{وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (9)}
بعدما ذكر أنه جعل في أعناقهم أغلالًا، ذكر أنه جعل من بين أيديهم سدًا ومن خلفهم سدًا.
وقال: {مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ} و{وَمِنْ خَلْفِهِمْ} ولم يقل: (وجعلنا بين أيديهم سدًا وخلفهم سدًا) ذلك أن (من) تفيد ابتداء الغاية، ومعنى ذلك أنه جعل السد ابتداء من بين أيديهم ولم يترك بينه وبينهم فراغَا، وكذلك من خلفهم، فإن السد ملتصق بهم من الأمام وكذلك من الخلف فلا يستطيعون أن يخطوا خطوة واحدة أو حركة. بخلاف ما إذا لم يذكر (من) فإنه يحتمل أن يكون بينهم وبين السد مسافة بعيدة أو قريبة وذلك نحو قوله: {أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ} {ق: 6}، فإن بينهم وبين السماء مسافة بعيدة، وكذلك قوله: {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ} {الملك: 19}، فإن بينهم وبين الطير مسافة غير قليلة. في حين قال عن الأرض: {وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا} {فصلت: 10} فجاء بـ (من) ليدل على أن الرواسي ملتصقة بالأرض ليس بينها وبينها فراغ.
ثم قدم الجار والمجرور على السد فقال: {وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا} ولم يقل: (وجعلنا سدًا من بين أيديهم وسدًا من خلفهم) وذلك لأن الكلام عليهم لا على السد فكان تقديم ما تعلق بهم أولى. ونحوه قوله تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا} كما ذكرنا.
وقد تقول: هذا أمر السد من أمامهم فلماذا جعل من خلفهم سدًا؟ وما الغرض منه؟
فنقول: كما أنه منعهم من السير إلى أمام منعهم من العودة والرجوع إلى أماكنهم الأولى. فإن الشخص إذا قطع عليه الطريق عاد إلى مكانه الأول ومقامه الذي كان فيه. وهنا قد منعه من ذلك فبقي في مكانه من الطريق في غير مأمن وفي غير مقام فهلك.
ثم أغشى أبصارهم وغطاهم فمنعهم من الرؤية فهم لا يبصرون ولا يتحركون فكيف يهتدون؟.
وقوله: {فَأَغْشَيْنَاهُمْ} يحتمل أنه أغشاهم بالسدين، أي غطاهم فلا يستطيعون الإبصار ولا الحركة، أو أغشى أبصارهم علاوة على السدين. وفي كلتا الحالتين لا يستطيعون الحركة ولا الابصار.
وقد تقول: ولم ترك الجانبين وهما جهتا اليمين واليسار، فلم يذكر أنه جعل فيهما سدين؟
فنقول:
1- إن قوله: {مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا} منعهم من الحركة البتة إلى أية جهة كانت، ذلك لأن السدين ملتصقان بهم.
2- قوله: {فَأَغْشَيْنَاهُمْ} أي غطيناهم، والتغطية تشمل جميع الجسم وليس جانبًا منه أو جانبين فلا يستطيعون الحركة لإغشائهم.
3- قوله: {فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ} يمنعهم من معرفة ما هم عليه من السبيل.
4- إذا اتجهوا إلى جهة اليمين كان السد من بين أيديهم أيضًا ومن خلفهم، لأن هذه الجهة ستكون هي الأمام فتكون مسدودة عليهم، وإن أية جهة سيتجهون إليها ستكون هي ما بين أيديهم فيجعل سدًا من بين أيديهم ومن خلفهم. فقوله: (من بين أيديهم ومن خلفهم) يشمل جميع الجهات؛ لأن اية جهة يتجهون إليها ستكون ما بين أيديهم فلا حاجة إلى ذكر جهتي اليمين واليسار، فما ذكره يغني عن ذكرهما.
وإسناده الجعل والإغشاء إلى الله تعالى بيان أنه لا يمكن لأحد أن يزيل السدين أو يرفع الغشاوة.
جاء في (التفسير الكبير): "وعلى هذا فقوله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ} يكون متممًا لمعنى جعل الله إياهم مغلولين، لأن قوله: {وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا} إشارة إلى أنهم لا ينتهجون سبيل الرشاد، فكأنه قال: لا يبصرون الحق فينقادون له لمكان السد ولا ينقادون لك فيبصرون الحق فينقادون له لمكان الغل...
وفيه وجه أخر وهو أن يقال: المانع إما أن يكون في النفس وإما أن يكون خارجًا عنها. ولهم المانعان جميعًا من الإيمان. أما في النفس فالغل وأما من الخارج فالسد. ولا يقع نظرهم على أنفسهم فيرون الآيات التي في أنفسهم، كما قال تعالى: {سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ} {فصلت: 53}، وذلك لأن المقمح لا يرى نفسه ولا يقع بصره على يديه، ولا يقع نظره على الآفاق؛ لأن من بين السدين لا يبصرون الآفاق فلا تبين لهم الآيات التي في الآفاق. وعلى هذا فقوله: {إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا} {وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا} إشارة إلى عدم هدايتهم لآيات الله في الأنفس والآفاق.
وفي تفسير قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا} مسائل:
(المسألة الأولي) السد من بين الأيدي ذكره ظاهر الفائدة، فإنهم في الدنيا سالكون وينبغي أن يسلكوا الطريقة المستقيمة (ومن بين أيديهم سدًا) فلا يقدرون على السلوك. وأما السد من خلفهم فما الفائدة فيه؟
فنقول: الجواب عنه من وجوه:
(الأول): هو أن الانسان له هداية فطرية والكافر قد يتركها، وهداية نظرية والكافر ما أدركها، فكأنه تعالى يقول: (جعلنا من بين أيديهم سدًا) فلا يسلكون طريقة الاهتداء التي هي نظرية (وجعلنا من خلفهم سدًا) فلا يرجعون إلى الهداية الجبلية التي هي الفطرية....
(الثالث): هو أن السالك إذا لم يكن له بد من سلوك طريق فإن انسد الطريق الذي قوامه يفوته المقصد ولكنه يرجع، وإذا انسد الطريق من خلفه ومن قدامه فالموضع الذي هو فيه لا يكون موضع إقامة لأنه مهلك فقوله: {وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ} إشارة إلى إهلاكهم.
(المسألة الثانية): قوله تعالى: {فَأَغْشَيْنَاهُمْ} بحرف الفاء يقتضي أن يكون للإغشاء بالسد تعلق، ويكون الإغشاء مرتبًا على جعل السد فكيف ذلك؟.
فنقول: ذلك من وجهين:
أحدهما: أن يكون ذلك بيانًا لأمور مترتبة يكون بعضها سببًا للبعض، فكأنه تعالى قال: (إنا جعلنا في أعناقهم أغلالًا) فلا يبصرون أنفسهم لإقماحهم (وجعلنا من بين أيديهم سدًا ومن خلفهم سدًا) فلا يبصرون ما في الآفاق، وحينئذ يمكن أن يروا السماء وما على يمينهم وشمالهم فقال بعد هذا كله: (وجعلنا على أبصارهم غشاوة) فلا يبصرون شيئًا أصلًا.
وثانيهما: هو أن ذلك بيان لكون السد قريبًا منهم بحيث يصير ذلك كالغشاوة على أبصارهم، فإن من جعل من خلفه ومن قدامه سدين ملتزقين به بحيث يبقى بينهما ملتزقًا بهما تبقى عينه على سطح السد فلا يبصر شيئًا. أما غير السد فللحجاب، وأما عين السد فلكون شرط المرئي أن لا يكون قريبًا من العين جدًا.
(المسألة الثالثة): ذكر السدين من بين الأيدي ومن خلف، ولم يذكر من اليمين والشمال ما الحكمة فيه؟... لأنهم إن قصدوا السلوك إلى جانب اليمين أو جانب الشمال صاروا متوجهين إلى شيء ومولين عن شيء، فصار ما إليه توجههم ما بين أيديهم فيجعل الله السد هناك فيمنعه من السلوك. فكيفما يتوجه الكافر يجعل الله بين يديه سدًا.
ووجه أخر أحسن مما ذكرنا، وهو أنا لما بينا أن جعل السد صار سببًا للإغشاء كان السد ملتزقًا به، وهو ملتزق بالسدين فلا قدرة له على الحركة يمنة ولا يسرة، فلا حاجة إلى السد عن اليمين وعن الشمال. وقوله تعالى: {فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ} يحتمل ما ذكرنا أنهم لا يبصرون شيئًا، ويحتمل أن يكون المراد هو أن الكافر مصدود، وسبيل الحق عليه مسدود، وهو لا يبصر السد ولا يعلم الصد، فيظن أنه على الطريقة المستقيمة وغير ضال" (1).
وقد تقول: ولم لم يقل قال في سورة البقرة: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ} {البقرة: 7}؟
فنقول: إن كل موطن اقتضى ما ذكر فيه، علاوة على أن ما ذكر في سورة (يس) يفيد ما أفاده في سورة البقرة. ذلك أن قوله: {فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ} هو بمعنى قوله: {وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ}، وأن قوله: {وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ} يفيد أنهم لا يسمعون، فإن من كان بين سدين مغطى بهما لا يسمع. وإذا كان كذلك فهو لا يفقه؛ لأن منافذ العلم مسدودة، فأفاد أنهم لا يبصرون ولا يسمعون ولا يفقهون.
ثم إن ما ذكره في كل موطن هو المناسب من جهة أخرى، ذلك أنه قال في سورة يس: {إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (3) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} والصراط إنما يكون للسير فيه وسلوكه، فذكر ما يمنع الكفرة من سلوك الصراط المستقيم والسير فيه، وهو الأغلال في أعناقهم، والسد من بين أيديهم ومن خلفهم. والسد إنما هو لمنعهم من السير. أما المؤمنون فإنهم على الصراط المستقيم يسلكونه ويتخذونه سبيلًا. ولم يذكر مثل ذلك في البقرة، فكان ذكر السد مناسبًا في سورة (يس).
وأما في سورة البقرة فقد قال: إن هذا الكتاب لا ريب فيه وهو هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة وينفقون مما رزقهم الله، الذين يؤمنون بما أنزل إلى محمد وما أنزل من قبله ويوقنون بالآخرة.
فالمسألة متعلقة بالإيمان والتقوى، فذكر أن الكفرة مختوم على قلوبهم وعلى سمعهم وأن على أبصارهم غشاوة فانسدت منافذ الإيمان والتقوى. ومنافذ الإيمان والتقوى والعلم لدفع الريب هي السمع والبصر والقلب، فذكر أن هذه كلها مغلقة.
فأغلق منافذ السير على الصراط المستقيم في سورة (يس) وأغلق منافذ الإيمان والهدى في سورة البقرة، فناسب كل تعبير مكانه الذي هو أليق به.
وقد تقول: ولم لم يكرر (جعلنا) من الخلف فيقول: {وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا} كما قال في سورة النبأ: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (10) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا} {النبأ: 10 – 11}؟
والجواب: أن التكرار يفيد التأكيد. والسدان ليسا بمنزلة واحدة، فإن السد الذي من بين أيديهم يمنعهم من السير إلى أمام، وهو أهم؛ لأنه هو الموصل إلى الهدى وإلى الفلاح، وأما السد من خلف فهو مانع من الرجوع، والعود ليس أحمد.
ولما لم يكن السدان بمنزلة واحدة من حيث الأهمية لم يجعلها في التعبير بمنزلة واحدة، فذكر الفعل في المهم وحذفه مما هو أقل اهمية.
وأما تكراره في سورة النبأ فإن الليل والنهار كلاهما مهم للإنسان وحياته، فلا تصلح الحياة بليل لانهار فيها، ولا تصلح بنهار لا ليل فيها. قال تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (71) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} {القصص:71 – 72}.
فلما كانت الحياة إنما تستقيم بالليل والنهار معًا جعلهما بمنزلة واحدة في التعبير فكرر الجعل مع كل واحد منهما، والله أعلم.
(1) التفسير الكبير 26/45 – 46.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 33 إلى ص 40.
{وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (10)}
بعد أن ذكر الموانع التي تمنعهم من الإيمان بين أن الإنذار وعدمه في حقهم سواء فهو لا ينفع معهم شيئًا.
وقد تقول: إذا كان الأمر كذلك فما الغرض من إنذارهم؟ ولم ينذرهم؟
والجواب: أن ذلك للإعذار ولتقوم عليهم الحجة، كما قال تعالى: {وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ} {الأعراف: 164}.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى إذا كان الإنذار وعدمه سواء بالنسبة إليهم فليس ذلك سواء بالنسبة إليه. فإنه وإن كان الإنذار لا يجدي معهم شيئًا لا يكون ذلك مسوغًا لترك الإنذار. فإنه مأمور بالإنذار لمن علم أنه لا يستجيب ولمن لم يعلم. ثم إن الدعوة إلى الله مطلوبة في كل الأحوال، حتى إن أخبره ربنا أن المدعوين لا يستجيبون، وذلك يدل على عظم مكانة الدعوة إلى الله، وأنها لا تسقط بحال من الأحوال. ثم إن كان هؤلاء لا يستجيبون فربما يؤمن من غيرهم من يسمع، ولو كان هذا السمع جاء على طريق الإخبار أو الاستهزاء أو الاستبعاد فيكون ذلك وسيلة لنقل الدعوة من حيث لم يريدوا. ثم إن هذا الإنذار يكتب في صحيفة أعمال الداعي الصالحة مثقلًا لميزانه، ولذا قال تعالى: {وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ}، ولم يقل: (سواء عليك أأنذرتهم أم لم تنذرهم).
جاء في (التفسير الكبير): "بين تعالى أن الإنذار لا ينفعهم مع ما فعل الله بهم من الغل والسد والإغشاء والأعماء بقوله: {وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} أي الإنذار وعدمه سواء بالنسبة إلى الإيمان منهم، إذ لا وجود له منهم على التقديرين. فإن قيل: إذا كان الإنذار وعدمه سواء فلماذا الإنذار؟
نقول: قد أجبنا في غير هذا الموضع أنه تعالى قال: (سواء عليهم) وما قال: (سواء عليك)، فالإنذار بالنسبة إلى النبي ليس كعدم الإنذار، لأن أحدهما مخرج له عن العهدة وسبب في زيادة سيادته عاجلًا وسعادته أجلًا. وأما بالنسبة إليهم على السواء فإنذار النبي ليخرج عما عليه وينال ثواب الإنذار وإن لم ينتفعوا به لما كتب عليهم من البوار في دار القرار" (1).
(1) التفسير الكبير 26/46 – 47.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 40 إلى ص 41.
{إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (11)}
والمعنى: إذا كان إنذارك لا ينفع من حق عليه القول فإن الإنذار ينفع من يتبع الذكر ويخشى الرحمن بالغيب، أي ينفع من كان حيًا يؤثر فيه الإنذار، وينفع أيضًا من اتبع الذكر وهو القرآن والوعظ وخشي الرحمن بالغيب وهو المؤمنون.
فالإنذار ينفع طائفتين:
طائفة المؤمنين المتبعين للذكر الخاشين للرحمن، فإن الإنذار يزيدهم إيمانًا وتمسكًا وحذرًا وخوفًا مما تنذرهم إياه.
وطائفة أخرى وهي التي لها قلب وسمع وبصر فتدخل في زمرة أهل الإيمان، وهذا شأن كثير ممن أنذروا، فإنهم فارقوا دينهم وأمنوا بدين الله.
وعلى هذا يكون المعنى: إنما تنذر إنذارًا نافعًا من اتبع الذكر، فمع هؤلاء يحصل المطلوب من الإنذار ومقصوده.
والذكر هو القرآن والمواعظ وكل ما يذكر به المرء.
وقد تقول: إنه عبر بالفعل الماضي فقال: {اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ} فهذا يخص طائفة المؤمنين ولا يشمل من لم يدخل الإيمان قلبه بعد.
فنقول: إن الفعل الماضي قد يعبر به عن المستقبل كقوله تعالى: {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} {البقرة: 150} أي تخرج، وقوله: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (159) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} {البقرة: 159 – 160}.
أي إلا الذين يتوبون ويصلحون ويبينون بعد الكتمان، فعبر عن الكتمان بالفعل المضارع فقال: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ}، وعبر عن التوبة والاصلاح والتبين بعد الكتمان بالفعل الماضي فقال: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا}، فإذا كان الكتمان مضارعًا فلا شك أن التوبة منه والتبيين يكونان بعده، ولكنه عبر عن ذلك بالفعل الماضي.
جاء في (الكشاف) أن قوله تعالى: {إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ}: "على معنى: إنما تحصل البغية بإنذارك من غير هؤلاء المنذرين وهم المتبعون للذكر، وهو القرآن أو الوعظ، الخاشون ربهم" (1).
وجاء في (البحر المحيط): "إنما تنذر، إي إنذارًا ينفع من اتبع الذكر وهو القرآن. قال قتادة: أو الوعظ" (2).
وجاء في (التفسير الكبير): "قال تعالى: {إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ}.
والترتيب ظاهر، وفي التفسير مسائل:
(المسألة الأولي): قال من قبل (لتنذر) وذلك يقتضي الإنذار العام على ما بينا.
وقال: {إِنَّمَا تُنْذِرُ} وهو يقضي التخصيص فكيف الجمع بينهما؟
نقول من وجوه:
(الأول): هو أن قوله (لتنذر) أي كيفما كان، سواء كان مفيدّا أو لم يكن. وقوله: {إِنَّمَا تُنْذِرُ} أي الإنذار المفيد لا يكون إلا بالنسبة إلى من يتبع الذكر ويخشى.
(الثاني): هو أن الله تعالى لما قال إن الإرسال والإنزال، وذكر أن الإنذار وعدمه سيان بالنسبة إلى أهل العناد، قال لنبيه: ليس إنذارك غير مفيد من جميع الوجوه فأنذر على سبيل العموم، وإنما تنذر بذلك الإنذار العام من يتبع الذكر، كأنه يقول: يا محمد إنك بإنذارك تهدي ولا تدري من تهدي فأنذر الأسود والأحمر ومقصودك من يتبع إنذارك وينتفع بذكراك" (3).
وجاء في (روح المعاني) أن "{اتَّبَعَ} بمعني (يتبع)، والتعبير بالماضي لتحقق الوقوع أو المعنى إنما ينفع إنذارك المؤمنين الذين اتبعوا. ويكون المراد بمن اتبع المؤمنين، وبالإنذار: الإنذار عما يفرط منهم بعد الاتباع فلا يلزم تحصيل الحاصل.
وقيل: المراد من اتبع في علم الله وهم الأقلون الذين لم يحق القول عليهم" (4).
وقال: {اتَّبَعَ الذِّكْرَ} ولم يقل: (تبع) للدلالة على المبالغة في الاتباع والاجتهاد فيه، ولذا أتبعه بقوله: {وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ} فإن الذي يخشى الرحمن بالغيب هو متبع اتباعًا جادًا وليس اتباعًا على ضعف. والذي يبشر بمغفرة وأجر كريم هو المتبع لا مجرد التابع.
فهؤلاء هم الذين يحصل معهم المقصود من الإنذار.
(1) الكشاف 2/583.
(2) البحر المحيط 7/325.
(3) التفسير الكبير 26/47.
(4) روح المعاني 22/217.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 41 إلى ص 44.
* * *
{وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ}
هذا فيه معان وأوجه:
منها: أنه يدل على أنه خشي الرحمن وإن لم يشاهده، فكما آمن به بالغيب خشية بالغيب. وهذا من تمام الإيمان، ذلك أن الناس عادة يخشون من يشاهدهم ويشاهدونه ويعلمونه أنه مراقب أفعالهم، فإن غاب عن أعينهم ذهبت الخشية منه. أما هذا فإنه يخشى الرحمن بالغيب لأنه يعلم أنه حاضر معه شاهد عليه يراقب أفعاله وإن غاب عن بصره.
ومن معاني هذا التعبير أيضًا أنه خشي عقاب الرحمن الذي حذر عباده يوم القيامة وهو غيب. ومعنى خشية الرحمن: خشية عقابه، وهذا من معاني خشية الرحمن بالغيب أيضًا.
ومن معانيه أيضًا أنه يخشى الرحمن إذا غاب عن أعين الناس والمشاهدين له. فكثير من الناس يفعلون أفعالًا إذا خلوا إلى أنفسهم لا يفعلونها إذا شاهدهم الناس. والمعنى أنه إذا أمن مراقبة الناس واطلاعهم عليه خشي الرحمن فلا يفعل إلا ما يرضيه.
فهذا كله من معاني خشية الرحمن بالغيب، وباستكمالها تكون خشيته بالغيب.
جاء في (التفسير الكبير): "وقوله: (بالغيب) يعني بالدليل وإن لم ينته إلى درجة المرئي المشاهد، فإن عند الانتهاء إلى تلك الدرجة لا يبقى للخشية فائدة.
والمشهور أن المراد به بالغيب ما غاب عنا وهو أهوال القيامة، وقيل: إن الوحدانية تدخل فيه" (1).
وجاء في ( البحر المحيط): "{بِالْغَيْبِ} أي الخلوة عند مغيب الإنسان عن عيون البشر" (2).
وجاء في (روح المعاني): "{بِالْغَيْبِ} حال من المضاف المقدر في نظم الكلام... أي خشي عقاب الرحمن حال كون العقاب ملتبسًا بالغيب، أي غائبًا عنه، وحاصله خشي العقاب قبل حلوله ومعاينة أهواله.
ويجوز أن يكون حالًا من فاعل (خشي) أي خشي عقاب الرحمن غائبًا عن العقاب غير مشاهد له، أو خشي غائبًا عن أعين الناس غير مظهر الخشية لهم لأنها علانية قلمًا تسلم عن الرياء" (3).
قالوا: وذكر اسمه (الرحمن) مع الخشية دون غيره من أسمائه الحسنى لأكثر من سبب، منها:
1- أنه قد يسبق إلى الذهن أن الرحمن لا يعاقب لأن رحمته واسعة وأنها سبقت غضبه، فيسبق إلى نفسه الرجاء وينسى الخشية، فذكر ذلك لئلا يغتر مغتر برحمته.
2- أن الرحمة تورث الاتكال، فقرنه بالخشية لئلا يتكل على رحمته وينسى عقابه.
3- أن من كانت نعمته بسبب رحمته أكثر ينبغي أن يكون الخوف منه أتم وذلك لئلا يقطع عنه نعمته.
4- وهناك أمر آخر، وهو أن جو السورة تشيع فيه الرحمة وذكرها، وقد بنيت السورة على العزة والرحمة كما ذكرنا في قوله تعالى: {تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ} والعزيز ينبغي أن يخشى، فقوله: {وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ} جمع بين العزة والرحمة.
5- وفيه توجيه إلى أن الرحمة ينبغي أن تكون مقرونة بخشية الراحم، فلا يصح الاتصال بالرحمة وحدها. فالرحمة وحدها قد تكون ضعفًا وقد يكون الاتصاف بها ذمًا ونقصًا، فهو توجيه إلى المربين ليجمعوا بين الرحمة والخشية من الراحم، وبين الربوبية والخشية من الرب، وبين الرحمة والعقوبة. ولذا قال تعالى: {إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ} {مريم: 45}، وقال: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ} {الحجر: 49 – 50}.
وجاء في (التفسير الكبير): "وقوله: {وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ} فيه لطيفة وهي أن الرحمة تورث الاتكال والرجاء فقال مع أنه رحمن ورحيم فالعاقل لا ينبغي أن يترك الخشية، فإن كل من كانت نعمته بسبب رحمته أكثر فالخوف منه أتم، مخافة أن يقطع عنه النعم المتواترة.
و(تكملة اللطيفة): هي أن من أسماء الله اسمين يختصان به هما الله والرحمن كما قال تعالى: {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ} {الإسراء: 110}، حتى قال بعض الأئمة: هما علمان إذا عرفت هذا فالله ينبئ عن الهيبة والرحمن ينبئ عن العاطفية، فقال في موضع: (يرجو الله) وقال هنها: {وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ} يعني: مع كونه ذا هيبة لا تقطعوا عنه رجاءكم، ومع كونه ذا رحمة لا تأمنوه" (4).
وجاء في (البحر المحيط): "و{وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ} أي المتصف بالرحمة مع أن الرحمة قد تعود إلى الرجاء ولكنه مع علمه برحمته هو يخشاه خوفًا من أي يسلبه ما أنعم به عليه" (5).
وجاء في (روح المعاني) : "و{وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ} أي عقابه ولم يغتر برحمته عز وجل، فإنه سبحانه مع عظيم رحمته أليم العذاب كما نطق به قوله تعالى: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ} {الحجر: 49 – 50}.
ومما قرر يعلم سر ذكر الرحمن مع الخشية دون القهار ونحوه" (6).
وقد تقول: ولم قال هنها: {وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ} مع أنه قال في أكثر من موطن: {يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ} من دون ذكر للغيب؟.
والجواب أن كل تعبير مناسب لموطنه الذي هو فيه، ذلك أن قوله: {الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ} مطلق أي يخشونه خشية مطلقة على كل حال سواء كانت بالغيب أم لا. وقوله: {الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ} مقيد، أي أن الخشية تكون بالغيب، أي عند غيبتهم عن عيون الناس. وإيضاح ذلك أنه إذا كان المقصود بالغيب أنه يخشى ربه وإن لم يشاهده أو أنه يخشى عذابه يوم القيامة فإن الخشية كلها فيه سواء قال: (بالغيب) أم لم يقل. وإذا كان المقصود بالغيب بمعنى الغيبة عن عيون الناس فإن هذه الخشية تكون مقيدة، وقوله: {يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ} من دون ذكر للغيب يكون مطلقًا عامًا، أي سواء كان الخاشي أمام الناس أم لا.
وعلى هذا يكون قوله: {يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ} هي حالة من حالات الخشية العامة، وهي جزء منها، فتلك خشية عامة مطلقة سواء كانت أمام الناس أم لا، وهذه مقيدة.
فالخشية العامة هي الخشية بالغيب وزيادة.
فإذا كان المقام يقتضي ذكر الخشية العامة من دون تقييد ذكرها مطلقة ولم يقيدها. وإليك إيضاح ذلك:
قال تعالى: {وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ (48) الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ }{الأنبياء: 48 – 49}.
وقال: {إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} {فاطر: 18}.
وقال: {إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} {الملك: 12}.
وقال: {هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (32) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ} {ق: 32 – 33}.
وقال: {إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ} {يس: 11}.
فهذه كلها ذكر فيها الخشية بالغيب.
في حين قال: {وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ} {الرعد: 21}.
وقال: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} {الزمر: 23}.
فلم يذكر الخشية بالغيب وإنما أطلقها في الموطنين.
أما أية الزمر فإن الأمر فيها واضح، إذ لا داعي فيها للتقيد، فإنه قال: {تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} واقشعرار الجلود ولينها ولين القلوب أمر غائب عن الآخرين ولا يشعر به إلا صاحبه أم الآخرون فلا يعلمونه، ولا يختلف الأمر سواء كان ذلك وحده أم مع الآخرين فلا يعلمونه، ولا يختلف الأمر سواء كان ذلك وحده أم مع الآخرين فلا داعي لتقييد الخشية بالغيب.
وأما آية الرعد فإننا نذكر السياق الذي وردت فيه.
قال تعالى: {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (19) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (20) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (21) وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (22) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آَبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} {الرعد: 19 – 24}.
ومن النص يظهر ما يأتي:
1- أنه وصفهم بأنهم أولو الألباب وقصر عليهم التذكر فقال: {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ}، والمعنى أنه لا يتذكر إلا أولو الألباب.
2- ذكر أنهم يوفون بعهد الله، وهو وصف عام يشمل الالتزام بجميع الفروض وتجنب جميع المعاصي (7).
3- وأنهم لا ينقضون الميثاق.
4- يصلون ما أمر الله به أن يوصل.
5- يخشون ربهم.
6- يخافون سوء الحساب.
7- أنهم صبروا ابتغاء وجه ربهم.
8- أقاموا الصلاة.
9- أنفقوا مما رزقهم الله سرًا وعلانية، وهذا يدل على الخشية بالغيب وزيادة.
10- يدرؤون بالحسنة السيئة.
وذكر جزاءهم على النحو الآتي:
1- أن لهم عقبى الدار وهي جنات عدن يدخلونها هم.
2- ويدخلها معهم من صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم.
3- والملائكة يدخلون عليهم من كل باب.
4- يحيونهم بقولهم: سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار.
وإذا نظرنا في جميع الآيات التي ورد فيها قوله: {يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ} وجدنا أنها تشمل جزءًا مما ذكر في آيات الرعد. فكما أن الخشية بالغيب جزء من الخشية العامة المطلقة أدرج في مواطن الخشية بالغيب جزءًا مما ذكر في الخشية العامة، فناظر بينهما في الإطلاق والتقييد، والجزئية والكلية، وإليك إيضاح ذلك:
1- ذكر في سورة الأنبياء أنه مما آتى موسى وهارون:
- ذكرًا للمتقين.
- الذين يخشون ربهم بالغيب.
- من الساعة مشفقون.
فما في آية الأنبياء جزء مما ذكر في آيات الرعد، والخشية في الرعد تشمل الخشية بالغيب وزيادة.
2- ذكر في آية فاطر أمرين:
- يخشون ربهم بالغيب.
- أقاموا الصلاة.
3- ذكر في آية الملك:
- يخشون ربهم بالغيب.
4- ذكر في سورة ق:
- أزلقت الجنة للمتقين.
- وهم كل أواب.
- حفيظ.
- من خشي الرحمن بالغيب.
- جاء بقلب منيب.
ومن الملاحظ في آيات (ق) هذه أنه لم يذكر أعمالًا بدنية ظاهرة كالصلاة والإنفاق ودرء السيئة بالحسنة وغيرها.
وأن الجزاء أقل مما في الرعد.
5- ذكر في سورة يس:
- اتبع الذكر.
- خشي الرحمن بالغيب.
وقوله {اتَّبَعَ الذِّكْرَ} أمر عام يشمل عموم الاتباع. ونظيره في آيات الرعد {الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ} فإنه يشمل جميع ما عهد الله في كتبه. فما ذكر في الرعد أكثر تفصيلًا، وقد شمل ما في آية (يس) تفصيلًا على جهة الإحسان في الاتباع وليس مجرد الاتباع.
يوضح ذلك أن الله تعالى قال في صفات المتقين: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} {البقرة: 3}، وهذا اتباع.
وقال هنها: {وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً} {الرعد: 22}، وهذا من الإحسان في الاتباع وليس مجرد الاتباع.
وقال تعالى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ مِثْلُهَا} {الشورى: 40} وهذا اتباع، وقال: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} {الشورى: 40} وهذا أمثل في الاتباع وأحسن. وقال هنها: {وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ} {الرعد: 22} وهذا أعلى وأكمل وأمثل في الاتباع وأحسن مما قبله، ذلك أنه لم يعف فقط وإنما درأ السيئة بالحسنة.
ثم إن الجزاء في آيات الرعد أعلى مما ذكر في سورة (يس)، فقد قال في سورة( يس): {فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ} وذكر في سورة الرعد: أن لهم عقبى الدار جنات عدن... إلخ.
وهذا أعلى مما ذكر في سورة (يس) فإنه ذكر في سورة (يس) الأجر ولم يذكر الجنة، والأجر لا يعني الجنة نصًا، وإنما هو الجزاء على العمل ويكون الأجر على حسب العمل. قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (66) وَإِذًا لَآَتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (67) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا} {النساء: 66 – 68}، فالأجر العظيم هنا لا يعني الجنة، وإنما هو الثواب على العمل، ولذلك قال بعدها: {وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا}.
وقال: {وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا} {المزمل: 20}، إذا لا يصح أن يقال هنا إن الأجر هو الجنة، ألا تري أنه لا يقال (هو خيرًا وأعظم جنة)؟
فما ذكر في آيات الرعد من الصفات والجزاء أعلى وأكمل.
من هذا يتضح أن قوله: {وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ} {الرعد: 21} أعم وأشمل من قوله: {يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ}.
قد تقول: إنك تعني أن الذين قيل فيهم: {وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ} أعلى وأمثل ممن قيل فيهم: {يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ} ونحن لا يبدو لنا هذا الأمر.
فنقول: هذا أشمل لأنه يشمل الخشية بالغيب وغيرها. وقد تكون الخشية بالحضور أعلى من الخشية بالغيب عن الناس، ذلك أن قسمًا من الناس ضعاف النفوس لا يحبون أن يتهموا بالتدين والرجعية والجمود أن بالتعقيد، فيتهاون ويعمل أمام الملأ أعمالًا لا ترتضيها نفسه، ولو خلي بينه وبين نفسه لم يفعلها. فمثلًا: إن هناك من يقول: أنا لست صائمًا تدينًا وإنما لأمر يتعلق بالصحة لأنه يخجل أن يقول: أنا صائم تدينًا. وآخر يقول: أنا لا أمتنع عن الخمر تدينًا ولكن لأنها مذهبة للعقل والصحة.
وهناك آخرون يفعلون أفعالًا محرمة بدافع المجاملة ونفوسهم تشعر بالإثم والحرج، ولو تركوا وأنفسهم لم يفعلوها كشرب الخمر أو غيره من المعاصي، كما قال تعالى عن قسم من أهل النار: {وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ} {المدثر: 45}، وعن آخر يقول لصاحبه: {يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ} {الزخرف: 38}، ونحو ذلك.
فإظهار الخشية من الله أمام هؤلاء أكمل وأمثل وأعلى من الخشية بالغياب عن عيون الناس؛ لأن فيها إظهارًا وتعظيمًا لشعائر الله وتقوية لضعفاء الدين، وقمعًا للذين يجاهرون بمحاربة الله ورسوله.
وعلى هذا تكون الخشية المطلقة أشمل وأكمل. ومعنى الخشية المطلقة: الخشية بالغيب والخشية بالمشاهدة.
ثم لنلاحظ من ناحية أخرى في قوله تعالى: {إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ} أنه ذكر نوعين من العبادة: عبادة ظاهرة وهي قوله تعالى: {اتَّبَعَ الذِّكْرَ}، وعبادة قلبية وهي قوله: {وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ}، وذكر نوعين من الجزاء: المغفرة والأجر الكريم.
والمغفرة هي ما يتعلق بالذنوب.
والأجر الكريم ما يتعلق بالعمل الصالح.
فشمل ذلك كل أنواع العمل سواء كان سيئًا أم صالحًا.
فالعمل السيء مغفور لهؤلاء، والعمل الصالح مكافأ عليه بالأجر الكريم وهو أحسن تقسيم وأنسبه.
جاء في (البحر المحيط): "ولما أحدث فيه النذارة بشره بمغفرة لما سلف وأجر كريم على ما أسلف من العمل الصالح وهو الجنة" (8).
وجاء في (روح المعاني): {فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ} عظيمة لما سلف، وقيل: لما يفرط منه، {وَأَجْرٍ كَرِيمٍ} حسن لا يقادر قدره لما أسلف" (9).
(1) التفسير الكبير 26/47.
(2) البحر المحيط 7/325.
(3) روح المعاني 22/217.
(4) التفسير الكبير 26/47 – 48.
(5) البحر المحيط 7/325.
(6) روح المعاني 22/217.
(7) البحر المحيط 5/382.
(8) البحر المحيط 7/325.
(9) روح المعاني 22/217.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 44 إلى ص 55.
{إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (12)}
* * *
{إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى}
قالوا: إن أصول الإيمان ثلاثة:
التوحيد والرسالة والحشر (1)، وقد ذكرها كلها في هذه الآيات. فإن الرسالة تقتضي مرسلًا وهذا يدل على التوحيد وقد نص على ذلك قوله: {تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ} .
وقد ذكر الرسالة بقوله: {إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِين....} .
وقوله: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى} يدل على الحشر.
وارتباط هذه الآية بما قبلها واضح، ذلك أن عاقبة الإنذار والتبشير اللذين ذكرهما قبل هذه الآية بقوله: {لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آَبَاؤُهُمْ....} وقوله: {إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ} إنما تكون في الحياة بعد الموت، فكان ذكرها ترغيبًا وترهيبًا وهو أنسب شيء.
جاء في (التفسير الكبير): "في الترتيب وجوه:
أحدها: أن الله تعالى لما بين الرسالة وهو أصل من الأصول الثلاثة التي يصير بها المكلف مؤمنًا مسلمًا ذكر أصلًا آخر وهو الحشر.
وثانيها: وهو أن الله تعالى لما ذكر الإنذار والبشارة بقوله: {فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ} ولم يظهر ذلك بكماله في الدنيا فقال: إن لم ير في الدنيا فالله يحيي الموتى ويجزي المنذرين ويجزي المبشرين.
وثالثها: أنه تعالى لما ذكر خشية الرحمن بالغيب ذكر ما يؤكده وهو إحياء الموتى" (2).
وجاء في (روح المعاني): "{إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى} إلخ تذليل عام للفريقين المصممين على الكفر والمشفقين بالإنذار ترهيبًا وترغيبًا ووعيدًا ووعدًا" (3).
وقد أكد الضمير المتقدم بـ (إن) مع ذكر ضمير الفصل (نحن) لإفادة القصر وللتقوية، ذلك أن الله وحده هو الذي يحيي الموتى لا غيره ولا يشاركه في هذا أحد فقدم الضمير لذلك، وأعني الضمير المؤكد بـ (إن). وكان الأصل أن يقال من غير توكيد: نحن نحيي الموتى. ولكنه أكد الضمير بـ (إن) وجاء بضمير الفضل توكيدًا وتقوية، ذلك أن الكفار لا يقرون بالحشر ولا يؤمنون بالحياة بعد الموت وكانوا يقولون: {مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ} {الجاثية: 24}. فأكد هذا الحكم بـ (إن) وبضمير الفصل، فأفاد هذا التعبير حصرًا وتوكيدًا.
جاء في (روح المعاني): "وتكرير الضمير لإفادة الحصر أو للتقوية... وضمير العظمة للإشارة إلى جلالة الفعل. والتأكيد للاعتناء بأمر الخبر أو لرد الإنكار، فإن الكفرة كانوا يقولون: {إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ} {المؤمنون: 37}، أي إنا نحن نحيي الأموات جميعًا ببعثهم يوم القيامة" (4).
وقد تقول: ولم لم يؤكد باللام أيضًا كما فعل في موطن آخر، فقد قال في سورة الحجر: {وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ} {الحجر: 23}؟
والجواب: أن كل موطن يقتضي ما ذكر.
فإنه ذكر في سورة الحجر من مظاهر قدرته وفصل فيها ما لم يذكره في سورة (يس). فقد قال في سورة الحجر:
{وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (16) وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (17) إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ (18) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (19) وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ (20) وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (21) وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (22) وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ} {الحجر: 16 – 23}.
في حين لم يذكر شيئًا من ذلك في سورة (يس)، فاقتضى ذلك أن يذكر اللام توكيدّا ومناسبة لمقام التفصيل. فناسب الإيجاز الإيجاز، والتفصيل التفصيل.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أنه فصل في ذكر الحشر في سورة الحجر ما لم يفصله في سورة (يس). فقد قال في الحجر: {وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ (23) وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (24) وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ}.
في حين لم يزد في سورة (يس) على قوله: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ}، ثم يتنقل إلى موضوع آخر.
فناسب مقام الحشر وذكره بصورة أوسع مما في (يس) أن يزيد في توكيده.
ومن ناحية ثالثة: أن الخطاب في سورة يس قبل وبعد الآية للرسول. ويبدأ ذلك بقوله: {إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (3) …. لِتُنْذِرَ قَوْمًا ..... وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ .... إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ .... فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ} ثم تأتي الآية بعدها: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا...}
في حين أن الخطاب في الحجر لعموم الخلق كما هو ظاهر، ولا شك أن عموم الخلق بهم حاجة إلى تأكيد الحشر أكثر من الرسول ، فناسب ذلك الزيادة في التأكيد في آية الحجر من كل وجه، والله أعلم.
(1) انظر التفسير الكبير 26/48، البحر المحيط 7/325.
(2) التفسير الكبير 26/48.
(3) روح المعاني 22/218.
(4) روح المعاني 22/218.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 55 إلى ص 58.
* * *
{وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ}
أي نكتب ما قدموا من الأعمال الصالحة وغيرها.
(وآثارهم) أي ما أبقوه بعدهم من أعمال البر أو غيرها من أعمال السوء. فإن الإنسان قد يعمل عملًا فيه فائدة للمسلمين يبقي بعده كتأليف كتاب، أو بناء مسجد، أو تأسيس مدرسة تعلم الناس أمور دينهم، أو تأسيس جماعة تدعو إلى الله، أو سن سنة حسنة فتكتب له حسنات بقدر ما ينتفع بها حيث انتفع بها.
أو بالعكس فإنه قد يعمل عملًا فيه إضرار بالمسلمين من سن مظلمة، أو ابتدع بدعة سيئة، أو نشر أفكار ضارة بالمسلمين، أو معادية للإسلام، أو إظهار معصية، وما إلى ذلك من أعمال السوء، فإنه تكتب عليه أوزار ذلك بقدر ما أحدثت من أضرار حيث أضرت. فإنه ليست الأعمال وحدها هي التي تكتب بل تكتب أثار تلك الأعمال من خير أو شر. قال : (من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها من عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أوزارهم شيئًا)
وجاء في (الكشاف): "{وَنَكْتُبُ مَا} أسلفوا من الأعمال الصالحة وغيرها، وما هلكوا عنه من أثر حسن كعلم علموه أو كتاب صنفوه أو حبيس حبسوه أو بناء بنوه من مسجد أو رباط أو قنطرة أو نحو ذلك، أو سيء كوظيفة وظفها بعض الظلام على المسلمين، وسكة أحدث فيها تخسيرهم، وشيء أحدث فيه صد عن ذكر الله من ألحان وملاه، وكذلك كل سنة حسنة أو سيئة يستن بها. ونحوه قوله تعالى: {يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ} {القيامة: 13}، أي قدم من أعماله وأخر من أثاره. وقيل: هي آثار المشائين إلى المساجد... وعن عمر بن عبد العزيز: لو كان الله مغفلًا شيئًا لأغفل هذه الآثار التي تعفيها الرياح" (1).
وجاء في (روح المعاني): "{وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا} ما أسلفوه من الأعمال الصالحة والطالحة، (وأثارهم) التي أبقوها بعدهم من الحسنات كعلم علموه... وغير ذلك من وجوه البر، ومن السيئات كتأسيس قوانين الظلم والعدوان... وغير ذلك من الشرور التي أحدثوها وسنوها بعدهم للمفسدين.
أخرج ابن أبي حاتم عن جرير بن عبدالله البجلي قال: قال رسول الله : "من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا. ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيئًا، ثم تلا {وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ}" (2).
وقد تقول: لقد قدم الله (إحياء الموتى) على كتابة ما قدموا وآثارهم فقال: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ} مع أن كتابة ما قدموا وآثارهم قبل إحياء الموتى فلم ذاك؟.
فنقول إن التقديم والتأخير لا يكون دائمًا مبنيًا على السبق في الزمان أو على الأشرف وإنما هو مبنى على العناية والاهتمام، وهذه تختلف بحسب السياق والمقام، فقد يقدم المتأخر أحيانًا أو بالعكس؛ ولذا نجد في القرآن تقديم الركوع على السجود مرة وتقديم السجود على الركوع مرة أخرى، وتقديم الحياة على الموت مرة وتقديم الموت على الحياة مرة أخرى، نجد تقديم المتقدم في الزمن مرة وتقديم المتأخر مرة أخرى، قال تعالى: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآَتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا} {النساء: 163}.
فقدم عيسى على أيوب ويونس وغيرهما ممن ذكر، وهو بعدهم جميعًا. وذكر سليمان قبل أبيه داود. فليس التقديم والتأخير قائمًا على السبق في الزمان إذن؛ وإنما مداره على العناية والاهتمام كما ذكرت. وأوجه العناية والاهتمام تختلف بحسب السياق.
وهنا قدم الإحياء على الكتابة لأنه أهم من عدة أوجه:
منها: أنه المناسب لما قبله من الإنذار والتبشير، فإن ذلك يكون في الحياة بعد الموت.
ومنها: أن كتابة ما قدموا من الأعمال إنما هي لما بعد الموت، وإلا فلا قيمة للكتابة، فقدم الأهم لذلك.
ثم إنه رتب المذكورات بحسب الأهمية، فإن أهم شيء فيما ذكر هو الإحياء بعد الموت، ثم كتابة الأعمال التي تعرض على صاحبها في الحياة الثانية، ثم كتابة الآثار وهي مستندة إلى ما قدم من الأعمال. فما قدم من العمل هو أساس كتابة الآثار.
ثم إنه قدم الأهم من ناحية أخرى وهو ما لا يستطيع فعله إلا الله وهو إحياء الموتى، ولذا جاء به بأسلوب القصر المؤكد ليدل على أنه لا يفعله إلا الله. وأما الكتابة فإنه يمكن أن يفعلها المخلوقون وإن لم تكن بنفس الدرجة من الدقة والإحاطة، ولذا قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا} ولم يقل: (وإنا نحن نكتب ما قدموا).
ثم من ناحية أخرى قدم فعل الله على ما يفعله غيره، والإحياء فعل الله. وأما الكتابة فهي فعل الملائكة الموكلين بها بأمره كما أخبر ربنا {وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ} {الزخرف: 80}، {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} {ق: 18}.
ثم إنه قدم إحياء الموتى لأن السورة مبنية على ذلك، وأن جوها يشيع فيه ذكر الحياة بعد الموت. قال تعالى: {وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ} {يس: 32}، وهذا في الحياة الأخرى.
وقال: {وَآَيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ} {يس: 33}.
وهذا إحياء بعد الموت.
{وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} {يس: 48}، أي: الحشر.
وقال: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (51) قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (52) إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ} {يس: 51 - 53}.
ثم ذكر مشهدًا من مشاهد الحياة الآخرة في الجنة ومشهدًا آخر في النار.
وتختم السورة بقوله: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ}.
فالسورة يشيع فيها ذكر الحياة بعد الموت، فناسب تقديمه على الكتابة من كل وجه.
جاء في (التفسير الكبير): "الكتابة قبل الإحياء فكيف أخر في الذكر حيث قال: (نحيي ونكتب)، ولم يقل: (نكتب ما قدموا ونحييهم)؟ نقول: الكتابة معظمة لأمر الإحياء، لأن الإحياء إن لم يكن للحساب لا يعظم، والكتابة في نفسها إن لم تكن إحياء وإعادة لا يبقى لها أثر أصلاً. فالإحياء هو المعتبر والكتابة مؤكدة معظمة لأمره. فلهذا قدم الإحياء، ولأنه تعالى لما قال: (إنا نحن) وذلك يفيد العظمة والجبروت والإحياء عظيم يختص بالله والكتابة دونه، فقرن بالتعريف الأمر العظيم وذكر ما يعظم ذلك العظيم" (3).
وقال: (نكتب) ولم يقل: (نعلم) لغرض الاهتمام بها وتوثيقها وإطلاع صاحبها عليها بصغيرها وكبيرها. فإن الإنسان قد يعلم أشياء ولا يكتبها، فإن كانت مهمة دونها.
وقال: (أحصيناه) ولم يكتف بالكتابة؛ لأن الكتابة وحدها قد لا تكون كافية، فإن كتبت أشياء ولم تحصها فربما ضاعت أو تلفت، فإن الإحصاء يحدد عدد المكتوب فلا يضيع منه شيء. ولم يكتف بإحصائها بل جعلها في موضع واحد وهو الإمام المبين وهو اللوح المحفوظ - كما قيل - وسمي إمامًا لأن الملائكة تتبعه وتنفذ ما فيه فهو الإمام لها.
وقال: (نكتب) بالمضارع و(أحصيناه) بالماضي، لأن الإحصاء في الإمام المبين سابق على الكتابة، فإن الكتابة تكون لما يفعله المكلفون وهي متأخرة عما كتبه الله في اللوح، فقد جف القلم بما هو كائن إلى يوم الدين.
جاء في التفسير الكبير): "وقوله: {وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ} يحتمل وجوها:
أحدها: أن يكون ذلك بيانًا لكون ما قدموا وآثارهم أمرًا مكتوبًا عليهم لا يبدل فإن القلم جف...
وثانيها: أن يكون ذلك مؤكدًا لمعنى قوله: (ونكتب) لأن من يكتب شيئًا في أوراق ويرميها قد لا يجدها فكأنه لم يكتب فقال: نكتب ونحفظ ذلك في إمام مبين. وهذا كقوله تعالى: {عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى}... وقوله: (أحصيناه) أبلغ من (كتبناه) لأن من كتب شيئًا مفرقًا يحتاج إلى جمع عدده، فقال: هو محصى فيه. وسمي الكتاب إمامًا لأن الملائكة يتبعونه، فما كتب فيه من أجل ورزق وإحياء وإماتة اتبعوه. وقيل: هو اللوح المحفوظ" (4).
وقال: {وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ} بنصب (كل) ولم يقل: (وكل شيء) بالرفع، ذلك أن المعنى بنصب (كل) أننا أحصينا كل شيء في كتاب مبين.
وأما بالرفع فيحتمل معنيين:
المعنى الأول: وهو ما ذكرناه بالنصب فيكون (كل) مبتدأ، وجملة (أحصيناه) خبرًا له.
والمعنى الآخر: أن تكون جملة (أحصيناه) نعتًا لشيء، والخبر (في إمام مبين) فيكون المعنى (أننا كل شيء أحصيناه) (في إمام مبين) أي أن الشيء الذي أحصيناه إنما هو في إمام مبين. ومعنى ذلك أن الأشياء على قسمين: قسم محصى وهو في إمام مبين. وقسم غير محصى وهو ليس كذلك. وهذا المعنى باطل لا يمكن أن يراد.
فجاء بالعبارة ذات الدلالة القطعية التي لا تحتمل دلالة أخرى.
إن هذه الآيات من سورة (يس) بينت المقصد من هذه السورة وعليها بنيت، فكأنها تلخيص للسورة وبقية السورة تبيين لها. وقد ارتبطت آيات السورة بهذه الآيات ارتباطًا متينًا واضحًا.
فقد أجاب القسم بقوله: {إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ} أي إنك واحد منهم. وقد طبعت السورة بهذا الطابع وقد بنيت على هذا الأمر. فقد ضرب له مثلاً بأصحاب القرية إذ جاءها المرسلون وذكر قصتهم معهم.
وقال: {يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} {یس: 30}، فهذا يدل على كثرة الرسل وأنه واحد منهم.
وذكر تصديق المكذبين لرسلهم في الآخرة {هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ} {يس: 52}.
وقد ذكر في موطن آخر من السورة أن ما عهده الله إلى بني آدم على لسان رسله هو صراط مستقيم {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آَدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (60) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ}، فانظر كيف وصف الرسول في أول السورة أنه على صراط مستقيم، ويأتي في بحر السورة أن هذا هو عهده إلى بني آدم.
ثم قال: {تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ} وكما بنيت السورة على ما ذكرت من أمر المرسلين وشاع فيها ذلك، بنيت أيضًا على العزة والرحمة وشاع ذلك فيها كما سبق أن ذكرنا في تفسير قوله: {تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ}.
ثم ذكر الغرض من هذا التنزيل وهو الإنذار فقال: {لِتُنْذِرَ قَوْمًا} وقد شاع أيضًا جو الإنذار فيها، وهو التحذير من مغبة التكذيب لرسل الله سبحانه وذلك بما يذكره من العقوبات في الدنيا والآخرة وذلك من نحو قوله تعالى: {وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ (28) إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ (29) يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (30) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ (31) وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ}.
وهذا كله إنذار وتخويف.
ونحو قوله: {وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ} {يس: 43}.
وقوله: {مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (49) فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ} {يس: 49 - 50}.
وقوله: {إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ} {یس: 53}
وذكر مشهًدا من مشاهد جهنم وفيه تحذير أي تحذير.
ومن ذلك قوله: {لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ} {يس: 70}.
وقوله: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آَلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (74) لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ} {يس: 74 - 75}.
وهذا كله تحذير وإنذار لمن كان له قلب.
ثم ذكر القوم الذين سينذرهم وموقفهم من هذا الإنذار وأنهم سواء عليهم الإنذار وعدمه فهم لا يؤمنون على أية حال.
وبين لنا في السورة فيما ضرب من مثل وذكره أن هذا حال أكثر الأقوام الماضية وأن موقفهم من إنذار الرسل واحد ليتأسى رسول الله وليعلم أن هذا ليس موقف قومه وحدهم، فقد ضرب له مثلًا بأصحاب القرية وموقفهم من رسلهم وذكر عاقبتهم ومآلهم، ثم بين أن هذا شأن عباد الله على العموم {يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} {یس: 30}، ثم ذكر فيما بعد مؤكدا هذا المعنى: {ومَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ} {يس: 46}، ثم ذكر أن الشيطان أضل خلقًا كثيرًا من بني آدم: {وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ} {یس: 62}، ثم ذكر في خواتم السورة أن الله خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين.
وهذه الآية تؤكد ما بينه وقرره من حال الإنسان وموقفه من الله ورسالاته.
ثم ذكر أن جزاء من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب مغفرة وأجر كريم. وشاع هذا الأمر في السورة وقرره في أكثر من موطن، فذكر عاقبة الذين آمن بالرسل من أصحاب القرية وأنه قيل له: {ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ} فذكر المغفرة والإكرام وهما ما ذكره في قوله: {فبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ}. ثم ذكر أصحاب الجنة ونعيمهم 56 – 58.
ثم ختم هذه الآيات بقوله: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ} وشاع في السورة أمر إحياء الموتى حتى صار طابعًا لها كما سبق أن ذكرنا.
فاتضح من هذا أن هذه الآيات هي المعاني التي بنيت عليها السورة وشاع فيها ذكرها، والله أعلم.
(1) الكشاف 2/583، وانظر البحر المحيط 7/325.
(2) روح المعاني 22/218.
(3) التفسير الكبير 26/49.
(4) التفسير الكبير 26/49 – 50.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 58 إلى ص 67.
{وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ}
{وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا}
يحتمل هذا التعبير معنيين:
المعنى الأول: أن المقصود اضرب لأجلهم مثلاً، أي بينه لهم واذكره لهم، وقص عليهم قصة أصحاب القرية ليتعظوا وليعلموا أنك لست بدعًا من الرسل، وإنما أرسل قبلك رسل وأنذروا قومهم وأن موقفهم من رسلهم كان التكذيب وإنكار الرسالات وأنهم آذوا رسلهم وعذبوهم فأهلكهم الله لعل قومك يتعظون.
والمعنى الآخر: أن المقصود مثل لنفسك حال قومك بأصحاب القرية واجعلهم مثلًا لهم، أي شبه حالهم بحال أصحاب القرية، فإن حال قومك شبيه بحال أصحاب القرية، وإن مثلهم كمثلهم، كما تقول مخاطبًا شخصًا: أنا أشبه حالك بحال فلان إذ فعل كذا وكذا. أو تقول لشخص: أنا أضرب لزيد مثلًا خالدًا فإن كليهما قد خسر في تجارته، أي اجعله شبيهًا به.
وعلى كلا هذين المعنيين يرتبط المثل بما قبله أحسن ارتباط.
فإنه على المعنى الأول: أي أن تضرب لهم المثل وتبينه لهم، فإنه يقول له: بين لهم شأن أصحاب القرية وموقفهم من رسلهم فإنهم مثلهم في الاعتقاد والتكذيب، وستكون عاقبتهم مثلهم إن أصروا على كفرهم وعنادهم لعلهم يتعظون ويرعوون.
وعلى المعنى الثاني: يكون المقصود أن قومك ليسوا بدعًا من الأقوام، فهناك أقوام مثلهم في التعنت والكفر، وأنه سواء عليهم الإنذار وعدمه، وأنه حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون، وأنت لست وحدك تلاقي من العنت والإيذاء والتكذيب ما تلاقي، فهؤلاء أصحاب القرية مثل قومك في موقفهم وعنادهم وإيذائهم رسلهم، فقد أرسل إليهم ثلاثة رسل فكذبوهم وآذوهم فتصبر وتأس بهم. وفي ذلك تصبير له وتأسية فيكون ضرب المثل له .
والمعنيان مرادان مرتبطان بما قبلهما أجل ارتباط وأحسنه.
جاء في (التفسير الكبير) في قوله: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا}: "وفيه وجهان. والترتيب ظاهر على الوجهين.
الوجه الأول: هو أن يكون المعنى: واضرب لأجلهم مثلًا.
والثاني: أن يكون المعنى: واضرب لأجل نفسك أصحاب القرية لهم مثلًا.
أي مثلهم عند نفسك بأصحاب القرية.
وعلى الأول نقول: لما قال الله: {إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ}، وقال: (لتنذر)، قال: قل لهم (ما كنت بدعًا من الرسل) بل قبلي بقليل جاء أصحاب القرية مرسلون وأنذروهم بما أنذرتكم وذكروا التوحيد وخوفوا بالقيامة وبشروا بنعيم دار الإقامة.
وعلى الثاني نقول: لما قال الله تعالى إن الإنذار لا ينفع من أضله الله وكتب عليه أنه لا يؤمن قال للنبي عليه الصلاة والسلام: فلا تأس واضرب لنفسك ولقومك مثلًا، أي مثل لهم عند نفسك مثلًا حيث جاءهم ثلاثة رسل ولم يؤمنوا، وصبر الرسل على القتل والإيذاء، وأنت جئتهم واحدًا وقومك أكثر من قوم الثلاثة، فإنهم جاءوا قرية وأنت بعثت إلى العالم" (1).
وجاء في (روح المعاني): "فالمعنى على الأول: اجعل أصحاب القرية مثلًا لهؤلاء في الغلو في الكفر والإصرار على التكذيب، أي طبق حالهم بحالهم على أن (مثلًا) مفعول ثان لـ (اضرب)، و(أصحاب القرية) مفعوله الأول أخر عنه ليتصل به ما هو شرحه وبيانه.
وعلى الثاني: أذكر وبين لهم قصة هي في الغرابة كالمثل. وقوله سبحانه: {أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ} بتقدير مضاف، أي مثل أصحاب القرية" (2).
وقال: {إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ} ولم يقل: (إذ جاءهم) لأنه أراد أنهم أتوهم في مكانهم لينذروهم. ولو قال: (إذ جاءهم) لم يفد أنهم أتوهم إلى مكانهم، بل يحتمل أنهم كانوا في مكان ما فأتاهم الرسل إليه. فقد يجتمع أهل قرية في مدينة ما ويأتيهم شخص إلى مكان اجتماعهم فيقال: (جاء أهل القرية فلان وكلمهم) ولم يفد ذلك أنه ذهب إلى قريتهم. بخلاف قوله: (جاءها) فإنه يفيد أنهم ذهبوا إليهم في دارهم ليبلغوهم دعوة ربهم وينذروهم، وفي هذا من الاهتمام بأمر التبليغ ما فيه.
جاء في (روح المعاني): "وقيل: {إِذْ جَاءَهَا} دون ( إذ جاءهم) إشارة إلى أن المرسلين أتوهم في مقرهم" (3).
وقال: (جاءها) دون (أتاها) ذلك أن المجيء يكون لما فيه مشقة ولما هو أصعب من الإتيان (4). ويبدو أنه كان في المجيء إلى أهل القرية وتبليغهم مشقة وإيذاء وتهديد فاختار المجيء على الإتيان. ولذا قال تعالى: {وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ} {الفرقان: 40}، لأنه كان إتيانًا سهلًا وذلك أنهم مروا بها وهم في طريقهم. وقال: {حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا} {الكهف: 77}، لأن إتيانها ودخولها كان ميسرًا ولم يجدوا من أهلها مساءة أو مشقة فاستعمل (أتيًا) دون (جاءًا).
(1) التفسير الكبير 26/50.
(2) روح المعاني 22/220.
(3) روح المعاني 22/220.
(4) انظر المفردات في غريب القرآن 6 و102 وانظر كتاب "لمسات بيانية" (قصة موسى في سورتي النمل والقصص).
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 67 إلى ص 70
{إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا.... (14)}
قال: {أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ} ولم يقل: (أرسلنا إليها)، كما قال: (جاءها)؛ لأن الإرسال في الحقيقة إلى أهل القرية لا إلى القرية، أما المجيء فكان إلى القرية، فإن القرية تطلق على المساكن والأبنية والضياع وإن كانت خالية، قال تعالى: {أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا} {البقرة: 259}، ولذلك قال بعد: {فَكَذَّبُوهُمَا} فنسب التكذيب إلى أهلها ولم ينسبه إلى القرية. لأنهم هم المرسل إليهم وهم المكذبون.
وقوله: {فَكَذَّبُوهُمَا} يدل على أنهما أنذرا أصحاب القرية وبلغاهم دعوة ربهم إلا أنهم كذبوهما، وهذه الفاء تسمى فاء الفصيحة، وهي التي أفصحت عن المحذوف وهو التبليغ؛ لأن التكذيب لا يكون إلا مع التبليغ فحذف ما هو مفهوم من الكلام وما لا داعي له؛ لأن العناية ههنا بموقف أهلها منهما.
وهو الموقف المشابه لموقف أهل مكة. جاء في (روح المعاني): "وقيل: {أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ} دون (أرسلنا إليها) ليطابق {إِذْ جَاءَهَا}، لأن الإرسال حقيقة إنما يكون إليهم لا إليها، بخلاف المجيء. وأيضًا التعقيب بقوله تعالى: {فَكَذَّبُوهُمَا} عليه أظهر. وهو هنا نظير التعقيب في قوله تعالى: {فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ} {البقرة: 60} (1)
{فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ}
عززنا: قوينا، والمعنى: فقويناهما، غير أنه لم يذكر المفعول به، فلم يقل: (فعززناهما)؛ ذلك أن المقصود تقوية الحق الذي أرسلا به علاوة على تقويتهما، وليس المقصود تقوية الشخصين فقط، فأخرج الفعل مخرج العموم، ولو ذكر مفعولًا به لتقيد التعزيز بذلك المفعول. فنحن نرى فيما نرى أنك قد تنصر شخصًا وتقويه ولا تنصر فكره، ونرى شخصين أو فريقين متخاصمين يحارب أحدهما الآخر أو يقتله وهما يحملان فكرًا واحدًا. فقال ههنا: {فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ} ليدل على أن التقوية عامة لهما ولدعوتهما. وقد ذهب الزمخشري وآخرون إلى أن الغرض من الحذف إنما هو لبيان أن المقصود ذكر المعزز به وهو الحق الذي أرسلا به. والذي يبدو لي ما ذكرت والله أعلم.
جاء في (الكشاف) في قوله: {فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ}:
"{فَعَزَّزْنَا}: فقوينا...
فإن قلت: لم ترك ذكر المفعول به؟
قلت: لأن الغرض ذكر المعزز به... وإذا كان الكلام منصبًا إلى غرض من الأغراض جعل سياقه له وتوجهه إليه، كأن ما سواه مرفوض مطرح، ونظيره قولك: (حكم السلطان اليوم بالحق) الغرض المسوق إليه قولك: (بالحق) فلذلك رفضت ذكر المحكوم له والمحكوم عليه" (2).
وجاء في (التفسير الكبير): "وترك المفعول حيث لم يقل: (فعززناهما) لمعنى لطيف، وهو أن المقصود من بعثهما نصرة الحق لا نصرتهما والكل مقرون للدين المتين بالبرهان المبين" (3).
وأسند التعزيز إلى نفسه سبحانه فقال: {فَعَزَّزْنَا} كما قال: {إِذْ أَرْسَلْنَا} للدلالة على أن المرسل والمعزز واحد كل ذلك بأمره سبحانه.
(1) روح المعاني 22/221.
(2) الكشاف 2/584.
(3) التفسير الكبير 26/51.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 71 إلى ص 73.
* * *
{فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (14)}
أسند القول إليهم جميعًا لأنهم يدعون بدعوة واحدة، وقد انضم الثالث إلى الاثنين في دعوتهما إلى الله سبحانه.
{إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ} قالوها مؤكدة بـ (إن) لأن الموقف يحتاج إلى توكيد، ذلك أن أصحاب القرية كذبوا الرسولين كما أخبر تعالى: {إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا} ولذا قواهما بثالث فاحتاج الكلام بعد التكذيب والتقوية بالثالث إلى توكيد فقال: {إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ}. وهذا القول إنما هو بعد التكذيب والتعزيز، يدل على ذلك (فقالوا) بالجمع، وقوله: {إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ} بالجمع.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 73 إلى ص 73.
{قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ (15)}
{قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا} أي فكيف أختصكم الله بالوحي دوننا، ونحن بشر وأنتم بشر؟
وفي هذا القول تكذيب لهم وإنكار للنبوات على العموم. وقد فصل ما تضمنته هذه العبارة من تكذيب للمرسلين وإنكار للنبوات بقوله بعد: {وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ} فإن هذا القول يعني إنكار النبوات، وبقوله: {إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ} وهو تكذيب لهم خاصة.
فذكر الأمر العام الذي يتضمن الأمرين، ثم ذكر كل أمر مما تضمنته العبارة
وهذا الإنكار شأن كثير من الأمم السالفة، فإنهم أنكروا أن ينزل الله على بشر من شيء.
جاء في (تفسير ابن كثير) في قوله: {مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا}: "أي فكيف أوحي إليكم وأنتم بشر ونحن بشر، فلم لا أوحي إلينا مثلكم؟ ولو كنتم رسلاً لكنتم ملائكة.
وهذه شبهة كثير من الأمم المكذبة كما أخبر الله تعالى عنهم في قوله عز وجل: {ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا} {التغابن: 6}، أي استعجبوا من ذلك وأنكروه، وقوله تعالى: {قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ} {إبراهيم: 10}، وقوله تعالى حكاية عنهم في قوله جل وعلا: {وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ} {المؤمنون: 34}، وقوله تعالى: {وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا} {الإسراء: 94} (۱).
وقد تقول: ولم لم يكتف بقوله: {مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا} وقد ذكرت أنه يتضمن معنى ما بعده؟.
والجواب: أنه ليس المقصود من قولهم هذا إثبات الرسل، فإن هذا الم ينازعهم فيه أحد، وإنما المقصود إنكار النبوات وتكذيبهم، فأوضحوا المقصود وأبانوا عن معتقدهم.
ودفعًا لحجة الرسل الذين سيحتجون عليهم بقولهم: نعم نحن بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده فيختصه بالرسالة، وإن كوننا بشرًا لا يمنع من أن يوحي إلينا ربنا، وما إلى ذلك من الحجج التي تبين أنه لا مانع من أن يكون البشر رسولًا، وأنه لو أرسل ربنا ملكًا لجعله رجلًا ولألتبس عليهم الأمر أيضًا، فأبانوا عن معتقدهم بقولهم: {وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ}. ثم بينوا رأيهم في هؤلاء الرسل فقالوا: {إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ}.
وهذه العبارة الأخيرة تعني تكذيب الرسل وعدم الإيمان لهم حتى لو كان الرحمن أنزل شيئًا؛ لأنهم كاذبون فيما يرون.
{وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ}
هذا القول يعني أنهم يؤمنون بالله وينكرون النبوات. وهذا شأن كثير من المجتمعات البشرية التي حكي عنها في القرآن نحو قوله: {لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً} {فصلت: 14}، وقوله: {أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا} {الإسراء: 94}، ومثلهم قوم سيدنا محمد فإنهم يؤمنون بالله وينكرون النبوات. قال تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} {العنكبوت: 61}.
وقال: {وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ} {الأنبياء: 3}.
وقال: {بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ} {ق: 2}.
جاء في (روح المعاني): "وظاهر هذا القول يقتضي إقرارهم بالألوهية لكنهم ينكرون الرسالة ويتوسلون بالأصنام" (2).
قال الفخر الرازي: "وقوله: (الرحمن) إشارة إلى الرد عليهم؛ لأن الله لما كان رحمن الدنيا والإرسال رحمة فكيف لا ينزل رحمته وهو رحمن؟ فقال: إنهم قالوا: ما أنزل الرحمن شيئًا، وكيف لا ينزل الرحمن مع كونه رحمن شيئًا، هو الرحمة الكاملة؟" (3).
وقد تقول: ولم قال ههنا: {وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ} فأسند الفعل إلى الرحمن، وقال في سورة الملك: {وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ} {الملك: 9}.
وفي سورة الأنعام: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ} {الأنعام: 91} بإسناد الفعل إلى الله؟.
فنقول: إن كل تعبير هو الأنسب في مكانه.
فأما سورة الملك فإنه يشيع فيها ذكر العذاب ومعاقبة الكفار، فقد ذكر فيها مشهدًا من مشاهد الذين كفروا في النار وسؤالهم عن النذر التي جاءتهم وذلك قوله: {وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ (5) وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (6) إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ (7) تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (8) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (9) وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10) فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ} {الملك: 5 - 11}.
ثم حذر عباده من عقوبته وبطشه في الدنيا وألا يأمنوا عذابه من فوقهم أو من تحت أرجلهم، وأن يعتبروا بما فعله ربنا في الأقوام الهالكة {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (16) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (17) وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ} {الملك: 16 – 18}.
ثم حذرهم مرة أخرى وهددهم بقوله: {أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ (20) أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ} {الملك: 20 – 21}.
وعاد مرة أخرى فذكر إنكار الكفار ليوم النشور واستبعادهم له وحذرهم من عقوبات رب العالمين في الدنيا والآخرة فقال: {وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (25) قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (26) فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ (27) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (28) قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آَمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (29) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ} {الملك: 25 – 30}.
وإزاء كل هذا التحذير والتخويف وذكر مشاهد العذاب لم يذكر بخصوص المؤمنين وجزائهم إلا آية واحدة وهي قوله: {إنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} {الملك: 12}.
فلا يناسب إزاء كل هذا التهديد والتحذير للكافرين وما أعده الله لعذابهم في جهنم أن يقرنه باسم الرحمن.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أن القائلين لهذا القول إنما هم في أطباق النيران، وأنهم ألقوا فيها فوجًا بعد فوج وقد اشتد غضب الله عليهم ولم تدركهم رحمته فلا يناسب ذكر الرحمن هنا أيضًا.
ثم إن الله جعل العذاب بمقابل الرحمة فقال: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ} {الحجر: 49 – 50}، ولما كان المشهد مشهد العذاب كان ذلك في مقابل الرحمة، فلا يناسب هذا العذاب ذكر الرحمة، وبخاصة أن هؤلاء كفروا بربهم فلا ترجي لهم رحمة ولا ينالهم من اسم الرحمن نصيب.
ومن ناحية أخرى أن القائلين في سورة (يس) إنما هم في الدنيا وهم يتقلبون في نعم الله ورحمته، أما القائلون في سورة الملك فإنما هم في جهنم وقد يئسوا من رحمته سبحانه، فناسب كل تعبير موطنه.
وأما سورة الأنعام فإنها يشيع فيها التحذير والتهديد والتوعد وليس فيها مشهد من مشاهد الجنة، وإنما فيها صور غير قليلة من مشاهد النار.
كما أن السورة لم يرد فيها اسم (الرحمن) على طولها، في حين ورد فيها اسم (الله) تعالى (۸۷) سبعا وثمانين مرة.
فناسب كل تعبير مكانه.
{إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ}
لقد واجهوهم بالتكذيب صراحة بعد أن ذكروا ذلك ضمنًا بقولهم: {مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا}، وقولهم: {وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ}
وكان النفي والإثبات بما وإلا في قوله: {قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا} وههنا بان وإلا: {إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ}.
ذلك أن (إن) أقوى في النفي من (ما) فوضع كل حرف في الموضع الذي يقتضيه، ذلك أن قولهم: {مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا} غير منكور وهو معلوم للجميع. أما قولهم: {إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ} فهو موضوع النزاع، فإنه الوصف الذي يلصقه أهل القرية بهم ويدفعه المرسلون عن أنفسهم. فإن كونهم بشرًا لا يحتاج إلى إثبات أو دليل، بخلاف إثبات الكذب. وأهل القرية لم يذكروا بشريتهم إلا ليصلوا إلى تكذيبهم، فإن الغرض من قولهم: {مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا} ليس إثبات البشرية لهم وإنما هو إثبات الكذب عليهم، فناسب ذكر أقوى الحرفين فيما فيه قوة إنكار ويحتاج إلى إثبات.
(1) تفسير ابن كثير 3/567.
(2) روح المعاني 22/221.
(3) التفسير الكبير 26/52.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 73 إلى ص 78.
{قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (16)}
بعد أن بالغ أصحاب القرية في تكذيبهم وردهم ردًا غير جميل لم يتركهم رسل الله ولم يرحلوا عنهم، وإنما أقسموا على صدقهم واستمروا على إبلاغهم دعوة ربهم قائلين: {رَبُّنَا يَعْلَمُ...} وفي هذا توجيه للدعاة أن لا يسأموا إذا جوبهوا بما يكرهون أو ردوا ردًا غير جميل أو اتهموا باتهامات باطلة، بل عليهم أن يعيدوا النصح والتبليغ.
وقولهم: {رَبُّنَا يَعْلَمُ} يجري عند العرب مجرى اليمين ويجاب بما يجاب به القسم، فقولك: (علم الله) و(ربنا يعلم) وما إلى ذلك هو نوع من القسم في كلام العرب، ولذا أجيب بما يجاب به القسم وهو الجملة الاسمية المؤكدة بإن واللام.
واختيار هذا التعبير أنسب شيء هنا، فإنه إضافة إلى القسم الذي فيه فإنهم نسبوا العلم إلى الله فقالوا: (ربنا يعلم ذلك) فإنهم أرسلوا بأمره وبعلمه. وهو ههنا أبلغ من مجرد القسم بأن نقول (والله) أو (وربنا) فإن أصحاب القرية قالوا: إن الرحمن لم ينزل شيئًا وإنكم تكذبون فيما ادعيتم به. فرد عليهم الرسل بأن ربنا يعلم صدقنا وأننا مرسلون إليكم.
وقيل: إن من قال: (يعلم الله ذلك) وهو غير صادق فيما يقول فقد كفر؛ لأنه نسب إلى الله الجهل، بخلاف اليمين الكاذبة.
واختيار (الرب) مع الرسالة أنسب شيء، فإن الرب هو المربي والهادي. والهداية هي المقصودة من الرسالة، ولذلك كثيرًا ما يقترن الإرسال بالرب وذلك نحو قوله تعالى: {لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا} {طه: 134}، وقوله: {رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا} {القصص: 47}، وقوله: {لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي} {الأعراف: 79}، وقوله: {إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ} {الزخرف: 46}.
وإضافته إلى ضمير المتكلمين (ربنا) يعني أن ربهم الذي خلقهم وله كمال الصفات هو الذي أرسلهم وأيدهم بالمعجزات. ولو قالوا: (ربكم يعلم...) لاحتمل أن يقولوا لهم: إن ربنا لا يرسل الرسل. ثم إنهم اتخذوا أربابًا لا تسمع ولا تبصر ولا تفقه فكيف ترسل الرسل؟.
ثم إن ذلك يعني أن ربهم هو الذي أرسلهم إلى أهل القرية لأنه ربهم أيضًا، ولو لم يكن ربهم لم يعنه أمرهم. فإضافة الرب إلى ضمير المتكلمين له أكثر من مناسبة ودلالة.
وتقديم الرب على الفعل يفيد التوكيد والتقوية.
وتقديم الجار والمجرور (إليكم) يفيد التخصيص، أي إنا أرسلنا إليكم على وجه الخصوص لنبلغكم رسالة ربنا.
وقال ههنا: (لمرسلون) باللام، وقال قبلها: (مرسلون بلا لام، وذلك زيادة في التوكيد لزيادة الإنكار. فقد أكد العبارة الأولى بإن بعد التكذيب، فلما زاد التكذيب والإنكار بثلاث جمل كل منها غاية في التكذيب والإنكار زاد في التأكيد. فقد قال في المرة الأولى: {إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ} وفي المرة الأخرى: {رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ}. فأكد بالقسم وهو قوله: {رَبُّنَا يَعْلَمُ} وبالجملة الاسمية وهو تقديم (ربنا) على الفعل (يعلم) وبين واللام. فكان كل تعبير هو المناسب للمقام.
جاء في (التفسير الكبير): في قوله تعالى: {قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ....} إنه "إشارة إلى أنهم بمجرد التكذيب لم يسأموا ولم يتركوا، بل أعادوا ذلك الهم وكرروا القول عليهم وأكدوه باليمين و{قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ} وأكدوه باللام لأن (يعلم الله) يجري مجرى القسم. لأن من يقول: (يعلم الله) فيما لا يكون فقد نسب الله إلى الجهل وهو سبب العقاب، كما أن الحنث سببه" (1).
وجاء في (روح المعاني): "استشهدوا بعلم الله تعالى وهو جارٍ مجرى القسم في التأكيد والجواب بما يجاب به. وذكر أن من استشهد به كاذبًا يكفر ولا كذلك القسم على كذب. وفيه تحذيرهم معارضة علم الله تعالى.
وفي اختيار عنوان الربوبية رمز إلى حكمة الإرسال، كما رمز الكفرة إلى ما ينافيه بزعمهم. وإضافة (رب) إلى ضمير الرسل لا يأبى ذلك، ويجوز أن يكون اختياره لأنه أوفق بالحال التي هم فيها من إظهار المعجز على أيديهم، فكأنهم قالوا: ناصرنا بالمعجزات يعلم إنا إليكم المرسلون.
وتقديم المسند إليه لتقوية الحكم أو للحصر، أي ربنا يعلم لا أنتم الانتفاء النظر في الآيات عنكم...
وجاء كلام الرسل ثانيًا في غاية التأكيد لمبالغة الكفرة في الإنكار جدًا حيث إنه أتوا بثلاث جمل وكل منها دال على شدة الإنكار كما لا يخفى على من له أدنى تأمل" (2).
(1) التفسير الكبير 26/52.
(2) روح المعاني 22/222 وانظر الكشاف 2/584.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 78 إلى ص 81.
{وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ}
ذكروا أن مهمتهم هي البلاغ المبين حتى إن كذبوهم وأساءوا إليهم فإن هذا لا يثنيهم عن البلاغ لأن هذا أمر أنيط بهم وعليهم تنفيذه.
ومعنى (علينا) أي نحن مكلفون بذلك وهو واجبنا، فواجب الرسل هو التبليغ. بل يلزمنا البلاغ المبين، أي المبين للحق المظهر له، والذي يصل إلى عموم المكلفين بحيث لا يبقى أحد لا يسمع به ولا يعلم ما هو فلا يصح أن نسر ذلك إلى شخص أو نبلغه إلى جماعة مخصوصة فإن ذلك لا يكون بلاغًا مبينًا. فالبلاغ المبين يتضمن أمرين:
الأمر الأول: إيضاح الرسالة وتبليغها كلها بحيث لا يبقى منها شيء غير مبلغ ولا غير معلوم.
والأمر الآخر: أن يكون التبليغ شاملًا لكل من أرسل إليهم و اصلًا إلى كل فرد.
فلا يترك سبيلًا لإيصال الدعوة إلى كل من تعنيه.
وإلا لم يكن بلاغًا مبينًا.
وعلى هذا فإن عليهم أن يبلغوا كل ما أرسلوا به وألا يكتموا منه شيئًا وأن يوصلوه إلى جميع أصحاب القرية. وهذان الأمران لا يصدهم عنهما صاد ولا يدفعهم عنهما دافع لأن ذلك مما ألزموا به إلزامًا.
جاء في (التفسير الكبير): "و(المبين) يحتمل أمورًا:
أحدها: البلاغ المبين للحق عن الباطل، أي الفارق بالمعجزة والبرهان.
وثانيها: البلاغ المظهر لما أرسلنا للكل. أي لا يكفي أن نبلغ الرسالة إلى شخص أو شخصين.
وثالثها: البلاغ المظهر للحق بكل ما يمكن" (1).
(1) التفسير الكبير 26/53.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 81 إلى ص 82.
{قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (18)}
تطيرنا بكم: أي تشاء منا بكم (1)، فلم نر على وجوهكم خيرًا في عيشنا (2).
وقد تقول: لقد قال في سورة النمل في قوم صالح: {اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ} {النمل: 47} فأبدل وأدغم، فلم لم يقل ههنا كما قال ثم؟
والجواب أنا ذكرنا في كتابنا (بلاغة الكلمة في التعبير القرآني) أن (اطير) ونحوه كادبر واطهر أبلغ من (تطير) ونحوه، وذلك لمكان التضعيف في الفاء زيادة على تضعيف العين، فدل على أن التطير في سورة النمل أشد منه مما في هذه الآية، يدل على ذلك أنهم في هذه الآية هددوهم بالرجم والتعذيب إن لم ينتهوا. وأما في سورة النمل فقد تعاهدوا وتقاسموا بالله على قتله مع أهله: {قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ} {النمل: 49} (3) فدل على أن تطيرهم في سورة النمل أقوى وأشد.
وقد تقول: إذا كان الأمر كذلك فلم إذن أكد التطير بـ (إن) في سورة (يس) فقال: {إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ} ولم يؤكده في سورة النمل، فإنه قال: {قَالُوا اطَّيَّرْنَا}
والجواب: أنه لا يلزم في الكلام توكيد كل فعل فيه مبالغة وشدة دومًا، فإنه إذا ذكر المتكلم فعلًا أقوى وأبلغ من فعل، أو وصفًا أقوى من وصف لا يلزمه أن يؤكد الفعل أو الوصف الأقوى منهما، وإنما يكون ذلك بحسب الغرض. فله أن يؤكد أي واحد منهما بحسب ما يقتضيه الكلام. فله أن يقول مثلًا: (اصطبرت عليك وإني صبرت على فلان) فيذكر الاصطبار من دون توكيد ويؤكد الصبر مع أن الاصطبار أبلغ وأقوى من الصبر، لأن الغرض من العبارة أن يخبر باصطباره عليه ويؤكد صبره على الآخر.
ولك أن تقول: (إنه كاذب) فتؤكد اسم الفاعل، وتقول: (هو كذاب) فلا تؤكد صيغة المبالغة مع أن المبالغة أقوى من اسم الفاعل. ولا يلزم من مبالغة الوصف التوكيد وإنما يكون ذلك بحسب الغرض. قال تعالى: {وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} {الأنعام: 28} في أكثر من موطن، فأكد كذبهم بإن واللام.
وقال: {هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ} {ص: 4}، و{بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ} {القمر: 25}، ولم يؤكد مع أن (كذاب) صيغة مبالغة، فأكد اسم الفاعل ولم يؤكد المبالغة.
والذي أريد أن أخلص إليه أن المبالغة في الفعل والوصف لا تقتضي التوكيد دائمًا، وإنما ذلك بحسب الغرض والمقام. فلك أن تؤكد أي فعل أو وصف أو لا تؤكده، ولك أن تؤكد ما هو أقل مبالغة ولا تؤكد الأقوى وبالعكس، فكل ذلك إنما يكون بحسب ما يقتضيه الكلام.
وإيضاح ذلك أنك قد تذكر شخصًا هو موضع ثقة كبيرة عند من تخاطبه فتقول له (هو كاذب) فينكر ذلك عليك، فتؤكد ذلك بقولك: (إنه كاذب) ثم ينكر عليك قولك إنكارًا أشد من الأول فتقول له: إنه لكاذب.
وتقول عن شخص آخر معروف بكثرة الكذب: (هو كذاب) فلا تحتاج إلى توكيد لأن مخاطبك لا ينكر ذلك عليك.
فأنت احتجت إلى أن تؤكد اسم الفاعل دون المبالغة.
ونعود إلى الآيتين، فنقول: إن قوم صالح أخبروه بتطيرهم الشديد، وأما أصحاب القرية فإنهم أكدوا تطيرهم، وهو نظير قولنا: (اصطبرت عليك وإني صبرت على فلان) أو (هو مكتسب وإن زيدًا كاسب) فيؤكد الأقل دون الأقوى.
إنه في آية (يس) وهي قوله: {قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ} أكد التطير بإن، وفي آية النمل وهي قوله: {قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ} {النمل: 47} لم يؤكده، ذلك أن كل موطن يقتضي ما ذكر فيه.
فإن أصحاب القربة أطالوا في كلامهم ولم يكتفوا بذكر التطير، وإنما هددوهم بالرجم والتعذيب فقالوا: {لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ}.
في حين كان الكلام موجزًا في سورة النمل، فقد ذكروا التطير ولم يهددوهم بشيء، فناسب الإيجاز الإيجاز، وناسب التفصيل التفصيل. ولا شك أن القول: {إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ} أطول من {اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ}.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أن أصحاب القرية هددوهم بالرجم والتعذيب مؤكدين ذلك بالقسم ونون التوكيد {لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ}، فناسب ذلك توكيد التطير، في حين أن قوم صالح لم يهددوهم بشيء. فناسب التوكيد في آية (يس) دون آية النمل.
وهناك أمر آخر، وهو أن رهطًا من قوم صالح كانوا يدبرون له ولأهله أمرًا خفيًا لا يريدون إشاعته ولا أن يعلم به غيرهم، وهو أن يبيتوه وأهله بليل، أي أن يغيروا عليهم ليلًا ويقتلوهم من دون أن يعلم أحد، ثم إنهم إن سئلوا عن ذلك أجابوا أنهم لا يعلمون ذاك وقد تعاهدوا على ذلك وأقسموا عليه: {قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ} {النمل: 49}، وهذا يقتضي عدم التهديد والتوعد المعلن؛ لأنه سيفتضح أمرهم، بل يقتضي عدم التوكيد في الكلام، ولذا ذكروا أنهم متطيرون بهم ليس غير.
فاقتضى كل موطن التعبير الذي ورد فيه. هذا علاوة على تردد التوكيد بإن في قصة أصحاب القرية أكثر من مرة {إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ} {إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ} {إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ} {إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} {إِنِّي آَمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ}.
في حين لم يرد مثل ذلك في قصة صالح إلا قوله: {وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} فناسب كل تعبير موطنه. وأما قوله: {فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ} {النمل: 51}، وقوله: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً} {النمل: 52}، فهذا من التعقيب على القصة وليس فيما دار فيها من كلام.
جاء في (التفسير الكبير): "لما ظهر من الرسل المبالغة في البلاغ ظهر منهم الغلو في التكذيب. فلما قال المرسلون: {إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ} قالوا: {إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ} ولما أكد الرسل قولهم باليمين حيث قالوا: {رَبُّنَا يَعْلَمُ} أكدوا قولهم بالتطير بهم" (4).
{لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ}
بعد أن ذكروا تطيرهم بهم هددوهم بالرجم إن لم يكفوا عن دعوتهم وقد أكدوا ذلك بالقسم وبنون التوكيد. ويدل على القسم اللام الداخلة على (إن) وهي اللام الموطئة للقسم أي الدالة عليه، وأكدوا تهديدهم بنون التوكيد الثقيلة الداخلة على الفعل (لنرجمنكم). فكما أكدوا تطيرهم بـ (إن) أكدوا تهديدهم بالقسم ونون التوكيد.
وقد تقول: لقد قال في مكان آخر: {لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ} {الشعراء: 116}، وقال في سورة مريم: {لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ} {مريم: 46}، فلم لم يجعل التعبيرات على نمط واحد؟
والجواب: أنه لا يصح جعلها على نمط واحد؛ لأن المعنى مختلف والمقام مختلف. ذلك أن قولك: (لأرجمنك) يعني لأوقعن عليك الرجم ولا يعني أن هناك آخرين مرجومين معه أو نالهم الرجم.
وقولك: (هو من المرجومين) يعني أنه واحد ممن نالهم الرجم.
فلا يصح في سورة (يس) أن يقال: (لئن لم تنتهوا لتكون من المرجومين) لأنه ليس هناك أشخاص آخرون غير هؤلاء نالهم الرجم فيكونون منهم.
وكذلك في آية مريم فإنه قال: {لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ}، ولم يقل: (لتكونن من المرجومين) لأنه ليس هناك آخرون معه نالهم الرجم أو سينالهم، فإن هذا الكلام موجه من أبي إبراهيم لولده إبراهيم عليه السلام وحده.
أما ما في سورة الشعراء فإنه تهديد لنوح ولمن معه: {قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ}، أي لئن لم تنته لتكونن من الذين ينالهم الرجم. ولو قال: (لنرجمنك) لكان الرجم مختصًا بنوح دون من آمن معه.
فإن قيل: ولم لم يقل: (لئن لم تنتهوا لنرجمنكم) كما قال في سورة (يس)؟
والجواب: أن الرسل في سورة يس ثلاثة كلهم بمنزلة واحدة داعون إلى الله مبلغون لرسالته، ولذلك جاء الكلام على أنفسهم بصيغة الجمع { إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (14) .... قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (16) وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (17)}، وكان التطير بهم جميعًا {قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ} فكان الخطاب لهم جميعًا.
وأما نوح فهو رسول واحد يبلغ عن ربه، أما البقية فهم أتباع، وهو صاحب الدعوة والمبلغ، فخوطب وطلب منه الكف فقالوا: {قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ}، أي: لنرجمنك ومن معك. فهذا تهديد له ولأتباعه.
وهذا القول نظير ما قاله قوم لوط للوط: {قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ} {الشعراء: 167}، أي لنخرجنك ومن معك، بدليل قوله تعالى على لسان قومه: {أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} {الأعراف: 82}، وقوله: {أَخْرِجُوا آَلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} {النمل: 56}، فلما واجهوا لوطًا قالوا له: لتكونن من المخرجين، أي لتكونن واحدًا منهم. وهو تهديد له ولأتباعه أيضًا.
فكان كل تعبير هو المناسب في مكانه.
{وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ}
هددوهم بالعذاب الأليم إضافة إلى الرجم، فإنهم لم يقولوا: (أو ليمسنكم منا عذاب أليم) فيهددوهم بأحد الشيئين، بل جاؤوا بالواو التي تفيد الجمع، ثم أعادوا اللام الواقعة في جواب القسم (ليمسنكم) للدلالة على أن التهديد بالعذاب مؤكد كالمعطوف عليه، لأنه أحيانًا يكتفي باللام الداخلة على الفعل الأول، أما الفعل الثاني فيكتفي فيه بنون التوكيد فيكون الثاني أقل توكيدًا، وذلك كقوله تعالى: {لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ} {الحشر: 11}، فإنه أدخل اللام الموطئة في قوله: {لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ} ولم يدخلها على المعطوف، وإنما اكتفى بتوكيد الفعل فقال: {وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ} فكان الثاني أقل توكيدًا من الأول، ذلك أنهم أكدوا الفعل الأول لأنه أيسر عليهم، ولم يؤكدوا الثاني لأنه أصعب عليهم وأشق.
وكان هناك خيار آخر وهو أن يخفف النون في الفعل المعطوف نظير قوله تعالى: {وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آَمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَنْ مِنَ الصَّاغِرِينَ} {يوسف: 32} فيكون ما دخلت عليه النون الثقيلة أكد مما دخلت عليه النون الخفيفة، ولكنه لم يفعل هذا ولا ذاك، بل أعاد اللام وأتي بالنون الثقيلة للدلالة على أنهما بمنزلة واحدة في التوكيد وأنهم سيفعلونهما جميعًا.
ثم قالوا: (منا) للدلالة على الجهة التي ستقوم بالعذاب. فالجهة التي ستقوم بالرجم والعذاب واحدة {لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا} فإنه لم يقل: (وليمسنكم عذاب أليم) فيبهم الجهة، إذ لعله لو قالوا ذاك لفهم منه أنهم يقصدون أن آلهتهم هي التي ستمسهم بالعذاب.
وقدم الجار والمجرور (منا) على العذاب لأكثر من سبب، ذلك أن الكلام عليهم وهم مدار الإسناد (قالوا إنا تطيرنا، لنرجمنكم، وليمسنكم منا) فناسب تقديم ضميرهم، فإنهم هم المتطيرون وهم الراجمون وهم المعذبون.
ثم إن تقديم الجار والمجرور يفيد تعلقه بالفعل (ليمسنكم) أي (ليمسنکم منا) أي نحن الذين نعذبكم ونتولى أمر ذلك بأنفسنا ولا ندع ذلك لغيرنا ممن قد يرق لحالكم أو يخفف عنكم. ولو قال: (ليمسنكم عذاب أليم منا) لاحتمل أن يكون (منا) صفة لـ (عذاب) وعلى هذا الاحتمال يكون العذاب صادرًا منهم أمره، أما الذي يقوم بالتعذيب فهو غيرهم. وهذا يكون نظير قولنا:
(استعرت لمحمد كتابًا) و(استعرت كتابًا لمحمد) فإن الجملة الأولى يكون تعلق الجار والمجرور فيها بـ (استعرت) فتكون الاستعارة لمحمد، أي (استعرت لمحمد) (كتابًا).
أما الجملة الثانية فتحتمل هذا المعنى وتحتمل معني آخر وهو: استعرت كتابًا عائدًا لمحمد، أي أن الكتاب هو كتاب محمد وأنت استعرته، فيكون المعنى على النحو الآتي (استعرت) (كتابًا لمحمد).
فكان تقديم الجار والمجرور هو الأنسب.
(1) الكشاف 2/584.
(2) تفسير ابن كثير 3/567.
(3) انظر: (بلاغة الكلمة في التعبير القرآني) الإبدال 56.(4) التفسير الكبير 26/53.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 82 إلى ص 89.