{وَآَيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (41)}
إن مناسبة هذه الآية لما قبلها ظاهرة، فإنه لما ذكر سباحة الأجرام في الفلك فقال: {وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} ذكر سباحة الفلك في الماء وجريها فيه (1).
إن كلمة (الفلك) تكون مفردًا وجمعًا، فالمفرد (فلك) والجمع (فلك) أيضًا بلفظ واحد.
وقد اختلف في (الفلك) الوارد في الآية فقيل: هي السفن التي تجري في البحار إلى قيام الساعة، والذرية هم الأولاد، فامتن عليهم بحمل أولادهم في البحار، ذلك أن الامتنان بالنعمة على الأبناء امتنان بالنعمة على الآباء. ولذلك كثيرًا ما يدعو الناس أن يرزقهم الله ذرية طيبة، فقد قال زكريا عليه السلام: {رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ} {آل عمران: 38}، ويدعون لذرياتهم بالخير، فقد وصف تعالى عباد الرحمن بقوله: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ} {الفرقان: 74}. وقال إبراهيم عليه السلام: {وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ} {البقرة: 128}.
فهو إشارة إلى إن عقبهم باق وأن نسلهم لا ينقطع وأنهم – أي ذريتهم – سيركبون في الفلك المشحون بالبضائع، الممتلئ بالأموال.
وقيل: المقصود بالفلك هو سفينة نوح عليه السلام، والمقصود بالذرية: الأبناء.
قيل: والمعنى أنه لما حمل آباءهم الأقدمين يكون قد حمل ذريتهم في أصلابهم، ولولا ذلك الحمل لم يبق للآدمي نسل (2). وحمل الآباء يتضمن حمل الذرية.
جاء في (الكشاف): "(ذريتهم) أولادهم ومن يهمهم حمله... وقيل: (الفلك المشحون) سفينة نوح. ومعنى حمل الله ذرياتهم فيها: أنه حمل فيها آباءهم الأقدمين، وفي أصلابهم هم وذرياتهم، وإنما ذكر ذرياتهم دونهم لأنه أبلغ في الامتنان عليهم وأدخل في التعجيب من قدرته في حمل أعقابهم إلى يوم القيامة في سفينة نوح" (3).
وجاء في (روح المعاني): "واستشكل حمل ذريتهم في سفينة نوح عليه السلام، وأجيب بأن ذلك بحمل آبائهم الأقدمين وفي أصلابهم هؤلاء وذريتهم، وتخصيص الذرية مع أنهم محمولون بالتبع لأنه أبلغ في الامتنان، حيث تضمن بقاء عقبهم، وأدخل في التعجب ظاهرًا حيث تضمن حمل ما لا يكاد يحصى كثرة في سفينة واحدة مع الإيجاز، لأنه كان الظاهر أن يقال: حملناهم ومن معهم ليبقى نسلهم. فذكر الذرية يدل على بقاء النسل، وهو يستلزم سلامة أصولهم، فدل بلفظ قليل على معنى كثير" (4).
وليس في كون (الفلك) سفينة نوح استشكال، فإنه سبحانه قال: {إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ} {الحاقة: 11}، فذكر أنه حملهم في سفينة نوح وهو لم يحملهم وإنما حمل آباءهم فصح أن يقول: {حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ} فإن المخاطبين وذريتهم هم جميعًا ذرية المحمولين في السفينة.
وهذا الخطاب أعني قوله تعالى: {إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ}، يصح أن يكون خطابًا للبشر على مدى الزمان، وأن يكون ذلك آية من آيات نعمة تعالى على خلقه.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أنه لما قال فيما بعد: {مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ} {يس: 49}، والمقصود بهذه الصيحة صيحة القيامة، وهي لا تأخذهم وإنما تأخذ ذريتهم صح أن يقول في سفينة نوح أنه حمل ذريتهم. فجعلهم هم المعنيين بالصيحة، مع أن المعني هم الذرية، فجعل الآباء والذرية شيئًا واحدًا.
ثم لننظر من ناحية أخرى أنه من عليهم وعلى ذرياتهم بالحمل في الفلك، غير أنه ذكر في حالة طغيان الماء حملهم هم فقال: {إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ}، ولما لم يذكر طغيان الماء ذكر حمل ذريتهم، ذلك أنه في حالة طغيان الماء يخشى الغرق فذكر أنه حملهم هم ليدل على إنعامه عليهم بالنجاة، وفي نجاتهم نجاة لذريتهم، وليس في نجاة الذرية نجاة للآباء.
ولما لم يذكر طغيان الماء ذكر أنه حمل ذريتهم فكانت النعمة عليهم بالنجاة وعلى ذريتهم بالانتفاع، أو بتعبير آخر: كانت النعمة عليهم بدرء المفسدة وعلى ذريتهم بجلب المنفعة؛ ذلك لأنه وصف الفلك بأنه مشحون، أي مملوء بالبضائع وعروض التجارة. ودرء المفاسد – كما يقال – مقدم على جلب المنافع، فذكر مع المخاطبين درء المفسدة ودفع الضرر عنهم، ومع الأبناء جلب المنفعة لهم، فكانت النعمة عليهم وعلى ذريتهم.
ولما ذكر طغيان الماء وصف الفلك بأنها جارية، أي تجري بهم لينجوا إلى مكان آمن. ولما لم يذكر طغيان الماء وصف الفلك بأنه مشحون، أي ممتلئ، ولا يحسن ذكر المشحون مع طغيان الماء، لأن امتلاءه يبطئه في الجري فلا ينجون به بسرعة.
فذكر مع النجاة الجري ومع المنفعة الشحن، فكان كل تعبير أنسب في مكانه.
جاء في (التفسير الكبير): "قال ههنا: {حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ} من عليهم بحمل ذريتهم.
وقال تعالى: {إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ} من هناك عليهم بحمل أنفسهم.
نقول: لأن من ينفع المتعلق بالغير يكون قد نفع ذلك الغير، ومن يدفع الضرر عن المتعلق بالغير لا يكون قد دفع الضرر عن ذلك الغير، بل يكون قد نفعه. مثاله: من أحسن إلى ولد إنسان وفرحه فرح بفرحه أبوه، وإذا دفع واحد الألم عن ولد إنسان يكون قد فرح أباه، ولا يكون في الحقيقة قد أزال الألم عن أبيه. فعند طغيان الماء كان الضرر يلحقهم فقال: دفعت عنكم الضرر، ولو قال: دفعت عن أولادكم الضرر لما حصل بيان دفع الضرر عنه.
وههنا أراد بيان المنافع فقال: {حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ} لأن النفع حاصل ينفع الذرية، ويدلك على هذا أن ههنا قال: {فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ} فإن امتلاء الفلك من الأموال يحصل بذكره بيان المنفعة، وأما دفع المضرة فلا؛ لأن الفلك كلما كان أثقل كان الخلاص به أبطأ وهنالك السلامة، فاختار هنالك ما يدل على الخلاص من الضرر وهو الجري، وههنا ما يدل على كمال المنفعة وهو الشحن" (5).
وقد تقول: ولم ذكر حمل الذرية ههنا، أي في آية (يس) هذه، ولك يذكر حملهم هم؟
فنقول: إن ذلك لأمور منها:
1- أنه لما قال قبل هذه الآية: {سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ} ناسب ذكر الذرية؛ لأن الذرية إنما تكون من الأزواج.
2- ولما ذكر صيحة القيامة، وهي لا تأخذهم وإنما تأخذ ذريتهم ناسب ذلك ذكر الذرية أيضًا.
3- ثم إن ذلك من قبيل المن عليهم، فهو أخبرهم ضمنًا أنه لا يستأصلهم وإنما يبقيهم ويبقى ذريتهم.
ثم لننظر من ناحية أخرى أنه قال: "{وَآَيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ}، وقال: { وَآَيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ} ولم يقل: (وآية لهم الفلك جعلناها بحيث تحملهم) وذلك لأن حملهم في الفلك هو العجب، أما نفس الفلك فليس بعجب لأنه كبيت مبني من خشب. وأما نفس الأرض فعجب ونفس الليل عجب لا قدرة عليهما لأحد إلا الله" (6).
ثم إن الامتنان عليهم إنما هو بالحمل في الفلك وليس في الفلك نفسه، ذلك أن الحمل فيه هو النعمة، فالفلك ليس مقصودًا لذاته، وإنما المقصود هو الحمل فيه، فذكر ما به مناط النعمة والمنة.
وبعد أن من عليهم بحمل ذريتهم في الفلك المشحون ذكر منته عليهم بالحمل فقال: {وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ} .
وقوله: (من مثله) يعني من مثل الفلك.
و(ما يركبون) فيه وجهان:
الأول: أنه الفلك وما يركبونه من السفن والزوارق (7).
والآخر: أنه عموم ما يركب في البر من الإبل وغيرها.
والظاهر أنه يشمل عموم ما يركب في البر والبحر، فمن عليهم بما يركبونه عمومًا مما سخره لهم ربنا سبحانه.
فذكرهم بنعمة السكن وهي الأرض، ونعمة الطعام، ونعم النهار والليل، وحملهم وحمل بضائعهم في البر والبحر.
وقوله: (لهم) يدل على تمام نعمته عليهم، ذلك أنه خلق ذلك من أجلهم. ولو قال: (وخلقنا من مثله ما يركبون) لم يدل على أن الخلق كان من أجلهم.
كما أن إضافة الذرية إليهم فيه تفضل آخر عليهم، بخلاف ما لو قال: إنا حملنا ذرية المخلوقات، أو ذرية الناس مع نوح، فإن ذلك يعم وهذا يخصهم هم.
(1) انظر التفسير الكبير 26/78.
(2) انظر التفسير الكبير 26/78.
(3) الكشاف 2/589، وانظر البحر المحيط 7/338.
(4) روح المعاني 23/27.
(5) التفسير الكبير 26/80.
(6) التفسير الكبير 26/81.
(7) انظر الكشاف 2/589، التفسير الكبير 26/81.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 189 إلى ص 195.
{وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ (43)}
الصريخ: المغيث.
هددهم بالإغلاق فلا ينقذهم أحد كما فعل مع المغرقين من قوم نوح وفي هذا تهديد لهم من جهة أخرى، ذلك أن قوم نوح كذبوا رسولهم فأغرقهم، وهؤلاء كذبوا رسولهم فإن شاء ربهم أغرقهم.
وقد تقول: كيف يصح التهديد بالإغراق وهو لم يذكر حملهم في الفلك، وإنما ذكر حمل ذريتهم فقال: {وَآَيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ} ؟
فالتهديد بالإغراق يصح أن يكون لذريتهم لا لهم.
والجواب: أنه لما قال: {وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ} فذكر ما يركبونه من مثل الفلك صح أن يكون التهديد لهم.
وقد تقول: ولم قال: {فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ}، ولم يقل: (فلا مغيث لهم)؟.
فنقول: إن ذلك لأكثر من وجه:
منها أن الصريخ يجمع عدة معان: منها المغيث ومنها المستغيث.
والصريخ أيضًا صوت المستصرخ (1).
فقوله: {فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ} جمع عدة معان، وقد يحتمل ههنا هذه المعاني كلها.
وقد تقول: كيف يحتمل في الآية نفي المغيث والمستغيث ولا شك أنهم مستغيثون؟.
فنقول: ليس المعنى على ما ظننت، فإنه لم يقل: (فلا صريخ منهم) وإنما قال: {فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ} أي لا مستغيث لهم، بمعنى لم يستغث لهم أحد، وعلى هذا يكون المعنى أنه إن شاء أغرقهم فلا يستغيث لهم أحد ولا مغيث لهم، فلا يكون ثمة من يطلب العون لهم ولا من يعين، فنفى المغيث والمستغيث لهم. وهكذا يأخذهم البحر فلا تنجو جثثهم أيضًا بل تذهب في البحر.
والصريخ أيضًا صوت المستصرخ، وعلى هذا يكون المعنى أنهم لا يمكنهم الصراخ وطلب العون لأن الماء يلجم أفواههم فلا يتمكنون من طلب الاستغاثة.
وبهذا نفي المغيث والمستغيث لهم، ونفى إمكان رفع الصوت لطلب الاستغاثة فيغرقون في صمت رهيب ووحدة مرعبة.
واختار لفظ الصريخ على المغيث أيضًا لأن الصريخ من الصراخ، والصرخة: هي الصيحة الشديدة عند الفزع أو المصيبة (2).
والصريخ والمصرخ بمعنى واحد، فإن المصرخ هو الذي يزيل الصراخ بإغاثة صاحبه. والذي يشرف على الغرق يصرخ بأعلى صوته طالبًا النجدة ليسمعه من يغيثه وينجينه، فلا يكون صريخ إلا إذا كان صراخ. أما المغيث فيكون لمن يطلب الغوث سواء كان عم طريق الصرخة أم كان عن طريق ذكر الحاجة الشديدة، فقد يذهب شخص إلى آخر فيقول له: أغثني يا فلان فإني في ورطة، وليس من الضروري أن يرفع صوته عليًا بالصراخ. أما الصريخ فيكون مع الصراخ.
فكان ذكر الصريخ أنسب.
وقال: {فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ} ولم يقل: (فلا مصرخ لهم) للسبب نفسه، فإن الصريخ يجمع عدة معان، بخلاف المصرخ فإنه المعين والمغيث فقط.
ثم قال: {وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ} أي لا ينقذهم شيء سواء كان عن طريق الصريخ أم عن غيره. فقد لا يكون مغيث ينقذ من يشرف على الغرق ولكن قد ينقذ بطريق آخر مما يتهيأ من سبل النجاة ولو أن ينجو على خشبة، فهذا إنقاذ عن طريق الصريخ، فنفى ذلك أيضًا، فانتقت نجاتهم بكل سبيل.
ولم يكتف بقوله: {فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ} لئلا يظن أنهم قد ينقذون من غير صريخ.
جاء في (البحر المحيط): "والظاهر أن قوله: {فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ} أي لا مغيث لهؤلاء الذين شاء الله إغراقهم، {وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ} أي ينجون من الموت بالغرق، نفى أولًا الصريخ وهو خاص، ثم نفى ثانيًا إنقاذهم بصريخ أو غيره" (3).
وقال: {فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ} ولم يقل: (فلا صريخ لهم ولا منقذ) ذلك أنه نفى إنقاذهم عن أي طريق سواء كان عن طريق المنقذين أم عن غير هذا الطريق، فقد يتعلق الشخص بحبل أو يتمسك بخشبة أو يلقيه الموج بالساحل أو أي وسيلة أخرى مما يهيئه الله سبحانه، فهذه نجاة عن غير طريق المنقذين، فنفى ذلك أيضًا عنهم.
فقال: {وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ} أي بأية وسيلة أو سبيل، وهو أعم من قولنا: (ولا منقذ).
جاء في (التفسير الكبير): " وقوله تعالى: {وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ} إذا أدركهم الغرق؛ وذلك لأن الخلاص من العذاب إما أن يكون بدفع العذاب من أصله أو برفعه بعد وقوعه فقال: لا صريخ لهم يدفع ولا هم ينفذون بعد الوقوع فيه. وهذا مثل قوله تعالى: {لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ}. فقوله: {فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ} فيه فائدة أخرى غير الحصر وهي أنه تعالى قال: (لا صريخ لهم) ولم يقل: ولا منقذ لهم؛ وذلك لأن من لا يكون من شأنه أن ينصر لا يشرع في النصرة مخافة أن يغلب ويذهب ماء وجهه. وإنما ينصر وبغيث من يكون من شأنه أن بغيث، فقال: لا صريخ لهم. وأما من لا يكون من شأنه أن ينقذ إذا رأى من يعز عليه في ضر يشرع في الإنقاذ، وإن لم يثق بنفسه في الإنقاذ ولا يغلب على ظنه وإنما يبذل المجهود فقال: {وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ} ولم يقل: منقذ لهم" (4).
(1) لسان العرب (صرخ) 4/2.
(2) لسان العرب (صرخ) 4/2.
(3) البحر المحيط 7/339.
(4) التفسير الكبير 26/82.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 195 إلى ص 198.
{إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (44)}
أي إلا إذا أراد ربهم أن يرحمهم فينقذهم ويمتعهم في الحياة إلى أجل، فنفى الإنقاذ إلا من طريق رحمة الله لهم.
والتعبير يحتمل معنيين:
الأول: أن ينقذهم رحمة بهم ويمتعهم إلى حين.
والمعنى الآخر: أن إنقاذهم على نوعين : إنقاذ رحمة وإنقاذ تمتيع.
وذلك أن قسمًا من هؤلاء الناجين يؤمنون بعد الكفر ويهتدون بعد الضلال، فكان إنقاذهم رحمة منه تعالى.
والقسم الآخر يبقون على ضلالهم فيكون إنقاذهم متاعًا إلى حين.
والقسمان نالتهم رحمة الله والمتاع على حين.
فالذين آمنوا نالتهم رحمة الله بإنقاذهم من الغرق وبإيمانهم.
والذين لم يؤمنوا نالتهم رحمة الله بالنجاة من الغرق.
وعلى هذا فكلهم مرحومون ممتعون، ولكن منهم من نالته رحمة أوسع بنجاته وإيمانه.
وقال: {رَحْمَةً مِنَّا} ليدل على أن الرحمة بهم كانت منه سبحانه، وإلا فليس ثمة من يرحمهم ويغيثهم. وحتى لو أغاثهم أحد فذلك برحمته سبحانه لهم وتهيئته من ينجيهم، فهم لا ينقذون إلا برحمته سبحانه.
جاء في (التفسير الكبير) في قوله: {إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ}: "وهو يفيد أمرين:
أحدهما: انقسام الإنقاذ إلى قسمين: الرحمة والمتاع، أي فمن علم الله منه أنه يؤمن فينقذه الله رحمة، وفيمن علم أنه لا يؤمن فليتمتع زمانًا ويزداد إثمًا.
وثانيهما: أنه بيان لكون الإنقاذ غير مفيد للدوام، بل الزوال في الدنيا
لا بد منه فينقذه الله رحمة ويمتعه إلى حين، ثم يميته، فالزوال لازم أن يقع" (۱).
وقد تقول: لقد قدم الرحمة ههنا على الجار والمجرور فقال: {إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا}، فهل يصح أن يقدم الجار والمجرور على الرحمة فيقول: (ولا هم ينقذون منا إلا رحمة ومتاعًا إلى حين) أو (ولا هم ينقذون إلا منا رحمة ومتاعًا إلى حين) كما قدم ذلك في مواطن من القرآن الكريم، وذلك نحو قوله: {وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ} {هود: 9}.
وقوله: {وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ}{الشورى: 48}.
وما الغرض من هذا التقديم والتأخير؟ فنقول: ههنا سؤالان:
السؤال الأول: هل يصح تقديم الجار والمجرور على الرحمة في آية (يس)؟.
والآخر: ما الغرض من هذا التقديم والتأخير فيما ورد من نحو ذلك في القرآن؟.
أما الجواب عن السؤال الأول فنقول: إنه لا يصح تقديم الجار والمجرور على الرحمة في آية (يس) ، لأن المعنى سيختل، ذلك أنه لو قال: (ولا هم ينقذون منا إلا رحمة ومتاعًا على حين) أو (ولا هم ينقذون إلا منا) كان المعنى أنه سينقذهم من الله تعالى منقذ وينجيهم منه مغيث رحمة ومتاعًا إلى حين، وبذلك يكون الله عاجزًا عن إغراقهم، تعالى عن ذلك؛ لأنه سيكون من ينقذهم من الله، ولذا لا يصح التقديم في الآية.
أما تقديم الجار والمجرور فيما ذكرناه من آيتي هود والشورى فذلك ما يقتضيه المقام.
فإنه سبحانه وتعالى قال في هود: {وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (9) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ} {هود: 9 – 10}.
وقال في الشورى: {وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ} {الشورى: 48}.
في حين قدم الرحمة على الجار والمجرور في سورة فصلت فقال: {لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ (49) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (50) وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ} {فصلت: 49 - 51}.
ومن النظر في المواطن الثلاثة يتضح أن الكلام في (فصلت) على الرحمة أكثر وأثرها على الإنسان أوسع مما في هود والشورى، فإنه في هود لم يذكر إلا إذاقته إياها ونزعها منه، فذكر حالة نزع الرحمة فقط ولم يذكر أثر الرحمة عليه.
وأما في الشورى فإنه لم يزد على أن قال: (فرح بها).
وأما في (فصلت) فقد فصل وأطال في وصف أثرها فيه واحتفائه بها فناسب تقديمها في (فصلت).
ونحو ذلك قوله تعالى في سورة هود: {وَآَتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ} {هود: 28} بتقديم الرحمة على الجار والمجرور.
وقوله في السورة نفسها: {وَآَتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً} {هود: 63} بتقديم الجار والمجرور على الرحمة.
ومن النظر في سياق الآيتين يتضح سبب التقديم والتأخير فيهما.
قال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (25) أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (26) فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ (27) قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآَتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ} {هود: 25 - 28}.
وقال: {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (61) قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (62) قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآَتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ} {هود: 61 – 63}.
فأنت ترى من النصين السابقين أن الكلام على الرحمة في قصة نوح أطول ووصفها أكثر، فقد قال: {وَآَتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ}
وليس الأمر كذلك في قصة صالح، فقد قال: {وَآَتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً} ولم يزد على ذلك. ثم قال بعدها: {فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ}.
فلما كان الكلام على الرحمة أكثر في قصة نوح قدم الرحمة، ولما لم يكن الكلام كذلك في قصة صالح أخرها.
هذا من ناحية .
ومن ناحية أخرى أن الكلام في قصة صالح على الله أكثر: {قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ}.
وقال في قصة نوح: {أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ}.
فقال في قصة صالح:
١- اعبدوا الله.
۲ - ما لكم من إله غيره.
3 - هو أنشأكم من الأرض.
4 - واستعمركم فيها.
5- فاستغفروه.
6- ثم توبوا إليه.
۷- إن ربي قريب مجيب
ولم يزد في قصة نوح على أن قال: {أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ}.
فناسب تقديم الضمير العائد على الله في قصة صالح فقال: {وَآَتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً} دون قصة نوح.
فناسب التقديم والتأخير من جهتين :
1- من جهة التوسع في ذكر الرحمة في قصة نوح فناسب ذلك تقديمها.
٢- ومن جهة التفصيل في الكلام على الله في قصة صالح دون قصة نوح، فناسب تقديم ضميره وتأخير الرحمة.
وقد تقول: لقد قال في آية (يس): {إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا}، وفي مواطن من القرآن الكريم قال: {رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا} فهل من فرق بين التعبيرين؟
فنقول: الظاهر من التعبير القرآني أن قوله: {رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا} {الكهف: 65} أخص من قوله: {رَحْمَةً مِنَّا}، ذلك أن قوله: {رَحْمَةً مِنَّا} فيه الرحمة عامة تشمل جميع الخلق مؤمنهم وكافرهم، فقد قال تعالى: {وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ (43) إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ}، وقال: {وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً} {فصلت: 50}.
أما قوله: {رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا} فهي رحمة خاصة بالمؤمن، ولم ترد في القرآن الكريم في غير المؤمنين.
قال تعالى على لسان سيدنا نوح: {قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآَتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ} {هود: 28}.
وقال في الخضر وهو الرجل الصالح الذي اتبعه موسى ليتعلم منه: {فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آَتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا} {الكهف: 65}.
وقال في سيدنا أيوب عليه السلام: {وَآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ} {الأنبياء: 84}.
ونظير هذا قوله: {نِعْمَةً مِنَّا} و{نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا}، فإن قوله:{نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا} فيه النعمة عامة تشمل المؤمن والكافر. قال تعالى: {فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} {الزمر: 49}.
وقال: {وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ} {الزمر: 8}.
فهذه النعمة عامة شملت عموم الناس وقد أصابت الكافر كما هو واضح في الآية الثانية.
أما قوله: {نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا}، فهي خاصة بالمؤمن، قال تعالى: {إِلَّا آَلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ (34) نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ} {القمر: 34 - 35}.
وهذا نظير قوله: {رَحْمَةً مِنَّا} و{رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا}
وقد تقول: ولكنه قد يرد في الموقف الواحد مرة (رحمة منا) ومرة (رحمة من عندنا) وذلك نحو قوله تعالى في سيدنا أيوب في سورة الأنبياء : {وَآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ} {الأنبياء: 84}.
وقوله فيه في سورة (ص): {وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ} {ص: 43}.
فما الفرق؟
فنقول: إن السياق الذي وردت فيه كل من الآيتين هو الذي يوضح سبب الاختلاف بين التعبيرين.
قال تعالى في سورة (ص): {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (41) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (42) وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (43) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} {ص: 41 - 44}.
وقال في سورة الأنبياء : {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ} {الأنبياء : ۸۳ - 84}.
ومن النظر في النصين يتضح الفرق:
١- فقد قال في سورة (ص) {أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ} فذكر مست الشيطان له. وقد اختلف المفسرون في تفسير هذا المس ، وفسره بعضهم بأنه وسوسة من الشيطان أطاعه فيها.
جاء في (الكشاف): "لما كانت وسوسته إليه وطاعته له فيما وسوس سبا فيما مسه الله به من النصب والعذاب نسبه إليه" (2).
أما في سورة الأنبياء فقال: {أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ}، فذكر في (ص)، ما هو خلاف الأولى فناسب ذكر {رَحْمَةً مِنَّا} في (ص) و{رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا} في الأنبياء.
۲- ذكر في سورة الأنبياء الله بصفة الرحمة فقال: {وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ}، ولم يذكر مثل ذلك في (ص).
٣- ذكر في الأنبياء أن الله استجاب له وكشف ما به من ضر تصريحًا، ولم يذكر مثل ذلك في (ص) بل فهم ذلك ضمنًا، فكان ما في الأنبياء أتم وأكمل مما ذكر في (ص).
فناسب كل تعبير موطنه.
ثم إن السياق في كل من السورتين يوضح ذلك أيضًا:
فقد ذكرت قصة أيوب عليه السلام بعد قصة داود وسليمان عليهما السلام في السورتين، وكان السياق في سورة (ص) فيما وقع لهما خلافًا للأولى، فقد ذكر فيها سيدنا داود وتسور المحراب عليه وفزعه من المتسورين، وذكر الحكم في مسألة النعاج التي ترمز إلى أمر ما الله أعلم به. وعلى أية حال فقد ظن داود أن الله قد فتنه فاستغفر ربه وخر راكعًا وأناب وغفر الله له ذلك.
وذكر سليمان وأنه أحب حب الخير عن ذكر ربه، وذكر أن الله قد فتنه وألقى على كرسيه جسدًا ثم أناب.
وذكر أيوب وأن الشيطان قد مسه بنصب وعذاب.
فالمقام والسياق في الابتلاءات والفتن التي تعرض لها الأنبياء المذكورون.
وليس في سورة الأنبياء مثل ذلك، وإنما ذكر التفضل والإنعام عليهم ورحمته بهم، فقد ذكر داود وسليمان وحكمهما في الحرث فقال: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آَتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا} {الأنبياء: 79} ، ولم يذكر أنه فتنهما، وإنما ذكر تفضله وإنعامه عليهما.
وذكر أيوب ولم يذكر أنه مسه الشيطان، وإنما قال: {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} {الأنبياء: 83}.
فناسب المقام والسياق ذكر الخصوصية بقوله: {رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا} في سورة الأنبياء دون سورة (ص)، والله أعلم.
ثم لننظر إلى الآيتين من ناحية أخرى.
فقد قال في (الأنبياء): {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ} {الأنبياء: 84}.
وقال في (ص): {وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ} {ص: 43}.
وإليك الفرق بينهما:
في الأنبياء
في (ص)
فاستجبنا له
- -
فكشفنا ما به من ضر
- -
آتيناه أهله
وهبنا له أهله
رحمة من عندنا
رحمة منا
وذكرى للعابدين
وذكرى لأولي الألباب
ونود أن نذكر ما يأتي تعقيبا على النصين:
1- إن قوله: (آتيناه) يشمل (وهبنا له) وزيادة، فإن الإيتاء يشمل الهبة وغيرها، فقد يستعمل الإيتاء في المال وغيره نحو قوله: {آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا}، وقوله: {وَآَتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً}، وقوله: {آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ} مما لا تصح الهبة في نحوه.
۲- إن قوله {رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا} يشمل {رَحْمَةً مِنَّا} وزيادة، إذ الرحمة في قوله: (منا) عامة يشترك فيها عموم الخلق مؤمنهم وكافرهم. أما قوله: {رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا} فهي رحمة خاصة تزيد على الرحمة العامة، فهي إذن تشمل قوله: {رَحْمَةً مِنَّا} مع زيادة في الرحمة.
۳- وقوله (للعابدين) يشمل (أولي الألباب) وزيادة في الوصف، فإن العابدين كلهم من أولي الألباب وليس أولو الألباب كلهم من العابدين، ذلك أنه لا تصح عبادة من غير عقل، وعلى هذا فإن العابدين يزيدون في الوصف على أولي الألباب، فإن العابدين هم:
أولو الألباب + عبادة.
فكان قوله: (للعابدين) يشمل أولي الألباب وزيادة.
4- وزاد على ذلك قوله: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ} {الأنبياء: 84}.
وبهذا يتضح أن آية الأنبياء تشمل آية (ص) وزيادة، فناسب كل تعبير مكانه.
هذا علاوة على أنه في سورة (ص) تكرر ذكر مشتقات الهبة، وفي (الأنبياء) تكرر ذكر الإيتاء.
فقد قال في (ص): {أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ} {الآية: 9}، وقال: {وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ} {الآية: 35}، وقال: {وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} {الآية: 35}، وقال: {وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ} {الآية: 43}.
وقال في (الأنبياء) : {وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ} {الآية: 48}، وقال: {وَلَقَدْ آَتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ} {الآية: 51}، وقال: {وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ} {الآية: 73}، وقال: {وَلُوطًا آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا} {الآية: 74} ، وقال: {وَكُلًّا آَتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا} {الآية: 79}، وقال: {وَآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ} {الآية: 84}.
فناسب لفظ (وهبنا) ما في (ص)، و( آتينا) ما في الأنبياء، من حيث السمة التعبيرية لكل من السورتين.
ثم من ناحية أخرى أن لفظ العبادة والعابدين ورد في سورة الأنبياء أكثر مما ورد في (ص)، بل لم يرد لفظ (العابدين) في (ص).
فقد ورد ذلك في الأنبياء عشر مرات، في حين ورد في (ص) خمس مرات.
قال تعالى في الأنبياء: {لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ} {الأنبياء: 19}، وقال: {لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} {الأنبياء: 25}، وقال: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ} {الأنبياء: 26}، وقال: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُون} {الأنبياء: 53}، وقال: {قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ} {الأنبياء: 66}، وقال: {أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} {الأنبياء: 67}، وقال: {وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ} {الأنبياء: 73}، وقال: {وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ} {الأنبياء: 84}، وقال: {وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} {الأنبياء: 92}، وقال: {إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ} {الأنبياء: 106}.
وقال في (ص): {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ} {ص: 17}، وقال: {وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} {ص: 30}، وقال: {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ} {ص: 41}، وقال: {نِعْمَ الْعَبْدُ} {ص: 44}، وقال: {وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ} {ص: 45}.
فناسب قوله: {وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ} ما في الأنبياء، وقوله: {وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ} ما في (ص).
ومما زاده حسنا أنه قال في (ص): {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} {ص: 29}، فناسب ذلك قوله: {وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ} {ص: 43}.
وأنه قال في (الأنبياء): {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ} {الأنبياء: 73}.
وقال: {إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ} {الأنبياء: 106}.
فناسب ذلك قوله: {وَآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ}.
هذا علاوة على أن سورة الأنبياء تكررت فيها مواقف العبادة وسياقاتها مما لم ير مثله في (ص)، وشرح ذلك يطول مما لا يناسب هذا المقام.
فناسب كل تعبير مكانه من كل وجه، والله أعلم.
(1) التفسير الكبير 26/82.
(2) الكشاف 3/16.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 198 إلى ص 211.
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (45)}
أي: إذا قيل لهم احذروا ما تقدم من موجبات العذاب وما يأتي فيما بعد أعرضوا.
وقيل في معنى قوله: {مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ} وجوه منها:
أن قوله: {مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ} يعني ما مضى من الذنوب، {وَمَا خَلْفَكُمْ} ما بقي منها (1).
أو ما تقدم من ذنوبكم وما تأخر.
وقيل: {مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ} الوقائع التي خلت من مثل الوقائع التي ابتليت بها الأمم المكذبة بأنبيائها.
{وَمَا خَلْفَكُمْ}: من أمر الساعة (2)، وعذاب الآخرة (3).
وقيل: {مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ} أي ما بين أيديكم من الآفات والنوازل فإنها محيطة بكم وما خلفكم منها.
وقيل: {مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ} ما ظهر لكم، {وَمَا خَلْفَكُمْ}: ما خفي عنكم (4).
وقيل: {مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ} من أنواع العذاب مثل الغرق والحرق وغيرهما المدلول عليه بقوله تعالى: {وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ}. {وَمَا خَلْفَكُمْ} من الموت الطالب لكم، إن نجوتم من هذه الأشياء فلا نجاة لكم معه، يدل عليه قوله تعالى: {وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ} (5).
وقيل: {مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ}: الآخرة فإنهم مستقبلون لها، {وَمَا خَلْفَكُمْ}: الدنيا فإنهم تاركون لها (6).
هذه أشهر الأقوال التي قيلت فيها. ويمكن تلخيصها بما يأتي:
{مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ}:
1- ما مضى من الذنوب وما تقدم منها.
۲ - الوقائع التي أوقعها الله بالأمم السالفة المكذبة.
3 - الآفات والنوازل المحيطة بكم وأنواع العذاب مثل الغرق والحرق.
4- ما ظهر لكم.
5- الاخرة
{وَمَا خَلْفَكُمْ}:
١- ما تأخر من الذنوب أو ما بقي منها.
۲- أمر الساعة وعذاب الآخرة.
٣- النوازل والآفات التي تنزل فيما بعد.
4- الموت الطالب لكم.
5- ما خفي عنكم.
6- الدنيا.
وأكثر الأقوال على أن {مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ} يعني ما تقدم من هذه الأمور {وَمَا خَلْفَكُمْ} يعني ما يأتي منها فيما بعد، غير أنه نسب إلى مجاهد القول بعكس ذلك، وهو أن {مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ} يعني الآخرة وعذابها، {وَمَا خَلْفَكُمْ} يعني الدنيا وما فيها.
وعلى أية حال فإن قوله: {مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ }يشمل ما ينبغي أن يتقي من أمور الدنيا والآخرة على قول مجاهد أو غيره، غير أن الاستعمال القرآني يؤيد ما ذهب إليه القائلون أن {مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ} يعني ما تقدم من الأمور المذكورة، أو ما هو واقع فعلا في حين الإخبار، {وَمَا خَلْفَكُمْ} يعني ما لم يأت بعد وهو المستقبل.
قال تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ} {المائدة: 48}، أي مصدقًا لما تقدمه من الكتاب.
وقال: {وَقَفَّيْنَا عَلَى آَثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآَتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ} {المائدة: 46}.
وقال: {نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ} {آل عمران: 3 - 4}.
أي ما تقدمه من الكتب.
فجعل (ما بين يديه) لما تقدم.
وقال: {فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ }{البقرة: 66}.
قيل: "أي لمعاصريهم ومن خلفهم... {وقيل} أيضًا: لما بحضرتها من القرى - أي أهلها - وما تباعد عنها" (7).
وقال: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} {آل عمران: 169 - 170}.
فاستعمل {مِنْ خَلْفِهِمْ} للذين يأتون بعدهم.
وقال: {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا} {النساء: 9}.
وقال: {فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} {الأنفال: 57}.
فاستعمل {مِنْ خَلْفِهِمْ} لمن يكون بعدهم، أي لمن يأتي في المستقبل.
ونحو هذا استعمال (من وراء) فقد يستعمل لما يكون بعد، أي في المستقبل.
قال تعالى: {وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي} {مريم: 5}، أي: بعد وفاتي
وقال تعالى في زوج إبراهيم عليه السلام: {وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ} {هود: 71}.
أي من بعد إسحاق يعقوب.
ومن هذا يترجح أنه يعني بقوله: {اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ} أي ما تقدم مما ينبغي أن يتقي، أو ما هم يفعلونه في الحال، ويعني بقوله: (ما خلفكم) ما ينبغي أن يتقي في المستقبل، وأعظم ما ينبغي أن يتقي في المستقبل هو الساعة وعذاب الآخرة. ويبدو أن هذا هو أظهر ما فهموه من النص ولذا قال: {وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} أي متي يقع ما تعدوننا به من أمر الساعة والآخرة؟.
ويتضح مما ذكرت أنه لا يعني بقوله: {مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ }أمرًا معينًا، وإنما هو عام في كل ما ينبغي أن يتقي، ما ذكر وما لم يذكر.
جاء في (روح المعاني): "وحاصل الأمر على ما قيل: اتقوا العذاب أو اتقوا ما يترتب العذاب عليه" (8).
وإن كان أظهر ما يدل عليه قوله: (وما خلفكم) الساعة وعذاب الآخرة كما ذكرت.
لقد قال: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ} فجاء بـ (إذا) ولم يأت بـ (إن) وذلك ليدل على أن هذا القول ليس أمرًا افتراضيًا بل هو أمر حاصل، فإنه قيل لهم هذا الأمر كثيرا، فإن (إذا) تستعمل في اللغة لما هو مقطوع بحصوله ولما يكثر حصوله، وذلك نحو قوله تعالى: {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} {التوبة: 5} فإن الأشهر الحرم لا بد أن تنسلخ.
وقوله: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ} {الجمعة: 10}، فإن الصلاة لا بد أن تنقضي.
فهذا من المقطوع بحصوله.
ومن الكثير حصوله قوله: {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} {النساء: 86}.
ولا تستعمل (إذا) لما هو أمر افتراضي محض لا يتحقق في الواقع. أما (إن) فقد تستعمل لعموم الافتراضات لما يقع ولما لا يقع، ولما لا يمكن أن يقع، وذلك نحو قوله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} {القصص: ۷۲}، وقوله: {قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ} {الزخرف: 81}.
فجاء بـ (إذا) في الآية ليدل على أن هذا القول قيل لهم كثيرًا.
ومعنى هذا أنه لم ينفع معهم النصح والتبليغ على كثرتهما وتطاولهما، إذ المفروض أن كثرة النصح والتبليغ تؤثر في النفوس، وهؤلاء لا يؤثر فيهم النصح وإن كثر.
ولا تفيد (إن) هذا المعنى.
ومن الملاحظ أنه لم يذكر جواب الشرط في الآية؛ ذلك لأنه معلوم مما بعده وهو قوله تعالى: {وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ} فكأنه قال: وإذا قيل لهم اتقوا أعرضوا (9)، فحذفه لدلالة ما بعده عليه.
وقد يكون الحذف إشارة إلى أمر آخر علاوة على ما ذكر، وهو أنهم إذا قيل لهم ذلك لم يجيبوا لأن الكلام لا يعجبهم ولا يروق لهم فيسكتون عن الجواب، كما يفعل أحدنا إذا سمع كلامًا لا يعجبه ولا يروق له فيسكت عنه ولا يجيب.
ومن الملاحظ أيضًا أن الآية بنيت على الإيجاز، يدل على ذلك أنه بنى القول للمجهول فلم يذكر القائل، وبنى فعل الرحمة للمجهول لأن الراحم معلوم، وحذف جواب الشرط لأنه مدلول عليه بما بعده كما ذكرنا.
واختار فعل الرحمة فقال: {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} لأنه لا ينجيهم من ذلك إلا رحمة الله، كما قال تعالى: {قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ} {هود: 43}، ولمناسبة ما قبله وهو قوله تعالى: {وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ (43) إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ} فذكر أنهم لا ينجيهم من المكروه والمحذور إلا رحمة الله.
وقوله: (اتقوا) يعني: احذروا واحفظوا أنفسكم منه، ذلك أن الذي يتقى هو مخوف ومحذور، فلا تقول لأحد ما: (اتق هذا) إلا إذا كان الشيء مخوفا ومحذورا، عليه أن يحذره ويحفظ نفسه منه، ولا يقيه من هذا المحذور إلا الاتقاء ورحمة الله.
ومعنى الاتقاء هو اتخاذ الأسباب لدفع المحذور.
لقد ذكر أمرين للنجاة من المحذور:
أحدهما: يتعلق بالإنسان، وهو ما يتخذه من الأسباب لدفع ذلك المحذور وحفظ نفسه منه وهو الاتقاء.
والآخر: متعلق بمشيئة الله تعالى ورحمته. والتقوى مدعاة لرحمة الله تعالى.
فاتخاذ الأسباب مرجو أن يدفع الله بها المحذور ولا تدفع المحذور وحدها، إذ من المحتمل أن يقع المحذور مع اتخاذ الأسباب. فالسبيل الدفع المحذور هو اتخاذ الأسباب ورجاء رحمة الله. ولذا قال: {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} فجاء بـ (لعل) الدالة على الرجاء، ولم يقل: (لترحموا) لأن الانتقاء مرجو معه رحمة الله ولا يدفع المحذور وحده.
ولو قال: (اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم لترحموا) لجعل الدفع حاصلاً بالأسباب وحدها، فلذا جيء بـ (لعل) التي تفيد الترجي لكيلا يتكل الإنسان على الأسباب وينسى ربه فتكون معبودة له.
وقال: {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} ولم يقل: (عسى أن ترحموا)، ذلك أن قوله: {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} يفيد الحال والاستقبال، فإن الفعل المضارع المجرد من حرف الاستقبال يحتمل الحال والاستقبال.
أما القول: (عسى أن ترحموا) فإنه يفيد الاستقبال ولا يفيد الحال؛ لأن (أن) تصرف الفعل إلى المستقبل، فتكون الرحمة في المستقبل ولا تكون في الحال. في حين أن الرحمة تراد في الحال والاستقبال وفي كل الأزمان، فكان ما قاله أولى.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أن قوله: {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} ذكر فيه ضمير الخطاب مرتين وهما: الضمير (كم) في (لعلكم)، والواو في (ترحمون). في حين أن قولنا: (عسى أن ترحموا) ذكر فيه ضمير الخطاب مرة واحدة فكان الإسناد في قوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} أقوى وأكد أن الإسناد تكرر، فقد أسند إليهم وقوع الرحمة بهم مرتين.
ومن ناحية ثالثة أن قوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} جملة اسمية، وقولنا (عسى أن ترحموا) جملة فعلية، والجملة الاسمية أقوى من الفعلية كما هو معلوم، فكان الرجاء في قوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} أقوى.
ثم إنه المناسب لقوله تعالى: {اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ} فقد أمرهم باتقاء ما تقدم وما هو حاضر وما هو آت، فكان الأمر عامًا شاملاً للأزمنة كلها، فكان المناسب أن تكون الرحمة عامة تشمل الأزمنة كلها، حاضرها ومستقبلها، فجاء بالفعل المضارع مجردًا من (أن) ليشمل ذلك كله. ولو قال: (عسى أن ترحموا) لكان خاصًا بالمستقبل، فناسب العام العام، فارتبطت الآية بما قبلها وما بعدها وهو قوله: {وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ}.
وقد تقول: ولكن ورد ترجي الرحمة بعسى وذلك في قوله تعالى: {عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا} {الإسراء: 8}، فما الفرق؟
فنقول: إن كل تعبير أنسب في مكانه، ذلك أن قوله: {عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ} خاص بأمر مستقبل، ذلك أن الخطاب فيه موجه إلى بني إسرائيل وقد قال ذلك بعد ما ذكر أنهم يفسدون في الأرض مرتين وأنهم يعلون علوًّا كبيرًا. ثم ذكر أنهم سيلحقهم الدمار بعد المرة الثانية. وقال بعد ذلك: {عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا} فهذا الرجاء بعد المرة الثانية (10) وهو مستقبل، فناسب ذلك (عسى).
فاختلف الأمران.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أن الاتقاء في آية (يس) أعم وأشمل، وذلك أنهم أمروا باتقاء ما بين أيديهم وما خلفهم، وذلك اتقاء شامل لما تقدم وما تأخر، وليس الأمر كذلك فيما ذكر عن بني إسرائيل فإنه خاص بما بعد المرة الثانية، فكان الترجي في آية (يس) أعم
وأشمل، فناسب كل تعبير مكانه، والله أعلم.
إن هذه الآية مرتبطة بكثير من آيات وأحداث في السورة.
فهي مرتبطة بقصة أصحاب القرية الذين لم يتقوا ما بين أيديهم وما خلفهم، فأهلكهم الله بما قدمت أيديهم. وقصة الرجل الذي اتقى ما بين يديه وما خلفه فأدخله الله الجنة.
ومرتبطة بقوله: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ} فقد ذكر ما قدمت أيديهم وهو قوله: {وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ}، وذكر (ما خلفهم) وهو قوله: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى}.
ومرتبطة بقوله: {وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا}
فكيف يتقي ما بين يديه من كان من بين يديه سد؟ وكيف يتقي ما خلفه من كان من خلفه سد؟ كيف يتقون ما بين أيديهم وما خلفهم وقد جعل سد من بين أيديهم وسد من خلفهم، وهم علاوة على ذلك لا يبصرون؟
وهي مرتبطة بقوله: {وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ} فهذا ما خلفهم.
ومرتبطة بقوله: {مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً} وما بعدها.
ومرتبطة بقوله: {هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ....} وهذا كله ما لم يتقوه مما خلفهم.
و مرتبطة بقوله في آخر السورة: {فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}
(1) فتح القدير 4/361.
(2) الكشاف 2/589، روح المعاني 23/28 – 29.
(3) البحر المحيط 7/340.
(4) فتح القدير 4/361.
(5) التفسير الكبير 26/83.
(6) التفسير الكبير 26/83، البحر المحيط 7/340.
(7) روح المعاني 1/284.
(8) روح المعاني: 23/29.
(9) ينظر الكشاف 2/589، التفسير الكبير 26/82، البحر المحيط 7/340.
(10) ينظر الكشاف 2/225، روح المعاني 15/21.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 211 إلى ص 220.
{وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (46)}
والمعنى: أنه ما تأتيهم آية من آيات ربهم سواء كانت آية ينزل بها الوحي أم آية من آيات الله في الكون إلا كان شأنهم الإعراض عنها وعدم النظر فيها وتدبرها. فالإعراض عام يشمل الآيات التي ينزل بها الوحي والآيات الكونية في الأرض والسماء.
وهي في دلالتها على الآيات التي ينزل بها الوحي أظهر، فإن إعراضهم عنها أشد، وقوله: (تأتيهم) يقوي هذا المعنى، فإن هذا الفعل يستعمل بكثرة مع آيات الله المنزلة ومع الآيات التي تدل على صدق ما جاء به رسل الله والبراهين التي تؤيدهم، وهي المعجزات التي يؤتيها الله رسله لتكون آية على صدقهم.
وعلى كل فالتعبير يعم الآيات كلها ويدل على إعراضهم عنها جميعا.
إن هذه الآية مرتبطة بقوله تعالى: {يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} فهم يشبهون من قبلهم في الإعراض عما جاءت به الرسل. ومرتبطة بما ذكر من الآيات الكونية وهو قوله: { وَآَيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ …. وَآَيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ ... وَآَيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ }.
فهم معرضون عن الآيات كلها.
جاء في (روح المعاني): "والمراد بها إما هذه الآيات الناطقة بما فصل من بدائع صنع الله تعالى وسوابغ آلائه تعالى الموجبة للإقبال عليها والإيمان.
وإيتاؤها نزول الوحي بها، أي ما نزل الوحي بأية من الآيات الناطقة بذلك إلا كانوا عنها معرضين على وجه التكذيب والاستهزاء.
وإما ما يعمها والآيات التكوينية الشاملة للمعجزات وتعاجيب المصنوعات التي من جملتها الآيات الثلاث المعدودة آنفًا.
وإيتاؤها: ظهورها لهم، أي ما ظهرت لهم آية من الآيات التي من جملتها ما ذكر من شؤونه تعالى الشاهدة بوحدانيته سبحانه وتفرده تعالى بالألوهية، إلا كانوا عنها معرضين تاركين للنظر الصحيح فيها المؤدي إلى الإيمان به عز وجل" (۱).
وجاء في (التفسير الكبير): "وهذا متعلق بما تقدم من قوله تعالى: {يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ}.
{وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ} يعني إذا جاءتهم الرسل كذبوهم، فإذا أتوا بالآيات أعرضوا عنها وما التفتوا إليها" (۲).
وجاء في (فتح القدير): "والمعنى: ما تأتيهم من آية دالة على محمد وعلى صحة ما دعا إليه من التوحيد في حال من الأحوال إلا كانوا عنها معرضين.
وظاهره يشمل الآيات التنزيلية والآيات التكوينية...
والمراد بالإعراض عدم الالتفات إليها وترك النظر الصحيح فيها. وهذه الآية متعلقة بقوله: {يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} أي إذا جاءتهم الرسل كذبوا، وإذا أتوا بالآيات أعرضوا عنها" (3).
ومن الملاحظ في بناء هذه الآية:
1- أنه نفى بـ (ما) ولم ينف بـ (لا)، ذلك لأنه يريد أن يبين حالتهم التي هم عليها، وذلك يكون بـ (ما)، لأن (ما) تفيد الحال إذا دخلت على المضارع. أما (لا) فعند الجمهور أنها تخلص الفعل للاستقبال. والحق كما حققناه في كتابنا (معاني النحو) أنها تفيد الإطلاق، وكثيرا ما يؤتى بها للاستقبال.
وهو لا يريد أن يبين حالتهم في المستقبل بل يريد ما هم عليه، فنفى لذلك بـ (ما).
۲- جاء بالفعل المضارع فقال: (ما تأتيهم) لأنه يريد أن يبين أن هذا شأنهم وديدنهم وليدل على الاستمرار. ولم يقل: (ما أتتهم) بصيغة الماضي؛ لأنه لا يريد أن يبين حالة ماضية، فإن الماضي يفيد الانقطاع الا الاستمرار.
جاء في (روح المعاني): "و(ما) نافية، وصيغة المضارع للدلالة على الاستمرار التجددي" (4).
٣- قال: (من آية) فجاء بـ (من) الدالة على الاستغراق، وذلك ليشمل الإعراض عن جميع الآيات. ولو قال: (ما تأتيهم آية) لأحتمل نفي العموم ولأحتمل نفي الوحدة، أي ما تأتيهم آية واحدة إلا كانوا عنها معرضين.
4- أضاف الآيات إلى الرب المضاف إليهم ليبين أن إعراضهم هذا أسوأ إعراض، فإن الآيات آيات ربهم المتفضل عليهم بالنعم فكيف يعرضون عنها؟.
إذ المفروض أن يشكروا ربهم ويطيعوه لا أن يعرضوا عن آياته، فزادت هذه الإضافة إعراضهم سوءًا.
جاء في (روح المعاني): "وإضافة الآيات إلى اسم الرب المضاف إلى ضميرهم لتفخيم شأنها المستتبع لتهويل ما اجترأوا عليه في حقها" (5).
5- قال: {إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ} ولم يقل: (إلا أعرضوا عنها) فجاء باسم الفاعل (معرضين) ليدل على أن هذا وصفهم الثابت، وأن هذا شأنهم ودأبهم. ولم يقل: (إلا أعرضوا) بالفعل الماضي فيكون الإعراض حادثًا.
وجاء بـ (كان) ليدل على أن الإعراض حاصل أصلاً وهو ثابت فيهم ولم يحدث بعد مجيء الآية، فإن الآية إذا جاءت وجدتهم معرضين عنها.
جاء في (روح المعاني): "وفي الكلام إشارة إلى استمرارهم على الإعراض حسب استمرار إتيان الآيات" (6).
6- قدم الجار والمجرور (عنها) على اسم الفاعل فقال: {إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ} ولم يقل: (إلا كانوا معرضين عنها)، ليدل على أن الإعراض خاص بآيات ربهم، فهم لا يطيقون سماع آيات ربهم ولا مواجهة أية من آياته، وهم يسمعون ما عداها من الكلام والحديث ولا يعرضون عنه، فكان التقديم للقصر، إضافة إلى أن الفاصلة تقتضي هذا التقديم، فكان التقديم لأمرين: القصر وفاصلة الآي.
جاء في (روح المعاني): "و(عن) متعلقة بـ (معرضين) قدمت عليه للحصر الادعائي مبالغة في تقبيح حالهم، وقيل: للحصر الإضافي، أي معرضين عنها لا عما هم عليه من الكفر، وقيل: لرعاية الفواصل" (7).
۷- قال: {وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ} فبنى التعبير على الاستثناء المفرغ، ولم يقل: (إن تأتهم آية من آيات ربهم كانوا عنها معرضين)، ذلك لأن التعبير القرآني هذا يفيد الدوام، وأن ذلك يحصل كلما جاءتهم آية من آيات ربهم. ولا يفيد تعبير الشرط ذلك نصًّا، فإنك إذا قلت: (إن يأتني محمد أكرمته أفاد ذلك أنه إن جاءك أكرمته ولا يفيد أنك تكرمه كلما جاءك، فإنك إن أكرمته مرة واحدة كان كلامك صادقًا. أما قولك: (ما يأتيني إلا أكرمته) فإنه يفيد أنه كلما جاءك أكرمته.
هذا علاوة على أن التعبير بالاستثناء المفرغ يصح معه زيادة (من) الاستغراقية إذا وقعت قبل (إلا)، وذلك لوجود النفي أو شبهه ولا يصح ذلك في التعبير الشرطي، فلا تقول: (إن تأتهم من آية من آيات ربهم كانوا عنها معرضين).
(1) روح المعاني 23/29.
(2) التفسير الكبير 26/83.
(3) فتح القدير 4/361 – 362.
(4) روح المعاني 23/29.
(5) روح المعاني 23/29.
(6) روح المعاني 23/29.
(7) روح المعاني 23/29.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 220 إلى ص 225.
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (47)}
أي إذا طلب منهم الإنفاق مما رزقهم الله امتنعوا واحتجوا بأن الله هو الذي أفقرهم، ولو شاء أن يغنيهم لأغناهم، فكيف يجيعهم ربهم ونحن تطعمهم؟ إن طلبكم هذا مخالف لمشيئة الله، وهو ضلال ظاهر.
والظاهر أن المقصود بقوله: {أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ} إطعام المحتاجين، بدليل قولهم: {أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ}، إلا أنه أخرجه مخرج العموم في الطلب والخصوص في الجواب، ذلك أن قوله: {أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ} يدخل فيه الإطعام وغيره من أفعال الخير فكان الطلب عامًا.
غير أنهم امتنعوا عن أي شيء من الإنفاق حتى إطعام المحتاج، وهو ما تدعو إليه المروءة، فدل امتناعهم عن هذا امتناعهم عما هو أكبر وأعظم، وفي هذا مبالغة في الامتناع عن الإنفاق.
جاء في (التفسير الكبير): "ما الفائدة في تغيير اللفظ في جوابهم حيث لم يقولوا: أننفق على من لو يشاء الله رزقه، وذلك لأنهم أمروا بالإنفاق في قوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا} فكان جوابهم أن يقولوا: أنفق، فلم قالوا: أنطعم؟
نقول: فيه بيان غاية مخالفتهم ذلك؛ لأنهم إذا أمروا بالإنفاق - والإنفاق يدخل فيه الإطعام وغيره - لم يأتوا بالإنفاق، ولا بأقل منه - وهو الإطعام - وقالوا: لا نطعم. وهذا كما يقول القائل لغيره: أعط زيدًا دينارًا، يقول: (لا أعطيه درهمًا) مع أن المطابق هو أن يقول: لا أعطيه دينارًا، ولكن المبالغة في هذا الوجه أتم، فكذلك ههنا" (1).
وجاء في (البحر المحيط): "أمروا بالإنفاق مما رزقهم الله، وهو عام في الإطعام وغيره، فأجابوا بغاية المخالفة؛ لأن نفي إطعامهم يقتضي نفي الإنفاق العام، فكأنهم قالوا: لا ننفق ولا أقل الأشياء التي كانوا يسمحون بها ويؤثرون بها على أنفسهم وهو الإطعام الذي به يفتخرون. وهذا على سبيل المبالغة، كمن يقول لشخص: أعط لزيد دينارًا، فيقول: لا أعطيه درهمًا. فهذا أبلغ من: لا أعطيه دينارًا" (۲).
والملاحظ من الآيتين أنهم أمروا بالاتقاء وذلك قوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} وهو أمر عام يتعلق بالعبادة الفردية والحياة الشخصية ويتعلق بالآخرين، فإن وجوه الاتقاء متسعة.
وأمروا بالإنفاق في وجوه الخير وذلك قوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا ....} وهو أمر يتعلق بالآخرين. ومنه إطعام المحتاجين الذي هو ضرورة من ضرورات الحياة. وهذا يدلنا على أن أوامر الله قسمان:
قسم يتعلق بالقيام بحقوق الله، وهو يدخل في التقوى.
وقسم يتعلق بحقوق العباد ومنه الإنفاق، وقد امتنعوا عنهما جميعًا.
جاء في (روح المعاني): "والكلام على ما قيل لذمهم على ترك الشفقة على خلق الله تعالى إثر ذمهم على ترك تعظيمه عز وجل بترك التقوى، وفي ذلك إشارة إلى أنهم أخلوا بجميع التكاليف ؛ لأنها كلها ترجع إلى أمرين: التعظيم لله تعالى، والشفقة على خلقه سبحانه" (3).
والملاحظ من الآية:
1- أنها بدأت بأداة الشرط (إذا) فقال: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا ...} إشارة إلى أن هذا القول قد قيل لهم فعلاً، بل إنه لقد قيل لهم كثيرًا لما سبق أن ذكرنا في دلالة (إذا) في قوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا ....}
۲- وقد بنى الفعل (قيل) للمجهول في الآيتين فقال: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا} {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا} لأكثر من سبب:
من ذلك أن القائل معلوم وهم المؤمنون.
ومن ناحية أخرى أنه لا يتعلق غرض بذكر القائل، فإنه لا يتغير الحكم بتغير القائل، فإن المقصود هو المقول وليس القائل.
ومن ذلك الإشارة إلى ضرورة النظر في المقول لا في القائل، فالقول الحق ينبغي الأخذ به أيًّا كان قائله. فهو توجيه إلى الأخذ بالقول الحق دون النظر إلى قائله، وهو بمعنى: (خذ الحكمة ولا تضرك من أي وعاء خرجت).
ثم إنه لو ذكر القائل لظن أن هذا الموقف من الكفرة بسبب القائل، ولو كان القائل شخصًا آخر لتغير الموقف، فإن الناس كثيرًا ما يرفضون القول من قائل ويقبلونه من قائل آخر. فلو ذكر القائل لظن أن رفضهم بسبب القائل. فبين أن موقفهم هذا إنما هو من المقول لا من القائل.
٣- وقد جاء بـ (من) التبعيضية للدلالة على أنه طلب منهم إنفاق شيء مما أنعم الله به عليهم ليسهل ذلك عليهم.
4 - أسند الرزق إلى الله، أي إن الله هو الذي رزقكم وتفضل عليكم، فأنفقوا شيئا مما أعطاكم وتفضل عليكم؛ "أي أعطاكم سبحانه بطريق التفضل والإنعام من أنواع الأموال، وعبر بذلك تحقيقًا للحق وترغيبا في الإنفاق، على منهاج قوله تعالى: {وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ}، وتنبيهًا على عظم جنايتهم في ترك الامتثال بالأمر، وكذلك الإتيان بمن التبعيضية" (4).
5 - بين القائل والمقول له في الآية بعد البناء للمجهول فقال: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ}.
فبين قوله: {قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا} أن القائل (أنفقوا) هم المؤمنون، وأن الذين قيل لهم هم الكفار، ولذا ذكر أن الذين كفروا ردوا على المؤمنين قولهم.
ومن هذا يتضح أن الآية بنيت على الإيضاح بعد الإبهام.
فقد قال: (قيل) فبنى الفعل للمجهول، ثم بين القائل بقوله: {قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا}.
وقال: (لهم) فذكر الضمير ثم أوضح الضمير بأنه يعود على الذين كفروا و{قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا}
ثم قال: {أَنْفِقُوا} وهو عام، ثم بين المقصود بالإنفاق ههنا وهو إطعام المحتاجين.
6-لم يبين القائل في الآية الأولى وهي قوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}، وقد بينه في هذه الآية ؛ ذلك لأن القائل في الآية الأولى معلوم وهو لا يحتاج إلى إيضاح، فإنه معلوم أنه لا يقول هذا القول إلا مؤمن ولا يصدر عن كافر، وذلك لأن الكفار لا يؤمنون بالآخرة، ولذا ذكر بعد ذلك قولهم: {وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}.
أما الآية الثانية وهي قوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ} فيحتاج القائل إلى تبيين ذلك ؛ لأن هذا القول قد يصدر عن شخص غير مسلم يقوله مروءة، ذلك أن الله حكى عن كفار قريش أنهم يؤمنون بأن الله هو الذي يرزق الخلق، قال تعالى: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ} {يونس: 31}.
فبين أن الذي قال هذا القول ودعا إلى الإنفاق هم المؤمنون.
فكان كل تعبير أنسب في مكانه. هذا علاوة على أنه ذكرنا أن الآية الأولى بنيت على الإيجاز، وهذه بنيت على البيان بعد الإبهام.
واستبان من ذلك أن الذي يدعو إلى الخير والمكرمة إنما هو المؤمن، وأن المشفق على خلق الله الطالب لإعانتهم وإغاثتهم إنما هو المؤمن، فالمؤمن منبع كل خير ويمن وبركة.
۷- لم يبين وجوه الإنفاق في الآية بل أطلقها فقال: {أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ} ذلك ليشمل وجوه الخير كلها، وليشمل عموم خلق الله مؤمنهم وكافرهم، فهو لم يقل: (أنفقوا على المؤمنين) بل أطلق ذلك ليشمل الجميع فتتسع دائرة الخير.
8- لما أسند الرزق إلى الله بقوله: {مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ} أسندوا الإطعام إليه فقالوا: {أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ}. فإنه لما قال لهم المؤمنون {أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ} أجابوا {أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ} فكأنهم قالوا: الله الذي رزقنا هو الذي حرمهم.
9- لم يذكر اللام في جواب (لو) فلم يقل: (لو يشاء الله لأطعمه) ذلك أن الإطعام سهل ميسور فلا يحتاج إلى توكيد. والملاحظ في القرآن الكريم أن المنزوع اللام من جواب (لو) أقل توكيدًا مما ذكرت فيه اللام.
فيؤتى باللام فيما هو آكد، فما كان أصعب في ميزان البشر يؤتي معه باللام، وما كان أيسر تنزع منه اللام، مع أنه من المعلوم أن ليس شيء أصعب على الله من شيء.
قال تعالى: {فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} {الأنعام: 149} فجاء باللام لأن الهداية صعبة. وقال: {لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ} {الأعراف: 155}. فلم يذكر اللام لأن الإهلاك مقدور عليه وليس كالهداية. وقال: {وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ} وهذا صعب عسير فجاء باللام. غير أنه قال: {أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ}، فلم يذكر اللام لأنه مقدور عليه من كثير من الناس وليبينوا أن ذلك من الأمور اليسيرة على الله، فلو شاء ذلك فعل، ولكن الله لم يشأ ذلك فكيف نطعمهم نحن؟
(1) التفسير الكبير 26/84 – 85.
(2) البحر المحيط 7/340، وانظر روح المعاني 23/30.
(3) روح المعاني 23/29.
(4) روح المعاني 23/29.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 225 إلى ص 230.
* * *
{إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ}
أي ما أنتم إلا في ضلال ظاهر غير خاف على أحد، و(مبين) معناه مظهر لنفسه لا يحتاج أن يظهره أحد.
فإن الضلال على قسمين:
ضلال خفي لا يعلمه إلا ذوو البصيرة والعلم، وهذا يحتاج إلى إيضاح وتبيين.
وضلال مبين، أي مبين عن نفسه لا يحتاج إلى أن يظهره أحد أو يبينه شخص فإنه يبين نفسه بنفسه، وهو أظهر من كل إظهار وأبين من كل تبيين، فجعلوا أمرهم بالإنفاق من الضلال المبين الظاهر الذي يظهر نفسه.
وقد أخرج الكلام على جهة القصر، أي لستم إلا في الضلال، ولستم في شيء آخر. وهذا يختلف عن القول (أنتم في ضلال مبين) فإن ذلك - أي القصر - أكد، فإنه يفيد أنهم ليسوا في غير الضلال.
جاء في (التفسير الكبير): "قد ذكرنا أن قوله: (إن أنتم إلا) يفيد ما لا يفيد قوله: (أنتم في ضلال)؛ لأنه قد يوجب الحصر، وأنه ليسوا في غير الضلال.
البحث الثالث: وصف الضلال بالمبين، قد ذكرنا معناه أنه لظهوره يبين نفسه أنه ضلال، أي في ضلال لا يخفى على أحد أنه ضلال" (1).
ثم نفى بـ (إن) ولم ينف بـ (ما) لأن (إن) أكد في النفي من (ما) (۲).
وقال: (في ضلال) فاستعمل (في) وهو حرف يفيد الظرفية، أي: ما أنتم إلا مغمورون في الضلال ساقطون فيه كمن يسقط في اللجة.
وقد لاحظ المفسرون أن القرآن يستعمل (على) في الهداية، ويستعمل (في) في الضلال ونحوه، فيقول: {أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} {البقرة: 5}.
ويقول: {إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي} {هود: 28}، فاستعمل (على) في هذا المعنى للدلالة على تمكنهم من الهداية واستعلائهم على الطريق.
في حين قال: {فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ} {المؤمنون: 54}، {وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} {الأنعام: 110}، {فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ} {التوبة: 45}، أي كأنهم ساقطون في ذلك لا يتبينون ما حولهم ولا هم متمكنون من أنفسهم، ولذا قال تعالى: {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} {سبأ: ۲4}، فاستعمل (على) مع الهدى و(في) مع الضلال.
جاء في (التفسير الكبير): "إن قوله: (في ضلال) يفيد كونهم مغمورين فيه غائصين. وقوله في مواضع: (على بينة)، و(على هدى) إشارة إلى كونهم راكبين متن الطريق المستقيم قادرين عليه" (3).
(1) التفسير الكبير 26/85.
(2) ينظر معاني النحو 4/235 وما بعدها.
(3) التفسير الكبير 26/85.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 230 إلى ص 232.
{وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (48)}
أي متي يوم القيامة الذي توعدوننا به وتحذروننا منه إن كنتم صادقين في قولكم؟
والوعد المذكور هنا هو ما أشارت إليه الآية: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ}.
جاء في (التفسير الكبير): "ليس في هذا الموضع وعد، فالإشارة بقوله: (هذا الوعد) إلى أي وعد؟.
نقول: هو ما في قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ} من قيام الساعة، أو نقول: هو معلوم وإن لم يكن مذكورًا لكون الأنبياء مقيمين على تذكيرهم بالساعة والحساب والثواب والعقاب" (1).
وجاء في (البحر المحيط): "أي متي يوم القيامة الذي أنتم توعدوننا به؟ أو متى هذا العذاب الذي تهددوننا به؟ وهو على سبيل الاستهزاء، فهم لما أمروا بالتقوى ولا يتقي إلا مما يخاف منه، وهم غير مؤمنين، سألوا: متى يقع هذا الذي تخوفونا به استهزاء" (2).
وقال: (ويقولون) بالمضارع ولم يقل: (وقالوا) للدلالة على استمرارهم على هذا القول ولم يقولوا ذلك مرة واحدة.
ولم يقل (ويقول الذين كفروا للذين آمنوا متى هذا الوعد...) كما قال في الآية السابقة: {قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ}، ذلك لأنه معلوم أنه لا يقول هذا القول إلا كافر وهو موجه إلى الذين آمنوا؛ لأن المؤمنين يؤمنون باليوم الآخر ولا يؤمن به الذين كفروا.
(1) التفسير الكبير 26/86.
(2) البحر المحيط 7/340.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 232 إلى ص 233.
{مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (49)}
معنى النظر ههنا وقوع الشيء من غير ترقب له، فلا يرونه إلا واقعًا، وقد فسره المفسرون بالانتظار، ولما كان الكفار غير منتظرين للصيحة بل ينكرونها فروها بالانتظار الفعلي.
جاء في (التفسير الكبير): "{مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً} أي لا ينتظرون إلا الصيحة المعلومة... فإن قيل: هم ما كانوا ينتظرون الصيحة بل كانوا يجزمون بعدمها، فنقول: الانتظار فعلي لأنهم كانوا يفعلون ما يستحق به فاعله البوار وتعجيل العذاب وتقريب الساعة لولا حكم الله وقدرته وعلمه" (1).
وجاء في (البحر المحيط): "ما ينظرون أي ما ينتظرون، ولما كانت هذه الصيحة لابد من وقوعها جعلوا كأنهم منتظروها" (2).
والحق أن ثمة فرقًا بين (ينظرون) و(ينتظرون).
فمعنى (ينظرون) يرون الأمر واقعًا بغتة من غير ترقب له أو توقع. أما الانتظار فهو ترقب وقوع الأمر.
وأكثر الاستعمال القرآني على هذا، فهو يستعمل (النظر) لما يفاجئ من الأحداث، والانتظار لما فيه ترقب وتوقع.
قال تعالى: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} {الزخرف: 66}.
فذكر أنها تأتيهم بغتة أي من غير ترقب.
وقال: {فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ} {محمد: 18}.
وهي مثل ما قبلها.
وقال: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} {الأعراف: 53}.
والكلام واضح أنه في اليوم الآخر، وهو يأتيهم من غير ترقب له أو انتظار؛ لأنهم كافرون به كما يدل على ذلك الكلام.
في حين قال: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ} {الأحزاب: 23}.
أي منهم من ينتظر ذلك ويترقبه.
وقال: {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ} {السجدة: 30}.
فأمره بالانتظار وهو الترقب.
وقال هود لقومه: {قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ} {الأعراف: 71}.
فهو قد توعدهم وتهددهم وأمرهم بانتظار ذلك وترقبه.
ثم إن بناء كل من الفعلين يقوي ما ذكرناه، فإن بناء (انتظر) أطول من (نظر)، وذلك يدل على زيادة الانتظار وطوله، إذ كثيرًا ما يناسب اللفظ المعني.
ومعنى الآية - أي آية يس - أنهم لا ينظرون إلا صيحة واحدة تبغتهم وهم يختصمون في حياتهم ومعاشهم، والمقصود بالصيحة هذه صيحة القيامة.
واختار (ينظرون) على (ينتظرون) لأن في ذلك فزعًا أكبر؛ فإن الذي تفجؤه الصيحة يرجف فؤاده ويفزع أكثر ممن ينتظرها؛ "لأن الصيحة المعتادة إذا وردت على غافل يرجف، فإن المقبل على مهم إذا صاح به صائح يرجف فؤاده، بخلاف المنتظر للصيحة. فإذا كان حال الصيحة ما ذكرناه من الشدة والقوة وترد على الغافل الذي هو مع خصمه مشغول يكون الارتجاف أتم والإيجاف أعظم" (3).
وذكر الصيحة ههنا كما ذكرها في أصحاب القرية، فإن كلا من الصنفين لم يتق ما بين يديه وما خلفه، فلم يرحمه ربه وأخذته الصيحة.
غير أن هناك فرقًا بين البناء في الآيتين:
فقد قال في أصحاب القرية: {إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً} بالفعل الماضي لأن الصيحة قد وقعت.
وقال ههنا: {مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً} بالفعل المضارع لأنها لم تقع.
وقال في أصحاب القرية: {فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ}.
وقال ههنا: {فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ} وذلك أنه لما قال: إن الصيحة تأخذهم، أي كأنها تأخذهم من أهلهم قال: {وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ} لأن الصيحة أخذتهم بعيدًا عن أهلهم. ولم يقل مثل ذلك مع قوله: {فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ} لأنها أخمدتهم جميعًا هم وأهلهم.
وناسب ذلك أيضًا قوله: {وَهُمْ يَخِصِّمُونَ} أي يختصمون في أمور الدنيا، ومعنى ذلك أنهم ليسوا بين أهلهم ولا في مساكنهم، فناسب أن يقول: {فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ}.
ومعنى (يخصمون): (يختصمون) غير أنه أبدل من التاء صادًا وضعفها وكسر الخاء لالتقاء الساكنين فصار يخصمون. وسبب هذا الإبدال والتضعيف - والله أعلم - أن التضعيف يدل على المبالغة، فأبدل وضعف للدلالة على المبالغة في الاختصام.
أي أن الساعة تأخذهم وهم منهمكون في الاختصام مبالغون في أمور الدنيا لا يشغلهم عن ذلك شاغل، فتأخذهم الصيحة فلا يستطيعون توصية ولا ينطقون بشيء.
جاء في (بلاغة الكلمة في التعبير القرآني): "وأصل (يخصمون) يختصمون، فأبدلت التاء صادًا، وأدغمت في الصاد فصار (يخصمون)، والتضعيف يفيد القوة والتكثير والمبالغة. فأفاد ههنا المبالغة في الاختصام.
والمعنى أن الساعة تأخذهم وهم منهمكون في معاملاتهم منشغلون في خصومات الدنيا على أكثر ما يكون وأشد ما يكون غير منشغلين بشيء آخر عن الدنيا، فالساعة لا تقوم على رجل يقول: لا إله إلا الله.
وفي الحديث: (شرار الخلق الذين تدركهم الساعة وهم أحياء)، فتصيح الساعة صيحة تقطع الاختصام، فلا يكون نبس ولا حركة ولا خصومة ولا كلام، بل صمت مطبق وسكون مطلق، {فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ} فعبر عن ذلك بقوله: (يخصمون).
ولا يدل الأصل (يختصمون) على هذه المبالغة والقوة...
في حين قال: {ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ} {الزمر: 31} من غير إبدال، ذلك أن الاختصام أمام رب العالمين لا يكون مثل الاختصام في الدنيا. فالاختصام في الدنيا عام يشمل المخاصمات التي تستدعي القضاء والفصل بين المتخاصمين، كما يشمل غيرها مما لا يستدعي قضاء ولا فصلاً.
أما الاختصام عند الرب فهو مما يستدعي القضاء والفصل، فبالغ في البناء فيما استعمله في الدنيا، بخلاف ما استعمله في الآخرة، والله أعلم" (4).
واختيار الصيحة هو المناسب في هذا المقام، إذ هي التي تقطع الاختصام والقيل والقال، فبينما هم يختصمون في معاملاتهم وهم في صخب الدنيا، إذ تأتيهم الصيحة فتقطع ذلك كله، كما يكون في مكان ما ضجيج وصخب فتقطع ذلك بصيحة واحدة فإذا هو صمت مطبق وسكون رهيب.
وذكر أن الصيحة واحدة؛ ذلك لأنهم لا يحتاجون إلى أخرى، فإن الصيحة الواحدة تأخذهم جميعًا فلا حاجة إلى ثانية. ثم إنه إذا تتابعت الصيحات ألفها السامع فلا تكون لها تلك الرهبة، أما هذه فصيحة واحدة ليس لها نظير تخلع قلوبهم فيموتون جميعًا.
أما الصيحة الثانية فلجمعهم عند رب العالمين.
(1) التفسير الكبير 26/86.
(2) البحر المحيط 7/340.
(3) التفسير الكبير 26/86.
(4) بلاغة الكلمة في التعبير القرآني – باب الإبدال 56 – 57.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 233 إلى ص 238.
{فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (50)}
قال: إنهم لا يستطيعون التوصية، ولم يقل: (فلا يوصون) لأن نفي الاستطاعة أبلغ.
فأنت تقول: (هو لا يوصي) أي لا يفعل ذلك مع استطاعته عليها، فنفي التوصية لا ينفي الاستطاعة، ونفي الاستطاعة ينفي التوصية. فقولك: (هو لا يستطيع التوصية) أي لا يقدر عليها مع إرادته ذلك.
ونكر التوصية لأنه أراد العموم، فهم لا يستطيعون أن يوصوا أية توصية مهما كانت. ولو قال: (لا يستطيعون التوصية) لاحتمل أنهم لا يستطيعون التوصية المطلوبة أو الكاملة أو المعهودة، فتنكيرها أفاد العموم.
{وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ} إن الإنسان يتمنى أن يموت بين أهله، وهؤلاء لا يستطيعون أن يبلغوا أهلهم بشيء، ولا أن يعودوا إليهم، فحرموا من الأمنيتين العزيزتين كلتيهما.
ثم إنه قدم الفعل (يستطيعون) على المفعول به (التوصية) وأخر الفعل يرجعون) عن الجار والمجرور ولم يجعلهما على نسق واحد، فلم يقل: (فلا يستطيعون توصية ولا يرجعون إلى أهلهم).
ولم يقل: (فلا توصية يستطيعون ولا إلى أهلهم يرجعون) ذلك أن ما قاله ربنا أعدل الكلام في هذا المقام.
فإنه لو قال: (فلا توصية يستطيعون) فقدم المفعول على الفعل لكان نفي الاستطاعة خاصًّا بالتوصية وقد يستطيعون غيرها، كما تقول: (ما شعرًا قلت) أي قلت غيره، فإنك نفيت الشعر وأثبت غيره. ونحوه أن تقول: (ما زيدًا أكرمت) أي أكرمت غيره.
أما هنا فنفى التوصية ولم يثبت غيرها فكان النفي أعم وأشمل.
وقوله: {وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ} نفى الرجوع إلى الأهل وأثبت الرجوع إلى غيرهم وهو الله، أي لا يرجعون إليهم بل إلينا. ولو قال: (ولا يرجعون إلى أهلهم) لنفي الرجوع إلى أهلهم ولم يثبت الرجوع إليه وهو غير مراد، ولكنه أراد إثبات الرجوع إليه سبحانه.
وهذا التقديم نظير التقديم في قوله تعالى في السورة: {أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ}، ونظير التقديم في آخر السورة: {فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}.
هذا إضافة إلى ما تقتضيه خواتم الآية من هذا التقديم والتأخير.
جاء في (التفسير الكبير) في هذه الآية: "فيه أمور مبينة للشدة، (أحدها) عدم الاستطاعة، فإن قول القائل: فلان في هذه الحال لا يوصي، دون قوله: لا يستطيع التوصية، لأن من يوصي قد يستطيعها.
(الثاني) التوصية وهي بالقول، والقول يوجد أسرع مما يوجد الفعل، فقال لا يستطيعون كلمة، فكيف فعلا يحتاج إلى زمان طويل من أداء الواجبات ورد المظالم؟.
(الثالث) اختيار التوصية من بين سائر الكلمات يدل على أنه لا قدرة له على أهم الكلمات، فإن وقت الموت الحاجة إلى التوصية أمس.
(الرابع) التنكير في التوصية للتعميم، أي لا يقدر على توصية ما، ولو كانت بكلمة يسيرة، ولأن التوصية قد تحصل بالإشارة فالعاجز عنها عاجز عن غيرها.
(الخامس) قوله: {وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ} بيان لشدة الحاجة إلى التوصية؛ لأن من يرجو الوصول إلى أهله قد يمسك عن الوصية لعدم الحاجة إليها.
وأما من يقطع بأنه لا وصول له إلى أهله فلابد له من التوصية، فإذا لم يستطع مع الحاجة دل على غاية الشدة.
وفي قوله: {وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ} وجهان:
أحدهما: ما ذكرنا أنهم يقطعون بأنهم لا يمهلون إلى أن يجتمعوا بأهاليهم، وذلك يوجب الحاجة إلى التوصية.
وثانيهما: أنهم إلى أهلهم لا يرجعون، يعني أنهم يموتون ولا رجوع لهم إلى الدنيا.
ومن يسافر سفرا ويعلم أنه لا رجوع له من ذلك السفر ولا اجتماع له بأهله مرة أخرى يأتي بالوصية" (۱).
وجاء في (روح المعاني): "{وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ} إذا كانوا في خارج أبوابهم بل تبغتهم الصيحة فيموتون حيثما كانوا ويرجعون إلى الله عز وجل لا إلى غيره سبحانه" (2).
إن هذه الصيحة تأخذ الجميع، من كان في بيته وبين أهله ومن كان خارج بيته وليس بين أهله، فذكر الحالة الأشد وهي من كان بعيدا عن أهله وبيته. وناسب ذلك قوله: {وَهُمْ يَخِصِّمُونَ} أي يختصمون في معاملاتهم وأموالهم.
وهذا يشير إلى أنهم ليسوا مع أهلهم ولا في بيوتهم بل هم منشغلون بأمور الدنيا وصخبها، فناسب ذلك ما ذكر.
ثم إنه بدأ بالأقرب وهو التوصية، فهذا أقرب إلى الشخص، وذلك أن يوصي من حوله، ثم الأبعد وهو الرجوع إلى الأهل.
(1) التفسير الكبير 26/87.
(2) روح المعاني 23/31.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 238 إلى ص 241.
قوله: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ} يعني النفخة الثانية التي تبعث الموتى من قبورهم، أما النفخة الأولى فقد عبر عنها بالصيحة في قوله: {مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ} والنفخة في الصور صيحة غير أنه عبر عنها بالنفخة مرة وبالصيحة مرة.
وقد عبر عن الأمرين في سورة الزمر بالنفخة فقال: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ} {الزمر: 68}.
وقد ذكرنا أنه عبر عن ذلك في (يس) بالصيحة لأنهم في حال اختصام وصخب، فذكر الصيحة التي تقطع الصخب والضجيج. وليس نحو ذلك في الزمر.
فذكر أنه نفخ في الصور النفخة الثانية فإذا هم يخرجون من أجداثهم يسرعون إلى ربهم، ومعنى (ينسلون): يسرعون.
وقد تقول: ولكنه قال في الزمر: {فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ}، أليس في ذلك اختلاف؟.
فنقول: ليس ثمة اختلاف وإنما هو تصوير مشهد يقتضيه السياق، وإيضاح ذلك:
١- أن قوله: (قيام) لا يناقض المشي، فالماشي قد يكون قائمًا وقد يكون غير قائم، كما قال تعالى: {أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} {الملك: ۲۲}، وقال: {فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ} {النور: 45}.
۲ - وحتى لو كانت الحالتان تختلف إحداهما عن الأخرى فقد ذكر إحدى الحالتين في موطن والأخرى في موطن آخر، كما تقول: (درسته تلميذًا صغيرًا فإذا هو طالب في الكلية) و(درسته تلميذًا صغيرًا فإذا هو أستاذ في الجامعة) و(درسته تلميذًا صغيرًا فإذا هو وزير للتربية) ولا ينافي أحدها الآخر.
3 - إن قوله: (من الأجداث) يشير إلى مكان بدء الانطلاق، فلا ينافي ذلك أن يكون قبل الانطلاق واقفًا أو جالسًا، كما تقول: (انطلق المتسابقون من المدرسة إلى المستشفى) فأنت ذكرت بدء الانطلاق ولم تذكر ما قبله، ولا يناقض ذلك أي وضع كانوا عليه.
جاء في (التفسير الكبير) في قوله: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ}: "أي نفخ فيه مرة أخرى، كما قال تعالى: {ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ} وفيه مسائل:
(المسألة الأولى) قال تعالى في موضع آخر: {ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ}، وقال ههنا: {فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ} والقيام غير النسلان، وقوله في الموضعين (فإذا هم) يقتضي أن يكونا معًا، نقول:
الجواب عنه من وجهين:
(أحدهما): أن القيام لا ينافي المشي السريع لأن الماشي القائم، ولا ينافي النظر.
(وثانيهما): أن السرعة مجيء الأمور، كأن الكل في زمان واحد كقول القائل:
مكرٍّ مفرٍّ مقبلٍ مدبرٍ معًا
كجلمود صخرٍ حطَّه السيل من عَلِ" (۱)
وجاء في (روح المعاني): "ولا منافاة بين هذه الآية وقوله تعالى: {فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ} لجواز اجتماع القيام والنظر والمشي، أو لتقارب زمان القيام ناظرين وزمان الإسراع في المشي" (۲).
أما اختيار كل تعبير فذلك لمناسبة السياق الذي ورد فيه.
فقد قال في الزمر {فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ} ذلك أنه ذكر الصعقة في النفخة الأولى فقال: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ} والصعقة تعني الغشية، وتعني الموت، فذكر في النفخة الثانية ما ينافي الغشية والموت فقال: {فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ}.
وقال في (يس): إنهم إلى ربهم ينسلون؛ ذلك لأنهم كانوا في النفخة الأولى ينسلون إلى الدنيا ويختصمون فيها وهم مجتمعون لشؤونها، فقد قال: {تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ} والاختصام لا يكون إلا مع الاجتماع، فذكر في النفخة الثانية أنهم ينسلون إلى ربهم ويجتمعون للخصومة عنده، فناسب كل تعبير مكانه.
لقد قال: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ} فعبر عن الحدث المستقبل بالفعل الماضي للدلالة على أنه محقق الوقوع بمنزلة ما مضى من الأحداث.
ثم قال (فإذا) فجاء بالفاء مع (إذا) الفجائية، ذلك أن الفاء تدل على الترتيب والتعقيب، أي يخرجون فجأة من دون تراخ أو مهلة من الوقت، ففي عقب النفخة مباشرة من دون تلبث يخرجون من الأجداث ينسلون إلى ربهم. ولم يأت بثم مع إذا الفجائية كما في قوله تعالى: {وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ} {الروم: 20}، ذلك لأن (ثم) تفيد التراخي في الزمن، فبين أنه في عقب النفخة مباشرة يخرج الموتى من مراقدهم.
وقال: {مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ} فقدم (من الأجداث) وهو مبدأ النسلان، ثم ذكر بعده (إلى ربهم) وهو انتهاء الغاية، فقدم بدء الغاية وذكر النهاية بعده، وهو التعبير الطبيعي، وهو كما تقول: (انطلق من المكان الفلاني إلى السوق).
وقدم الجارين والمجرورين على الفعل للاهتمام والقصر، فإنه أعجب شيء أن يخرج الميت من قبره مسرعا إلى غاية مرسومة له، فكيف تخرج هذه العظام النخرة والتراب المختلط مما هب ودب مسرعة تعدو إلى غايتها.
وقد ذكر أن إسراعهم إنما هو إلى ربهم الذي هو مالك أمرهم وسيدهم لا إلى جهة أخرى، فهم ينسلون إلى ربهم حصرًا.
واختيار لفظ (الرب) أنسب شيء ههنا، ذلك أن الخارجين من الأجداث قسمان:
قسم أطاع ربه وسيده فهو ذاهب إلى ربه الذي أطاعه وهو الأرحم به، ذلك أنه هو الذي أنعم عليه في الدنيا وغذاه بالنعم، فهو أرحم به الآن وأكرم، وهو يلتجئ إليه كما يلتجئ العبد إلى سيده والضعيف إلى متولي أمره.
وقسم عصى ربه الذي غذاه بالنعم وأساء إلى من أحسن إليه فهو يعاد إلى ربه الذي أحسن إليه وقابله بالإساءة، وشر الإساءة أن تسيء إلى من أحسن إليك، فهي شر إعادة وأسوأ رجعة. فكان ذكر الرب أنسب شيء ههنا.
جاء في (التفسير الكبير): "الموضع موضع ذكر الهيبة، وتقديم ذكر الكافر ولفظ الرب يدل على الرحمة، فلو قال بدل الرب المضاف إليهم لفظًا دالًا على الهيبة هل يكون أليق أم لا؟.
قلنا: هذا اللفظ أحسن ما يكون ؛ لأن من أساء واضطر إلى التوجه إلى من أحسن إليه يكون ذلك أشد ألمًا وأكثر ندمًا من غيره" (3).
وجاء في (روح المعاني): "وذكر الرب للإشارة إلى إسراعهم بعد الإساءة إلى من أحسن إليهم حين اضطروا إليه" (4).
وهذا الإسراع إلى ربهم لا اختيار لهم فيه وإنما هم أحضروا إليه إحضارًا، يدل على ذلك قوله تعالى: {فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ}.
جاء في (التفسير الكبير): "وقوله: (محضرون) دل على أن كونهم (ينسلون) إجباري لا اختياري" (5).
ثم لننظر من ناحية أخرى أنه ذكر في هذه الآية جهة الرجوع التي لم يذكرها في الآية السابقة، فقد قال في الآية السابقة: {فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ} وقد ذكرنا أن قوله: {وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ} يعني أنهم يرجعون إلى غير أهلهم. وهنا عين الجهة التي يرجعون إليها فقال: {إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ} أي يرجعون إلى ربهم حصرًا.
ومن هنا يتبين أن هذه الآية ارتبطت بالآية السابقة من جهتين:
الجهة الأولى: أن قوله في الآية السابقة: {فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ} لا يدل على أن تلك الصيحة أماتتهم تصريحًا، ذلك أنه قد يحال بين الحي والتوصية وبينه وبين الرجوع إلى أهله، فلا يستطيع توصية ولا يرجع إلى أهله، وذلك حال كثير من المساجين، فلما قال: (من الأجداث) علم من هذه الآية أنهم ماتوا.
والجهة الأخرى: أنه ذكر جهة الرجوع، فإنه لما قال: {وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ} ذكر في هذه الآية أنهم إلى ربهم ينسلون. فكان في هذه الآية توضيح ما حدث لهم وتعيين جهة الرجوع.
فقوله: {مِنَ الْأَجْدَاثِ} مقابل قوله: {فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً ......}.
وقوله: {إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ} مقابل قوله: {وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ}.
وتقديم الجار والمجرور في قوله: {إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ} نظير التقديم في قوله: {وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ}.
إن هذه الآية نظير قوله تعالى: {وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ} فإنها بينت الآية قبلها وهي قوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}. ففي كلتا الآيتين أعني قوله: {فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ} وقوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} لم يصرح بما حصل، وإنما أشار إلى ذلك في الآية بعدها.
وهو تناظر بديع.
(1) التفسير الكبير 26/88.
(2) روح المعاني 23/32.
(3) التفسير الكبير 26/88.
(4) روح المعاني 23/32.
(5) التفسير الكبير 26/90.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 241 إلى ص 247.