آية غيرت حياتي !
غيرت آيةٌ قرأتُها ذاتَ يوم مجري حياتي كله , وهي قوله تعالي : " يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ " , لقد كنت في معصية الله عزوجل ثلاث سنوات كاملة , حاولت أن أترك المعصية لكني ما استطعت ! وجلست يوما أبكي بشدة , وأناجي ربي , فسمعت الآية أعلاه , فانشرح لها صدري , وتملكني الحياء من ربي عزوجل , وسألت نفسي حينها بصدق : هل أقبل أن يراني أبي وأمي أو أي أحد في هذه الدنيا علي ما أنا عليه ؟ أو حتي أن يسمعوا بما أفعل ؟
وكان جوابي الأكيد لنفسي : لا , وألف لا .... , فإن كنتُ قد استحييتُ من العباد فكيف برب العباد وهو المطلع علي كل شئ ! فاستحييت من نظره سبحانه إلي وأنا أعصيه , وقررت أن أترك ما أنا فيه , ومن ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه , وبمنة من الله وفضل تركت المعصية , وها أنا أنعم بالسعادة بفضل ربي منذ سنوات .
" وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ "
آية في كتاب الله تبكيني , فعندما أري منكرا أضعف عن إنكاره أو أسكت ؛ أتذكر قول الله عزوجل : " الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ " , تأملتها أول مرة وأنا أبكي : كيف لا أخشي الله وحده وهو مراقب لي , وحاولت فعلا تربية نفسي عند رؤية المنكر أن لا أخشي ولا أخاف إلا الله , فأصبحت عندما أنصح من حولي إذا انتابني شعور بالخوف أتذكر تلك الآية : " وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ " .
رضيت بما اختار
إذا ضاقت عليَّ الأرض بما رحبت وتكالبت الهموم , وبدأ الشيطان يعقد أمامي الأمور , ويدعي ألا وجود للحلول , أتذكر قول ربنا جل شأنه : " وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ " , فتنقشع عني غيوم الهم , وتشرق في سمائي شمس التفاؤل وإحسان الظن , فإن الخير كل الخير في اختيار الحكيم وتدبير العليم , ولو عرض لي الغيب ما اخترت إلا اختيار ربي .
آية لا تنسي !
عند التحاقي لأول مرة بدار التحفيظ قرأت في وردي اليومي : " إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ " , أحسست حينها بأنني سأتغير مع القرآن الكريم , لكنني ما كنت أدري ما هو نوع الهداية " لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ " ؟
ولكن ما مرَّ – والله – شهران علي التحاقي بالدار إلا وأصبحت أحس بلذة في عباداتي وصيامي , وفي قيام الليل خاصة ومحبة الصالحين , ثم بعد سنتين حفظت القرآن الكريم كاملا – ولله الحمد – مع أني كنت منذ بداية التحاقي بالدار لا أحفظ سوي أربعة أجزاء , فأدركت أن هذه هي بركة القرآن الكريم .
الأدب العظيم
سمعتُ أستاذتي يومًا وهي تفسر قول الله تعالي : " مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (17) " , واستشعرت مع حديثها كيف كان رسول الله صلي الله عليه وسلم وهو في رحلته في السماء مع جبريل غاضا لبصره عن فضول النظر , وهذا أكمل ما يكون من الأدب العظيم منه عليه الصلاة والسلام , حتي مدحه الله بما في الآية و وأصبحت هذه الآية كلما تذكرتها طريقا لي بأن أترك فضول النظر أينما كنت وحيثما ذهبت ! .
التجارة مع الله
كُنتُ دائما إذا هممتُ بمعصيةٍ أو غِيْبَةٍ لأحد أتذكر قول الله : " مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18) " , فأحجم عن ذلك .
وكان سبب محافظتي علي العبادات الثلاث : قراءة القرآن الكريم , والصلاة , والإنفاق ؛ هي قول الله تعالي في سورة فاطر : " إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (29) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (30) " , فما أجمل أن نعمل بالعمل موقنين أننا سنأخذ عليه أجرنا من الله وزيادة ؛ لأنه تعالي شكورٌ يقبلُ القليل من الصالحات , ويجزي عليها الكثير الحسنات .
" لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً "
كنت طالبة في المراحل الأولي من دراستي الجامعية , وأنا من عائلة محافظة والحمد لله , ولكني كنت متساهلة في الحجاب , بل لم أكن أتحجب حقيقة .
وحدث أن كنت في صلاة التراويح خلف إمام يرتل القرآن الكريم بصوت جميل وطريقة تحملك علي التمعن في الآيات , وكانت قراءته في تلك الليلة من سورة الكهف حتي وصل إلي قوله تعالي : " وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (47) وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا (48) وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (49) " , وفي هذه الآية تحديدًا بدأ صوت الشيخ يلين ويرق ثم بكي , وبكيت خلفه , وأنا أتخيل الموقف والعرض بين يدي الرحمن وعظمته , وعندما عدت إلي البيت قررت أن ألبس الحجاب وأخبرت أمي بهذا القرار , والحمد لله الذي هداني إلي طاعته ورضاه .
" لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ "
كنت مريضًا مرضًا شديدًا , وكان كل ما يؤرقني هو حياة أولادي من بعدي كيف سيعيشون ؟ ومن سيربيهم ؟ لو أنهم كانوا أصلب عودا وأشد قوة وأسن مما هم عليه ؛ لمت مطمئنا علي حالهم .
وزارني يومًا أحد الصالحين , فبثثت إليه همي , فقرأ علي الآية الكريمة : " وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (9) " .
لقد كنت احفظ سورة النساء عن ظهر قلب , ولكن الآية كأنما نزلت غضة طرية لتوها , نزلت علي روحي بردًا وسلامًا , وعلمت أن الله هو الرزاق الحافظ لي ولهم , وسكنت نفسي لهذا الكلام جدا , والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .
شرف الذاكرين
آيةٌ في كتاب الله استَحْضِرُها كلما دخلتُ مجلسًا من مجالس ذكر الله , وهي قوله تعالي : " فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ " , فاستشعر أن مجرد إذن الله لي – ولمن حضر هذا المجلس من فوق سبع سماوات – بذكره ؛ هو شرف عظيم لنا , وما أعظم ذكر الله ! نسأله سبحانه أن يجعلنا ممن يذكره آناء الليل وأطراف النهار .
" أَلَمْ تَكُنْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ "
كم أثر فيَّ قوله سبحانه : " أَلَمْ تَكُنْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ " ، لقد صارت أمام عيني كلما هممت بمعصية ، أتخيل أن الله - سبحانه - يخاطبني بها فأرتدع ، فها هو القرآن بين أظهرنا يتلي آناء الليل والنهار ، نورا يمحو ظلمات الهوي ، لا يترك لأحد علي الله حجة ، فلنستمع لآياته ، ونتعظ بها قبل أن يقال لنا " أَلَمْ تَكُنْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ " .