإنه كان رجلًا من المجتمع ليس صاحب دعوة آنذاك ولم يكلفه الله بعد حمل الرسالة. فتقديم (من أقصى المدينة) دل على أن الموقف أهم وأخطر. ومع ذلك أفادنا أن تحذير شخص من ظالم أمر مهم ينبغي أن يسعى إليه ولو من مكان بعيد. فإن كلا من الموقفين مهم، غير أن أحدهما أهم من الآخر، فقدم ما قدم ليدل على الاهتمام. جاء في (التفسير الكبير): في قوله تعالى: {وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى} "وفي فائدته وتعلقه بما قبله وجهان: أحدهما: أن بيان لكونهم أتوا بالبلاغ المبين حيث آمن بهم الرجل الساعي. وعلى هذا فقوله: {مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ} فيه بلاغة باهرة؛ وذلك لأنه لما جاء من (أقصى المدينة رجل) وهو قد آمن دل على أن إنذارهم وإظهارهم بلغ إلى أقصى المدينة... وفي التفسير مسائل: (المسألة الأولى): قوله: {وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ} في تنكير الرجل مع أنه كان معروفًا معلومًا عند الله فائدتان: (الأولى): أن يكون تعظيمًا لشأنه، أي رجل كامل في الرجولية. (الثانية): أن يكون مفيدًا لظهور الحق من جانب المرسلين، حيث آمن رجل من الرجال لا معرفة لهم به فلا يقال إنهم تواطؤا. (المسألة الثانية): قوله: (يسعى) تبصرة للمؤمنين وهداية لهم ليكونوا في النصح باذلين جهدهم. وقد ذكرنا فائدة قوله: (من أقصى المدينة) وهي تبليغهم الرسالة بحيث انتهى إلى من في أقصى المدينة" (1). وجاء في (روح المعاني): "{وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ} أي من أبعد مواضعها (رجل) أي رجل عند الله تعالى فتنوينه للتعظيم. وجوز أن يكون للتنكير لإفادة أن المرسلين لا يعرفونه ليتواطؤوا معه... (يسعى) أي يعدو ويسرع في مشيه حرصًا على نصح قومه. وقيل: إنه سمع أن قومه عزموا على قتل الرسل فقصد وجه الله تعالى بالذب عنهم... وجاء {مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ} هنا مقدمًا على (رجل) عكس ما جاء في القصص. وجعله أبو حيان من التفنن في البلاغة. وقال الخفاجي: قدم الجار والمجرور على الفاعل الذي حقه التقديم بيانًا لفضله، إذ هداه الله تعالى مع بعده عنهم، وأن بعده لم يمنعه عن ذلك. ولذا عبر بالمدينة هنا بعد التعبير بالقرية إشارة إلى السعة وأن الله تعالى يهدي من يشاء سواء قرب أو بعد. وقيل: قدم للاهتمام حيث تضمن الإشارة إلى أن إنذارهم قد بلغ أقصى المدينة فيشعر بأنهم أتوا بالبلاغ المبين. وقيل: إنه لو تأخر توهم تعلقه يسعى فلم يفد أنه من أهل المدينة، مسكنه في طرفها وهو المقصود" (2). (1) التفسير الكبير 26/54. (2) روح المعاني 22/225 – 226. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 90 إلى ص 94. * * * {قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (21)} قال لهم: (يا قوم) ليعطف قلوبهم. وذكر لهم ثلاثة أمور تدعوهم إلى اتباع هؤلاء الدعاة: 1- كونهم مرسلين من الله، وهذا أهم ما يستوجب اتباعهم، فكونهم مرسلين من ربهم يدعو إلى اتباعهم لأنهم لا يدعون إلى أنفسهم ولا إلى معتقدات شخصية ولا إلى آراء خاصة ولا إلى أفكار بشرية وإنما يدعونهم إلى ما أراده ربهم وخالقهم. 2- وأنهم لا يسألون أجرًا على هذا التبليغ ولا يبتغون مصلحة خاصة كما هو شأن كثير من أصحاب الدعوات الأرضية، مما يدل على أنهم مخلصون في دعوتهم لهم. 3- أنهم مهتدون، وهذا يقتضي الاتباع، وهو بغية كل متبع مخلص. جاء في (الكشاف): "{مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ} كلمة جامعة في الترغيب فيهم، أي لا تخسرون معهم شيئًا من دنياكم وتربحون صحة دينكم فينتظم لكم خير الدنيا وخير الآخرة" (1). وقد كرر الاتباع بقوله: {اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ} لأكثر من غرض. فالتكرار يفيد التوكيد ويفيد أمرًا آخر وهو: أن المرسلين ينبغي أن يتبعوا أصلًا، فإذا ثبت أن شخصًا ما مرسل من ربه كان ذلك داعيًا إلى أن يتبع قطعًا، وهذه دلالة قوله: {اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ}. أما اتباع غير المرسلين فيكون لمن فيه صفتان: 1- أن يكون مهتديًا. 2- أن لا يسأل أجرًا ولا يطلب منفعة ذاتية. وهذ توجيه لعموم المكلفين، ولو قال: (اتبعوا المرسلين. من لا يسألكم أجرًا وهم مهتدون) لكان ذلك خاضًا باتباع الرسل ولا يشير إلى اتباع غيرهم من المصلحين والداعين إلى دعوتهم. فتكرار (اتبعوا) أفاد الاتباع للرسل في حالة وجودهم. والاتباع الثاني لمن يحمل هاتين الصفتين. جاء في (روح المعاني): "تكرير للتأكيد وللتوسل به إلى وصفهم بما يتضمن نفي المانع عن اتباعهم بعد الإشارة إلى تحقق المقتضي" (2). واختار (من) على (الذين) لكونها أعم، فإنها تشمل كل داع إلى الله، واحدًا كان أو أكثر. (1) الكشاف 2/582. (2) روح المعاني 22/226. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 94 إلى ص 96
  • ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴿٢٢﴾    [يس   آية:٢٢]
{وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (22)} بعد أن نصح لهم باتباع المرسلين لأنهم على الهدي، ذكر أنه بدأ بنفسه فآمن بدعوتهم واتبعهم فقال: {وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}. لقد اختار من الدواعي الموجبة لعبادة ربه أنه هو المبدئ والمعيد، فهو الذي فطرهم وأوجدهم، وأنهم إليه يرجعون، فلا يتركهم بعد موتهم بل سيحشرهم إليه ويحاسبهم على ما قدموا، فإما أن يعاقبهم أو يكرمهم، وفي هذا تخويف واطماع. لقد اختار هذين الأمرين من موجبات العبادة وهما البدء والإعادة لعلمهم جميعًا أن آلهتهم لا تفعلهما ولا تسطيعهما، وبهذا سقط كل موجب لعبادة غيره وثبت كل موجب لعبادته. وقد قدم الجار والمجرور (إليه) على (ترجعون) لقصد الاختصاص، والمعنى أن الرجوع إليه حصرًا لا إلى غيره، وهو نظير قوله تعالى: {وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ} و{وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى} و{وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ}. لقد ذكر الموجب لأن يعبده هو وأن يعبدوه هم، فإنه قال: { وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي} وهذا داع لأن يعبده هو فكيف لا يعبد الذي فطره؟ وفيه دعوة لهم أيضًا ليعبدوه لأن الذي فطره فطرهم أيضًا. وقال: {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} وهذا داعٍ لأن يعبدوه هم فإنهم راجعون إليه فيحاسبهم. وهو مثلهم راجع إليه أيضًا لأنه فطره. فقوله: {الَّذِي فَطَرَنِي} يقتضي أنه فطرهم أيضًا. وقوله: {إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} يقتضي أنه يرجع إليه أيضًا. وبذلك أشار بأوجز تعبير إلى أنه فطره وفطرهم وأنه إليه يرجع وأنهم إليه يرجعون. فما له لا يعبده وما لهم لا يعبدونه؟ وهذا تعبير موجز عن القول: (ومالي لا أعبد الذي فطرني وإليه أرجع، وما لكم لا تعبدون الذي فطركم وإليه ترجعون). جاء في (الكشاف): "أبرز الكلام في معرض المناصحة لنفسه، وهو يريد مناصحتهم ليتلطف بهم ويداريهم، ولأنه أدخل في إمحاض النصح حيث لا يريد لهم إلا ما يريد لروحه. ولقد وضع قوله: {وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي} مكان قوله: (وما لكم لا تعبدون الذي فطركم)، ألا ترى إلى قومه: {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}، ولولا أنه قصد ذلك لقال: الذي فطرني وإليه أرجع. وقد ساقه ذلك المساق إلى أن قال: {آَمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ} يريد فاسمعوا قولي وأطيعوني فقد نبهتكم على الصحيح الذي لا معدل عنه أن العبادة لا تصح إلا لمن منه مبتدؤكم وإليه مرجعكم" (1). وجاء في (التفسير الكبير): "اختار من الآيات فطرة نفسه لأنه لما قال: {وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ} بإسناد العبادة إلى نفسه اختار ما هو أقرب إلى إيجاب العبادة على نفسه... وقوله تعالى: {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} إشارة إلى الخوف والرجاء كما قال: (ادعوه خوفًا وطعمًا) وذلك لأن من يكون إليه المرجع يخاف منه ويرجى" (2). وجاء في (روح المعاني): "تلطف في إرشاد قومه بإيراده في معرض المناصحة لنفسه وإمحاض النصح حيث أراهم أنه اختار لهم ما يختار لنفسه، والمراد تقريعهم على ترك عبادة خالقهم إلى عبادة غيره، كما ينبئ عنه قوله: {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} مبالغة في تهديدهم بتخويفهم بالرجوع إلى شديد العقاب مواجهة وصريحًا. ولو قال: (وإليه أرجع) كان فيه تهديد بطريق التعريض" (3). (1) الكشاف 2/585 وانظر البحر المحيط 7/328. (2) التفسير الكبير 26/56. (3) روح المعاني 22/226. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 96 إلى ص 98.
  • ﴿أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَّا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنقِذُونِ ﴿٢٣﴾    [يس   آية:٢٣]
{أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ (23)} بعد أن ذكر من يستحق العبادة وسبب استحقاقه لها أفاد أنه ينبغي أن يوحده وأنه لا ينبغي له أن يتخذ إلهًا من دونه ولا معه أو يتخذ ذاتًا وسيلة لتقربه إليه. أما إنه لا ينبغي له أن يتخذ إلهًا من دونه فذلك قوله: {أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً} ولا أن يتخذ إلهًا معه لأن ما يتخذونهم معه لا يملكون ضرًا ولا نفعًا. فإذا أراده الرحمن بضر لا يملكون له شيئًا فهم إذن دونه فلا يصح أن يتخذوا معه آلهة. ولا أن يتخذوا ذاتًا لتقربه إليه؛ لأنه ذكر أنه لا تغني شفاعتهم شيئًا فلا يصح على ذلك أن يتخذوا ذاتًا لتقربه إليه. وبهذا يكون دعاهم إلى التوحيد الخالص من دون شركاء أو شفعاء أو وسطاء. وهو وإن أنكر على نفسه أن يتخذ آلهة من دون الله يقصد بذلك عموم من يصل إليه الخطاب من الناس، فلا ينبغي أن يتخذ أحد إلهًا من دونه. وما ذكره بحق نفسه لا يخصه وحده وإنما يعم جميع المكلفين، فإنه قال: {وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي} وهو لم يفطره وحده بل فطر المخلوقات جميعًا. وقال: {إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ} وهذا الأمر لا يخصه وحده بل إن أراد الله غيره بذلك فالأمر كذلك. لقد أخرج هذا الكلام مخرج الاستفهام الإنكاري وليس مخرج الخبر. فإنه بعد أن ذكر ما ذكر قال: {أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً} أي أيصح ذلك عقلًا؟ أيجوز اتخاذ غيره إلهًا؟. ولا شك أن كل عاقل سيجيب قائلًا: لا، إنه لا يصح أن تتخذ إلهًا من دونه. وهذا لا شك أقوى من الكلام التقريري الخبري الذي يقول: أنا لا أتخذ من دونه آلهة، وذلك لأنه كأنه قرار انفرادي رآه هو. في حين أن قوله: {} يستدعي إشراك الآخرين في الجواب واتخاذ القرار. جاء في (التفسير الكبير): "ثم قال تعالى: {أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً} ليتم التوحيد... فقال: {وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ} إشارة إلى وجود الإله، وقال: {أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ} إشارة إلى نفي غيره فيتحقق معنى لا إله إلا الله. وفي الآية أيضًا لطائف: (الأولى): ذكره على طريق الاستفهام فيه معنى وضوح الأمر. وذلك أن من أخبر عن شيء فقال مثلًا: (لا أتخذ) يصح من السامع أن يقول له: لم لا تتخذ؟ فيسأله عن السبب. فإذا قال: (أأتخذ) يكون كلامه أنه مستغن عن بيان السبب الذي يطالب به عند الإخبار، كأنه يقول: استشرتك فدلني والمستشار يتفكر. فكأنه يقول: تفكر في الأمر تفهم من غير إخبار مني. (الثانية): قوله: {مِنْ دُونِهِ} وهي لطيفة عجيبة، وبيانها هو أنه لما بين أنه يعبد الله بقوله: {الَّذِي فَطَرَنِي} بين أن من دونه لا تجوز عبادته... (الثالثة): قوله (أأتخذ) إشارة إلى أن غيره ليس بإله لأن المتخذ لا يكون إله (1) (كذا)، ولهذا قال تعالى: {مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا} {الجن: 3}، وقال: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا} {الإسراء: 111}؛ لأنه تعالى لا يكون له ولد حقيقة ولا يجوز... ولا يقال: قال الله تعالى: {فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا} {المزمل: 9} في حق الله تعالى حيث قال: {رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا}، نقول ذلك أمر متجدد" (2). ونريد أن نذكر أمرًا بخصوص قوله تعالى: {فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا}. فإن الذي يبدو من الاستعمال في اللغة أنه إذ كان الشيء موجودًا أصلًا من غير انفكاك ولا اختيار فلا يقال: (اتخذته)، فلا يقال مثلًا: (اتخذت فلانًا أبًا) إذا كان أباه حقيقة. ولا يقال: (اتخذته أخًا) إذا كان أخاه حقيقة. وإنما يقال ذلك لما يصح فيه التخلي والترك والاختيار، كأن تقول: (اتخذت فلانًا صديقًا لي) لأنك مختار في اختيار الأصدقاء. وتقول: (اتخذته أخًا وصاحبًا) فيما أنت مختار فيه. ولا يصح أن تقول: (اتخذت فلانًا خالقًا)، أو اتخذت الكوكب خالقًا، ولا اتخذت الله خالقًا؛ لأنه هو الخالق وليس متخذًا لذلك، لكنك قد تقول: (اتخذته معبودًا) لأنك مختار في اتخاذ ما تعبد. ونحوه قوله: {فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا} فإن لك أن تختار الوكلاء وأن تتخذ من تشاء فاتخذ الله وكيلًا تفلح. وقد تقول: إن الله وكيل على كل شيء، كما قال تعالى: {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} {هود: 12}، {وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} {الأنعام: 102}، و {الزمر: 62}. فنقول: هذه وكالة قسرية وليست وكالة الاختيار والطاعة. ونظير ذلك العبودية، فإن العبودية لله قد تكون قسرية، كما قال تعالى: {إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا} {مريم: 93}، وقوله: {أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ} {الفرقان: 17}، وهذه العبودية ليست من الطاعة ولا يتعلق بها ثواب. وقد تكون عبودية اختيارية وذلك بأن يختار المرء أن يكون عبدًا لله مطيعًا له، وهذه هي التي يتعلق بها الثواب، كما قال تعالى: {لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ} {النساء: 172}، وقال: {عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا} {الإنسان: 6}. ونحوه الألوهية والربوبية، فالله سبحانه هو إله الخلق كلهم وربهم شاءوا أم أبوا؛ قال تعالى: {وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ} {الأنعام: 164}، و{ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} {الفاتحة: 2}، وقال: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} {البقرة: 163}، وقال {إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ} {الأنعام: 19}، وقال: {وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} {ص: 65}. وهذه الربوبية والألوهية قسرية شاء الخلق أم أبوا ولا يترتب عليها ثواب. وإنما يترتب الثواب والعقاب على من اتخذه إلهًا وربًا أو اتخذ غيره كما قال تعالى: {أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آَلِهَةً} {الأنعام: 74}، {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} {الفرقان: 43}، {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ} {التوبة: 31}. فالاتخاذ أمر اختياري يفعله المتخذ وهو غير الأمر الكائن أصلاً من غير اتخاذ وذلك نحو (هذا ولدي)، و(هذا اتخذته ولدًا لي)، والله أعلم. (1) كذا في المطبوع، والصواب: إلهًا. (2) التفسير الكبير 26/57. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 98 إلى ص 102. * * * {إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ} استعمل الفعل المضارع فعلًا للشرط فقال: {إِنْ يُرِدْنِ}، واستعمل الماضي في مكان آخر فقال: {إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ} {الزمر: 38}. وعند النحاة أن الماضي في الشرط يفيد الاستقبال، جاء في (التفسير الكبير): "قال ههنا: {إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ}، وقال في الزمر: {إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ} فما الحكمة في اختيار صيغة الماضي هنالك واختيار صيغة المضارع ههنا، وذكر المريد باسم الرحمن هنا وذكر المريد باسم الله هناك؟. نقول: أما الماضي والمستقبل فإن (إن) في الشرط تصير الماضي مستقبلًا، وذلك لأن المذكور ههنا من قبل بصيغة الاستقبال في قوله: (أأتخذ)، وقوله: {وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ}، والمذكور هناك من قبل بصيغة الماضي في قوله: (أفرأيتم)، وكذلك في قوله تعالى: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ} لكون المتقدم عليه مذكورًا بصيغة المستقبل وهو قوله: {مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ}، وقوله: {إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ} والحكمة فيه أن الكفار كانوا يخوفون النبي  بضر يصيبه من آلهتهم، فكأنه قال: صدر منكم التخويف وهذا ما سبق منكم. وههنا ابتداء كلام صدر من المؤمن للتقرير، والجواب ما كان يمكن صدوره منهم فافترق الأمران" (1). والذي يترجح عندنا أن الفعل المضارع مع الشرط كثيرًا ما يفيد افتراض تكرر الحدث، بخلاف الفعل الماضي فإنه كثيرًا ما يفيد افتراض وقوع الحدث مرة (2)، كما قال تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا} {النساء: 93}، وقال: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} {النساء: 92}، فجاء مع القتل العمد بالفعل المضارع لأنه يفترض فيه تكرر الحدث، إذ كلما سنحت للقاتل فرصة قتل مؤمنًا، بخلاف قتل الخطأ فإنه لا يفترض تكرره. ونحو ذلك قوله تعالى: {قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} {المائدة: 17}، فجاء بفعل الإرادة ماضيًا {إِنْ أَرَادَ} لأن هذه الإرادة تكون مرة واحدة ولا تتكرر، فإنه إذا أهلكه فقد انتهى الأمر. ونحوه قوله تعالى: {فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا} {البقرة: 223}، فإن هذا لا يتكرر، فإذا انفصلا فقد انتهى الأمر. ونحوه قوله تعالى: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا} {الإسراء: 16}، وقوله تعالى: {وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا} {الأحزاب: 50}، وهذه الإرادة لا تتكرر وإنما تكون مرة واحدة. في حين قال: {وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآَخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا} {آل عمران: 145}، فجاء بفعل الإرادة مضارعًا لأن إرادة الثواب تتكرر. ومثله قوله تعالى: {وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ} {الأنفال: 62} فإن إرادة الخديعة تتكرر. ومثله قوله تعالى: {وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ} {الأنفال: 71} فإن إرادة الكفار خيانة الرسول قد تتكرر فجاء بالفعل مضارعًا. فنقول: إن استعمال الفعل المضارع في سورة (يس) في قوله تعالى:{ إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ} إشارة إلى أنه كان يتوقع تكرر وقوع الضر عليه من قومه، وأنهم لا يكفون عن إلحاقه به ما دام بينهم. وقد تقول: ولم قال ههنا: {إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ} فأسند الإرادة إلى الرحمن، وقال في الزمر: {إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ} {الزمر: 38} فأسند الإرادة إلى الله؟. فنقول: إن القائل في سورة (يس) يتوقع وقوع الضرر عليه وتطاوله كما ذكرنا، فذكر اسم الرحمن كأنه يلوذ به ويعتصم، وهو بمثابة سؤاله الرحمة، بخلاف ما في الزمر فإنه ليس الأمر كذلك ولا يتوقع نحو هذا. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أنه حسن ذكر اسم (الرحمن) مع الشفاعة في سورة (يس) فقال: {إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا} لأن الشفيع إنما يستدر رحمة من يشفع عنده، والمتصف بالرحمة قد يقبل شفاعة من ليس له جاه كبير عنده، أما هؤلاء الآلهة فلا تنفع شفاعتهم حتى مع الرحمن، إذ ليس لهم جاه البتة. وهذا أبلغ في إسقاط وجاهة هؤلاء. ثم من ناحية ثالثة أنه ورد اسم (الرحمن) في سورة (يس) أربع مرات، ولم يرد في سورة الزمر ولا مرة واحدة. وورد اسم (الله) في سورة الزمر تسعًا وخمسين مرة، وورد في سورة (يس) ثلاث مرات فقط، فناسب ذكر اسم (الله) في الزمر، و (الرحمن) في (يس). وقد علل الفخر الرازي ذكر اسم (الرحمن) في (يس) واسم (الله) في الزمر بقوله: "وأما قوله هناك: {إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ} فنقول: قد ذكرنا أن الاسمين المختصين بواجب الوجود الله والرحمن؛ كما قال تعالى: {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ} {الإسراء: 110}، والله للهيبة والعظمة، والرحمن للرأفة والرحمة. وهناك وصف الله بالعزة والانتقام في قوله: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ} {الزمر: 37}، وذكر ما يدل على العظمة بقوله: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} {العنكبوت: 61} فذكر الاسد الدال على العظمة. وقال ههنا ما يدل على الرحمة بقوله: {الَّذِي فَطَرَنِي} فإنه نعمة هي شرط سائر النعم فقال: {إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ}" (3). وقد تقول: لقد قال في سورة (يس): {إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ} . وقال في الزمر: {إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ} {الزمر: 38}. فذكر الضر في (يس) ولم يذكر الرحمة، إذ لم يقل: (وإن يردني برحمة لا يمسكوا رحمته) في حين ذكر في الزمر الضر والرحمة، فقال: { إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ .... أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ} فما سبب ذاك؟ والجواب – والله أعلم – أن ذلك لأكثر من سبب: منها أن صاحب (يس) كان يتوقع الضر من أهل قريته ولم يكن يتوقع منهم شيئًا من لين أو رحمة، بل ربما كان يتوقع القتل لأن الجو كان متأزمًا، كله تهديد ووعيد.وقد انتهى الأمر بقتله، فلا يناسب ذكر الرحمة. ومن ذلك أن ذكر اسم (الرحمن) أغنى ههنا عن ذكر (وإن يردني برحمة) فإن الرحمن يرد الرحمة، وهو لا يريدها فقط وإنما يحققها؛ وإلا فليس برحمن، فاكتفى بذكر صفته عن أن يقول: (وإن يردني برحمة) بخلاف ما في الزمر، فإنه ذكر اسم (الله) ولم يذكر له وصفًا، فناسب ذلك أن يذكر الضر والرحمة تصريحًا. وعلى هذا فقد ذكر الأمران في (يس) على نحو آخر يناسب المقام، والله أعلم. وقد تقول: لقد قال في (يس): {لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ} فاستعمل ضمير الذكور العقلاء في (شفاعتهم) وفي (ينقذون). وقال في سورة الزمر: {هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ} و{هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ} بضمير الإناث، فما الفرق؟. والجواب: أن ضمير الإناث يستعمل للإناث ويستعمل لجمع غير العاقل مذكرًا كان أو مؤنثًا، فنقول: (الحبال هن شاهقات) والجبال جمع جبل وهو مذكر غير عاقل، غير أننا نستعمل له ضمير الإناث. قال تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ} {البقرة: 197}. فقال في الأشهر: (فيهن) والأشهر جمع شهر، والشهر مذكر غير عاقل، فاستعمل لها ضمير الإناث. فضمير الإناث يستعمل للإناث ولجمع غير العاقل مطلقًا. وكذلك جمع المؤنث السالم، فإنه يستعمل جميعًا للمؤنث بشروطه، ويستعمل أيضًا لجمع المذكر غير العاقل اسمًا أو صفًا نحو (جبال شاهقات) و(شاهقات) وصف لمذكر غير عاقل، و(أنهار جاريات)، و(جاريات) وصف لأنهار مفردها (نهر) وهو مذكر غير عاقل. والاسم المذكر غير العاقل قد يجمع جمع مؤنث سالماً إذا لم يسمع له جمع تكسير نحو حمامات جمع حمام، واصطبلات جمع اصطبل. وأما ضمير جماعة الذكور نحو (هم) و(الواو) في نحو (يمشون) فهو خاص بجماعة الذكور العقلاء أو ما نزل منزلتهم. وبعد بيان هذا الأمر نعود إلى الآيتين: قال تعالى في الزمر: {قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ} {الزمر: 38}. ومن النظر في هذا الآية يتضح ما يأتي: 1- قال: {قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} فجعل آلهتهم لا تعقل ذلك أنه استعمل لها (ما) فقال: (ما تدعون)، و(ما) تستعمل في العربية لذات ما لا يعقل. 2- جاء بضمير الإناث (هن) فقال: {هَلْ هُنَّ} وهذا الضمير إما أن يكون للإناث أو يستعمل لجمع غير العاقل مذكرًا أو مؤنثًا كما ذكرت فجعلهم غير عقلاء، وهو متناسب مع (ما) التي هي لغير العاقل. 3- جاء بجمع المؤنث السالم وهو كما ذكرنا إما أن يكون للإناث أو لصفات الذكور غير العقلاء فجعلهم غير عقلاء. 4- هذه الآية نزلت في المجتمع الجاهلي والخطاب للرسول  وقد قال تعالى فيهم: {إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا} {النساء: 117}. فذكر أن ما يدعون من دون الله إنما هي إناث. وقد روي عن الحسن: "أنه كان لكل حي من أحياء العرب صنم يعبدونه ويسمونه أنثى بني فلان... وقيل: كان في كل صنم شيطانة" (4). "وقيل: كانوا يقولون في أصنامهم في بنات الله" (5). وكانوا يسمون كثيرًا منها بأسماء مؤنثة كاللات والعزى ومناة (6). فناسب التأنيث من كل جهة، ومن جهة أنها غير عاقلة، ومن جهة أن لها أسماء مؤنثة، أو يرون أنها إناث. وقال في (يس): {إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ} . فاستعمل ضمير العقلاء ذلك لأنه قال: {لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ}، والشفيع لا بد أن يكون عاقلًا وإلا فكيف يشفع؟ ولذلك قال في الزمر: {أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ} {الزمر: 43}، فجاء بضمير جماعة الذكور للدلالة على أنه لا يكون الشفيع إلا عاقلًا. ثم نفى الشفاعة مع عدم العقل فقال: {قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ}. فاستعمل ضمير العقلاء مع الشفاعة. ثم قال: {وَلَا يُنْقِذُونِ}، والمنقذ لابد أن يكون عاقلًا أيضًا، وإلا فكيف ينقذ؟ ولذلك قال في سورة (يس): {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آَلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (74) لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ} {يس: 74 - 75}، فاستعمل ضمير جماعة العقلاء وهو قوله: (لا يستطيعون) و(هم) لأن الناصر لا بد أن يكون عاقلًا، وهو كالمنقذ. وهذه الآية نظيرة الآية السابقة. فناسب كل ضمير مكانه اللائق به. وهناك أمر آخر في الآية وهو أنه قال: {إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ} فأدخل الباء على الضر ولم يقل: (إن يرد الرحمن بي ضرًا) وكلاهما تعبير فصيح، تقول: (أراد به رحمة) و(أراده برحمه). قال تعالى: {قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً} {الأحزاب: 17}، فأدخل الباء على ضمير المخاطبين، فما الفرق؟. جاء في (التفسير الكبير): "قال {إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ} ولم يقل: (إن يرد الرحمن بي ضرًا)، وكذل قال تعالى: {إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ}، ولم يقل: (إن أراد الله بي ضرًا)، نقول: الفعل إذا كان متعديًا إلى مفعول واحد تعدى إلى مفعولين بحرف كاللازم يتعدى بحرف في قولهم: ذهب به، وخرج به. ثم إن المتكلم البليغ يجعل المفعول بغير حرف ما هو أولى بوقوع الفعل عليه، ويجعل الآخر مفعولًا بحرف. فإذا قال القائل مثلا: كيف حال فلان؟ يقول اختصه الملك بالكرامة والنعمة. فإذا قال كيف كرامة الملك؟ يقول: اختصها بزيد، فيجعل المسؤول عنه مفعولًا بغير حرف لأنه هو المقصود. إذا علمت هذا فالمقصود فيما نحن فيه بيان كون العبد تحت تصرف الله يقلبه كيف يشاء في البؤس والرخاء، وليس الضر بمقصود بيانه، كيف والقائل مؤمن يرجو الرحمة والنعمة بناء على إيمانه بحكم وعد الله. ويؤيد هذا قوله من قبل: {الَّذِي فَطَرَنِي} حيث جعل نفسه مفعول الفطرة فكذلك جعلها مفعول الإرادة، وذكر الضر وقع تبعًا. وكذا القول في قوله: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ}، المقصود بيان أنه يكون كما يريد الله، وليس الضر بخصوصه مقصودًا بالذكر ويؤيده ما تقدم حيث قال تعالى: {قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا} {الزمر: 36}، يعني هو تحت إرادته، ويتأيد ما ذكرناه بالنظر في قوله تعالى: {قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا} {الأحزاب: 17}، حيث خالف هذا النظم وجعل المفعول من غير حرفٍ السوء وهو كالضر، والمفعول بحرف هو المكلف، وذلك لأن المقصود ذكر الضر للتخويف وكونهم محلًا له، وكيف لا وهم كفرة استحقوا العذاب بكفرهم؟ فجعل الضر مقصودًا بالذكر لزجرهم. فإن قيل: فقد ذكر الله الرحمة أيضًا حيث قال: {أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً}. نقول: المقصود ذلك ويدل عليه قوله تعالى من بعده: {وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا} {النساء: 173}، وإنما ذكر الرحمة تتمة للأمر بالتقسيم الحاصر. وكذلك إذا تأملت في قوله تعالى: {يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا} {الفتح: 11}، فإن الكلام أيضًا على الكفار، وذكر النفع وقع تبعًا لحصر الأمر بالتقسيم" (7). والذي يبدو لي غير ذلك، فإن الذي يظهر من التعبير القرآني أن ما تتصل به الباء هو الذي عليه السياق وهو مدار الكلام وهو الأهم فيه. قال تعالى: {قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا} فقد اتصلت الباء بضمير المخاطبين (بكم) لا بالسوء، والكلام يدور على المخاطبين والسياق عليهم، وذلك من الآية الثانية عشرة حتى الآية العشرين. قال تعالى: {وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (12) وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا (13) وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآَتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا (14) وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا (15) قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا (16) قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (17) قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا (18) أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (19) يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا} {الأحزاب: 12 - 20}. فقد اتصلت الباء بضمير المخاطبين لأن الكلام يدور عليهم. وقال: {قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} {الفتح: 11}. وقد اتصلت الباء بضمير المخاطبين أيضًا، وذلك أن الكلام والسياق يدوران عليهم. قال تعالى: {سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (11) بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا (12) وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا (13) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (14) سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا (15) قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} {الفتح: 11 - 16}. وقال: {وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ} {الأنبياء: 70}، واتصلت الباء بضمير الغيبة (به) ولم تتصل بالكيد، والكلام على سيدنا إبراهيم عليه السلام وذلك في أكثر من عشرين آية (من الآية: 51 - 72). في حين قال: {قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ} {الزمر: 38}. فقد اتصلت الباء ههنا بالضر وبالرحمة ولم تتصل بالضمير فقد قال: { إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ …. أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ} ولم يقل: (إن أراد بي ضرًا أو أراد بي رحمة)، وذلك أن الاهتمام والعناية بالضر و الرحمة، ويدلك على ذلك أن عقب على ذلك بكشف الضر وإمساك الرحمة فقال: {إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ} {الزمر: 38}. والسياق إنما هو في ذلك والاهتمام به، فقد قال تعالى: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ} {الزمر: 36}، فالكلام على المعتقدات لا على الأشخاص. وقال: {وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ} {يونس: 107}، فقد اتصلت الباء بالخير لا بضمير الخطاب فقال: {وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ}، ولم يقل: (وإن يرد بك خيرًا) وذلك أن الكلام إنما هو في هذا الأمر والسياق عليه قال تعالى: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} {يونس: 107}. فالكلام على الضر والخير وما يتعلق بكشفهما أو ردهما لا على الأشخاص ولذلك قال: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ} . فليس أحد يكشف الضر إلا هو، ولا أحد يملك أن يرد خيره تعالى، ولذلك عقب بقوله: {فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ}. وقد قال قبل هذه الآية: {وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ} فالكلام في النفع والضر كما ترى وإيصالهما أو دفعهما. وفي هذه السورة، أعني سورة (يس)، وصل الباء بالضر فقال: {أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ} ولم يقل: (إن يرد الرحمن ضرًا) وذلك أن الكلام على الضر وهو مدار الاهتمام، ولذلك عقب بكشف الضر وإزالته فقال: {لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ} أي لا يدفعون الضر عني ولا ينقذونني منه. فاتضح بذلك أن الباء تتصل بما هو أهم في السياق وعليه الكلام، والله أعلم. (1) التفسير الكبير 26/59. (2) انظر معاني النحو 4/66. (3) التفسير الكبير 26/59. (4) روح المعاني 5/148، الكشاف 1/424. (5) الكشاف 1/424. (6) فتح القدير 1/478. (7) التفسير الكبير 26/58. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 102 إلى ص 114. * * * {لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ} بين أن آلهتهم ليس لها جاه ولا قدرة. فكونها لا تنفع شفاعتها شيئًا معناه أنه ليس لها جاه. وكونها لا تنقذ من يعبدها ويلتجئ إليها معناه أنها ليس لها قدرة. فكيف يعبدون آلهة هذه صفتها؟!. ثم إنه أنها بمجموعها ليس لها مكانة ولا جاه، وإنها بمجموعها ليس لها قدرة، فلو أن آلهتهن جميعًا شفعت عند الله لم تغن شفاعتهم شيئًا. ولو أنها جميعها أرادت أن تنقذه لم تستطع. فما أتفه وما أضعف هذه الآلهة! لقد قدم الشفاعة على القدرة لأن هذا هو الترتيب الطبيعي في الحياة، فإن من استعان بشخص على آخر يشفع أولًا عنده، فإن لم يجد ذلك نفعًا لجأ إلى القوة، وليس العكس. جاء في (التفسير الكبير): "ثم قال: {لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ} على ترتيب ما يقع من العقلاء؛ وذلك لأن من يريد دفع الضر عن شخص أضر به شخص يدفع بالوجه الأحسن فيشفع أولًا، فإن قبله وإلا يدفع، فقال: {لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ} ولا يقدرون على إنقاذي بوجه من الوجوه" (1). وجاء في (روح المعاني) : "وهو ترق من الأدنى إلى الأعلى، بدأ أولًا بنفي الجاه، وذكر ثانيًا انتفاء القدرة وعبر عنه بانتفاء الإنقاذ لأنه نتيجة" (2). فاستبان من هذه الآيات أن الله مستحق للعبادة من كل وجه: 1- أنه فطر الخلق. 2- وأنه يرسل الرسل إليهم ليرشدوهم إلى ما فيه خيرهم وصلاحهم. 3- إليه المرجع والمصير فيعاقب المسيء ويكافئ المحسن. 4- أنه رحيم بعباده: {إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ} 5- أنه قوي مقتدر ليس لقدرته حدود. 6- وأن ما يدعون من دونه ليس لهم جاه وليس لهم قدرة وإن اجتمعوا. جاء في (التفسير الكبير): "وفي هذه الآيات حصل بيان أن الله تعالى معبود من كل وجه: إن كان نظرًا إلى جانبه فهو فاطر ورب مالك، يستحق العبادة سواء أحسن بعد ذلك أو لم يحسن. وإن كان نظرًا إلى إحسانه فهو رحمن. وإن كان نظرًا إلى الخوف فهو يدفع ضره. وحصل بيان أن غيره لا يصلح أن يعبد بوجه من الوجوه، فإن أدنى مراتبه أن يعد ذلك ليوم كريهة، وغير الله لا يدفع شيئًا إلا إذا أراد الله، وإن يرد فلا حاجة إلى دافع" (3). (1) التفسير الكبير 26/59. (2) روح المعاني 22/227. (3) التفسير الكبير 26/59. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 114 إلى ص 116.
  • ﴿إِنِّي إِذًا لَّفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ﴿٢٤﴾    [يس   آية:٢٤]
{إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} أي إن اتخذت من دونه آلهة فإني إذًا في ضلال ظاهر لا يخفى على من له أدنى مسكة من عقل، وهو لا يعني بهذا القول نفسه فقط، وإنما يريد بذلك المخاطبين أيضًا. والمعنى: إن اتخذتم آلهة هذا شأنها وتركتم فاطركم وخالقكم فأنتم في ضلال ظاهر. وقد أجرى القول على نفسه ولم يواجههم بذاك لئلا يثير استفزازهم وعصابيتهم وليستمعوا عقولهم وتفكيرهم لعلهم يرجعون إلى الحق. وقد أكد العبارة بإن واللام، ووصف الضلال بأنه مبين غير خفي؛ لأنه إن فعل ذلك كان كذلك حقًا، ولأن المقام يستدعي هذه التأكيدات مع ظهورها؛ لأن المخاطبين ينكرون ذلك أشد الإنكار على ظهوره ووضوحه. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 116 إلى ص 116.
  • ﴿إِنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ ﴿٢٥﴾    [يس   آية:٢٥]
{إِنِّي آَمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (25)} أعلن إيمانه في هذا الجو المكفهر بكل صراحة وصدع بالحق من دون مواربة. وأعلن أنه بدأ بنفسه، وسبقهم إلى ما يدعوهم إليه، ولم ينتظر من أحد أن يسبقه فيشجعه ويقوي قلبه ويشد عضده، وفي ذلك محض الإيمان ومحض الإخلاص. ثم انظر إلى قوة إيمان هذا الرجل الذي تحدى قومه في ذلك الوقت الذي لا يطيقون فيه أن يسمعوا الرسل فهددوهم بالرجم إن لم يكفوا عن الدعوة. فقال: ها أنا آمنت بربكم فاسمعون. وقوله: (فاسمعون) يدل على أنه أعلن إيمانه بصوت ظاهر مسموع غير خفي ولا متلجلج، يسمعه كل أحد. وهذا يدل على أنه غير مبال بما سيحصل له من الرجم والتعذيب وما هو أكثر من ذلك. واختيار (إني آمنت) على (أنا آمنت) لما في ذلك من التوكيد والقوة. وقوله: (بربكم) دون (بربي) مع أنه قال قبلها {وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي} ليبين أن ربهم هو ربه وهو الذي فطره وإليه يرجعون، فهو ربه وربهم. وقيل: إن الخطاب بقوله: (بربكم) للرسل، أي آمنت بربكم الذي تدعون إليه. والحق أن الخطاب للجميع، فرب الرسل هو ربه ورب قومه، وهو قد أعلن ذلك على الملأ، وطلب من قومه اتباع الرسل والإيمان بما يدعونهم إليه. وعلى أية حال فهو صدع بالحق وجهر به ولم يبال بما سيحصل له من جراء إعلانه إيمانه هذا. قيل: وقوله: {آَمَنْتُ بِرَبِّكُمْ} أولى من قوله: (آمنت بربي)؛ لأن كل شخص إنما هو مؤمن بربه فيقول له المقابل: وأنا آمنت بربي أيضًأ. فقوله: {آَمَنْتُ بِرَبِّكُمْ} يدل على أنه الرب الذي يدعو إليه الرسل. ولو كان المقصود ربهم الذي يعبده قومه لما كان في قوله: {اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ...} داع. وذكر الإيمان بالرب دون بقية الأسماء الحسنى له أكثر من مناسبة، فقد مر قول الرسل: {قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ} فقال: {إِنِّي آَمَنْتُ بِرَبِّكُمْ} . وقوله: {إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ}، والرب هو الذي يهدي من الضلال؛ لأن الرب هو المربي والمرشد والمعلم. والهداية من أبرز صفات الرب، ولذلك كثيرًا ما تقترن الهداية باسم الرب وذلك نحو قوله تعالى: {قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (49) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} {طه: 49 - 50}، وقوله: {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} {الأنعام: 161}. فناسب ذكر الرب. وهناك أمر آخر حسن ذكر الرب وهو قوله: {أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً} أي لا أتخذ من دونه إلهًا، أي معبودًا. وقال ههنا: {إِنِّي آَمَنْتُ بِرَبِّكُمْ} فجعله هو الإله وهو الرب، فهو إلهه وربه، وبذلك جمع له بين الألوهية والربوبية. جاء في (التفسير الكبير): "في المخاطب بقوله: (بربكم) وجوه: (أحدها) هم المرسلون. قال المفسرون: أقبل القوم عليه يريدون قتله فأقبل هو على المرسلين، وقال: إني آمنت بربكم فاسمعوا قولي واشهدوا لي. و(ثانيها): هم الكفار، كأنه لما نصحهم وما نفعهم، قال: فأنا آمنت فاسمعون. (وثالثها): بربكم أيها السامعون فاسمعون على العموم، كما قلنا في قول الواعظ حيث يقول: يا مسكين ما أكثر أملك وما أنزر عملك، يريد به كل سامع يسمعه. وفي قوله (فاسمعون) فوائد: (أحدها): أنه كلام مترو متفكر حيث قال: (فاسمعون) فإن المتكلم إذا كان يعلم أن لكلامه جماعة سامعين يتفكر. (وثانيها): أن ينبه القوم يقول: إني أخبرتكم بما فعلت حتى لا تقولوا: لم أخفيت عنا أمرك ولو أظهرت لآمنا معك. و(ثالثها): أن يكون المراد السماع الذي بمعنى القبول. ويقول القائل: نصحته فسمع قولي: أي قبله. فإن قلت: لم قال من قبل: {وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي} وقال ههنا: {إِنِّي آَمَنْتُ بِرَبِّكُمْ} ولم يقل: آمنت بربي؟. نقول: قولنا الخطاب مع الرسل أمر ظاهر. لأنه لما قال: {إِنِّي آَمَنْتُ بِرَبِّكُمْ} ظهر عند الرسل أنه قبل قولهم وآمن بالرب الذي دعوه إليه. ولو قال (بربي) لعلهم كانوا يقولون: كل كافر يقول: لي رب وأما مؤمن بربي. وأما على قولنا: الخطاب مع الكفار فقيه بيان للتوحيد، وذلك لأنه لما قال: {أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي} ثم قال {آَمَنْتُ بِرَبِّكُمْ} فهم أنه يقول: ربي وربكم واحد وهو الذي فطرني وهو بعينه ربكم، بخلاف ما لو قال: آمنت بربي. فيقول الكافر: وأنا أيضًا آمنت بربي. ومثل هذا قوله تعالى: {اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ} {الشورى:15}" (1) وجاء في (البحر المحيط): "ثم صرح بإيمانه وصدع بالحق فقال مخاطبًا لقومه: {إِنِّي آَمَنْتُ بِرَبِّكُمْ} أي الذي كفرتم به، فاسمعون أي: اسمعوا قولي وأطيعون فقد نبهتكم على الحق، وإن العبادة لا تكون إلا لمن منه نشأتكم وإليه مرجعكم. والظاهر أن الخطاب بالكاف والميم وبالواو هو لقومه، والأمر على جهة المبالغة والتنبيه... وقيل: الخطاب في (بربكم) وفي (فاسمعون) للرسل" (2). وجاء في (روح المعاني): "الظاهر أن الخطاب لقومه شافههم بذلك وصدع بالحق إظهارًا للتصلب في الدين وعدم المبالاة بما يصدر منهم... وإضافة الرب إلى ضميرهم لتحقيق الحق والتنبيه على بطلان ما هم عليه من اتخاذ الأصنام أربابًا، أي: إني آمنت بربكم الذي خلقكم. (فاسمعون) أي فاسمعوا قولي فإني لا أبالي بما يكون منكم على ذلك. وقيل: مراده دعوتهم إلى الخير الذي اختاره لنفسه" (3). (1) التفسير الكبير 26/59 – 60. (2) البحر المحيط 7/329. (3) روح المعاني 22/227 – 228. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 116 إلى ص 120.
  • ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ ﴿٢٦﴾    [يس   آية:٢٦]
{قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (27)} * * * {قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ} لقد طوى القرآن ذكر ما حصل له بعد قولته التي قالها وما فعل به قومه وكيف واجهوه. إلا أنه بين أنه لم يكد يتم قوله حتى قيل له: {ادْخُلِ الْجَنَّةَ} ولم يذكر أمرًا أو مشهدًا بين الدنيا والآخرة. ومعنى ذلك: أنهم لم يمهلوه بعدها البتة. فإنه ما إن قال ذلك حتى وجد نفسه على باب الجنة يقال له: ادخل الجنة. فاختصر كل ما لا حاجة له به وإنما دل عليه المقام. ومن مظاهر الاختصار أنه بنى الفعل للمجهول فقال: (قيل) ولم يذكر القائل؛ لأنه لا يتعلق غرض من ذكر القائل، ولعل القائل هم الملائكة. كما أنه لم يقل: (قيل له) لأن ذلك معلوم من السياق. جاء في (الكشاف) :"قيل ادخل الجنة، ولم يقل: (قيل له) لانصباب الغرض إلى المقول وعظمه لا إلى القول له مع كونه معلومًا" (1). وهكذا يطوي ما حصل له بعد قولته، ويطوي الفاعل فيبني الفعل للمجهول، ويطوي المقول له ولا يذكر إلا قوله: {ادْخُلِ الْجَنَّةَ}. فيسير التعبير في نسق واحد وفي جو تعبيري واحد. جاء في (روح المعاني) في قوله: {قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ}: "استئناف لبيان ما وقع له بعد قوله ذلك. والظاهر أن الأمر إذن له بدخول الجنة حقيقة، وفي ذلك إشارة إلى أن الرجل قد فارق الدنيا، فعن ابن مسعود أنه بعد أن قال ما قال: قتلوه بوطء الأرجل حتى خرج قصبه من دبره وألقى في بئر وهي الرس {وقيل: قتل بغير ذلك من أنواع القتل – راجع ص 228}... والجمهور على أنه قتل، وادعى ابن عطية أنه تواترت الأخبار والروايات بذلك" (2). {قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ} ما إن أدخل الجنة حتى تمنى أن قومه يعلمون بإكرامه وحسن عاقبته، فإنهم لو علموا ذلك لاهتدوا وآمنوا بمثل ما آمن به ونالهم من الكرامة مثل ما ناله، وهو لم يتمن ذلك في نفسه فقط، بل قال ذلك بلسانه، فواطأ القلب اللسان، وفي ذلك إشارة إلى تمني الهداية لقومه وحب الخير لهم. ولم يمنع من ذلك سوء ما فعلوه به. فإن المؤمن يحب الهداية للخلق ولو كانوا ألد أعدائه، بل ولو أساءوا إليه وعذبوه، بل ولو قتلوه. جاء في (الكشاف): "وإنما تمنى علم قومه بحاله ليكون علمهم بها سببًا لاكتساب مثلها بالتوبة عن الكفر والدخول في الإيمان والعمل الصالح المفضيين بأهلهما إلى الجنة. وفي حدث مرفوع (نصح قومه حيًا وميتًا). وفيه تنبيه عظيم على وجوب كظم الغيظ والحلم عن أهل البغي، والتشمر في تخليصه والتلطف في افتدائه، والاشتغال بذلك عن الشماتة به والدعاء عليه. ألا ترى كيف تمنى الخير لقتله والباغين له الغوائل وهم كفرة عبدة أصنام" (3). وجاء في (روح المعاني): "وإنما تمنى علم قومه بحاله ليحملهم ذلك على اكتساب مثله بالتوبة عن الكفر والدخول في الإيمان والطاعة جريًا على سنن الأولياء في كظم الغيظ والترحم على الأعداء. وفي الحديث: نصح قومه حيًا وميتًا" (4). وفي هذا القول إشارة للدعاة وللمسلمين ليحبوا الهداية لعموم الخلق وأن يترفعوا عن الحقد والضغينة. لقد تمنى أن يعلم قومه أمرين: 1- مغفرة ربه له وذلك ليتوبوا ولا ييأسوا من رحمة الله. 2- وإكرامه ليحفزهم ذلك إلى العمل لينالوا حسن العاقبة. (1) الكشاف 2/585. (2) روح المعاني 22/228، وانظر الكشاف 2/585. (3) الكشاف 2/585. (4) روح المعاني 22/229. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 120 إلى ص 123.
  • ﴿بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ ﴿٢٧﴾    [يس   آية:٢٧]
{بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ} (ما) تحتمل أنها مصدرية، أي يا ليت قومي يعلمون بمغرة ربي لي وجعلي من المكرمين. ويحتمل أن تكون اسمًا موصولًا، أي: يا ليت قومي يعلمون بالذي غفر لي به ربي وجعلني من المكرمين، أي ليتهم يعلمون بالسبب الذي غفر لي به ربي وهو اتباع الرسل. وقال: (بما) ولم يقل (بالذي) ليشمل المصدرية والموصولة، أي بالمغفرة والإكرام وبسبب ذلك فيجمع المعنيين، ولو قال: (بالذي) لم يدل إلا على معنى واحد. ولم يأت بالمصدر الصريح فيقل: (يا ليت قومي يعلمون بمغفرة ربي لي وجعلي من المكرمين) لأنه لو قال ذلك لدل على معنى واحد وهو المصدرية دون المعنى الآخر. جاء في (الكشاف): "(ما) في قوله: {بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي} أي الماءات هي؟ قلت: المصدرية أو الموصولة، أي بالذي غفره لي من الذنوب" (1). وجاء في (البحر المحيط): "والظاهر أن (ما) في قوله: {بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي} مصدرية، جوزوا أن يكون بمعنى (الذي) والعائد محذوف تقديره: (بالذي غفره لي ربي من الذنوب) وليس هذا بجيد، إذ يؤول إلى تمنى علمهم بالذنوب المغفورة، والذي يحسن تمنى علمهم بمغفرة ذنوبه وجعله من المكرمين" (2). وجاء في (روح المعاني):" والظاهر أن (ما) مصدرية، ويجوز أن تكون موصولة والعائد مقدر، أي يا ليت قومي يعلمون بالذي غفر لي به، أي بسببه، ربي، أو بالذي غفره، أي بالغفران الذي غفره لي ربي، والمراد تعظيم مغفرته تعالى له فتؤول إلى المصدرية. وقال الزمخشري: أي بالذي غفره لي ربي من الذنوب. وتعقب بأنه ليس بجيد، إذ يؤول إلى تمنى علمهم بذنوبه المغفرة ولا يحسن ذلك. وكذا عطف {وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ} عليه لا ينتظم" (3). وما ذهب إليه صاحب الكشاف من أن (ما) تحتمل أن تكون اسمًا موصولًا على معنى: بالذي غفره لي من الذنوب يضعفه ثلاثة أمور، منها: 1- أن ذلك يؤول إلى تمنى علمهم بالذنوب المغفرة ولا يحسن علمهم بما عمل من معاص تستوجب المغفرة، كما أشار إلى ذلك صاحب البحر. 2- أن المغفرة معناها الستر، وغفران الذنوب سترها، وتنميه علمهم بها يعني تمنيه نشرها وفضحها، وهو مغاير لمعنى الستر وما أكرمه الله من سترها، فإن الذنوب من جلائل النعم. 3- أنها لا تنتظم مع قوله: {وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ} فإن ذلك يؤول إلى المعنى الآتي: يا ليت قومي يعلمون بالذي غفره لي من الذنوب وجعلني من المكرمين. وهو لا يصح لأن (جعلني) ستكون معطوفة على (غفره لي) أي صلة للذي، فيكون المعنى: يا ليت قومي يعلمون بالذنب المغفور وجعلني من المكرمين. فإن قوله: (ما غفره لي) يعني: الذي غفره لي ربي من الذنوب. أو بعبارة أخرى: الذنب المغفور. فلا يصح جعل {وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ} صلة له. فاتضح أن (ما) إما أن تكون مصدرية أو اسمًا موصولًا، والباء تفيد السبب فيكون المعنى: يا ليت قومي يعلمون بالسبب الذي غفر لي به ربي وجعلني من المكرمين. فيستقيم المعنى على الوجهين. والله أعلم. ولم يذكر العائد فيقل: (بما غفر لي به ربي) ولو قال ذلك لاقتصر على معنى الموصولية الاسمية دون المصدرية، فحذف العائد جمع المعنيين. وقدم الجار والمجرور على الفاعل فقال: {بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي} لأنه هو المهم وهو مدار الكلام، لأنه معلوم أن الله يغفر الذنوب، فالفاعل معلوم ولكن المهم أن نعلم المغفور له. واختيار لفظ الرب ههنا {غَفَرَ لِي رَبِّي} مناسب لقوله: {إِنِّي آَمَنْتُ بِرَبِّكُمْ} وإضافته إلى نفسه فيها من الرعاية واللطف ما لا يخفى. وقدم المغفرة على جعله من المكرمين؛ لأن المغفرة هي سبب الإكرام ولأنها تسبقه، فالمغفرة أولًا ثم يليها الإكرام. وقوله: {وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ} دون القول: (وجعلني مكرمًا) إشارة إلى أن هذا الطريق سار عليه قبله المؤمن والشهداء والصالحون، فهو واحد منهم وليس فذًا لم يسبقه إليه أحد. وكون أن معه جماعة مثله أكرمهم ربه فيه زيادة إيناس ونعيم. فإن الوحدة عذاب وإن كانت في جنان الخلد فأكرمه بالجنة والرفقة الطيبة. إن أصحاب القرية ومعتقدهم وموقفهم من رسلهم شبيه بحال قوم الرسول  وموقفهم منه من عدة نواح. ولذلك صح أن يضربوا مثلًا: 1- فقوله: {إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا} شبيه بموقف كفار قريش الذين قال الله فيهم: {بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ} {ق: 5}، وقوله: {وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ} {القمر: 3}. 2- وقول أصحاب القرية لرسلهم: {مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا} شبيه بقول كفار قريش: {هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ} {الأنبياء: 3}، وقولهم: {بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ} {ق: 2} 3- وقولهم: {إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ} {يس: 15} شبيه بقول كفار قريش: {هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ} {ص: 4}، وقوله تعالى فيهم: {وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ} {القمر: 3}. 4- وقولهم: {لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ} {يس: 18} شبيه بموقف كفار قريش من رسول الله والمؤمنين معه، فقد آذوهم وعذبوهم حتى أن بعضهم مات من التعذيب. وقد رجم رسول الله بالحجارة في الطائف. وأخبر عنهم ربنا قائلًا: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ} {الأنفال: 30}. 5- وقولهم: {وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ} {يس: 15} شبيه بقولهم: {مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ} {الأنعام: 91}. 6- وقول المؤمن لهم: {اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا} {يس: 21} شبيه بقوله  {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ} {الفرقان: 57}. 7- وقوله: {أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ} {يس:23} يعني أنهم اتخذوا آلهة من دون الله يعبدونهم. وهذا شبيه بمعتقدات العرب في الجاهلية الذين اتخذوا من دون الله آلهة والذين قال فيهم : {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آَلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (74) لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ} {يس: 74 - 75}. 8- لقد بين أن أصحاب القرية لم يؤمنوا إلا واحدًا منهم، وأنهم استوى عليهم الإنذار وعدمه مثل كفار قريش الذين قال الله فيهم: {لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} {يس: 7}، وقال: {وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} {يس: 10}. وإن الرسل الذين أرسلوا إلى أهل القرية يصح أن يكونوا مثلًا لرسول الله . 1- فإنهم كذبوا كما أن الرسول كذبه قومه. 2- وأنهم بلغوا الرسالة مع تكذيب أصحاب القرية لهم. 3- وأنهم بلغوا الرسالة مع أنهم غرباء عن أهل القرية، فقد جاؤها داعين إلى ربهم. 4- أنهم واجهوهم بالتطير منهم وبالتهديد. 5- وأنهم بلغوا رسالة ربهم بلاغًا مبينًا علم به واحد من أهل القرية. 6- وأنه ثبت من آمن بهم حتى استشهد. فكان أصحاب القرية مثلًا في حالهم وفي حال رسلهم الذين بلغوا دعوة ربهم. وحال أهل القرية وموقفهم من رسلهم وسوء عاقبتهم التي لا قوها نتيجة التكذيب تكون مثلًا لقوم الرسول  ليرتدعوا وليراجعوا أنفسهم. إن قصة أصحاب القرية مرتبطة بالآيات الأول التي ذكرناها من هذه السورة والتي ذكرنا أنها بنيت عليها السورة ومقاصدها. 1- فقد ارتبط قوله: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (13) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ} بقوله: {إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ} فذكر أنه واحد من المرسلين. وضرب مثلًا بمرسلين قبله. 2- وارتبط بقوله: {فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ} بقوله: {لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} . 3- وارتبط قوله {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} بقوله: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى} . 4- وارتبط قوله: {إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ} بقوله: {وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ} . 5- وارتبط قوله: {بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ} بقوله: {فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ} . فقوله: {قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ} بشارة له، فهو مقابل (فبشره). وقوله: {بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي} يقابل: {بِمَغْفِرَةٍ} . وقوله: {وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ} يقابل {وَأَجْرٍ كَرِيمٍ}، والله أعلم. (1) الكشاف 2/585. (2) البحر المحيط 7/330. (3) روح المعاني 22/229، وانظر: أنوار التنزيل 584. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 123 إلى ص 129.
  • ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِن جُندٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ ﴿٢٨﴾    [يس   آية:٢٨]
{وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ (28)} أي لم يحتج إنزال جند من السماء ليهلكهم (1)، فهم أتفه من ذلك. وقوله: {وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ} يعني أنه ما كان يصح في حكمتنا وتقديرنا أن ننزل عليهم جندًا من السماء ولا ينبغي ذلك (2)؛ لأنهم أقل شأنًا من هذا. وقيل أيضًا إن المعنى أننا: "ما كنا ننزل الملائكة على الأمم إذا أهلكناهم بل نبعث عليهم عذابًا يدمرهم" (3). وعلى هذا يكون معنى قوله: {وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ} أنه لا ينبغي أن ننزل على هؤلاء جندًا من السماء لإهلاكهم، وإننا لم نكن نفعل ذلك فيما مضى. فيكون المعنى نفي الإنزال على وجه العموم بدءًا من الماضي إلى هؤلاء القوم. وأما إنزال الجنود لنصرة رسولنا محمد  في بدر والأحزاب فذلك إنما كان تعظيمًا لشأن سيدنا محمد ، وهو لا يشمله قوله: {وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ} فإن ذلك متعلق بالأمم الماضية. جاء في (التفسير الكبير): "{وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ} أية فائدٍة فيه مع أن قوله: (وما أنزلنا) يستلزم أنه لا يكون من المنزلين؟. نقول: قوله: (وما كنا) أي ما كان ينبغي لما أن ننزل؛ لأن الأمر كان يتم بدون ذلك فما أنزلنا وما كنا محتاجين إلى إنزال. أو نقول: (وما أنزلنا، وما كنا منزلين) في مثل تلك الواقعة جندًا في غير تلك الواقعة. فإن قيل: فكيف أنزل الله جنودًا في يوم بدر وفي غير ذلك حيث قال: {وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا} {التوبة: 26}؟ نقول: ذلك تعظيمًا لمحمد ". (4) وذهب قوم إلى أن (ما) في قوله: {وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ} ليست نافية وإنما هي اسم موصول معطوف على (جند) أي ما أنزلنا على قومه من جند من السماء والذي كنا ننزله على الأمم من أنواع العذاب. ورده أبو حيان بأن ذلك يعني عطف المعرفة على النكرة المجرورة بمن الزائدة وهو لا يصح. جاء في (البحر المحيط): "وقالت فرقة: (ما) اسم معطوف على جند. قال ابن عطية: أي من جند ومن الذي كنا منزلين على الأمم مثلهم انتهى. وهو تقدير لا يصح لأن (من) في (من جند) زائدة، ومذهب البصرين غير الأخفش أن لزيادتها شرطين: أحدهما: أن يكون قبلها نفي أو نهي أو استفهام. والثاني: أن يكون بعدها نكرة. وإن كان كذلك فلا يجوز أن يكونن المعطوف على النكرة معرفة، لا يجوز (ما ضربت من رجل ولا زيد) وإنه لا يجوز (ولا من زيد)، وهو قدر المعطوف بـ (الذي)، وهو معرفة، فلا يعطف على النكرة المجرورة بمن الزائدة" (5). ورد أبي حيان في نظر، فإن العطف في نحو هذا جائز. غير أنه لا يعطف على اللفظ وإنما يعطف على الموضع. فإنه لا يصح أن نقول (ما جاءني من امرأةٍ ولا محمود) بجر محمود، وإنما نقول ذلك برفع محمود. ولا يصح أن نقول: (ما رأيت من امرأةٍ ولا خالدٍ) بجر خالد، وإنما نقول: (ما رأيت من امرأة ولا خالدًا) بالنصب؛ لأنه لا يمكن توجه العامل إلى المعرفة. جاء في (المغني) في باب (العطف على اللفظ): "وشرطه إمكان توجه العامل إلى المعطوف، فلا يجوز في نحو (ما جاء من امرأة ولا زيد) إلا الرفع عطفًا على الموضع لأن (من) الزائدة لا تعمل في المعارف" (6). ونحو هذا يكون في العطف على اسم (لا) النافية للجنس، فإن اسم (لا) هذه لا بد أن يكون نكرة، فإن عطفت عليه معرفة تعين رفعه لأن (لا) لا تعمل في المعارف نحو (لا امرأة فيها ولا زيد) بالرفع فإنه لا يصح في (زيد) النصب أو بناؤه على الفتح. (7) وعلى هذا فما المانع في الآية من أن تكون (ما) معطوفة على الموضع فتكون (جند) مجرورة و(ما) منصوبة مثل (ما رأيت من امرأة ولا زيدًا)؟ والمعنيان صحيحان يحتملها التعبير ويتسع لهما معًا، فيكون ذلك من التوسع في المعنى. وقد أسند الإنزال إلى نفسه فقال: {وَمَا أَنْزَلْنَا} ليدل على أنه هو الذي أنزل العقوبة ، فهو الذي أرسل الرسل وهو الذي عززهم بثالث، وقد أسند ذلك إلى نفسه فقال: {إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ} فناسب أن يسند الإنزال إلى نفسه أيضًا ليدل على أن الجهة المرسلة والمعاقبة واحدة، إذ لا يليق أن يكون هو المرسل والمعاقب غيره. جاء في (التفسير الكبير) في قوله: {وَمَا أَنْزَلْنَا}: "قال ههنا: {وَمَا أَنْزَلْنَا} بإسناد الفعل إلى نفسه. وقال في بيان حال المؤمن: {قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ} بإسناد القول إلى غير مذكور، وذلك لأن العذاب من باب الهيبة فقال بلفظ التعظيم. وأما في {ادْخُلِ الْجَنَّةَ} فقال: (قيل) ليكون هو كالمهنأ بقول الملائكة حيث يقول له كل ملك وكل صالح يراه: ادخل الجنة خالدًا فيها" (8). وقال: (على قومه) بإضافة القوم إلى ضمير الرجل القتيل، ذلك أن هذا الرجل أضافهم إلى نفسه فقال لهم: {يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ}، فهم قومه وقد دعاهم بــ (يا قوم) ليتعطفهم ويدعوهم إلى ما يحييهم فقتلوه فقتلهم ربه سبحانه. وقال: (من بعده) ولم يقل (بعده) للدلالة على أنه أنزل العذاب عليهم بعده مباشرة ولم يمهلهم. فإن (من) تفيد ابتداء الغاية. ولو قال: (وما أنزلنا على قومه بعده) لاحتمل الزمن القصير والطويل، فجاء بـ (من) ليدل على أنه عاجلهم بالعقوبة من دون إمهال. جاء في (البحر المحيط): "وقوله: (من بعده) يدل على ابتداء الغاية، أي لم يرسل إليهم رسولًا إليهم ولا عاتبهم بعد قتله بل عاجلهم بالهلاك" (9). وقال: (من جند) فجاء بـ (من) الدالة على الاستغراق ليدل على أنه لم ينزل جندًا قلوا أو كثروا. فقد استغرق نفي الإنزال كل الجند، ولو لم يذكر (من) لاحتمل نفي إنزال الجنس وفي الوحدة، فقد يحتمل أنه أنزل جنديًا أو جنودًا كما يحتمل أنه لم ينزل أصلًا. واختار كلمة (جند) على (ملك) لأنه في مقام العقوبة والمحاربة فكان اختيار لفظ الجند أنسب؛ فإن قومه حاربوا الله ورسله فحاربهم الله سبحانه من غير جند. واختار الجند على الجنود فقال: (من جند) ولم يقل: (من جنود) ذلك أن الجنود جمع جند، فإن (الجند) يجمع على أجناد وجنود (10)، ونفي الجند يعني نفي الجنود، أما نفي الجنود فلا يعني نفي الجند؛ ذلك أن نفي الواحد مع (من) الاستغراقية يعني نفي الجنس كله، بخلاف نفي الجمع، فإنه إذا قال: (ما أنزلنا من جند) فإن هذا ينفي إنزال الجند والجنود. ونحوه إذا قلت: (ما حضر من رجال) فإنك نفيت الجمع ولكن لم تنف الواحد أو الاثنين، فقد يكون حضر رجل أو رجلان. أما إذا قلت: (ما حضر من رجل) فقد نفيت الجنس على سبيل الاستغراق سواء كان واحدًا أم مثنى أم جمعًا فلم يحضر أحد. فقوله: (من جند) نفى إنزال الجند والجنود، ولو قال: (من جنود) لم ينف إنزال الجند، فكان ما ذكره أعم وأشمل. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أن (الجند) اسم جنس جمعي مفردة جندي، فالياء للواحد وحذفها يفيد الجنس مثل رومي وروم (11)، وزنجي وزنج. أما الجنود فهو جمع تكسير. ومن المعلوم أن اسم الجنس يقع على القليل والكثير، فهو يقع على الواحد والاثنين والجمع. فإنك إذا عاملت روميًا واحدًا أو روميين جاز لك أن تقول: (عاملت الروم) أما الجمع فلا يصح فيه ذلك، وإنما يقع على الجمع فقط (12). فقوله: {وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ} نفي الواحد والاثنين والجمع لأنه نفى اسم الجنس الجمعي، ولو جاء بالجنود لم ينف الواحد والاثنين، فكان ما ذكره أولى من كل وجه. واختار (ما) في النفي على (لم) فلم يقل: (ولم ننزل) وذلك لأن (ما) أقوى في النفي من (لم) (13). وقد أكد النفي أيضًا بذكر (من) الاستغراقية المؤكدة، فأكد النفي باستعمال الحرف (ما) واستعمال (من) الاستغراقية. وهناك أمر آخر حسن ذكر (ما) دون (لم) وهو ذكر (من) الاستغراقية، فإن القرآن لم يأت البتة بــ (من) الاستغراقية مع (لم) بخلاف (ما). وقال: (من السماء) ولم يقل: (من السماوات)؛ لأن السماء أعم وأشمل من السماوات، فهي تشمل السماوات وتشمل أيضًا الجو والسحاب وما علاك على وجه العموم، فهي تشمل السماوات وزيادة (14)، فكان ذلك أشمل وأعم، كما ناسب ذكر (من) الاستغراقية ذكر السماء فإن كليهما للاستغراق والعموم. وقد تقول: وما الحاجة إلى ذكر (السماء) وهو لم ينزل عليهم جندًا أصلًا لا من الارض ولا من السماء؟ فنقول: إنه ذكر أنه لم ينزل عليهم جندًا من السماء وإنما أهلكهم بصيحة منها. فالسماء هي مبدأ إنزال العذاب لكن ليس بالجند وإنما بالصيحة. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أنه لم يذكر السماء لكانت الآية على النحو الآتي: (وما أنزلنا على قومه من بعده من جند وما كنا منزلين). وهذا المعنى لا يصح؛ لأن قوله: {وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ} ينفي إنزال الجنود على أية حال سواء كام من السماء أم من غيرها. في حين أن الله سبحانه أنزل جنودًا وأقوامًا على آخرين فحاربوهم ودفع بعضهم ببعض وعاقب بعضهم ببعض. وكل إتيان من مكان عال فهو نزول أو إنزال. وكل حرب حصلت بين قومين أو أقوام وانحدر أحدهما من مكان عال فهو نزول. وقد يعذب الله بعض الناس ببعض، ويدفع بعضهم ببعض، ويبعث بعضهم على بعض، كما قال تعالى: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ} {الحج: 40}، وقال: {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا} {الأسراء: 5}. ولا يخلو ذلك من إنزال جند. وكان يأجوج و مأجوج ينزلون من الجبل فيفسدون في الأرض. فلو حذف( من السماء) لم يستقم المعنى ولم يصح. هذا وإنه لو حذف أي قيد لم يصح المعنى، فإن الآية هي {وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ} : 1- فإنه لو حذف (على قومه) لم يصح المعنى؛ لأن الله سبحانه أنزل جنودًا من السماء بعده وذلك لنصرة سيدنا محمد . 2- لو حذف (من بعده) لم يصح المعنى؛ لأن القصد هو معاقبة قومه بعد قتله، فإذا حذف الظرف لم يفهم أن العقوبة بسبب قتله. والمراد بيان ذلك. 3- ولو حذف (من جند) لم يصح المعنى؛ لأنه لا يعلم المنفي على وجه التحديد، ولكان النفي عامًا، وهو لا يصح، إذ سيكون التعبير: (وما أنزلنا على قومه من بعده من السماء وما كنا منزلين) وهو النفي لإنزال الجنود ولكل أنواع العذاب من السماء، بل هو نفي لكل إنزال من السماء سواء كان خيرًا أم شرًا، وهو لا يصح، لأن الله سبحانه أنزل عليهم وعلى من قبلهم عذابًا من السماء ولكن ليس جندًا كما أخبرنا ربنا سبحانه، فقد قال في قوم موسى: {فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} {البقرة: 59}، وقال في قوم لوط: {إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} {العنكبوت: 34}. وأرسل على قومه وعلى من قبلهم الصيحة من السماء. والسماء كلمة عامة تشمل كل ما علا سواء كان سحابًا أم غيره، وقد فسر ربنا الرجز النازل على قوم لوط من السماء بأنه الصيحة وإرسال الحجارة، قال تعالى: {فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (73) فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ} {الحجر: 73 - 74}، فلا يصح الحذف. 4- ولو حذف (من السماء) لم يصح لما ذكرناه. فكان أعدل الكلام وكلام ربنا سبحانه. جاء في (التفسير الكبير): "قال: (من السماء) وهو تعالى لم ينزل عليهم ولا أرسل إليهم جندًا من الأرض فما فائدة التقييد؟ نقول: الجواب عنه من وجهين: (أحدهما): أن يكون المراد: وما أنزلنا عليهم جندًا بأمر من السماء فيكون للعموم. (وثانيهما): أن العذاب نزل عليهم من السماء، فبين أن النازل لم يكن جندًا لهم عظمة، وإنما كان ذلك بصيحة أخمدت نارهم وخربت ديارهم" (15). (1) انظر التفسير الكبير 26/61، فتح القدير 4/356. (2) انظر الكشاف 2/586، التفسير الكبير 26/62، روح المعاني 23/12، فتح القدير 4/356. (3) تفسير ابن كثير 3/569. (4) التفسير الكبير 26/62. (5) البحر المحيط 7/331 – 332 وانظر روح المعاني 23/2. (6) مغني اللبيب 2/473. (7) انظر شرح الأشموني 2/12. (8) التفسير الكبير 26/61. (9) البحر المحيط 7/331. (10) المصباح المنير (جند) 1/111. (11) انظر المصباح المنير (جند) 1/111. (12) انظر شرح الرضي على الشافية 2/178. (13) انظر معاني النحو 4/227. (14) انظر التعبير القرآني 52. (15) التفسير الكبير 26/61. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 129 إلى ص 137.
  • ﴿إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ ﴿٢٩﴾    [يس   آية:٢٩]
{إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ (29)} أي ما كانت العقوبة أو الأخذة إلا صيحة واحدة (1)، واسم كان ضمير مستتر. ونفي بإن ولم ينف بما، ذلك لأن (إن) أقوى من (ما) (2) ولذلك كثيرًا ما تقترن بإلا لإفادة القصر. ويتبين ذلك من مواطن اجتماعهما. قال تعالى: {مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ} {يوسف: 31}، فإثبات الملكية ليوسف يحتاج إلى قوة ولذلك نفى بما أولًا ثم نفى وأثبت بإن وإلا لما هو أقوى. ونحو ذلك ما ذكرناه في قوله: {مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ} فنفى أولًا بما، ثم نفى وأثبت بإن وإلا. ونحوه ما مر قريبًا وهو قوله تعالى: {وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ (28) إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً} {يس: 28 - 29}، فنفى بما أولًا، ثم نفى وأثبت بإن وإلا. وقوله: (واحدة) نعت مؤكد، وقد أفاد أمرين: بيان بالغ قدرة الله، وبيان هوانهم وضعفهم، فإنهم لم يحتاجوا إلى أكثر من صيحة واحدة. وأضمر اسم (كان) لظهوره ووضوحه، فإنه دل عليه المقام وإن لم يجر له ذكر. وجاء بالفاء وإذا الفجائية للدلالة على سرعة هلاكهم، فإن الفاء تفيد الترتيب والتعقيب، وإذا تفيد المفاجأة، وجاء بهما معًا للدلالة على سرعة المفاجأة بحيث لم تكن بين الصيحة وخمودهم مهلة. ولا يؤدي أي حرف هذا المؤدي، فلو جاء بثم فقال: (ثم إذا هم خامدون) لدل على أن خمودهم إنما حصل بعد مدة من الصيحة، نظير قوله تعالى: {وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ} {الروم: 20}. ولو جاء بالواو لم يدل ذلك على التعقيب أيضًا ولم يدل أن ذلك إنما كان بسبب الصيحة، فإن الواو لا تفيد السبب بل تفيد الإتباع، فجاء بالفاء للدلالة على معنيي السبب والسرعة، ولا يؤدي أي حرف مؤداها. جاء في (التفسير الكبير): "وقوله: (واحدة) تأكيد لكون الأمر هينًا عند الله. وقوله: {فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ} فيه إشارة إلى سرعة الهلاك، فإن خمودهم كان مع الصيحة وفي وقتها لم يتأخر" (3). وجاء في (البحر المحيط) في قوله: {فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ} :"أي فاجأهم الخمود إثر الصيحة لم يتأخر" (4). وجاء في(روح المعاني): "و(إن) نافية، و(كان) ناقصة، واسمها مضمر، و(صيحة) خبرها، أي ما كانت هي، أي الأخذة أو العقوبة، إلا صيحة واحدة... و(إذا) فجائية وفيها إشارة إلى سرعة هلاكهم بحيث كان مع الصيحة. وقد شبهوا بالنار على سبيل الاستعارة المكنية" (5). وقال (خامدون) إشارة إلى سرعة هلاكهم وانطفاء حياتهم كانطفاء السراج. واختيار هذا الوصف أحسن اختيار، فإنه مأخوذ من خمود النار وهو سكون لهبها وذهاب حسيسها، يقال: "خمدت النار تخمد خمودًا: سكن لهبها ولم يطفأ جمرها، وهمدت همودًا: إذا أطفئ جمرها البتة، وأخمد فلان ناره، وقوم خامدون: لا تسمع لهم حسًا. جاء في التنزيل العزيز {إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ} قال الزجاج: فإذا هم ساكتون قد ماتوا وصاروا بمنزلة الرماد الخامد الهامد" (6). وفي (القاموس المحيط): "خمدت النار: كنصر وسمع خمدًا وخمودًا سكن لهبها، ولم يطفأ جمرها" (7). وفي (المصباح المنير): "خمدت النار خمودًا من باب قعد: ماتت فلم يبق منها شيء، قيل: سكن لهبها وبقي جمرها" (8). وفي (أساس البلاغة): "نار خامدة وقد خمدت خمودًا: سكن لهبها وذهب حسيسها" (9). يتضح مما مر أن الفعل (خمد) يحمل المعاني الآتية: 1- يقال: خمدت النار، أي سكن لهبها ولم يطفأ جمرها. 2- وقيل أيضًا: خمدت النار، إذا ماتت ولم يبق منها شيء. 3- ويقال: خمد القوم، إذا سكتوا فلا تسمع لهم حسًا. 4- وخمد القوم: سكتوا وماتوا وصاروا بمنزلة الرماد الخامد الهامد. أما همود النار فهو انطفاؤها وعدم بقاء أثر منها. جاء في (لسان العرب): "وهمدت النار تهمد همودًا: طفئت طفوءًا وذهبت البتة فلم يبين لها أثر... الأصمعي: خمدت النار: إذا سكن لهبها، وهمدت همودًا إذا طفئت البتة" (10). وجاء في (القاموس المحيط): "الهمود: الموت وطفوء النار أو ذهاب حرارتها" (11). وجاء في (المصباح المنير): "همدت النار همودًا من باب قعد: ذهب حرها ولم يبقى منها شيء" (12). واختيار الخمود على الهمود أنسب من عدة نواح منها: 1- أن في ذلك إشارة إلى سرعة سكونهم وانقطاع حركتهم، فإن الخمود أسرع من الهمود؛ ذلك أن إطفاء السراج والشعلة إنما يكون في أسرع وقت. جاء في (التفسير الكبير): "والخمود في أسرع زمان فقال: (خامدين) بسبها، فخمود النار في السرعة كإطفاء سراج أو شعلة" (13). 2- بيان أن حركتهم وأصواتهم قد خمدت فلا تسمع لهم حسًا وذلك بعد التوعد والتهديد والضجيج والصخب الذي ملأ القرية، وبعد البطش والتنكيل بالرجل الناصح. وبعد كل ذلك إذا هم ساكتون خامدون لا تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزًا. 3- ثم إن اختيار الخمود مناسب لقوله: {إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً} وذلك أنه إذا كان في موضع ما ضجيج وصياح وصخب فإنه لا يسكته إلا صوت أو صيحة أعلى منه. فصاح بهم صيحة أسكتتهم وأخمدتهم. 4- إن في اختيار الخمود على الهمود إشارة إلى البعث بعد الموت، فإن الخمود لا يعني الفناء وإنما يعني ذهاب اللهب والحرارة وبقاء الجمر، فكأن ذلك إشارة إلى مفارقة الأرواح للأبدان وليس فناءها. حاء في (روح المعاني): "ولعل في العدول عن (هامدون) إلى (خامدون) رمزًا حفيًا إلى البعث بعد الموت" (14). 5- اختيار الخمود على الهمود في صورة فنية أخرى، وهي صورة الجمر الذي يغطيه الرماد، وهي شبيهة بحالة الجثة التي يعلوها تراب القبر، وفيها إشارة إلى أنهم يحترقون بالنار في داخلها وإن كان لا يظهر ذلك للناظرين. 6- ومن معاني الخمود: الموت أيضًا كالهمود، فأعطى الخمود معنى الهمود مع معان أخرى لا يؤديها الهمود كسرعة الهلاك والسكوت بعد الصيحة، والرمز الخفي إلى البعث بعد الموت وأن ظاهرهم ساكن بارد وحقيقتهم نار تحرق. فكان اختيار الخمود أولى والله أعلم. (1) الكشاف 2/586. (2) انظر معاني النحو 4/235. (3) التفسير الكبير 26/62. (4) البحر المحيط 7/332. (5) روح المعاني 23/2. (6) لسان العرب (خمد) 4/144. (7) القاموس المحيط (خمد) 1/292. (8) المصباح المنير (خمد) 1/181. (9) أساس البلاغة (خمد) 250. (10) لسان العرب 4/448 (همد). (11) القاموس المحيط (همد) 1/348. (12) المصباح المنير (همد) 2/64. (13) التفسير الكبير 26/62. (14) روح المعاني 23/2 – 3. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 137 إلى ص 142.
إظهار النتائج من 10841 إلى 10850 من إجمالي 12325 نتيجة.