{وَلُوطًا آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ (74) وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (75)}
انتصب (لوطًا) على الاشتغال، أي آتينا لوطًا حكمًا وعلمًا.
وقيل: يحتمل أن يكون منصوبًا بـ (اذكر) مقدرًا (1).
والحكم معناه العلم والفقه، وقد يأتي بمعنى القضاء، ومنه الحكم بين المتخاصمين (2)...
جاء في (الكشاف): "(حكمًا) حكمة وهو ما يجب فعله، أو فصلاً بين الخصوم، وقيل: هو النبوة " (3).
وهو هنا ليس بمعنى القضاء والفصل، وإنما معناه الفقه والحكمة.
وقد استعمل القرآن في الحكم الإيتاء أو الهبة وذلك نحو قوله تعالى: {وَكُلًّا آَتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا} [الأنبياء: 79]، وقوله: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا} [يوسف: 22]، وقوله: {فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا} [الشعراء: 21].
ولم يأت الحكم مسندًا إلى الله إلا بلفظ الإيتاء أي نحو (آتيناه حكمًا وعلمًا)، فالحكم مما يؤتيه الله سبحانه، ولم يرد نحو (وهبنا له حكمًا) ولا (وهب الله له حكمًا).
وقد ذكرنا الفرق بين الإيتاء والهبة في شرحنا لسورة (يس) في تعرضنا لقصة أيوب مما استدعاه السياق فلا نعيد القول فيه (4).
{وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ}
استعمل ههنا لفظ (نجيناه) ولم يستعمل (أنجيناه).
ومن الملاحظ في استعمال هاتين اللفظتين في هذه القصة أنه يقول أحيانًا: {فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ} [الأعراف: 83، النمل: 57].
ويقول أحيانًا: {فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ} [الشعراء: 170] {إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ} [الصافات: 134].
وقد بينا في كتابنا: (بلاغة الكلمة في التعبير القرآني) أن (نجى) يستعمل في القرآن الكريم للتلبث والتمهل في التنجية، وأن (أنجى) يستعمل للإسراع فيها، فإن (أنجى) أسرع من (نَجَّى) في التخلص من الشدة والكرب (5).
ومن الملاحظ في استعمال هذين الفعلين في هذه القصة أن ما يستدعي الإسراع في التنجية يستعمل معه الفعل (أنجينا).
وما كان دون ذلك يستعمل (نجينا).
وإيضاح ذلك أنه استعمل (أنجيناه) في هذه القصة في موضعين وهما قوله تعالى في الأعراف:
{وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (82) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (83) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (84)}
وقوله في (النمل): {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آَلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (56) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ (57) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (58)}
واستعمل (نجيناه) علاوة على ما ورد في سورة الأنبياء في موضعين هما قوله تعالى في الشعراء: {قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ (167) قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ (168) رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ (169) فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (170) إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (171) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآَخَرِينَ (172) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (173)}.
وقوله في الصافات: {وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (133) إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (134) إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (135) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآَخَرِينَ (136)}.
ومن الواضح أن ما في الأعراف والنمل أدعى إلى الإسراع في النجاة وعدم التلبث مما في الشعراء والصافات.
ذلك أنه قال في الأعراف على لسان قومه: {أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (82)}
وقال في النمل: {أَخْرِجُوا آَلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ}
فأمروا بإخراجهم من القرية.
وليس في الشعراء نحو ذلك، وإنما هددوه بالإخراج إن لم ينته {قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ}
فمرحلة ما في الأعراف والنمل بعد ما في الشعراء.
ففي الشعراء هددوه بالإخراج إن لم ينته.
وأما في الأعراف والنمل فقد أمروا بإخراجه، ومعنى ذلك أنه لم ينته.
فاستدعى الإسراع في النجاة في الأعراف والنمل.
وأما في الصافات فليس فيه نحو ذلك، وليس فيه تهديد له من قومه.
فناسب الإسراع في النجاة في الأعراف والنمل.
وليس في آية الأنبياء شيء من ذلك فلم يستدع الإسراع.
وهناك ملاحظة أخرى في هذه القصة:
وهي أنه ذكر في هذا الموضع من سورة الأنبياء نجاته وحده ولم يذكر نجاة أحد معه، وذلك أن الكلام عليه وتفضل الله عليه وليس على رسالته وموقفه مع قومه.
وفي مواضع أخرى يذكر نجاته وأهله إلا امرأته وذلك كما في الأعراف والنمل والشعراء والصافات وذلك في مقام الرسالة والدعوة.
وقد تقول: ولكنه قال في الصافات: {إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ} وليس ذلك في مقام الدعوة، فقد قال تعالى: {وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (133) إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (134)} ولم يذكر دعوته لقومه.
فنقول: إنه قال إن لوطًا لمن المرسلين، والرسالة تقتضي التبليغ والدعوة. فناسب ذكر نجاته وأهله وتدمير الآخرين. وليس في سياق آية الأنبياء نحو ذلك.
وقد يذكر نجاة آله ولم يذكر نجاته معهم وذلك ما ورد في سورة القمر، فقد قال سبحانه: {كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (33) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آَلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ (34) نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ (35)}.
ونجاته مفهومة من السياق، فإنه هو الذي أنذرهم البطشة، ثم ذكر أن العذاب إنما أصاب قوم لوط فدل على نجاته هو. ثم إن قوله: {كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ} يدل على نجاة من شكر دون من لم يشكر.
وهذا هو السياق فيما ورد عن الرسل في سورة القمر، فإنه لم يذكر نجاة الرسل ولا من آمن معهم.
فقد ذكر عادًا وإهلاكهم ولم يذكر نجاة المؤمنين ولا رسوله. ونحو ذلك ورد في ثمود، وكذلك ما ورد في آل فرعون.
فهي كلها تجري على نسق واحد.
قد تقول: ولكن الأمر ليس كذلك في قصة نوح فقد ذكر نجاته، فقد قال فيه: {وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (13) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ (14)}
فلم ذاك؟
فنقول إن السياق اقتضى ذلك من أكثر من جهة.
1- فقد قال في قصة نوح: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (9) فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (10) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (11)}
فذكر أنهم كذبوا عبده، أي كذبوا نوحًا، ولم يذكر مثل ذلك الأخرى.
وإنما قال في قصة عاد: {كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (18)} ولم يذكر تكذيبهم لرسوله.
وقال في قصة ثمود: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (23)} ولم يذكر التكذيب لرسولهم.
وقل في قوم لوط: { كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (33)} وهو نحو ما ورد في ثمود.
وقال في فرعون: {وَلَقَدْ جَاءَ آَلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (41) كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا كُلِّهَا} فذكر التكذيب بالآيات.
2- ثم ذكر في قصة نوح أنهم زجروا نوحًا فقد قال: {وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (9)}
وقوله: (ازدجر) يعني المبالغة في الزجر.
فناسب ذكر نجاته.
3- ثم ذكر أنه دعا ربه فقال إنه مغلوب وطلب من ربه أن ينصره فقال: {فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (10)}
فناسب ذلك إجابة دعائه وأن ينصره فقال: {وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (13) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ (14)}
ولم يرد نحو ذلك في القصص الأخرى.
فناسب كل تعبير موضعه.
وهذا من لطيف مراعاة المقام.
قد تقول: ولكنه ذكر نجاة آل لوط وحدهم في القمر ولم يذكر نجاة أهل الآخرين المذكورين في السورة. فنقول: لقد ذكر قصة نوح في السورة ونجاته.
وأما عاد وثمود فلم يرد لأهلهما ذكر في جميع ما ورد في القرآن الكريم فلم يذكرهما في سورة القمر.
وقد ذكر آل فرعون في القمر كما ذكر آل لوط، غير أنه ذكر نجاة آل لوط وعقوبة آل فرعون.
ومن الملاحظ في قصة لوط أنه أحيانًا يذكر أنه نجاه وأهله إلا امرأته كما في سورتي الأعراف 83 والنمل 57 فيذكر امرأته.
وأحيانا يقول: (إلا عجوزًا) فيذكر العجوز ولم يذكر أنها امرأته (انظر الشعراء ۱۷۱، الصافات 135).
فإنه حيث يقول: (أنجيناه) يستثني امرأته، وحيث يقول (نجيناه) يستثني العجوز.
وقد ذكرنا أنه حيث استدعى الإسراع في النجاة يقول: (أنجينا) وما كان دون ذلك يقول: (نجينا).
ومن المعلوم أن المرأة إنما تكون في بيت زوجها فأصبح الخطر أشد؛ لأن الخطر إنما جاء من الخارج ومن الداخل، فهي عين لقومها عليه، فكأنها من المخابرات تخبر قومها عما في بيت زوجها، وهذه إشارة إلى أنه إذا لم يأمن الرجل أهل بيته كان الخطر عليه أعظم.
فاستدعى ذلك الإسراع في النجاة إضافة إلى ما ذكرنا.
وأما قوله: (إلا عجوزًا) فهو لم يذكر أنها امرأته، ثم ذكر أنها عجوز، ولا شك أن العجوز أقل حركة من الشابة.
فلم يدل بقوله: (عجوز) أنها امرأته، إضافة إلى أنها عجوز. كما أن المقام لا يستدعي الإسراع في النجاة فكان الخطر أقل.
فناسب كل تعبير موضعه من جهة أخرى.
وهذا من عجيب مراعاة المقام.
{إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ}
السَّوء بفتح السين هو المصدر، والسُّوء بالضم الاسم (6).
فالسوء بالضم حالة من حالات السَّوء بالفتح، فقد يكون مرضًا أو غير ذلك مما يصيب الإنسان من مكروه في ماله أو بدنه.
قال تعالى: {وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ} [النمل: 12].
أي من غير برص (7).
وقال: {هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آَيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ} [الأعراف: 73].
وقال: { وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا (30)}
فالسَّوء أعم من السُّوء.
وقد أضاف القوم إلى السَّوء للمبالغة في ذمهم.
{وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا}
أضاف الرحمة إليه سبحانه للدلالة على عظيم ما أدخله فيه من الرحمة.
فإنه يذكر أحيانًا أنه يُدخل في رحمته.
وقد يذكر أنه يدخل في رحمة منه.
ولا شك أن قوله: (في رحمته) أعلى من (في رحمة منه) وأدل على سعة الرحمة. فإن قوله: (في رحمة منه) نكرة وهي جزء من رحمته سبحانه.
وكل ذلك بحسب السياق.
قال تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ} [الجاثية: 30].
فقال: {فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ}
وقال: {فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا} [النساء: 175].
فقال: {فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ}
ذلك أن ما ذكره في آية الجاثية أعلى. فقد ذكر الذين آمنوا وعملوا الصالحات.
فذكر الإيمان على العموم، وهو أعم من الإيمان بالله.
وذكر عمل الصالحات ولم يذكر ذلك في آية النساء.
فناسب أن يقول: {فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ}.
ثم من ناحية أخرى أنه قال في آية الجاثية: {فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا} على العموم فناسب أن يقول: (في رحمته)، فإن قوله: (في رحمته) أعم من قوله: (في رحمة منه) فناسب العموم العموم.
ثم قال: (وعملوا الصالحات) فذكر الصالحات بالجمع فناسب ذلك أيضًا أن يقول: (في رحمته).
وقال في التوبة: {وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (99)}.
فذكر الإيمان بالله واليوم الآخر والإنفاق قربة لله وصلوات الرسول أي دعاءه.
ولا شك أن هذه أعلى مما ذكره في آية النساء، فناسب أن يقول: {سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ}.
هذا إضافة إلى أنه ختم الآية بقوله: {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}
وقد تقول: ولم قال في آية النساء: {فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ}
وقال في آية التوبة: {سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ} بالسين في الآيتين.
وقال في آية الجاثية: {فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ} من دون سين؟
فنقول: إن آيتي النساء والتوبة إنما هما فيمن هو في الدنيا فناسب ذكر السين التي هي للاستقبال.
وأما آية الجاثية فإنما هي فيمن هو في الآخرة. قال تعالى: {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ (27) وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (28) هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (29) فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (30)}.
فلا يناسب ذكر السين، فإنما الأمر حاضر في ذلك الوقت.
{إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ}
جعل الصلاح سببًا للدخول في رحمته سبحانه.
هذا إضافة إلى أن ذلك مناسب لما تقدم من قوله: {وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ}
يعني إبراهيم ولوطاً وإسحاق ويعقوب.
فقد ذكر أنه جعله من المذكورين بالصلاح.
فذكره بالصلاح مرتين.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الرابع من ص 165 إلى ص 174.
(1) انظر البحر المحيط 6/329، تفسير أبي السعود 3/716.
(2) انظر (من أسرار البيان القرآني) 11
(3) الكشاف 2/333.
(4) على طريق التفسير البياني 2/208 – 209.
(5) انظر بلاغة الكلمة في التعبير القرآني 74 وما بعدها.
(6) لسان العرب (سوء)
(7) لسان العرب (سوء)
{وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76) وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (77)}
انتصب (نوحًا) على إضمار (اذكر) (1)، وقيل: هو معطوف على (لوطًا) "فيكون ذلك مشتركًا في العامل الذي هو آتينا" أي آتينا نوحًا حكمًا وعلمًا (2).
و(من قبل) أي من قبل هؤلاء المذكورين (3).
و(نصرناه) من القوم، أي نجيناه منهم.
وقوله: (فاستجبنا) بالفاء يدل على تعقيب الاستجابة بعد النداء.
ومن الملاحظ في هذه الآية أنه ذكر الفعل (نادى) ولم يذكر مفعوله، فلم يذكر من نادى ولا بماذا دعا.
ولكن علم من قوله: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ} أنه نادى ربه.
وعلمنا من الاستجابة فحوى الدعاء وهو نجاته وأهله ونصره وإهلاك قومه الكافرين.
فقد قال في موضع آخر: {وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 118] فدعا بالنجاة.
وقال: {رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ} [المؤمنون: 26].
وقال: {فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ} [القمر: 10].
فدعا بالنصر.
وقال: {رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا} [نوح: 26].
فدعا على قومه بالهلاك.
وأمره ربه أن يحمل معه في الفلك فيما يحمل أهله إلا من سبق عليه القول منهم: {فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ} [المؤمنون: 27]
فدل ذلك على نجاة أهله.
فكانت الاستجابة لكل ذلك.
فقال: {فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ}، وهو إجابة الدعاء بالنجاة.
وقال: {وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا}، فكانت الاستجابة بالنصر.
وقل: {فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ}، فكانت الاستجابة بإهلاك الكفرة.
جاء في (تفسير الرازي): "لا شبهة في أن المراد من هذا النداء دعاؤه على قومه بالعذاب، ويؤيده حكاية الله تعالى عنه ذلك تارة على الإجمال وهو قوله: {فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ}، وتارة على التفصيل وهو قوله: {رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا} [نوح: 26].
ويدل عليه أيضًا أن الله تعالى أجابه بقوله: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ}، وهذا الجواب يدل على أن الإنجاء المذكور فيه كان هو المطلوب في السؤال. فدل هذا على أن نداءه ودعاءه كاف بأن ينجيه مما يلحقه من جهتهم من ضروب الأذى بالتكذيب والرد عليه، وبأن ينصره عليهم وأن يهلكهم فلذلك قال بعده: {وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا} (4).
لقد قال في هذه الآية: {وَنُوحًا إِذْ نَادَى} ولم يذكر أنه نادى ربه كما أسلفنا.
وقال في الصافات: {وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (75)}
فقال: (نادانا) بذكر المفعول به وهو ضمير العظمة.
ومن المناسب أن نذكر أنه لما قال: (نادانا) فأظهر ذاته سبحانه زاد في تفضله عليه بالإجابة. قال تعالى: {وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (75) وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76) وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (77) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآَخِرِينَ (78) سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (79) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (80) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (81) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآَخَرِينَ (82)}
فقال: {فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ} فأثنى على ذاته سبحانه.
ثم تفضل على نوح بما لم يذكره في سورة الأنبياء، فقال: {وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ}
وقال: {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآَخِرِينَ (78) سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ}
وقال: {إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ}
وقال: {إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ}
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أن ضمير العظمة ورد في آيات الصافات أكثر مما ورد في هذه القصة في سورة الأنبياء.
فإنه ورد في الأنبياء خمس مرات، وذلك في قوله: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ} {فَنَجَّيْنَاهُ} {وَنَصَرْنَاهُ} {بِآَيَاتِنَا} {فَأَغْرَقْنَاهُمْ}
وورد في آيات الصفات ثماني مرات. وذلك في قوله: {نَادَانَا} {وَنَجَّيْنَاهُ} {وَجَعَلْنَا} {وَتَرَكْنَا} {إِنَّا كَذَلِكَ} {نَجْزِي} {عِبَادِنَا} {أَغْرَقْنَا}.
فناسب ذلك افتتاح الآيات في الصافات بقوله: {وَلَقَدْ نَادَانَا}
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الرابع من ص 174 إلى ص 177.
(1) البحر المحيط 6/330.
(2) انظر البحر المحيط 6/330.
(3) الكشاف 2/333.
(4) تفسير الرازي – المجلد 8/162.
{وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (78) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آَتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ (79) وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ (80)}
أي واذكرهما. و(إذ) بدل منهما.
والنفش: الانتشار بالليل. وجمع الضمير لأنه أرادهما والمتحاكمين إليهما...
والضمير في (ففهمناها) للحكومة أو للفتوى...
حكم داود بالغنم لصاحب الحرث، فقال سليمان...: غير هذا أرفق بالفريقين. فعزم عليه ليحكمن.
فقال: أرى أن تدفع الغنم إلى أهل الحرث ينتفعون بألبانها وأولادها وأصوافها، والحرث إلى أرباب الشاء يقومون عليه حتى يعود كهيئته يوم أفسد، ثم يترادان.
فقال: القضاء ما قضيت، وأمضى الحكم بذلك...
وفي قوله: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ}دليل على أن الأصوب كان مع سليمان عليه السلام" (1).
وقوله: {إِذْ يَحْكُمَانِ} بصيغة المضارع "حكاية للحال الماضية لاستحضار صورتها، أي اذكر خبرهما وقت حكمهما" (2).
و{شَاهِدِينَ} أي حاضرين علمًا (3).
وقال ههنا: {شَاهِدِينَ} بجمع المذكر السالم، وقال في آية أخرى: {إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ} فقال: {شُهُودًا} بجمع التكسير؛ ذلك لأن ما في آية يونس يدل على الكثرة، وآية الأنبياء للقلة.
فإنه في آية الأنبياء ذكر داود وسليمان والمتخاصمين.
وأما آية يونس فإنها تعم جميع الناس إلى قيام الساعة. قال تعالى: {وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآَنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (61)}
{وَكُلًّا آَتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا}
قال ههنا إنه أتاهما حكمًا وعلمًا فذكر الحكم والعلم، وذكر في موضع آخر أنه آتاهما علمًا ولم يذكر الحكم، قال تعالى: {وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ}
فذكر العلم ولم يذكر معه الحكم.
ذلك أنه في الأنبياء ذكر الحكم وهو القضاء بين المتخاصمين، والقضاء يحتاج إلى العلم فذكر الحكم والعلم.
وأما في النمل فليس السياق في القضاء وإنما فيما آتاهما الله من العلم.
فقد ذكر أن الله علم سليمان منطق الطير: {وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ}، وفهم قول النملة، وتكلم مع الهدهد وذكر الذي عنده علم من الكتاب.
فناسب ذكر العلم ولم يذكر معه الحكم.
وقد تقول: لقد قال في آية أخرى: {وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا} [سبأ: ۱۰] فذكر الفضل وحده ولم يذكر الحكم ولا العلم، فلم ذاك؟
فنقول إن كل تعبير مناسب لسياقه، وقد ذكرنا ما ورد في الأنبياء والنمل.
وأما في آية سبأ فليس السياق في الحكم ولا في العلم، وإنما فيما تفضل الله على سيدنا داود في غير ذلك، قال تعالى: {وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (10)}، وهذا مما سخره الله له كما أخبر عن ذلك سبحانه فقال: {إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (18) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ} [ص: ۱۸ - 19].
وكما قال في الآية الآتية من سورة الأنبياء، وليس ذلك من الحكم ولا من العلم الذي أوتيه وإنما هو فضل آتاه الله إياه كما قال سبحانه.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الرابع من ص 178 إلى ص 180.
(1) الكشاف 2/333 – 334.
(2) تفسير أبي السعود 3/717.
(3) تفسير أبي السعود 3/717.
{وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ (79)}
قدم الجبال على الطير لأن تسبيحها أعجب.
جاء في (الكشاف): "فإن قلت: لم قدمت الجبال على الطير؟
قلت: لأن تسخيرها وتسبيحها أعجب وأدل عل القدرة وأدخل في الإعجاز لأنها جماد والطير حيوان إلا أنه غير ناطق" (1).
وقال: (يسبحن) ولم يقل: (مسبحات) "مع أن الأصل في الحال الإفراد للدلالة على تجدد التسبيح حالاً بعد حال" (2).
ومن الملاحظ أنه قال هنا: {وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ}
فقدم الظرف (مع) على الجبال.
وقال في سورة (ص): {إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ}
فقدم الجبال على الظرف.
وقد قيل إن ذلك لذكر داود وسليمان في الأنبياء فقدم مسارعة للتعيين وليس كذلك في آية (ص) (3).
ولعل من أسباب ذلك أن ما ذكره عن الجبال في (ص) أكثر مما ذكره في الأنبياء. فقد قال في الأنبياء: {وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ}.
وأما في (ص) فقد قال: {إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (18) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ}
فناسب ذلك تقديمها في (ص).
{وَكُنَّا فَاعِلِينَ}
"أي قادرين على أن نفعل هذا وإن كان عجبا عندكم" (4) وإن "من شأننا أن نفعل أمثاله فليس ذلك ببدع منا وإن كان بديعا عندكم" (5).
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الرابع من ص 180 إلى ص 181.
(1) الكشاف 2/334.
(2) روح المعاني 23/174.
(3) روح المعاني 23/174.
(4) الكشاف 2/334.
(5) روح المعاني 17/76.
{وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ (80)}
والمراد باللبوس الدرع (1) وهي تلبس في الحرب لتقيهم بأسها.
فربنا سبحانه علمه صنعتها.
{فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ}
استفهام يراد به الطلب، أي فاشكروا الله على ذلك.
وخاطب عموم الناس بذلك لأن فائدتها لعموم الناس إلى قيام الساعة، فإن البأس لا ينقطع.
ألا ترى أنه لما لم يذكر في موضع آخر أنها للناس لم يطلب منهم شكره سبحانه؟
قال تعالى: {وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (10) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (11)}
وأما قوله: {وَاعْمَلُوا صَالِحًا} (2) فقد قيل فيه: إن الخطاب لداود وأهله كما في قوله: {اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا} (3)
والمراد بالسابغات: الدروع.
ويحتمل أن يكون الأمر بالعمل الصالح لعموم الناس وإن كان السياق في آل داود أظهر والله أعلم.
وحتى لو كان الأمر بالعمل الصالح لعموم الناس فإن كل تعبير يناسب سياقه الذي ورد فيه.
فإنه في آية الأنبياء لما جعل صنعة اللبوس للناس لتحصنهم من بأسهم ناسب ذلك الأمر بشكره سبحانه، فهو من الشكر على النعمة.
وأما آية سبأ فأنها في طلب العمل الصالح، وهو مطلوب من كل فرد بلا استثناء سواء كان في سياق النعم أم لم يكن.
فناسب كل تعبير سياقه. أمر ومن لطيف المناسبة أنه لما ذكر اللبوس لهم طلب الشكر.
ولما ذكر السابغات، والسابغ هو الكامل الوافي المتسع (4) أمر بالعمل الصالح؛ ذلك أنه ليس كل لبوس سابغًا، وأن الشكر إنما هو من العمل الصالح كما قال تعالى: اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا}، فإن (شكرًا) يصح إعرابه مفعولاً به لـ (اعملوا) أي اعملوا الشكر. وفيه أوجه أخرى غير المفعول به (5).
فالسابغ هو الوافي المتسع كما ذكرنا، فناسب ذلك العمل الذي هو أعم من الشكر.
فناسب كل تعبير موضعه من جهة أخرى.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الرابع من ص 181 إلى ص 183.
(1) الكشاف 2/334.
(2) الكشاف 2/556، روح المعاني 22/116.
(3) فتح القدير 4/306.
(4) انظر لسان العرب (سبغ).
(5) انظر روح المعاني 22/120.
{وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ (81) وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ (82)}
ورد هذا الجانب من قصة سليمان في ثلاثة مواضع من القرآن الكريم: في الأنبياء وسبأ و(ص). غير أنها لم تكن متطابقة بل قد يذكر في موضع ما لا يذكره في الموضع الآخر.
فقد قال في سبأ: {وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ (12) يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (13) فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ (14)}
وقال في (ص):
{فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (36) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (37) وَآَخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (38) هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (39)}
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الرابع من ص 183 إلى ص 184.
ومن النظر في هذه النصوص يتضح أنها غير متطابقة، فقد يفصّل في جانب ويجمل في جانب، ويذكر أمرًا في موضع ولا يذكره في موضع آخر، وغير ذلك من الأمور. وهو شأن القصص القرآني فإنه لا يعيد القصة نفسها من دون تغيير في تعبير أو زيادة أو إجمال ونحو ذلك.
وقد بينا في تفسيرنا لسورة هود طرفًا من ذلك.
ومن بين هذه الأمور:
1- أنه ذكر الريح عاصفة في الأنبياء، وذكرها رخاء في ص، وذكرها مطلقة في سبأ.
٢- ذكر غاية جريان الريح في الأنبياء وهي الأرض التي بارك فيها، وذكر في سبأ مدة غدوها ومدة رواحها {غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ}.
وأطلق ذلك في (ص) فلم يذكر شيئًا من ذلك، وإنما قال: {حَيْثُ أَصَابَ}
3- لم يذكر زيغ الشياطين في الأنبياء وإنما قال: {وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ}.
وقال في سبأ إنه من يزغ عن أمره يذقه من عذاب السعير، ومعنى ذلك أنهم مطلقون غير مقيدين.
وذكر في (ص) أن منهم مقرنين في الأصفاد، وكأن ذلك لمن زاغ منهم أو حاول أن يزيغ.
4- ذكر في الأنبياء أن من الشياطين من يغوصون له ويعملون عملاً دون ذلك، ولم يذكر ما العمل.
وفي سبأ ذكر جملة مما يعملونه فقال: {يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ}.
ولم يذكر في (ص) لهم عملاً، وإنما ذكر وصفهم فقال: {كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ}.
5- ذكر الشياطين في الأنبياء و ص، وذكر الجن في سبأ.
6- ذكر في سبأ موت سليمان وعدم علم الجن بموته حتى خر بعدما أكلت دابة الأرض وهي الأرضة عصاه.
إلى غير ذلك من الأمور.
ونعود إلى بيان شيء من الأمور البيانية في آيتي الأنبياء.
{ وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ (81)}
أي وسخرنا لسليمان الريح بالعطف على الجبال في قوله: {وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ}، وكما في قوله: {فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ} [ص: 36].
وعدّى التسخير مع الريح باللام فقال: {وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ} وعداه مع الجبال بـ (مع) فقال: {وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ}وذلك للفرق بين التسخيرين. فإن تسخير الريح غير تسخير الجبال. فإن الريح تجري بأمره كما يريد من العصف والرخاء وإلى حيث يريد، بخلاف تسخير الجبال فإنها مسخرة في التسبيح مع داود عليه السلام وليس كتسخير الرياح لسيدنا سليمان.
جاء في (تفسير أبي السعود) في قوله: {وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ}: "أي وسخرنا له الريح. وإيراد للام ههنا دون الأول للدلالة على ما بين التسخيرين من التفاوت. فإن تسخير ما سخر له عليه السلام من الريح وغيرها كان بطريق الانقياد الكلي له والامتثال بأمره ونهيه والمقهورية به تحت ملكوته.
وأما تسخير الجبال والطير لداود عليه السلام فلم يكن بهذه المثابة بل بطريق التبعية له عليه السلام والاقتداء به في عبادة الله عز وعلا" (1).
وقال هنا إنه سخر له الريح عاصفة، وذكر في (ص) أنه سخرها له رخاء، فذكر مرة أنها عاصفة، وذكر مرة أخرى أنها رخاء، وذلك بحسب ما يريد. جاء في (البحر المحيط): "ووصفت هذه الريح بالعصف وبالرخاء، والعصف الشدة في السير، والرخاء اللين.
فقيل: كان ذلك بالنسبة إلى الوقت الذي يريد فيه سليمان أحد الوصفين...
والأرض أرض الشام... وقيل: أرض فلسطين" (2).
ومن الملاحظ أنه قال هنا: {تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا}
وقال في الآية الحادية والسبعين من هذه السورة: {وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ}
فذكر أنها للعالمين. ولم يقل ذلك في هذه الآية، ذلك أن الآية السابقة إنما هي في ذكر الرسالات فقد ذكر إبراهيم ولوطاً وذكر إسحاق ويعقوب ثم قال: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ}.
فذكر أنه جعلهم أئمة يهدون بأمر الله وأنه أوحى إليهم فعل الخيرات.
والهداية إنما هي للعالمين فناسب أن يقول: {بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ}وذلك لأن إرسال الرسالات والهداية إنما هي لهم.
وليس في الآية الأخرى مثل ذلك، وإنما هي الريح تجري بأمر سليمان كما يريد.
فناسب كل تعبير موضعه.
ومن لطيف التناسب أنه ذكر في الأنبياء أن الريح عاصفة، وذكر في (ص) أنها رخاء.
وكل وصف وضع في مكانه من حيث السياق.
فقد ذكر في الأنبياء أنها عاصفة مناسبة لما قبلها وهو قوله: {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ}، والبأس هي الحرب، والحرب عاصفة.
وقوله: {وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا} يعني نوحًا عليه السلام، وقد كان بين نوح وقومه عصف وشدة مدة طويلة.
وذكر المخاصمة بين أصحاب الحرث والغنم وهي خصومة وشدة.
فناسب ذكر العصف.
وأما في (ص) فذكر أنه عرض على سليمان بالعشي الصافنات الجياد، فقد قال: {إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (31)}
والصافن من الخيل: الذي يرفع إحدى يديه أو رجليه ويقف على مقدم حافرها، فهو يقف على ثلاث قوائم وقد أقام الرابعة على طرف الحافر (3).
فالخيل هنا واقفة.
وقال: {فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ} [ص: 33] وأيا ما كان معنى المسح فإنها تعني أنها في حالة سكون ووقوف.
وقال: {وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (34)} والجسد لا يتحرك.
فناسب ذكر الرخاء.
وهو تناسب لطيف في اختيار اللفظة مع السياق الذي وردت فيه.
{وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ}
أحاط علمنا بكل شيء فنجري الأشياء كلها على ما يقتضيه علمنا وحكمتنا" (4).
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الرابع من ص 184 إلى ص 188.
(1) تفسير أبي السعود 3/719 – 720 وانظر روح المعاني 17/77.
(2) البحر المحيط 6/332.
(3) انظر لسان العرب (صفن)، روح المعاني 23/190.
(4) الكشاف 2/334 – 335.
{وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ (82)}
جمع الفعل (يغوصون) حملاً على معنى (من) في هذه الآية.
وقال في (سبأ): {وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ} بإفراد الفعل (يعمل).
ذلك - والله أعلم - أنه ذكر في الأنبياء أنهم يغوصون ويعملون عملاً دون ذلك، فذكر الغوص والعمل.
وذكر في سبأ العمل ولم يذكر الغوص، وقد ذكر أنواعًا من العمل.
والغوص والعمل أكثر من العمل وحده، فناسب الجمع في آية الأنبياء، والذي يبدو - والله أعلم - أنهم صنفان: غواص وعامل كما قال سبحانه: {وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (37)}
جاء في (فتح القدير): {كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ} أي كل بناء منهم وغواص منهم يبنون له ما يشاء من المباني، ويغوصون في البحر فيستخرجون له الدرر منه" (1).
وإذا كان الأمر كذلك فقد ناسب الجمع في الأنبياء من جهة أخرى ذلك لأنهم أكثر فمنهم غواصون ومنهم عاملون.
وأما في سبأ فقد ذكر الذين يعملون ولم يذكر الذين يغوصون.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أنه ذكر في سبأ أن من الجن من يعمل بين يديه، فذكر مكان العمل، وأطلقه في الأنبياء فقد يكون منهم من يعمل بين يديه، ومنهم من يعمل في أمكنة أخرى يحددها لهم. فهم أكثر.
فناسب جمع الفعل في الأنبياء وإفراده في سبأ من ناحية أخرى.
وقد تقول: ولم ذكر الشياطين في الأنبياء، وذكر الجن في سبأ؟
فنقول: لقد قال في سياق القصة في سبأ: {فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ (14)}
فذكر الجن وعدم علمهم بالغيب، والجن أعم من الشياطين وأكثر.
فإن الجن يعم الكافر والمؤمن منهم، وأما الشياطين فهم كفرة الجن، فناسب نفي علم الغيب عمن هم أكثر وأعم.
وقال في سبأ أيضًا: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (40) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (41)}.
فذكر الجن على العموم من دون تخصيص الشياطين بالعبادة.
فناسب ذكر الجن في سبأ. وليس في الأنبياء نحو ذلك.
فناسب كل تعبير موضعه الذي ورد فيه.
{وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ}
أي حافظين من أن يزيغوا عن أمره أو يبدلوا أو يغيروا أو يوجد منهم فساد في الجملة فيما هم مسخرون فيه (2).
وقيل: (حافظين) حتى لا يهربوا (3) أو ما نعينهم من الناس (4).
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الرابع من ص 188 إلى ص 190.
(1) فتح القدير 4/45.
(2) الكشاف 2/334.
(3) البحر المحيط 6/333.
(4) التحرير والتنوير 17/125.
{وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (84)}
لقد ذكر أيوب بعد ذكر سليمان في هذه السورة وفي سورة (ص) فذكر الغني الشاكر وهو سيدنا سليمان، وأتبعه بذكر المبتلى الصابر وهو سيدنا أيوب. فجمع بين الحالتين في الابتلاء:
الابتلاء بما يقتضي الشكر، والابتلاء بما يقتضي الصبر.
فإن الابتلاء ما يقتضي الشكر كما قال تعالى على لسان سيدنا سلميان: {هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ} [النمل: 40].
ومنا ما يقتضي الصبر كما قال تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 155].
{وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ}
أي واذكر أيوب إذ نادى ربه.
وقد صرح بالفعل (اذكر) في هذه القصة في سورة (ص) فقال: {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (41)}
والملاحظ أنه لم يذكر الفعل (اذكر) فيما ورد من قصص الأنبياء في سورة الأنبياء، بل يذكرهم على تقدير الفعل وذلك قوله: {وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ}، وقوله: {وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ}، وقوله: {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ}، وقوله: {وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ}، وقوله: {وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا}، وقوله: {وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ}، وقوله: {وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا}.
وهو يذكر الفعل فيما ورد في القصص في سورة (ص) ابتداء من قوله تعالى: {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ (17)}، وقوله: { وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ (41)}، وقوله: { وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ (45)}، وقوله: { وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ (48)}.
ومن لطيف التناسب أن سورة (ص) تبدأ بقوله: {ص وَالْقُرْآَنِ ذِي الذِّكْرِ} فكان من ذلك أن ذكرهم بالفعل (اذكر).
وختم هذه الآيات بقوله: {هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآَبٍ (49)}.
ومن لطيف ذلك أيضًا أن يذكر الذكر والتذكر وما إلى ذلك في التعقيب على كل قصة من هذه القصص أو في أثنائها. فقد قال بعد قصة سيدنا داود: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (29)}.
وقال على لسان سيدنا سليمان: { إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي (32)}
وقال في أيوب عليه السلام: {وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (43)}
وقال في إبراهيم وإسحاق ويعقوب: {إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (46)}
وقال بعد أن ذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل: {هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآَبٍ (49)}.
وختم السورة بقوله: {إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (87)}
وهذا من لطيف التناسب.
{أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ}
الضر بالضم: كل ما كان من سوء حال وفقر وشدة في بدن.
والضر بالفتح ضد النفع (1).
و(رحمة) مفعول لأجله، والرحمة هي لأيوب ولكل عابد، والذكرى لغيره (رحمة) من العابدين ليتعظ ويتذكر فيصبر إذا أصابه ضر فتدركه رحمة ربه فيثاب ثوابًا مضاعفًا.
جاء في (الكشاف): "ألطف في السؤال حيث ذكر نفسه بما يوجب الرحمة، وذكر ربه بغاية الرحمة ولم يصرح بالمطلوب... {رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ} لرحمتنا العابدين وأنا نذكرهم بالإحسان لا ننساهم، أو رحمة منا لأيوب وتذكرة لغيره من العابدين ليصبروا كما صبر حتى يثابوا كما أثيب في الدنيا والآخرة" (2).
وقال ههنا: {رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا} ويقول في مواضع أخرى: {رَحْمَةً مِنَّا}.
والملاحظ في القرآن أنه يستعمل {رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا} للمؤمنين خاصة.
وأما {رَحْمَةً مِنَّا} فيستعملها عامة للمؤمن وغيره. قال تعالى: {وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (50)}.
جاء في (البرهان في متشابه القرآن) للكرماني: "وقال: {رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا} لأن (عندنا) حيث جاء دل على أن الله سبحانه تولى ذلك من غير واسطة" (3).
وقد بينا ما ورد من التشابه والاختلاف في هذه القصة في سورتي الأنبياء و(ص) في شرحنا لقوله تعالى في سورة يس: {وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ (43) إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ} [يس: 43 - 44].
فلا نعيد القول فيه (4).
ومن الملاحظ أنه قال تعالى هنا: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا} فقال: (فكشفنا) بالفاء.
ونحو ذلك قوله تعالى: {وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ} [الأنبياء: 76].
وقد يأتي بعد الاستجابة بالواو وذلك نحو قوله تعالى في يونس عليه السلام: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ}
وقوله في زكريا عليه السلام: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى}
ومن المعلوم أن الفاء تفيد التعقيب والترتيب، وأما الواو فلمطلق الجمع، فلم الاختلاف؟
فنقول: إن كل تعبير ناسب موضعه الذي ورد فيه.
فإنه ذكر في نوح أن كربه عظيم فقال: {فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ}، والكرب العظيم يستدعي الإسراع في النجاة.
وقد تقول: لكنه وصف كربه بأنه عظيم في موضع آخر ولم يأت بالفاء بل جاء بالواو وذلك قوله تعالى في سورة الصافات: {وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (75) وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76) وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (77)}
فما الفرق؟
فنقول: لقد ذكر في الأنبياء أمرين كل منهما يستدعي النجاة وهما الكرب العظيم وإساءة قومه إليه، قال تعالى: {وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76) وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (77)}
فذكر أمرين.
وأما في الصافات فذكر أمرًا واحدًا ولم يذكر قومه فناسب الإسراع في النجاة في الأنبياء.
وقال في أيوب إنه دعا ربه بذكر أعلى صفات الرحمة فقال: {أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ}.
وسعة الرحمة تستدعي الإسراع في النجاة.
وأما يونس فقد فعل ما هو خلاف الأولى، فقد ذهب مغاضبًا قومه من دون أن يأذن له سبحانه بذاك.
وأقر بظلمه لنفسه قائلاً: {إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ}، وليس من ظلم نفسه كمن لم يظلم نفسه. ولذا ذكره في موضع آخر أنه سبحانه نبذه بالعراء وهو سقيم وأنبت عليه شجرة من يقطين {فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (145) وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ} [الصافات: 145 - 146].
وقال سبحانه لنبيه: {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (48) لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ} [القلم: 48 -49].
فلم يأت بالفاء الدالة على التعقيب. وأما ما فيه زكريا عليه السلام فإنه ليس ككرب نوح ولا كضر أيوب، والأمر فيه سعة.
ولا شك أنه وهب له يحيى بعد حمل أمه له. فلم يستدع ذلك التعقيب بالفاء، والله أعلم.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الرابع من ص 191 إلى ص 195.
(1) انظر لسان العرب (ضرر).
(2) الكشاف 2/330 وانظر البحر المحيط 6/334.
(3) البرهان 243.
(4) انظر (على طريق التفسير البياني – ج2) سورة يس 2/205 وما بعدها.
{وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (85) وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ (86)}
ذكر هؤلاء بعد أيوب لاشتراكهم في الصفة التي ذكر بها أيوب وهي الصبر وذلك في قوله سبحانه: {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا} [ص: 44].
يدل على ذلك أنه ختم الآية بقوله: {كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ}.
جاء في (روح المعاني): "أي كل واحد من هؤلاء (من الصابرين) على مشاق التكاليف وشدائد النوب، ويعلم هذا من ذكر هؤلاء بعد أيوب عليهم السلام" (1).
وجاء في (التحرير والتنوير): "عطف على أيوب، أي وآتينا إسماعيل وإدريس وذا الكفل حكمًا وعلمًا. وجمع هؤلاء الثلاثة في سلك واحد لاشتراكهم في خصيصة الصبر كما أشار إليه قوله تعالى: {كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ}. جرى ذلك لمناسبة ذكر المثل الأشهر في الصبر وهو أيوب" (2).
ثم قال بعد ذلك: {وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ}جعل الصلاح سببًا للدخول في رحمته سبحانه. وقد بينا نحو هذا التعبير في قوله تعالى في هذه السورة: {وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ} وذلك في سيدنا لوط عليه السلام.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الرابع من ص 196 إلى ص 196.
(1) روح المعاني 17/82.
(2) التحرير والتنوير 17/128.
{وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88)}
وردت قصة يونس في أكثر من موضع وهي لم تتكرر شأن القصص القرآني.
فقد وردت في سورة يونس والأنبياء والصافات والقلم.
أما في يونس فقد وردت الإشارة إلى قومه وإيمانهم في آية واحدة، فذكر ربنا سبحانه أنه استثناهم من سائر القرى والأقوام فقد آمنوا فلم يعذبهم وذلك قوله سبحانه: {فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آَمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آَمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (98)}
ووردت في سورة الأنبياء فلم يذكر دعوته ولا موقفًا له مع قومه سوى أنه خرج مغاضبًا فوقع في غم فدعا ربه فنجاه منه. ولم يذكر ما هذا الغم سوى أنه قال إنه نادى ربه في الظلمات، ولم يذكر ما هذه الظلمات.
وهذا ما ورد منها:
{وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88}.
ووردت في الصافات وهي أكثرهن تفصيلاً وذكر فيها ما لم يذكره في المواطن الأخرى من أبقه إلى الفلك، أي هرب من غير خوف، وأنه ساهم أي اقترع فلم يفلح في القرعة، وأنه ألقي في البحر فالتقمه الحوت ثم نجاه الله من بطن الحوت فنبذه بالعراء وهو مريض، وأنبت عليه شجرة يقطين وأرسله إلى قومه وذكر عددهم، وأن قومه آمنوا فمتعهم ربهم إلى حين.
وهذا ما ورد في الصافات:
{وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (139) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (140) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (141) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (142) فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (143) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (144) فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (145) وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (146) وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (147) فَآَمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (148)}
وأما في سورة القلم فإنه لم يذكر من هذه القصة إلا مخاطبة الله لرسوله أن يصبر وألا يكون احب الحوت إذ دعا ربه وهو مكظوم فتداركته نعمة من ربه فاجتباه ربه فجعله من الصالحين.
وهذا ما ورد منها في هذه السورة.
{فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (48) لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (49) فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (50)}
فأنت ترى أنها ليست متطابقة، بل ذكر في كل موضع ما أراد سبحانه أن يركز عليه وما يتناسب مع السياق الذي ورد فيه ذكره.
والآن نرجع إلى ما ورد منها في سورة الأنبياء للنظر فيها من الناحية البيانية.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الرابع من ص 197 إلى ص 198.
{وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88 }
ورد اسمه عليه السلام وهو يونس في أكثر من موضع.
وورد هنا باسم ذي النون، وورد في موضع آخر باسم صاحب الحوت.
والنون هو الحوت، وذو النون أي صاحب الحوت.
وفرّق النحاة بين (ذو) و(صاحب) أن (ذا) لا تضاف إلى مضمر ولا إلى وصف وإنما تضاف إلى اسم ظاهر غير صفة، وما خالف ذلك فهو نادر (1).
وأما (صاحب) فتضاف إلى ظاهر ومضمر، ووصف وغير وصف فتقول: (هو صاحبنا)، وهو صاحب القائمين بالحق، وهو صاحب القائمين بالحق، وهو صاحب الراكع الساجد محمود.
والملاحظ في استعمال القرآن لهاتين اللفظتين أنه يستعمل (ذا) للعاقل وغيره، ولم يستعمل كلمة (صاحب) إلا للعاقل.
قال سبحانه: {وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ} [الرحمن: 12].
وقال: {أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ} [البلد: 14].
وقال: {بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ} [إبراهيم: 37].
وهي هنا لغير العاقل.
وقال: {وَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ} [الإسراء: 26].
وقال: {أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ} [البلد: 16].
وقال: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ} [البقرة: 280].
وهي هنا للعاقل.
ومن الأعلام المصدرة بذي في القرآن (ذو القرنين) و(ذو الكفل).
أما (صاحب) فلم ترد إلا للعاقل: مفردة أو مثناة أو مجموعة، (كصاحب الحوت)، وقوله: {وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ} [النساء: 36]، وقوله: {وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ} [التكوير: 22]، وقوله: {إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ} [التوبة: 40]، وقوله: {يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّار} [يوسف: 39].
ونحو أصحاب الجنة وأصحاب النار وأصحاب الحجر وأصحاب مدين وأصحاب موسى وغير ذلك.
هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى أنه لم يرد من هاتين الكلمتين وصف له سبحانه إلا كلمة (ذي) نحو: (والله عزيز ذو انتقام) و(ذو العرش المجيد) و(ذو رحمة واسعة) و(ذو فضل على الناس) و(ذو الجلال والإكرام) و(ذو عقاب أليم).
والذي يبدو من استعمال هاتين اللفظتين أن (ذا) كأنها تستعمل أحيانًا أخص وألصق فلا يصح أو لا يحسن استعمال (صاحب) محلها وذلك نحو قوله: {أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ} فلا يحسن أو لا يصح أن يقال: (في يوم صاحب مسبغة).
وقوله: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ}
وقوله: {قُرْآَنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ}
وقوله: {انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ}
فإنه لا يصح استعمال (صاحب) مكانها.
ولا يصح في نحو قولك: (الدواء ذو مرارة) أن يقال: (الدواء صاحب مرارة).
إن لفظة (صاحب) قد تفيد المصاحبة، وأما (ذو) فإنها قد تكون لما هو من صفات الشيء أو خصوصياته. فقولك مثلاً: (هو صاحب أبي بكر) أن يقال بدله: (هو ذو أبي بكر)، ولا يصح في قولك: (هو لا يصح صاحب زيد) أن يقال: (هو ذو زيد).
وكذلك في أسماء الأعلام نحو (ذي القرنين) فلا يصح أن يقال فيه: (صاحب القرنين).
ونحوه: ذو يزن، وذو رعين، وذو نواس، وذو الكلاع، وهي ألقاب لبعض من ملوك اليمن التبابعة (2)
وأما بالنسبة لاستعمال هذين الاسمين لسيدنا يونس عليه السلام فالذي يبدو - والله أعلم - أنه استعمل ذا النون فيما هو أمدح له. ذلك أنه استعمل (صاحب الحوت) في مقام النهي عن أن يكون رسول الله مثله في قلة صبره، قال تعالى: {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ}.
وأما اسم (ذي النون) فاستعمله في مقام تسبيحه واعترافه بظلمه لنفسه واستجابة ربه لدعائه، ثم قال: {وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ} أي إذا وقعوا في غم فسبحوا ربهم أنجاهم ربهم سبحانه كما نجي ذا النون، فإن التسبيح ينجي من الغم ومدعاة لإجابة دعائهم. ولقد طلب سبحانه من نبيه عليه السلام عندما ضاق صدره بما يقول قومه أن يسبح بحمد ربه فقال له: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (97) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (98)} [الحجر: 97 – 98].
وقال له أيضًا: {فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آَنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى} [طه: 130].
وقال في ذي النون: {فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (143) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [الصافات: 143 - 144].
جاء في (الإتقان) للسيوطي: "قال السهيلي: الوصف بـ (ذو) أبلغ من الوصف بصاحب، والإضافة بها أشرف. فإن (ذو) يضاف للتابع و(صاحب) يضاف إلى المتبوع، تقول: أبو هريرة صاحب النبي، ولا تقول: النبي صاحب أبي هريرة.
وأما (ذو) فإنك تقول: ذو المال وذو العرش، فتجد الاسم الأول متبوعًا غير تابع. وبني على هذا أنه تعالى قال في سورة الأنبياء: (وذا النون) فأضافه إلى النون وهو الحوت.
وقال في سورة (نون): {وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ}، قال: والمعنى واحد ولكن بين اللفظين تفاوت كثير في حسن الإشارة إلى الحالين. فإنه حين ذكره في معرض الثناء عليه أتى بـ (ذي) لأن الإضافة بها أشرف وبالنون لأن لفظه أشرف من لفظ الحوت لوجوده في أوائل السور، وليس في لفظ الحوت ما يشرفه بذلك، فأتى به وبصاحب حين ذكره في معرض النهي عن اتباعه" (3).
{وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ}
أي ذهب غاضبًا على قومه لعدم استجابتهم له من دون أن يأذن الله له بذلك فتركهم ليدعو إلى دين الله في مكان آخر، وظن أن ذلك يسوغ له وأن الله لن يضيق عليه وأن في الأمر سعة.
ومعنى (لن نقدر عليه ) لن نضيق عليه كقوله تعالى: {اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ} [الرعد: 26]، وقوله: {وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ} [الفجر: 16].
جاء في (الكشاف): "(النون): الحوت، فأضيف إليه.
برم بقوله لطول ما ذكرهم فلم يذكروا وأقاموا على كفرهم فراغمهم وظن أن ذلك يسوغ حيث لم يفعله إلا غضبًا لله وأنفة لدينه وبغضًا للكفر وأهله.
وكان عليه أن يصابر وينتظر الإذن من الله في المهاجرة عنهم فابتلي ببطن الحوت...
(فقدر عليه) فسرت بالتضييق عليه" (4).
{فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ}
الفاء فصيحة أفصحت عن المحذوف وهو ما كان من المساهمة وهي الاقتراع وإلقائه في البحر والتقام الحوت له.
أي ركب الفلك فساهم فدحض في المساهمة ولم يفلح، فألقي في البحر فالتقمه الحوت فنادى ربه.
جاء في (روح المعاني): "(فنادى) الفاء فصيحة أي فكان ما كان من المساهمة والتقام الحوت فنادى.
(في الظلمات) أي في الظلمة الشديدة المتكاثفة في بطن الحوت جعلت الظلمة لشدتها كأنها ظلمات... أو الجمع على ظاهره والمراد ظلمة بطن الحوت وظلمة البحر وظلمة الليل" (5).
وقوله: {إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} إقرار بظلمه لنفسه.
وقال: {إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} فوصف نفسه بالظلم الثابت فجاء بالصيغة الاسمية، ذلك أنه استعظم ما فعله من غير إذن ربه له.
جاء في (التحرير والتنوير) في قوله: {إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} "مبالغة في اعترافه بظلم نفسه" (6).
ولعل في هذا الترتيب إشارة إلى ما يحسن بالداعي أن يفعله وهو البدء بالثناء على الله ثم يدعو بحاجته والله أعلم.
والمقصود بالنداء هنا الدعاء، بدليل قوله سبحانه: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ}
{فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ}
ذكرنا في موضع سابق من السورة مجيء التنجية بالواو ومجيئها بالفاء، ومنها ما ورد في هذه الآية فلا نعيد القول فيه.
ومن الملاحظ أن قال: {وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ}
فقال أولاً: (نجيناه) ثم قال: (وكذلك ننجي).
و(ننجي) مضارع (أنجي - أنجينا).
فاستعمل (نجى) أولاُ، واستعمل (أنجى) بعد ذلك. وقد ذكرنا في أكثر من موضع أن (نجى) يفيد التلبث والتمهل في التنجية، وأن (أنجى) يفيد الإسراع فيها. فإن (أنجى) أسرع من (نجى) في التخليص من الشدة والكرب (7).
فاستعمل (نجى) الذي يفيد المكث والتلبث مع رسوله، واستعمل (أنجى) الذي يفيد الإسراع في النجاة مع المؤمنين، ذلك لأن الرسل أعظم صبرًا من عامة المؤمنين. ولذلك قال: (ننجي) مع المؤمنين، أي يخلصهم ربنا مما هم فيه بسرعة لأنهم ليس لهم صبر كصبر الرسل. وهذا من لطف الله بهم ورحمته لهم.
ونحو ذلك قوله تعالى: {ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ} [يونس: 103]. جاء في (نظم الدرر): "ذكر التنجية أولاً يدل على مثلها ثانيًا، وذكر الإنجاء ثانيًا يدل على مثله أولاً.
وسر ذلك الإشارة إلى شدة العناية بالمؤمنين؛ لأنهم ليس لهم كصبر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بما أشار إليه بحديث: (أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل) (يبتلى المرء على قدر دينه) فيسلّهم سبحانه من البلاء كما تسلّ الشعرة من العجين، فيكون ذلك مع السرعة في لطافة وهناء" (8).
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الرابع من ص 198 إلى ص 205.
(1) انظر شرح الأشموني 1/73، شرح التصريح 1/63.
(2) انظر (لسان العرب) (ذو) 20/345.
(3) الإتقان في علوم القرآن 2/292 – 293 وانظر البرهان في علوم القرآن للزركشي 4/279.
(4) الكشاف 2/335.
(5) روح المعاني 17/84، وانظر فتح القدير 3/410ـ ابن كثير 3/192.
(6) التحرير والتنوير 17/132.
(7) انظر كتابنا (بلاغة الكلمة في التعبير القرآني) ص 74 وما بعدها.
(8) نظم الدرر في تناسب الآيات والسور 12/467.