شرب عبد الله بن عمر ماء باردا ، فبكى فاشتد بكاؤه ، فقيل له : ما يبكيك؟ قال : ذكرت آية في كتاب الله : وحيل بينهم وبين ما يشتهون ، فعرفت أن أهل النار لا يشتهون إلا الماء البارد ، وقد قال الله عز وجل : أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله .
غيّر نفسك أولًا
كنتُ أرى سنين عُمُرِي تذهبُ هدرًا دون أىِّ إدراكٍ منى , إذ كُنت فى عزلة
أقربُ للانطوائية , وكان بعض من حولي يُحاولون إخراجي من الجو الذي كُنت فيه , واستمرَّ الحال حتي أصبح عمري 19 سنة , وشيئًا فشيئًا بدأتُ أشعر أنني فعلا بعيدة عن الواقع وعن الحياة , فحاولتُ أن أغير نفسي فلم أستطع .
اسوَّدت الدنيا بعدها في عينيَّ , وأحسستُ أنني انتهيتُ وَضِعْتُ للأبد , وكرهتُ نفسي واستسلمتُ في خنوع لواقعي , بل إنني أقنعتُ نفسي أن الناس من حولي لن يعودوا إلي تقبُّلي مرة أخري , فأنا في نظرهم المنعزلة والوحيدة , وفي يوم قرأت قوله تعالي : " إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّي يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ " ؛ فعرفتُ أن التغيير لا بدَّ أن يبدأ من نفسي , ففرحتُ جدٌّا وقررتُ أن أُغيِّر نظرتي للحياة ولنفسي أولا , وبعدها ستتغيَّر نظرة الناس لي بالتأكيد , وبالفعل أصبحتُ أفضلَ ولله الحمد , صحيحٌ أنني لازلتُ في بداية الطريق , لكنَّ التغيُّرَ كان ظاهرًا جدًا عليَّ , ولله الحمد .
ثلاث آيات لأصحاب الفتاوي الشاذة
كنتُ في ضيق وغمٍّ وأنا أقرأ وأسمع بين آنٍ وآخرَ فتاوي شاذة ؛ تُحِلُّ حرامًا مما استقر علي حرمته الواقع في بلاد المسلمين , فتتلقفُها وتبتدرها وسائل الإعلام المُغرِضَةُ فتنشرها , وتفرح بأصحابها فتُمجدهم وتنافح عنهم , وتمسي صورهم وكلماتهم مِلْءَ الشاشاتِ والصحف , وكنت إذا حزبني أمر أو غمني سوءٌ مِلْتُ إلي واحةِ القرآن أستظِل بأفيائها وأتنسم عبيرها , وذات يوم كنت أقرأ سورة الإسراء فتسمّرَتْ عينايَ علي آياتٍ ثلاثٍ عجزتُ أن أجاوزهن : " وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (73) وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (74) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (75) " وصِرتُ أعيد قراءتهن وأتفكر في معانيهن , واقول في نفسي :
هل قرأهن فلان الذي أفتي بجواز الربا ؟ وهل قرأهن فلان الذي أفتي بجواز الاختلاط ؟
سبحان الله ! لقد اتخذ الإعلامُ السيئُ كلَّ واحدٍ من هؤلاء خليلا !!
نسأل الله الثبات علي الحق حتي الممات ؛ فرسول الله صلي الله عليه وسلم المؤيد بالوحي والعصمةِ كادوا يفتنونه عما أوحي الله إليه ليفتري علي الله غيره , وسيتخذونه حينئذ خليلا , ولولا أن ثبته الله لقد كاد يركن إليهم شيئًا قليلا !
لكن ذلك الإنسان الضعيف غير المؤيَّدَ لا بوحيٍ ولا عِصمةٍ ؛ افترى على الله – عند أول إغراء – ما ليس فى شرعه ؛ فاتخذوه خليلا فركن إليهم كثيرا وليس شيئا قليلا !
لكن هل تدبر هذا الضعيفُ الذي أفتي بغير شرع الله العاقبة التي يخشي عليه منها ؟
ليقرأ عقابَ خيرِ البشرِ أولهم وآخرهم رسول الله صلي الله عليه وسلم لو ركن إليهم شيئًا قليلا " إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (75) " وَاحَرَّ قلباه : " ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ " , ثم لا يجد له علي الله نصيرا , كل هذا لو ركن إليهم شيئًا قليلا , وهو صَفِيُّ الله من خلقه وخليله !
إذًا ما حال العبد المسكين الذي استخفه أصحاب الشهوات والشبهات فركن إليهم شيئًا كثيرًا , وافتري علي الله غير وحيه وشرعه ؟ وإنه لن يكون أكرم علي الله من رسوله صلي الله عليه وسلم .
نسأل الله الثبات علي الحق حتي الممات .
عندما عادت إليَّ نفسي !!
كل ما أملكه لم يكن يتجاوز كونه عقلا شاردًا يتخبط بي , وهمًّا يؤرقني , وأنينًا في صدري يهز اضلاعي , ووجدت نفسي وحيدة علي كثرة من حولي , ووجدتني ضعيفة جدًا , وما اعظمها من حقيقةُ تعلمتها من تجربتي , حقيقةُ أنني ضعيفة لا أملك لنفسي نفعًا ولا ضرًا ! حقيقة نؤمن بها نظريًا , لكن شتان بين النظرية وبين أن نذوقها ونعيشها , حينها تتبدل المقاييس والمعايير في ذواتنا , ونعيد البناء علي اساس متين , علي أساس " فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ "
لجأتُ للقرآن الكريم حينها , وكيف لجأت ؟! كانت البدايةُ بعدَ آيةٍ ترددت في ذهني كثيرا " أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28) " وأخذتُ أضع نفسي لنفسي وِردًا أقرؤه ليطمئن قلبي المكلوم , فهدأت نفسي لمجرد القراءة , ولكن مازلت أشعر أني في طريقي لخيرٍ أعظم .
وفعلا جاءتني مكالمة من أخت في الله , ذكرتني بالله وبِعِظَمِ أجرِ الابتلاء والصبر عليه , وقالت : لقد أراد الله بك خيرًا , فلربما أرادَ أن يزيدكِ من فضله بعد أن رأي منك نفعَ الناسِ بما تقدمينه لهم من خير , ثُمَّ قرأَتْ آيةً , وانتهت المكالمة ! .
لم تكن تعلمُ ما فعلَتْ بي هذه الآية , لقد غيَّرت مجري تفكيري حينها بشكل غير عادي , ووجدتُ في روحي انتعاشا غاب عني شهورًا , إنها قول الله تعالي : " وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ (24) " , يا الله ! أبالصبر واليقين أنال هذا الشرف ؟ حينها قلت بكل عزم وحزم : يا أقدامَ الصبر تحملي " إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ " , وكوني علي يقين بكل ما يعدك ربك كتابه , وفعلا قررت حينها أن أصبر وأصبر , وأن يكون عندي يقين أكثر بفرج الله سبحانه ووعده حيث يقول " وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) " , ويقول " وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَي اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ " , ويقول جلا وعلا : " فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (6) " , ويقول تعالي : " وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا " .
وحينما كانت الضغوط تحيط بي , ويتعالي حديث الناس من حولي بأنني سأفقد الكثير , كانت تأتيني آية تنزل علي قلبي نزول المطر علي الأرض الجدباء القاحلة , فيزهر ربيع قلبي , يقول الله تعالي : " وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (97) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (98) "
لقد كانت كل آي تأتيني ذكري من الله , فلكم يفتح التدبر لنفس من آفاق نحو السعادة والاستقرار النفسي , والله إنها لحياة جديدة لقلبي , فخرجت من المحنة وقد خسرت في نظر كثير من حولي , وهذا للأسف فهمنا القاصر للمشكلات التي نعبشها , لكني والله ربحت , بل إن ربحي لكبير مع رحلة التدبر , لقد ربحت من هذه المحنة ذاتي التي وجدت طريقها أخيرًا !!
تثبيتٌ من الله
كُنتُ إذا سمعتُ بالفتنِ من حولنا وكثرتها وكثرة المعاصي ؛ أبحث عن وسائل للثبات علي دين الله , ومع تأمُّلي في القرآن الكريم ؛ وجدتُ هذه الوسائل فعلا في قوله تعالي في سورة النساء : " وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (66) وَإِذًا لَآَتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (67) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (68) " فجعلتُ شعاري بعدها العمل بما أعلم , حتي حصلت علي بعض الثمار , ومنها : معونة الله عزوجل لي علي القيام بالطاعات بأسهل الطرق .