{قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (60) قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (61)}
قالوا: (يذكرهم) بضمير العقلاء، ولم يقولوا: (يذكرها) وذلك لأنهم يظنون أنها ذوات عاقلة.
{قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ}
{عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ} أي في مكان مرتفع على مرأى من الناس يشهده الجميع (1).
{لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ}: أي لعلهم يشهدون عليه بما يسمعون منه وبما فعله. أو يشهدون العقوبة التي سننزلها به (2) "فيكون ذلك زاجرًا لهم عن الإقدام على مثل فعله" (3).
وقيل: إن "المراد مجموع الوجهين فيشهدون عليه بفعله ويشهدون عقابه (4).
وهو الظاهر، وحذف مفعول (يشهدون) ليجمع أكثر من وجه، والله أعلم.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الرابع من ص 149 إلى ص 150.
(1) انظر الكشاف 2/322، تفسير أبي السعود 3/712.
(2) انظر الكشاف 2/322.
(3) التفسير الكبير 8/155.
(4) التفسير الكبير 8/155.
{قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآَلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ (62) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (63)}
أي فأتوا به فسألوه، فحذف ما هو معلوم وليس في ذكره فائدة وإنما ذكر ما هو أهم.
قالوا: {أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا}، ولم يقولوا: (أفعلت هذا) لأن السؤال عمن فعل الفعل، وليس السؤال عن الفعل أوقع أم لم يقع، كيف وقد أشير إلى الفعل بقوله: {أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا}.
تقول: (أأنت ضربت زيدًا؟) إذا كان الضرب حاصلاً فتسأل عمن أوقعه فتقول: أأنت فعلت؟
وتقول: (أضربت زيدًا؟) إذا كان السؤال عن الفعل أحصل أم لم يحصل.
جاء في (البحر المحيط): "{أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا}: إذا تقدم الاسم في نحو هذا التركيب على الفعل كان الفعل صادرًا واستفهم عن فاعله وهو المشكوك فيه.
وإذا تقدم الفعل كان الفعل مشكوكًا فيه فاستفهم عنه أوقع أو لم يقع" (1).
وقالوا: {أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآَلِهَتِنَا}، ولم يقولوا: (بالأصنام) أو (بأصنامنا) فسموها آلهة تعظيمًا لها، بل هي آلهتهم.
{قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ}
القصد من هذا الإضراب أن يلزمهم الحجة لعلهم يعودون إلى عقولهم أو تعود إليهم فيعلمون أن آلهتهم لا تدفع ولا تنطق ولا تنصر نفسها.
جاء في (الكشاف): "هذا من معاريض الكلام... والقول فيه أن قصد إبراهيم صلوات الله عليه لم يكن إلى أن ينسب الفعل الصادر عنه إلى الصنم،، وإنما قصد تقريره لنفسه وإثباته لها على أسلوب تعريضي يبلغ ف غرضه من إلزامهم الحجة وتبكيتهم" (2).
"وإنما لم يقل عليه السلام: إن كانوا يسمعون أو يعقلون مع أن السؤال موقوف على السمع والعقل أيضًا لما أن نتيجة السؤال هو الجواب وأن عدم نطقهم أظهر وتبكيتهم بذلك أدخل" (3).
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الرابع من ص 150 إلى ص 151.
(1) البحر المحيط 6/324.
(2) الكشاف 2/332.
(3) تفسير أبي السعود 3/713.
{فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (64)}
أي رجعوا إلى عقولهم فأدركوا أنه ينبغي أن تسأل الآلهة عن د ذلك لا إبراهيم فإن القاء التهمة عليه ظلم.
جاء في (البحر المحيط): {فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ} أي إلى عقولهم حين ظهر لهم ما قال إبراهيم عليه الصلاة والسلام من أن الأصنام التي أهلوها للعبادة ينبغي أن تسأل وتستفسر قبل.ويحتمل أن يكون (فرجعوا) أي رجع بعضهم إلى بعض فقالوا: (إنكم أنتم الظالمون) في سؤالكم إبراهيم حين سألتموه ولم تسألوها... أو حين عبدتم ما لا ينطق" (1).
وقيل: "أي راجعوا عقولهم وتذكروا أن ما لا يقدر على دفع المضرة عن نفسه ولا على الإضرار بمن كسره بوجه من الوجوه يستحيل أن يقدر على دفع مضرة عن غيره أو جلب منفعة له فكيف يستحق أن يكون معبودًا" (2).
ثم إنهم لما نسبوا الظلم إلى من فعل بآلهتهم فقالوا: {إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ} عادوا فنسبوا الظلم إلى أنفسهم فقالوا: {إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ}.
وكما أكدوا قولهم بإن واللام فقالوا: {إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ} أكدوه أيضًا عندما نسبوه إلى أنفسهم بإن والضمير المنفصل.
ثم إنهم لم يقولوا: (إنكم أنتم ظالمون) بل قالوا: {إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ} فعرفوا الظالمين بأل، أي إنكم أنتم الظالمون وليس غيركم، فعرفوه للدلالة على الحصر.
جاء في (التحرير والتنوير) في قوله تعالى: {إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ}: "الجملة مفيدة للحصر، أي ظالمون لا إبراهيم لأنكم ألصقتم به التهمة بأنه ظلم مع أن الظاهر أن نسألها عمن فعل بها ذلك، ويظهر أن الفاعل هو كبيرهم" (3).
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الرابع من ص 151 إلى ص 153.
(1) البحر المحيط 6/325.
(2) تفسير أبي السعود 3/713.
(3) التحرير والتنوير 17/103.
{ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ (65) }
أي بعد أن استقاموا ورجعوا إلى عقولهم انقلبوا فعادوا إلى باطلهم. شبه ذلك بمن انقلب على رأسه فقالوا: لقد علمت أن هؤلاء لا ينطقون فكيف تطلب منا أن نسألهم؟
جـاء فـي (الكشـاف): "(نكستـه): قلبتـه فجعلت أسفلـه أعـلاه، وانتكس: انقلب. أي استقاموا حين رجعوا إلى أنفسهم وجاءوا بالفكرة الصالحة، ثم انتكسوا وانقلبوا عن تلك الحالة" (1).
وجاء في (تفسير أبي السعود): "أي انقلبوا إلى المجادلة بعدما استقاموا بالمراجعة. شبه عودهم إلى الباطل بصيرورة أسفل الشيء أعلاه...
والله لقد علمت أن ليس شأنهم النطق فكيف تأمرنا بسؤالهم؟" (2).
لقد جاء بالفاء في قوله: {فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا} للدلالة على سرعة ما حصل لهم، فهو كالمفاجأة لهم.
ثم جاء بعد ذلك بـ (ثم) فقال: {ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ} أي بعد مهلة، فهم كالذي يفوق من صدمة فعاد إلى حالته الأولى.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الرابع من ص 153 إلى ص 153.
(1) الكشاف 2/332.
(2) تفسير أبي السعود 3/713.
{قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (66) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (67)}
بكتهم بعد انقطاع حجتهم فقال لهم: {أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ}
إنه لم يقل: (أفتعبدون هذه الأصنام بعدما تبين لكم أنها لا تنفع ولا تضر ولا تدفع عن نفسها) بل قال: {أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ}
فلم يخصص الإنكار بأصنامهم دون غيرها، بل ذكر حكمًا عامًا في كل ما اتصف بهذا الوصف مما اتخذ إلها من دون الله.
وقوله: {لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا} يعني لا ينفعكم شيئًا من الأشياء ولا شيئًا من النفع، فكان النفي مطلقا عن كل شيء.
{أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ}
(أف) كلمة يراد بها التضجر، فتضجر منهم ومما يعبدون من دون الله.
{أَفَلَا تَعْقِلُونَ} أليس لكم عقل فتفكرون، كأن الذي يفعل ذلك ليس له عقل.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الرابع من ص 154 إلى ص 154.
{قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آَلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (68)}
قالوا: (حرقوه) ولم يقولوا: (أحرقوه) من (أحرق) ولا (احرقوه) من (حرق). وإنما قالوه بالتضعيف للمبالغة في الحرق، يقال: "أحرقه بالنار وحرقه شدد للكثرة " (1).
وراموا تحريقه لأنه أشد العقوبات (2).
قد تقول: ولكنهم قالوا في العنكبوت. {قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ}
فذكروا التخيير بين أحد الأمرين: القتل أو التحريق. أما في آية الأنبياء هذه فإنهم قالوا: {حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آَلِهَتَكُمْ} فذكروا أشد العقوبتين وهو التحريق ولم يذكروا القتل فما السبب؟
والجواب ظاهر، فإن السياق في الأنبياء أشد، ذلك أنه حطم أصنامهم وجعلهم جذاذًا، وأما في العنكبوت فلم يذكر ذلك وإنما ذكر ما هو أخف، فقد قال في العنكبوت: {وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (16) إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (17) وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (18) أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (19) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآَخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20) يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (21) وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (22) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (23) فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (24)}
لقد قال لهم في الأنبياء ما هو أشد من ذلك، فقد رماهم ورمى آباءهم بالضلال المبين فقال: {لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (54)}.
وقال: {أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (66) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (67)}
فرماهم بعدم العقل.
وتوعدهم بأن يكيد أصنامهم: {وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (57)}
فالفرق ظاهر بين المقامين.
أو إن ما في العنكبوت إنما كان في بداية المداولة والتشاور فيما يفعلون به فذكروا القتل أو التحريق ثم استقر الرأي على تحريقه. ووضع كلاً في سياقه المناسب.
لقد قالوا: {حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آَلِهَتَكُمْ} فطلبوا نصر آلهتهم، وهذه إشارة إلى أن الآلهة لا تستطيع أن تنصر نفسها بل هم ينصرونها، وهو مناسب لما مر قبل هذه الآيات وهو قوله: {أَمْ لَهُمْ آَلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ (43)}.
والكلام هنا على ما يعبده المشركون في زمن الرسول من الآلهة. فقد ذكر أنهم لا يستطيعون نصر أنفسهم. وهو حقيقة عامة في جميع ما اتخذ إلها من دون الله وما يتخذ، سواء كان في زمن إبراهيم أم قبله أم بعده.
وقوله: {إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ} يعني "إن كنتم ناصرين أنفسكم نصرًا مؤزرًا" (3).
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الرابع من ص 154 إلى ص 156.
(1) لسان العرب (حرق).
(2) انظر تفسير أبي السعود 3/714.
(3) الكشاف 2/333.
{قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (69) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (70)}
لم يقل: يا نار كوني باردة وذات سلام، وإنما قال: {كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا} مبالغة في أن تكون هي البرد والسلام بعينهما.
وجمع بين البرد والسلام لتكون غاية في الراحة، ولئلا يناله شيء من الأذى. إذ لو قال: (كوني بردًا) ولم يقل: (كوني سلامًا) لربما آذاه البرد، خاصة وإنه أمر بالمبالغة في كونها باردة، فقد أمر بالمصدر.
جاء في (البحر المحيط): "لو لم يقل: (وسلامًا) لهلك إبراهيم من البرد... والمعنى ذات برد وسلام فبولغ في ذلك كأن ذاتها برد وسلام" (1).
وقال: {عَلَى إِبْرَاهِيمَ} لتكون بردًا وسلامًا عليه خاصة، وهي جحيم على غيره.
{وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ}
لما قال: {وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ} فأقسم ليكيدن أصنامهم أرادوا هم أيضًا أن يكيدوه ويمكروا به. فهو أراد أن يكيد أصنامهم وهم أرادوا أن يكيدوه. فكل أراد أن يكيد ولكن شتان ما بين الكيدين.
قد تقول: لقد قال هنا: {وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا} بإدخال الواو على الفعل (أرادوا).
وقال في الصافات: {فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا} بإدخال الفاء على الفعل.
فما سبب الاختلاف.
والجواب ظاهر، ذلك أن القول في سورة الأنبياء إنما ذكر بعد إلقائه في النار وجعلها بردًا وسلامًا، فلا يناسب ذكر الفاء التي تفيد الترتيب والتعقيب، فإن الكيد قد حصل وتم.
وأما في الصافات فإنه قال ذلك بعد قولهم: {فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ} فذكر إرادة الكيد بعد الأمر بإلقائه في الجحيم وقبل التنفيذ، فناسب ذكر الفاء التي تفيد الترتيب والتعقيب.
لقد قال في الأنبياء: {وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ} فذكر الخسران.
وقال الصافات: {فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ (98)}.
ذلك أنهم قالوا في الأنبياء: {حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آَلِهَتَكُمْ} فطلبوا أن ينصروا آلهتهم فكان عاقبة ذلك أنهم خسروا الحرب التي أرادوا بها أن ينصروا آلهتهم.
ونتيجة الحرب النصر أو الخسارة فكانوا هم الأخسرين.
وقال: (الأخسرين) ولم يقل: (الخاسرين) للدلالة على أفظع الخسران وأشده، فهم خسروا الدنيا والآخرة.
جاء في (البحر المحيط): "{فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ} أي المبالغين في الخسران وهو إبطال ما راموه جادلوا إبراهيم فجدلهم وبكتهم وأظهر لهم وقر عقولهم، وتقووا عليه بالأخذ والإلقاء فخلصه الله" (2).
وجاء في (تفسير أبي السعود): {فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ} أي أخسر من كل خاسر حيث عاد سعيهم في إطفاء نور الحق برهانًا قاطعًا على أنه عليه السلام على الحق وهم على الباطل" (3)!
وأما قوله في الصافات: {فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ} فإن ذلك مناسب لذكر البنيان، والبنيان بناء عال مرتفع فإنهم أرادوا أن يلقوا إبراهيم منه ليهوي في النار فكانوا هم الأسفلين.
فناسب ذكر الأسفلين ذكر البنيان المرتفع.
جاء في (درة التنزيل) في قوله تعالى: {وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ}
وقوله في الصافات: {فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ}:
"الجواب أن يقال ما في سورة الأنبياء فإن الله تعالى أخبر فيها عن إبراهيم عليه السلام أنه قال: {وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ }، ثم أ أخبر عن الكفار لما ألقوه في النار وأرادوا به كيدًا {فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ} والكيد سعي في مضرة ليورد على غفلة. فذكر مكايدة بينهم وبين إبراهيم عليه السلام فكادهم ولم يكيدوه، فخسرت تجارتهم وعادت عليهم مكايدتهم لأنه كسر أصنامهم ولم يبلغوا من إحراقه مرادهم. فذكر الأخسرين لأنهم خسروا فيما عاملهم به وعاملوه من المكايدة التي أضيفت إليهما.
وأما التي في سورة الصافات فإن الله تعالى أخبر عن الكفار فيها بما اقتضى من الأسفلين وهو أنه قال: {قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ} فبنوا له بناء عاليًا ورفعوه فوقه ليرموا به من هناك إلى النار التي أججوها، فلما علوا ذلك البناء وحطوه منه إلى أسفل عادوا هم ا الأسفلين، لأنهم أهلكوا الدنيا وسفل أمرهم في الأخرى.
والله تعالى نجى نبيه وأعلاه عليهم فانقلب عالي أمرهم في صعود البناء وسافل أمر إبراهيم عليه السلام لما حط إلى النار أن صار ذاك سافلاً وأمر النبي عليه السلام عاليًا، فلذلك اختصت هذه الآية بقوله: {فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ}" (4).
وجاء في (كشف المعاني في المتشابه من المثاني) لبدر الدين بن جماعة: "إنهم أرادوا كيده بإحراقه فنجاه الله تعالى وأهلكهم وكسر أصنامهم فخسروا الدنيا والآخرة.
وفي الصافات قالوا: {ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ} أي من فوق البناء في الجحيم، فناسب ذكر الأسفلين لقصدهم العلو لإلقائه في النار والله أعلم" (5).
وجاء في (ملاك التأويل): "قيل روعي في آية الصافات مقابلة قولهم: {ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا} لأنه يفهم منه إرادتهم علو أمرهم بفعلهم ذلك فقوبلوا بالضد فجعلوا الأسفلين" (6).
وقال: {فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ} و{فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ} ولم يقل: (فكانوا هم الأخسرين) أو (فكانوا هم الأسفلين) لأن ذلك إنما كان بقدرة الله سبحانه وجعله ونصره.
وقد تقول: لكنه قال في آية أخرى: {فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ} [الصافات: 116] فقال: (فكانوا).
فنقول: إن السياق يوضح ذلك، فقد قال سبحانه: {وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (115) وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (116)}.
فذكر أنه نصرهم فكانوا هم الغالبين، أي بنصره سبحانه كانوا هم الغالبين
هذا علاوة على أنه ذكر أيضًا أنه نجاهما وقومهما من الكرب العظيم.
فهو الذي نجاهم وهو الذي نصرهم فغلبوا بنصره سبحانه.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الرابع من ص 157 إلى ص 161.
(1) البحر المحيط 6/328.
(2) البحر المحيط 6/328.
(3) تفسير أبي السعود 3/715.
(4) درة التنزيل 300
(5) كشف المعاني 256.
(6) ملاك التأويل 2/701.
{وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (71)}
"نجيا من العراق إلى الشام. وبركاته الواصلة إلى العالمين أن أكثر الأنبياء عليهم السلام بعثوا فيه فانتشرت في العالمين شرائعهم وآثارهم الدينية...
وقيل: بارك الله فيه بكثرة الماء والشجر والثمر والخصب" (1).
و"هذه نجاة ثانية بعد نجاته من ضر النار" (2).
وهذا هو الموطن الوحيد الذي ذكرت فيه نجاته ولوطاً إلى هذه الأرض الموصوفة بهذه الصفة.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الرابع من ص 161 إلى ص 161.
(1) الكشاف 2/330.
(2) التحرير والتنوير 17/108.
{وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ (72)}
النافلة: الزيادة، أي وهب له يعقوب زيادة من غير أن يسأله إياه، فقد وهب ربنا لإبراهيم ولده إسحاق استجابة لدعائه، وأما يعقوب وهو ولد الولد فقد بشره من غير أن يسأله.
جاء في (الكشاف): "النافلة: ولد الولد. وقيل: سأل إسحاق فأعطيه، وأعطى يعقوب نافلة، أي زيادة وفضلاً من غير سؤال" (1).
وجاء في (البحر المحيط): "إذ كان إسحاق ثمرة دعائه {رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ}، وكان يعقوب زيادة من غير دعاء" (2).
وفيما قاله صاحب البحر نظر، فإن ثمرة هذا الدعاء المذكور هو إسماعيل وليس إسحاق عليهما السلام كما جاء في سورة الصافات.
قال تعالى: {رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (100) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (101) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى...}.
وهذا هو إسماعيل.
ثم قال بعد ذلك: {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (112)}
إلا أن يقال: إن دعاء سيدنا إبراهيم ليس مختصًا بمعين وإنما طلب ذرية صالحة واحدًا أو أكثر، فيكون كل من إسماعيل وإسحاق من ثمرة هذا الدعاء المبارك.
{وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ}
أي المذكورين وهم إبراهيم ولوط وإسحاق ويعقوب (3).
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الرابع من ص 161 إلى ص 162.
(1) الكشاف 2/333.
(2) البحر المحيط 6/329.
(3) البحر المحيط 6/329.
{وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ (73)}
كرر الفعل (جعل) مع مفعوله الأول فقال: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً} ولم يعطف (أئمة) على (كلا) فيقول: (وأئمة يهدون بأمرنا) لئلا يحتمل معنى آخر وهو: (وجعلنا أئمة يهدون بأمرنا) أي أئمة آخرين غير هؤلاء فيعني بالأئمة غيرهم فيكون المعنى: إن هؤلاء كانوا صالحين، وجعلنا أئمة يهدون بأمر الله أي آخرين. فقال: (وجعلناهم) يعني المذكورين في الآية السابقة وهم إبراهيم ولوط وإسحاق ويعقوب.
وقد يحتمل العطف على (صالحين) أي جعلناهم صالحين وأئمة فيكون التعبير احتماليًا. فأراد النص على أن المقصودين هم المذكورون فكرر الفعل مع مفعوله الأول.
جاء في (التحرير والتنوير): "وإعادة فعل (جعل) في قوله تعالى: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا} دون أن يقال: (وأئمة يهدون) بعطف (أئمة) على (صالحين) اهتمامًا بهذا الجعل الشريف، وهو جعلهم هادين للناس بعد أن جعلهم صالحين في أنفسهم.
ولأن في إعادة الفعل إعادة ذكر المفعول الأول فكانت إعادته وسيلة إلى إعادة ذكر المفعول الأول. وفي تلك الإعادة من الاعتناء ما في الإظهار في مقام الإضمار" (1).
وقوله: {يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا} يحتمل معنيين:
الأول: أن يكونوا مأمورين بالهداية، أي أمرهم ربهم بأن يهدوا الناس.
جاء في (الكشاف): {يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا} فيه أن من صلح ليكون قدوة في دين الله فالهداية محتومة عليه مأمور هو بها من جهة الله ليس له أن يخل بها ويتثاقل عنها" (2).
والمعنى الآخر: أي يهدون بشرع الله فيكون أمره – وهو ما شرعه سبحانه للناس – وسيلة للهداية نحو قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الشورى: 52].
وقوله: {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ} [المائدة: 15 – 16].
أي يهدي بالقرآن.
وقوله: {ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ} [الزمر: 23].
فيكون وسيلة للهداية.
{وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ}
"أي خصصناهم بشرف النبوة" (3).
{وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ} "من عطف الخاص على العام دلالة على فضله" (4).
فإن فعل الخيرات عام يشمل الفروض والمندوبات.
فدخل في ذلك ما ذكر من إقام الصلاة وإيتاء الزكاة. وخصهما بالذكر لأهميتهما وكبير منزلتهما عند الله، فإنهما من أركان الإسلام كما هو معلوم.
{وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ}
قدم الجار والمجرور (لنا) على (عابدين) للاختصاص، أي كانوا عابدين لنا خاصة دون غيرنا (5).
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الرابع من ص 162 إلى ص 165.
(1) التحرير والتنوير 17/109.
(2) الكشاف 2/333.
(3) البحر المحيط 6/305.
(4) تفسير أبي السعود 3/716.
(5) انظر تفسير أبي السعود 3/716.