قال تعالى : (( وَنَادَىٰ نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45)
قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ۖ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ۖ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۖ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (46) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ ۖ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ (47) )) سورة هود .
عند تدبري لهذه الآيات، ارتسم في ذهني هذا المعنى :
لا تجعل العاطفة تحكمك ..
من المعلوم أن عاطفة اﻷبوة من أقوى العواطف بما فيها من رحمة وشفقة وحنان وحب ..
وفي هذا الحوار بين الخالق عزوجل ونبي الله نوح .. نستحضر رهبة الموقف .. ولك أن تتخيل (وهذا مما أسميته : التدبر التصوري) = حجم القلق واضطراب العواطف والخوف الذي يعلو صوت ضرباته في قلوب المشاركين في ذلك الحدث .. مع حركة أمواج الطوفان وأصوات المياه الهادرة الهاطلة .. وصراخ الناس .. والطقس المتغير بأصوات الرعود ومشاهد الهلع والركض .. الكل في حالة طوارئ ويعيشون في قلب حدث مخيف مهيب مروع .. !
في تلك الأثناء نتذكر أطراف القصة :
الطرف الأول - نبي الله نوح الأب الجليل الكبير الرحيم الذي لم يفقد الأمل في إنقاذ ابنه.
الطرف الثاني - والابن المكابر السادر في غيه وتيهه وغروره الدنيوي .
إن هذه اﻵيات توقظ فكرنا وتُرشدنا إلى أهمية النظر في التوجيه الرباني الذي يأمرنا بتقديم العقل على العاطفة ..
والمقصود بالعقل هنا العقل المتدبر لشرع الله المنقاد له أمرا ونهيا .
قال تعالى :
﴿ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاه
وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ﴾
إذا رأيت وقتك يمضي ولم تنتج شيئاً مفيداً، فاحذر أن يكون قد أدركك هذا الذم.
قال الله تعالى : { أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ ٱلسُّوٓءَ } النمل ٦٢
ضمّن الله تعالى إجابة المضطر إذا دعاه وأخبر عن نفسه؛ والسبب في ذلك أن الضرورة إليه بالدعاء ينشأ عن الإخلاص وقطع القلب عما سواه، وللإخلاص عنده سبحانه موقع وذمة، وجد من مؤمن أو كافر، طائع أو فاجر.
قال الشوكاني : فأجابهم عند ضرورتهم وإخلاصهم مع علمه سبحانه بأنهم سيعودون إلى شركهم.
﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ﴾
قال شيخ الإسلام ابن تيمية :
" فعلى الإنسان أن يكون مقصوده نفع
الخلق والإحسان إليهم مطلقا،
وهذه هي الرحمة التي بعث بها محمد
صلى الله عليه وسلم، في قوله:
﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ﴾ "
قال الله تعالى : { وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي }
طه ٣٩
قال ابن عباس رضي الله عنهما : " أحبّه الله وحببه إلى خلقه ".
قال ابن زيد :
جعلت من رآك أحبك،
حتى أحبك فرعون فسلمت من شره،
وأحبتك آسية بنت مزاحم فتبنتك.
{وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} [الضحى:11]
من أعظم الأسباب التي تهون بها هموم الإنسان وكرباته، أن يعدِّد نعم الله عليه.
إن تعداد النعم =
بريد يوقظ في قلب المرء روح الشكر فيسلم، ويذكّره بأناه الأولى فلا يظلم،
ويحميه من سطوة الأحزان،
ويورثه الرضا والاطمئنان.
اجعلوا لأنفسكم أورادا من الشكر، تسردون فيها بعض نعم الله التي لا تحصى، وتحمدونه عليها، وتحدثون بها من تحبون.
ومن الأفكار الجميلة حول هذا المعنى= دفتر السعادة..
أن تأتي بدفتر يعجبك، وتخصصه لتسجيل اللحظات التي تورثك شعورا طيبا خلال يومك وإن كانت لا تعني للآخرين الكثير.
لا تكتب فيه أي شعور سيء، فقط كل المشاعر الطيبة:
كالسرور
والامتنان
والراحة
والإنجاز
والطرافة
والصفاء
والفهم بعد استغلاق
والبركة
ونجاح التجارب الجديدة مهما كانت بسيطة..
مع كتابة الموقف بأسلوبك الخاص، والتاريخ..
احرص على التدوين بأقلام مريحة لعينك، وبخط جيد..
واحرص ألا تتكاسل عن التدوين كلما سنحت لك الفرصة.
وكلما شعرت أن الدنيا سوداء، أو أنه لا جدوى من فعل أي شيء، أو أن الناس لهم حظوظ وأنت لا.. افتح دفتر سعادتك أنت.. واسترجع الجمال الذي خطَّته يدك أنت.
ستجد بعض ما يهون عليك اللحظات الشاقة مما صاغه شعورك الصافي وكساه رداء الحمد
أمّا يوسف
"فأسرَّها في نفسه"
ويعقوب
"وتولى عنهم"
ومريم
"فلن أكلم اليوم إنسيا"
لا تبُحْ لهم بما في نفسك
فلن يفهموك
ولن يشعروا بك ، الله وحده يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور .
لما بشرت الملائكة زكريا بالغلام،استغرب وذلك لكبر سنه،وامرأته عاقر
فقال الله تعالى(كذلك الله يفعل ما يشاء).
وعندما بشرت الملائكة مريم واستغربت قال الله تعالى: (كذلك الله يخلق ما يشاء).
فذكر تعالى لزكريا الفعل لوجود السبب، وهي الزوجة.
أما مريم فذكر الخلق دون السبب لانعدامه لكونها بلا زوج .
قال تعالى: {فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى}
قال ابن القيم :
«فأمر تعالى أن يُلِينَا القول لأعظم أعدائه وأشدهم كفراً وأعتاهم عليه؛
لئلا يكون إغلاظُ القولِ له -مع أنه حقيقٌ به- ذريعةً إلى تنفيره وعدم صبره لقيام الحجة،
فنهاهما عن الجائز لئلا يترتب عليه ما هو أكره إليه تعالى».