عرض وقفات تذكر واعتبار

  • ﴿مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ ﴿١١﴾    [الحديد   آية:١١]
وعد الله حقٌّ ! احتاجت أمي في يوم من الأيام لشئ يكلف بعض المال , وكنتُ ألمس رغبتها فيه وحاجتها إليه , وكان لدي بعض المال الذي رصدته لحاجة لي, لكنه قد يقضي حاجة أمي , ومر في نفسي خاطر: لم لا أقدم حاجتها علي حاجتي ؟ ألم يأمرني الله ببرها ؟ وروادتني نفسي فصارعتُها حتي قررتُ تقديمَ حاجتها علي حاجتي مهما كلفني ذلك , وتذكرت قوله تعالي " مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (11)" فقضي حاجتها , وكلفني ذلك مبلغًا من المال , كلي أمل في رضاها بعد رضا الله , ولما فاجأتُها بالأمر بكت من شدة الفرح , فانشرح صدري لما وفقني الله إليه من برها وإدخال السرور عليها . العجيب في الأمر أنه في اليوم التالي لقضائي حاجتها , تم تحويل مبلغ لحسابي مكافأة من جهة رسمية , والأعجب أنها كانت بمعدل الضعف وزيادة , فبكيت حينها لأنني تذكرت موعود الله عزوجل : " مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (11) "
  • ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴿١٠٧﴾    [يونس   آية:١٠٧]
" فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ " حينما بدأتُ في حفظ كتاب الله تعالي قبل عشرين عاما ؛ كنتُ أقف أمام بعض الآيات التي تُؤثر في قلبي جدًا , وأكررها عشرات المرات , ثم أكتُبها علي ورقة وأضعها امامي متأملا كلماتها ومعانيها , فكنتُ أشعر أن هذه الآيات تُحدث تأثيرًا كبيرًا في قناعاتي وعقيدتي ومبادئي . ومن تلك الآيات العظيمة التي كتبتُها وعلَّقتُها علي جدار غرفتي قوله تعالي تعالي : " وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (107) " لقد عالجَتْ هذه الآيةُ عندي أكثر من 90 % من الحزن والكآبة والقلق والخوف والتردد !!! ولكن كيف ذلك ؟ لقد كنت أتعرض لإحباطات كثيرة نتيجة فشلي في عمل ما , أو خطئي في تصرف ما , أو تسرُّعي في كلمة أقولها ثم أكتشف أنني مخطئ , وعندما قرأتُ هذه الآية علمتُ أن أي ضرٍّ يصيبني إنما هو من الله تعالي , وهو أمر مُقَدَّرٌ قبل أن أُخلق , وهذا الضُرُّ لا يمكن لأحد أن يُذهبه ويكشفه إلا الله تعالي , فكنتُ أقول : لماذا أنا حزينٌ وقلق ومحبِطٌ ؟ إذا كان الله تعالي وهو أرحم الراحمين قد مَسَّني بهذا الضرَّ فهو من سيكشف هذا الضر , فهل هناك أجَلُّ من هذا ؟ لقد غيَّرت هذه القناعة الجديدة أشياء كثيرة في حياتي , فتحول الوقت الذي كنتُ أمضيه في التفكر فيما سبق من أخطاء ومشاكل ؛ تحول إلي وقت مثمر أقرأ فيه القرآن أو أتعلم فيه أمرًا جديدًا من أمور العلم ! انظروا معي إلي هذه الكلمات : " وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ " ؛ كيف غيَّرت حياة إنسان بأكملها , وكيف غيرت الوقت من وقت ضائع إلي وقت مثمر وفعّال ! وماذا عن الجملة الثانية من الآية : " وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ " يا لها من كلمات مليئة بالرحمة والتفاؤل والحيوية , فقد كنت في كثير من الأوقات أعاني من قلق وخوف من أشياء سوف تحدث , أو أتخيل أنها ستحدث , وعندما قرأتُ هذه الكلمات الإلهية أدركتُ بأن أي خير سيصيبني لا يأتي إلا بإرادة الله عزوجل ! ولن يستطيع أن يردَّه عني أحد إلا الله تعالي , فلماذا التردد في فعل هذا الأمر ما دام في رضا الله ؟ بعدها : لم يعد لدي حسابات كثيرة أجريها قبل القيام بعمل ما , ماذا يعني ذلك ؟ وتأمل : " يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (107) " , إنها الجملة الثالثة من الآية الكريمة , وتعني أن الله تعالي يختار من البشر من يشاء ليصيبه بالخير .
  • ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا ﴿٨٢﴾    [الكهف   آية:٨٢]
" وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا " دائما كنتُ أفكر في أولادي ومستقبلهم , وتراودني فكرة أنني قد أموت وأتركهم وهم أطفال صغار , وأفكر كيف سيكون حالهم من بعدي ؟ ولكن ذات مرة وأنا أقرأ سورة الكهف , وعندما وصلت إلي قوله تعالي : " وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ " وقفت عندها كثيرا وتأملتها , وأصبحت ارددها كثيرا في نفسي وأتساءل : ما الذي يعنيه أن يكون الشخص صالحًا ؟ وما أهمية هذا الصلاح في حفظ الأبناء ؟ وقررت بعدها أن أبحث عن تفسيرها , والذي ما إن قرأته حتي أثَّر في نفسي أثرًا بالغًا , وجعلني أقرر أن أصلح أولا من أحوالي ؛ سواء علي صعيد علاقتي بربي , أو علاقتي بالناس من حولي حتي أنتفع وينتفع بذلك أولادي من بعدي وبدأت فعلا أقطف ثمار هذه الاية العظيمة , فأنا أشعر الآن بسعادة عظيمة في ظل عبادتي لربي وثقتي الكبيرة به أنه هو الحافظ لأولادي وعائلتي من كل شر ما دمت أعمل صالحًا .
  • ﴿أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿١٢٢﴾    [الأنعام   آية:١٢٢]
ميلاد جديد كان ميلادي في السادسة عشرة من عمري !! كان ذلك في ليلة من لياليالصيف وبعد العشاء في بيت أخي الأكبر , إذ جلسنا في فناء داره وعلي ضوء أنوار أعمدة الشارع في ليلة لا أنساها أبدا , وكان أخي يحدثنا عن الجنة ونعيمها , وأخذ الحديث بمجامع قلبي وكأني أسمعه لأول مرة , فقد كنت في غفلة مطبقة , وسألأت أخي : أين أجد مثل هذا الكلام الجميل ؟ فأشار إلي مكتبته الخاصة , ونظرت إلي الكتب في حيرة : أيَّهَا أختارُ ؟ ولا زِلْتُ أتعجبُ إلي اليوم كيف وقع اختياري علي كتاب ( إغاثة اللهفان من مكائد الشيطان ) لابن القيم , مع كتابه الآخر ( الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي ) , وكتاب ثالث هو أحد أجزاء ( الترغيب والترهيب ) للمنذري . أخذتها وذهبت إلي المنزل , وظَللْتُ أقرأ وأقرأ وتأثرت كثيرًا , وتولدت لدي الرغبة الشديدة في حفظ القرآن الكريم , حيث لم يكن معي منه وأنا في السادسة عشرة إلا بعضٌ من قصار السور مع ضعف في حفظها !! وبدأت الحفظ فعلا , إلا أنني شعرت بالحاجة المُلِحّةِ إلي فهم آياتٍ كنت أقف عندها متسائلة عن معناها ودلالتها , وهنا بدأت مسيرة حياتي الجديدة حينما أمسكت كتب التفسير وبدأت أقرأ بفهم وتأثر , كنت أقرأ كثيرًا في تفسير ( جزء عمَّ ) وأنا خالية وأبكي , كنت أعيش الآيات بتفاعل وأشعر أن الروح تسري في قلبي , وقبسَ النورِ يُشِعُ في نفسي ويزداد يومًا بعد يوم , إنه الحقُّ في قول الحق سبحانه وتعالي : " أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا " وعرفت طعم الحياة الحقيقية يوم عرفت ربي من خلال تدبر كلامه , فأحببته وآثرت محابَّه علي كل شهواتي , فأقبلت علي الصلاة والصيام والقرآن والقيام به والقراءة في الكتب النافعة , وتركت سماع اللهو ومتابعة الأفلام , وكل ما يمكن أن يمارسه من نشأ في أجواء الغفلة والبعد عن القرآن والعلم الشرعي , وكنت كلما مررت بآية تؤثر في قلبي فتحت كتب التفسير لأفهمها , ثم أكتبها في دفتر أو في ورقة أعلقها أمامي في مكان بارز .
  • ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴿١٧٣﴾    [آل عمران   آية:١٧٣]
  • ﴿فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ﴿١٧٤﴾    [آل عمران   آية:١٧٤]
" لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ " كنتُ في العشرينَ من عُمُرِي يومَ تقدمَ لي الشاب الذي أحلم به : طالبُ علمٍ عليه سِيْمَا الصلاحِ والاستقامةِ , ووافقتُ وقتها بعد استخارة واستشارة دون تقصٍّ واضح لأمور أخري قد تهُمُّ الناس عادة , ومضت الأيام وأنا أعيش فترة الخطبة في ظل حلم جميل بالحياة في بيت طالب علم , إلي أن أقترب موعد الزواج , وتسامع الناس بالخبر في بلدتي الصغيرة , فتتابعت التحذيرات من الارتباط بجاد متزمت بعيد عن مباهج الحياة ! . اضطربتُ وحِرْتُ بين الثباتِ علي المبدأ وتكملة المشوار , وبين الاستسلامِ والتراجعِ , ومضتِ الأيام وأنا بين الحيرة والقلق والدموع , إلأ أن شاء الله جل وعلا , وفي لحظة لا أنساها بعد صلاة الفجر جلستُ أنتظرُ الإشراق , وأخذت المصحف وتلوت من سورة آل عمران , حتي توقفت فيها علي قوله تعالي : " الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) " , ولم أكن أعرف تفسيرها في ذلك الوقت ولا فيمن نزلت , ولكنني شعرت أنها تخاطبني , فكررتها مرات أتدبرها , وبعدها أتخذت قرار بالاستمرار في ترتيبات الزواج وأنا أردد : حسبي الله ونعم الوكيل . واليوم ؛ وبعد مضي خمسة وعشرين عاما علي زواجي ؛ أري تتمة الآية في حياتي : " فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174) "
  • ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ﴿١٦﴾    [السجدة   آية:١٦]
  • ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴿٩﴾    [الزمر   آية:٩]
أهل الرجاء والخوف كُنتُ دائمًا أتأمل كيف امتدح الله سبحانه وتعالي أهل الرجاء والخوف في كتابه , كما في قول الله تعالي : " تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا " فالرجاء يستلزم الخوف , ولولا ذلك لكان أمنا , والخوف يستلزم الرجاء , ولولا ذلك لكان قنوطا ويأسا , وكل أحد إذا خفته هربت من إلا الله تعالي , فإنك إذا خِفته هربت إليه . ومنها أيضا قوله تعالي : " أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ " , قلتُ : سبحان الله ! هم يبيتون ساجدين وقائمين ومع ذلك يخافون الآخرة ويرجون رحمة ربهم ؛ لأنهم يشعرون أنهم لم يعملوا ! فتأملوا كيف ذَكَرَ تعالي خوفَهم ورجاءَهم مع إتيانهم بهذه الطاعات .
  • ﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ ﴿٢﴾    [الإنفطار   آية:٢]
 وللأطفال مع كتاب الله قصص أيضا ! الأطفالُ هم فطرةٌ سليمةٌ لم تتلوث , وفهمٌ بسيط ٌلم تعقِّده أحداث الحياة , وتربيتهم في ظل الحنيفية السَّمْحَةِ ؛ تُنتِجُ آخر المطاف مثل هذه القِصص ؛ لنعتبر بها ونتعظ , ونتعلم منها كيف نتعامل مع القرآن ونعيش معه :  " وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ " كنت عائدًا ذات صباح من السفر , وأردت أن أحضر هدية لأبناء أخي الصغار , وحِرْتُ في اختيارها حتي وجدتُ جهازًا يعرض القرآن كاملا بصوت عدد من القراء فاشتريته , ولما عدتُ كانوا في استقبالي فقدمتُها لهم , ثم صعدت , للنوم كوني مُرهقا من السفر , ورُحت في نوم عميق . وفجأة !! – وبعد زمن لم أستطع تقديره – سمعتُ أصوات بكاءٍ , اعتقدتُ في البداية أنني أحلم , لكنني بعد أن استيقظت فَزِعًا نزلت أسفل البيت لأصعق بابنَي أخي : " راكان " ذي السنوات الأربع و " وجدان " ذات الست سنوات ؛ وهما يستمعانِ للجهاز الذي أهديته لهما , وبالتحديد لآيةٍ في سورة الانفطار تقول : " وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ " , صُعقت لبكائهما , ومكثت برهة وأنا صامت أراقبهما وهما يبكيان بحرقة , ثم خرجت عن صمتي لأسألهما : لماذا تبكيان ؟؟ اجابني راكان بخوف وبراءة : عمي , النجوم ستطير والبحر سينفجر ! وتسمَّرتُ في مكاني , ليُفاجئني صوت " وجدان " بكلمة هزتني من الأعماق : عمي صلِّ وحافِظْ علي صلاتك , غدا تطير النجوم , ويا ويلك من ربي ! وقد كُنتُ فعلا لا أواظب علي الصلاة حينها , ولم أشعر بنفسي إلا وانا أبكي وأصيح من أعماقي " وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ " ماذا سأقول لربي ؟؟ ماذا سأقول لربي ؟؟ ولم تَفُتْنِي صلاةٌ في المسجدِ منذ ذلك اليوم بفضل الله .
  • ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ ﴿١٢﴾    [الرعد   آية:١٢]
  • ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ ﴿١٣﴾    [الرعد   آية:١٣]
" هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا " طفلة في الحادية عشرة من العمر , كانت تقول لأمها باستمرار : كلما مررتُ بآيات معينة من القرآن زاد خوفي , وتملَّكتني الرهبة , وأحسستُ أن الله قد يُنزل بنا العذاب إن قصَّرنا في حقه . - سألتها الأم : وما هي هذه الآيات ؟ - فأجابت الطفلة : هي قوله تعالي " هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ (12) وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ (13) "
  • ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا ﴿٥٨﴾    [الأحزاب   آية:٥٨]
 " وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ " هو طفل ككل الأطفال , عمره ست سنوات في الصف الأول الابتدائي , قامت أمه الصالحة بتربيته علي كتاب الله عزوجل منذ نعومة أظفاره , فأحب كتاب الله وبدأ حفظه , وفي يوم ذهبت أمه إلي المدرسة لأخذه , فوجدته منشغلا يكتب في ورقة معه , فنادته فأقبل إليها ومعه الورقة , وظنت الأم أنه كان يرسم فيتلك الورقة , فأخذت الورقة منه علي عجل , وقامت بطيها , فخاف ابنها أن ترميها , فقال لها أمي , أمي ! لا ترمي الورقة . - قالت له : ولمَ ؟ - قال لأن بها قرآنًا . - فأخذت الأم تقرأ الورقة ! ثم قالت : أنت كتبت هذه ؟ - قال لها : نعم . - قالت له في اندهاش : ولمَ كتبتها ؟ - قال لها : يا أمي ؛ إن صديقي الذي يجلس أمامي في الفصل ظلمَ صديقي الآخر ظلمًا كبيرًا , وقام بأذيته دون أدني ذنب منه , فقمت بكتابة هذه الآية لصديقي الظالم لأذكره بالله وأخوفه منه . كانت الآية هي قوله تعالي : " وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (58) "
  • ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا ﴿١٠٣﴾    [النساء   آية:١٠٣]
 " كِتَابًا مَوْقُوتًا " كنتُ متهاونةً في اداء الصلاة رغم حرصي الشديد أن يحافظ عليها أبنائي , وقد راقبتني ابنتي ذات السنوات العشر دون علم مني , فعلمت أنني أتهاون في الصلاة ثم حدث بيني وبينها هذا الحوار الذي كانت فيه سببا بعد الله في هدايتي : - قالت لي : أمي , ما جزاء من ترك الصلاة ؟ - قلت : كافر ومصيره الي النار . - قالت : ولماذا يترك الإنسان العاقل الصلاة ؟ - قلت : ربما لأنه يعتقد أنه لا يوجد بعث ولا حساب , وأنه سينتهي بمجرد الموت . - قالت : وهل هذا الاعتقاد صحيح ؟ - قلت : كلا ! بل هو باطل , والصحيح أن هناك بعثا ونشورا وحسابا وجزاء وجنة ونار ! - قالت لي : يا أماه ؛ وما فائدة هذا الاعتقاد إذا لم يظهر اثره في سلوك الإنسان وتصرفاته ؟ وفي أدائه للصلاة والمحافظة عليها في أوقاتها ؟ ألم يقل سبحانه : " إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (103) " !! - فتأملت كلامها فوجدت أنه الحق , وتأثرت به فأصبحت – ولله الحمد – بعد هذا الحوار من المحافظات علي الصلوات والسنن الرواتب , أسأل الله أن يثبتني علي ذلك .
إظهار النتائج من 211 إلى 220 من إجمالي 6419 نتيجة.