:
من أصبح والدنيا همه شتت الله شمله.
الإنسان إذا عَرف الهدف من وُجُودِهِ، الهدف... لماذا خُلِق؟ وحَدَّدَ الهدف، وسَعَى لِتَحْقِيق هذا الهدف، وما يَخْدم هذا الهدف، سَلِمَ مِن شَرٍّ كبير، وارْتَاح الرَّاحَة التَّامَّة، ونَعِمَ بَالُهُ، وسَلِمَ من كثير من الأُمُور التِّي يَتَعَرَّض لها كثير من النَّاس من أَسْبَاب الشَّقَاء في هذه الحَيَاة، إذا عَرَف الإنسان أنَّهُ مَخْلُوق للعِبَادة، مَخْلُوق لِعِبَادة الله -جلَّ وعلا-، {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات/ 56] وسَعَى لِتَحْقِيق هذا الهَدَف، وجاء من باب التَّبَع لِتَحْقِيق هذا الهَدف، ما يُعِينُهُ على البَقَاء في هذِهِ الدُّنيا لِتَحْقِيق هذا الهَدف، فالهَدف من الوُجُود ومن الخَلْق العِبَادة؛ لكنْ هل تستطيع أنْ تَعْبد الله -جلَّ وعلا- منْ غير أنْ تَأكل أو تَشْرب أو تَنَام أو تَلْبَس؟ لا تستطيع، إذن هذِهِ الأُمُور وسائل لِتَحْقِيق الهَدَف الأعْظَم، هذه الوَسَائِل بعض النَّاس يَجْعَلُها هي الأهداف، لمَّا كانت هذِهِ الوسائل جاء التَّنْبِيه عليها بقوله -جلَّ وعلا-: {وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} [القصص/ 77] الذِّي يُقال لهُ هذا الكلام من تَصَوَّر الهَدَف وسَعَى لِتَحْقِيقِهِ، لو تَصَوَّر الهَدف مِنْ وُجُودِهِ، وسَعَى بِالفِعِل جَادًّا لِتَحْقِيقِهِ، يُقَال لهُ: {وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} [القصص/ 77]؛ لكنْ الذِّي هَدَفُهُ الدُّنيا، يَنْبَغِي أنْ يُقَال لهُ: يا أخي: لا تَنْسَ الآخِرَة، كما هُو حال كثيرٍ من النَّاس اليوم، وما أُصِيب النَّاس بالشَّقاء والأمْرَاض سواءً كانت العُضْوِيَّة أو النَّفْسِيَّة إلاّ لمَّا كان هَدَفُهُم وغَايَتُهُم الدنيا، أقول: من سَعَى لِتَحْقِيق الهدف من وُجُودُهُ ارْتَاح الرَّاحَة التَّامَّة من كثير مِمَّا يُعَانِيهِ النَّاس اليوم من أمراض عُضْوِيَّة ونَفْسِيَّة...لماذا؟ لأنَّ هَدَفَهُ مُحَدَّد غير مُشَتَّت، هَدَفُهُ أنْ يُرْضِي الله -جلَّ وعلا- بِعِبَادَتِهِ التِّي خُلِقَ منْ أَجْلِهَا، فهو يَسْعَى لِتَحْقِيق هذا الهَدف، وما يُعِينْ على تَحْقِيق هذا الهَدَف من باب التَّبَع، لا على سبيل الاسْتِقْلال، لا على جِهَة الاسْتِقْلال ؛ لكنْ إِذَا كان هَدَفُهُ الدُّنْيَا تَشَتَّت، الدُّنْيَا كما يقول النَّاس لا يَلْحَق لها طرف، أُمُورُهَا لا تنتهي، مطالِبُها لا يُمْكن الإِحَاطَةُ بها، وجاءت الإشارةُ إلى هذا المَعْنَى في قولِهِ -عليه الصَّلاة والسَّلام-: ((مَنْ أَصْبَحَ والدُّنْيَا هّمُّه شَتَّتَ اللهُ شَمْلهُ...)) بلا شك يُريد أنْ يَحُوش الدُّنْيا بِحَذَافِيرِها، لا يستطيع، الدُّنيا لا يُمْكِن الإِحَاطَةُ بها، ونَهَم الإنسان إِذَا انْفَتَح على هذِهِ الدُّنْيَا لا يُمْكِنْ أنْ يَرْتَاح لهُ بَال؛ لأنَّهُ أيّ شيءٍ يَرَاهُ بحيث يُعْجِبُهُ عِنَد فُلان أو عَلَّان يُرِيدُهُ، ذُكِر عند فلان بيت قَصر مُنِيف، سَعَى لِتَحْقِيق هذا الهَدف، ذُكِر عند عَلَّان سَيَّارة فَارِهَة سَعَى لِتَحِقِيق هذا الهَدف، ذُكِر عند فُلان امْرَأة جَمِيلَة أو بِنْت سَعَى لِتَحْقِيق هذا الهدف... كيف يُحِيط بهذهِ الأُمُور؟ لا يُمْكِن أنْ يُحِيط بهذِهِ الأُمُور، ولو بَذَل جميع ما أُوتِي وما مُدَّ لَهُ من عُمر، واسْتَغل جميع اللَّحظات من عُمُره لنْ يستطيع أنْ يُحَقِّق مثل هذه الأُمُور، ولَنْ يحصل لهُ منْ دُنْيَاهُ إلاَّ ما كُتِبَ لَهُ؛ لكنْ من جَعَل الهَدف الشَّرعي الحَقيقي وهُو عِبَادةُ الله -جلَّ وعلا- على مُرَادِهِ -جلَّ وعَلا- وعلى ضَوْءِ ما جَاءَ عن نَبِيِّه -عليه الصَّلاة والسَّلام- القُدْوَة والأُسْوَة، يَجْتَمع هَمُّهُ، ولا يَتَفَرَّق شَمْلُهُ، ويُحَدَّد مَسَارُهُ وحِينئذٍ يَرْتَاح يَمْشِي على نُور وعلى بَيِّنَة، وعلى بُرْهَان، وعلى بَصِيرَة.
زهد العلماء في الثناء عليهم.
كنا إلى وقت قريب -إلى ربع قرن- تقريبًا، لا يطيق الواحد كلمة ثناء عليه من قبل غيره، وكنا نلوم من يسمع الثناء ويسكت، فضلًا عن كونه يُثني على نفسه، ثم اختلطنا بغيرنا ممن اعتادوا هذا الأمر فتساهلنا، فصرنا نسمع المدح ولا نعترض، والتجربة دلت أن الإنسان إذا مُدح بما ليس فيه وسكت وأقر لا بُدَّ أن يسمع من الذم ما ليس فيه، وقد جاء التوجيه النبوي: «إذا رأيتم المدّاحين فاحثوا في وجوههم التراب» [مسلم: 3200]، لا سيما في حق من يتأثر بالمدّح، فإذا مُدِّح بما فيه، سمع من الذم ما فيه، {ولا يظلم ربك أحدًا} [الكهف:49]، ثم سمعنا من يقبل المدّح، بل سمعنا من يثني على نفسه، بل سمعنا من يتحايل على غيره ليمدّحه، ورأينا من يغضب إذا لم يُمدّح. وشخص من جهة من جهات بلاد المسلمين، جيء به وهو عالم في فنه -وإن كان في مسائل الاعتقاد عنده تخليط-، جيء به ليُعرَّف به، فقال المُعرِّف: الشيخ الفاعل التارك العالم العلامة الذي لا يضاهيه في الحديث إلا فلان، قال: يا شيخ فلان لا يعرف الحديث!. فأسقط الذي فوقه فما بقي إلا هو، ثم قيل: وقد أَلَّف في الحديث وعلومه أربعين كتابًا، قال: لا يا شيخ سبعين!، هذا الموقف أنا حضرته بنفسي. بل وصل الأمر إلى أعظم من ذلك، شخص له محاضرة وهو من الشباب، جاء وقد كتب سيرته الذاتية بنفسه، وأعطاها المقدم من تحت الطاولة، فلما قرأها المقدم، شرع الشاب بالحديث فقال: هداك الله يا أخي، قطعت عنق صاحبك!، فكيف يمكن أن يجتمع هذا مع الإخلاص؟!
هناك علامات وبوادر تدل على الإخلاص، وهناك علامات تنافي الإخلاص، والإنسان ابن بيئته يتأثر بها شاء أم أبى، فاختلطنا مع هؤلاء الذين يسمعون المدح ولا يُنكرون، ثم أخذوا يمدحون أنفسهم، ثم كان هذا الخلل القادح في الإخلاص.
ومن الناس من إذا قيل له في أول الأمر: يا شيخ، قال: ما أنا بشيخ، ثم إذا سمع ما هو أعظم من شيخ رضي بشيخ، ثم إذا سمع لفظًا آخر رضي بما دونه وهكذا، فالإنسان يحتاج إلى تربية للنفس، والله المستعان.
فضل الإكثار من الصلاة على النبي –صلى الله عليه وسلم-
لا قال: «يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ جَعَلْتُ صَلَاتِي كُلَّهَا عَلَيْكَ. قَالَ: إِذَنْ يَكْفِيَكَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مَا أَهَمَّكَ مِنْ دُنْيَاكَ وآخرتك» [21242] وجاء أيضًا في السنن عند الترمذي: «فَكَمْ أَجْعَلُ لَكَ مِنْ صَلاَتِي؟ فَقَالَ: مَا شِئْتَ. قَالَ: قُلْتُ: الرُّبُعَ..النِّصْفَ ..فَالثُّلُثَيْنِ، أَجْعَلُ لَكَ صَلاَتِي كُلَّهَا قَالَ: إِذًا تُكْفَى هَمَّكَ، وَيُغْفَرُ لَكَ ذَنْبُكَ» [الترمذي: 2457]. فما معنى أجعل لك صلاتي؟ الصلاة ليست الصلاة الشرعية ذات الركوع والسجود، إنما المقصود بها الدعاء. فهل يجعل جميع أدعيته صلاة على النبي -عليه الصلاة والسلام-، أو أنه لا يخلي دعائه من صلاة على النبي -عليه الصلاة والسلام-؟ هذا الأخير هو المتجه، وهو الذي يرجحه كثير من أهل العلم. والحديث حسن ومقبول في الجملة -إن شاء الله-.
{كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ}.
صلاة الليل من أفضل الأعمال، وهي دأبُ الصَّالحين، يقولُ الله -جل وعلا-: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ}[(79) سورة الإسراء] ويقول الله -جل وعلا-: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ}[(16) سورة السجدة]، ويقول الله -جل وعلا-: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ}[(9) سورة الزمر] المُقابلة تقتضي أنْ يكُون أهلُ القيام هم الذِّين يعلمون، وأهلُ الغفلة والنَّوم هم الذِّين لا يعلمون، فدلَّ على أنَّ العلم هذا الوصف الشَّريف إنَّما يستحقُّهُ من يعمل بِهِ، والذِّي لا يعملُ بِهِ يستحقُّ ضِدَّهُ وهو عدم العلم، {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ} هذا الباعث للمسلم على قيام الليل ثُمَّ ذيَّل الآية بقولِهِ: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ}[(9) سورة الزمر] وهم أهل القيام والعمل، {وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} وهم أهلُ الغفلة والنَّوم، وإنْ حصَّلُوا ما حصَّلُوا من العُلُوم؛ لأنَّ العلم الحقيقي هو ما نفع، أما العلم الذِّي لا ينفع ليس بعلم في الحقيقة، وإنْ حصَّل منهُ صاحبهُ ما حصَّل، وإنْ أدرك بهِ من أُمُور الدُّنيا ما أدرك ((يحملُ هذا العلم من كل خلفٍ عُدُوله)).
فالذِّين يحملُون العلم ويستحقُّون هذا الوصف الشَّريف هم العُدُول، هم الذِّين يعملُون بالعلم، أما الذِّي لا يعملُ بعِلْمِهِ، ما الفائدةُ من عِلمِهِ؟ لا فائدة فيه، وُجُودِهِ مثل عدمِهِ؛ بل هو وبالٌ على صاحِبِهِ، قد يقول قائل: إنَّ هذه نافلة، فكيف يُسلب الوصف من ترك النَّافلة؟ {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} هذه نافلة كما قال النبي -عليه الصلاة والسلام- عن عبد الله بن عمر: ((نعم الرجل عبد الله لو كان يقوم من الليل)) فالمدح إنَّما عُلِّق على القيام، فكان عبد الله -رضي الله عنه- لا ينامُ من الليل إلا قليلاً، فهذا وصفُ أهل العلم، وهذا شأنُ أهل العلم، شأنُهُم العمل بما علمُوا وما تعلَّمُوا، أمَّا الذِّي لا يعمل فليس من أهل العلم بهذه الآية، والله المُستعان.
{كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ} و(ما) هذه وش تصير؟ الهجُوع وش هو؟ الهُجُوع النَّوم {كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ} هل المُراد أنَّهم كانوا يقُومُون قليلاً؟ لا ينامُون قليلاً؟ أو أنَّ هُجُوعهم قليل؟ قليل من الليل الذِّي يهجعُونهُ؟ {كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ} أي الذِّي يهجعُونهُ؟ يعني الذِّي ينامُونهُ؟ احتمال، الامتثال من قِبل عبد الله بن عمر الصحابي المُؤتسي ممتثل ((نعم الرجل عبد الله لو كان يقوم من الليل)) فكان عبد الله بعد ذلك لا ينامُ من الليل إلا قليلاً، قد عُرف بهذا بسُرعة الامتثال، ((يا عبد الله كُن في الدنيا كأنَّك غريب أو عابر سبيل)) ماذا قال عبد الله؟ فكان عبد الله يقول: "إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصَّباح".
ظُهُور المَعَاصِي وفُشُوّ المُنْكَراتْ
قال رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: ((إذا أنزل اللهُ بقومٍ عذاباً)) يعني إذا عمَّهُم الله بعذابٍ؛ لظُهُور المعاصي وفُشُو المُنكرات؛ استحقَّ النَّاس العذاب العام – نسأل الله العافية – كما قال النبي -عليه الصَّلاة والسَّلام- في الحديث، لما قيل لهُ: ((أنهلكُ وفينا الصَّالحُون؟ قال: ((نعم، إذا كَثُر الخبث))، وهؤُلاء الصَّالحُون يُبْعَثُون على نِيَّاتِهم، يَعُمُّهُم العِقاب، فَيَمُوتُون مع النَّاس؛ لكنَّهُم يُبْعَثُون على نِيَّاتِهِم، فإذا جَهَر النَّاس بالمعاصي من غير نكير أصاب الجميع العذاب، ثُمَّ بُعِثُوا على نِيَّاتِهم، إنْ كانت صَالحة هذهِ النِّيَّاتْ؛ فالعُقْبَى صالحة؛ وإلاَّ فَسَيِّئَة، كذلك العذاب طُهرة للصَّالح، تكفير لما حَصَل منهُ منْ تَفْرِيط بالأمْر والنَّهي، ونِقمة على الفاسق، أخرج ابن حبان والبيهقي عن عائشة -رضي الله عنها- مرفُوعاً: ((إنَّ الله تعالى إذا أنزلَ سطوتهُ بأهلِ نِقْمَتِهِ، وفيهم الصَّالحُون قُبِضُوا معهم، ثُمَّ بُعِثُوا على نِيَّاتِهم وأعمالهم)) وفي السُّنن الأربع من حديث أبي بكر -رضي الله عنهُ-، سَمِع رسُول الله -صلى الله عليه وسلَّم- يقول: ((إنَّ النَّاس إذا رأوا المُنكر، فلم يُغيِّرُوهُ أوشكَ أنْ يَعُمَّهُم الله بعذاب))، هذا يُبيِّن أهمِّيَّة الأمر والنَّهي، وأنَّ الله -سُبحانهُ وتعالى- يَرْفَعُ به العذاب، وأنَّهُ سبب تفضيل هذهِ الأُمَّة وخَيْرِيَّتِها {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} لماذا؟ لأنكم عرب؟! بسببٍ واحد {تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ} [آل عمران / 110 ]، ولماذا لُعِنُوا بنو إسرائيل؟ {كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ} [المائدة/79] هذا أمر في غاية الأهَمِّيَّة حتَّى عدَّهُ جَمْعٌ من أهل العِلْم سادس الأركان الأمر والنَّهي، وهذه الفئة المُكلَّفة بهذا الأمْر الذِّين هم أهل الحِسْبَة منْ قِبَلِ وليِّ الأمر لا شكَّ أنَّ الله -سُبحانهُ وتعالى- يَرْفَعُ بسَبَبِهِم العذاب؛ لكنْ قد لا يصدر بهم الواجب لكثرة المُنكرات! فَيَتَعَيَّن على جميع منْ رَأَى مُنكر أنْ يُغيِّرُهُ، ولا يعتمد على أهل الحِسبة، كل شخص كل مُسلم يتَّجِه إليهِ الخِطَابْ من المُكَلَّفِينْ مُكَلَّف بقولِهِ -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام-: ((من رأى منكم مُنكراً فليُغيِّره)) التَّغيير لا بُدَّ منهُ؛ لكنْ على حسب القُدْرَة والطَّاقة ((بِيَدِهِ)) مرتبة أُولى، بِيَدِهِ وهذا يستطيعه -بالنِّسبة لِعُمُوم النَّاس- وُلاة الأمور وبالنِّسبة لمن تحت اليد من النِّساء والذَّرَاري والأتباع يستطيع أن يُغيِّره ولي الأمر الخاص، وما عدا ذلك يُنتقل فيهِ إلى المرتبة الثَّانية وهي اللِّسان، على الإنسانْ أنْ يُغيِّر ((فإنْ لَمْ يَسْتَطِع فَبِلِسَانِهِ)) واللِّسان بالأُسْلُوب المُناسب، بالطَّريقة التِّي لا تهيب ولا يَتَرتَّب عليه أمر مُنكرٌ أعظم، يستطيع الإنسانْ أنْ يُغيِّر الكثير من المُنكرات، ولو تَتَابَعَ النَّاسُ على الإنكار؛ لما تَتَابَعَ أهلُ المَعَاصِي على عِصْيَانِهِم! لَخَفَّت هذهِ المُنكراتْ؛ بل انْقَطَعَ دَابِرُها؛ لكنْ تواطأ النَّاس على السُّكُوت، وهذهِ ضَرائِبْ السُّكُوت! ينتشر المُنكر بحيث يكون مِمَّا عَمَّتْ بِهِ البَلْوَى؛ لكنْ لو كان الأمر أوَّل ما بدأ أُنْكِر، ثُمَّ ظَهر ثانية أُنْكِر، وثالثة، وهكذا، بحيث لا يَرَاهُ مُسلِم إلاَّ أنكرهُ؛ ما انتشرت المُنكرات بهذا المُستوى! ما ظهرت الفواحش إلى هذا الحد! ماذا نَجْنِي من المواطئة على السُّكُوت؟! نَجْنِي العُقُوبة العَامَّة – نسأل الله جلَّ وعلا أنْ يلطف بنا – ((إذا أنزل اللهُ بقومٍ عذاباً أصاب العذاب من كان فيهم)) يعني من الصَّالحين وغيرهم، ثُمَّ بُعِثوا على أعمالهم، كُلٌّ يُبْعَثْ على ما مات عليهِ منْ نِيَّة وعمل، والنَّاس إزاء المُنكرات على ثلاثة أقسام -كما بيَّن الله -جلَّ وعلا- مِنْهُم من يقع في المُنْكَرْ، ومنهم من يُنْكِر، ومنهم من يسكُت، {وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ} [(165) سورة الأعراف]، ولا شك أنَّ المُنْكِر سالم، القِسْمُ الثَّالث الذِّي سَكَتْ، يقول: بعضُ السَّلف أنَّهُمْ سَكَتُوا فَسُكِتَ عنهم، {أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ} [(165) سورة الأعراف] هؤُلاء الذِّين ينهَوْنْ {وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ} بقي القسم الثَّالث فهم سَكَتُوا يقول بعضُ السَّلف فَسُكِتَ عنهم، والصَّحيح أنَّهُم هؤُلاء الذِّينَ سَكَتُوا مع القُدْرَة على الإنْكَار مع الذِّينَ ظَلَمُوا؛ لأنَّ عَدَمْ إنْكَار المُنْكَر ظُلْم، فَهُم داخِلون في الظَّالِمِينْ، الحديث فيه التَّحذير الشَّديد والوَعِيد الأكيد بالنِّسبة لمن سَكَتَ عن النَّهي، فكيفَ بِمَنْ دَاهَنْ؟! فكيفَ بِمنْ رَضِيْ؟! فكيفَ بِمَنْ أَعَانْ؟! يعني يَسَّرْ أَسْبَابْ انْتِشَار المُنْكَرْ، هذا أمْرُهُ أَعْظَمْ، هذا شَرِيكْ، فكيفَ بِمَنْ بَرَّرْ وُجُود المُنْكَراتْ؟! نسأل الله السَّلامة والعافية.
مِنَح من الله -عز وجل-
المصائب لا يتمناها الإنسان؛ لكن إذا مضى عليه وقت ولم يصب بشيء لا بد أن يفكر في نفسه؛ لأن هذه المصائب وهذه الفتن وهذه المحن هي في الواقع والحقيقة منح من الله -عز وجل-، يرتب عليها الأجور، ويرتب عليها رفع الدرجات إذا تجاوزها الإنسان، فالإنسان الذي لا يصاب بمرض، يمكث خمس سنوات عشر سنوات لم يصب بمرض، نعم عليه أن يحمد الله -عز وجل-، ولا يتمنى أن يمرض؛ لكن يفكر في نفسه، المؤمن كخامة الزرع عرضة لهذه الأمراض، بينما الكافر بالعكس يستوفي كل ما يستحقه في هذه الدنيا، ويوفر له العذاب يوم القيامة، بينما المؤمن ترد عليه هذه الفتن، ترد عليه هذه المصائب، تكفر ذنوبه تمحصه ترفع درجاته، فهي من نوع المصائب، فإذا لم يحصل للإنسان شيء طول عمره لا بد أن يفكر لماذا؟ الناس يصابون، الناس يبتلون، الناس يحصل لهم من الأجور ورفع الدرجات بسبب...، وأنا لماذا؟ لماذا صرت مشبهاً للكفار الذين لا يصابون؟ فلا شك أن مثل هذا لا بد أن يوجد تساءل.
ديننا دين عبادة وعمل
نسمع في سير الصالحين من الأعمال ما هو عند كثيرٍ من الناس أساطير، بل صرح بعضهم أن هذه خرافات؛ لأنه ما جرب المسكين، لكن لو جرب وجاهد ثم تلذذ فيما بعد وجد أن الأمر حقيقي.
نقرأ في سيرة ابن المبارك الذي ضرب من كل سهمٍ من سهام الإسلام بنصيب وافر، ثم يقال: هذا العمل لا يطاق، ورأينا من شيوخنا من قرب من عمل ابن المبارك، صار حياته كلها لله، فالخير في أمة محمد؛ لكن على الإنسان أن يبذل السبب، ويصدق مع الله -عز وجل-، ويعينه الله -سبحانه وتعالى- على أن تكون حياته كلها لله، {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ} [(162) سورة الأنعام] تنقلب عاداته عبادات إذا صدق مع الله -عز وجل-، وبذل السبب، وليس معنى هذا أن الإنسان ينسى نصيبه من الدنيا، لا، لا ينس نصيبه من الدنيا، ولا يكون عالة يتكفف الناس لا، الإسلام دين التوازن، يعني أوجدك في هذه الدنيا لتزرع للآخرة، فما يعين على هذه الزراعة من الزراعة، كسب المال من وجهه وإنفاقه في وجهه من خير ما يبذل الإنسان فيه جهده؛ لكن واقع كثير من الناس العكس، يوصى ألا ينسى نصيبه من الآخرة، كثير من الناس على هذه الحال، يعني تجده ما صرف من وقته إلا وقت الفريضة، ويأتيها على وجهٍ -الله أعلم- أين قلبه؟! بينما الأصل الآخرة، ولا يقول قائل: إن ديننا دين عبادة دون عمل، لا، عبادة وعمل، دين ودنيا، والدنيا تكون من أمور الآخرة إذا استغلت فيما يرضي الله -عز وجل-.
السُّنن الإلهية لا تتغيَّر ولا تتبدَّل.
{فَحَقَّ وَعِيدِ}[(14) سورة ق] أي وجب نزول العذاب على الجميع، فلا يضيق صدرك من كفر قريش بك، يعني السُّنَّة الإلهيَّة بالنِّسبة للمُخالفين لا تتغيَّر ولا تتبدَّل، فمتى وُجدت المُخالفة، وأُيِسَ من الاستجابة حقَّ الوعيد، وحقَّت كلمةُ العذاب، والسُّنن الإلهية لا تتغيَّر ولا تتبدَّل، وما نعيشُهُ في زماننا من مُخالفات مع أنَّ الله -جل وعلا- يُوالي علينا من النِّعم ما لا نقُومُ بِشُكرِهِ يُخشى منهُ من سُوء العاقبة، فلو قرأنا في المُجلَّد السَّادس من نفح الطِّيب وجدنا الصُّورة مُطابقة؛ لكن نسأل الله -جل وعلا- أنْ يتداركنا، وأنْ يردَّنا إليه ردًّا جميلاً، فالسُّنن الإلهية لا تتغيَّر ولا تتبدَّل، يعني ما استُثني من الوعيد الذِّي حقَّ على هؤُلاء المُكذِّبين إلاَّ قوم يُونس، استُثنوا لما رأوا العذاب آمنوا و إلاَّ حقَّ الوعيد ورأوا العذاب ما فيه سُنن لا تتغيَّر ولا تتبدَّل، ما فيه إذا رأيت المُقدِّمات مُقدِّمات الفتن ومُقدِّمات الشُّرُور والعذاب تقول: آمنت، ما يكفي، أُعطيت فُرصة ومُهلة وعندك ما يدلُّك على الصِّراط المُستقيم ومع ذلك خالفت بطوعك واختيارك تحمَّل، يقول: {فَحَقَّ وَعِيدِ} وجب نزول العذاب على الجميع فلا يضيق صدرك من كفر قريش بك، وفي هذا تسلية للنبي -عليه الصلاة والسلام-، وإن كان -عليه الصلاة والسلام -يعني الأرجح عندهُ والمُفضَّل عندهُ أنْ يستجيبُوا لهُ، وينجُونَ بسببِهِ؛ لكن الذي يُخالف مع الإصرار والعناد يتحمَّل، الذِّمة برئت من تبلِيغِهِ، وهكذا ينبغي أن يكُون الدُّعاة إلى الله -جل وعلا-، أوَّلاً: يجب أنْ يكُونُوا على بصيرة من أمرهم، وأنْ يقتدُوا بنبيِّهم -عليه الصلاة والسلام-، وما عليهم بعد ذلك إلاَّ البلاغ، كونك تدعو وتدعو وتدعو ولا ترى مُستجيب لا يعني إنَّ هذا خلل فيك أو في دعوتك؛ وإنَّما النتائجُ بيد الله -جل وعلا- والقُلُوب بيدِهِ -سبحانه وتعالى-، أنت عليك أنْ تبذل السَّبب تأمُرُ وتنهى وتدعُو إنْ استجاب المدعُو و إلاَّ فالأمرُ ليس إليك {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ}[(128) سورة آل عمران] هذه قيلت في أشرف الخلق، فلا يضيق صدرك بمثل هذا، نعم ((لئن يهدي الله بك رجلاً واحداً خيراً لك من حُمر النعم)) لكن لا يعني أنَّك تحترق أو تبخع نفسك أو تقتل نفسك إذا لم يستجب لك أحد، أنت أجرُك ثابت والعُقُوبة على المُخالف، والنَّتائج بيد الله -جل وعلا-، ومن نِعم الله -جل وعلا- أنْ رتَّب الأجر على بذلِ السَّبب لا على النَّتيجة.
وبعضُ الكُتَّاب المُعاصرين مع الأسف أنَّ كُتُبُهم تتداول في المكتبات، يقول: إنَّ نُوحاً فَشِل في دعوتِهِ، يعني ألف سنة إلاَّ خمسين عام ما استجاب إلا نفرٌ يسير؟! ما استطاع أنْ يُؤثِّر على ولدهِ ولا على زوجتهِ دعوتُهُ فاشلة، مثل هذا يُقال: في حقِّ نبي؟! في حقِّ رسُول؟! ويتطاول أيضاً على أشرف الخلق ويقول: إنَّ مُحمداً فَشِل في دعوتِهِ في مكَّة والطَّائف ونجح في المدينة {فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ}[(35) سورة النحل] الدُّعاة أتباع الرُّسُل الذِّين يدعُون إلى الله على بصيرة قد لا يستجيبُ لهم أقربُ النَّاسِ إليهم، ولو فتَّشنا في بيُوت العُلماء الكِبار وجدنا في أبنائهم مُخالفات، وجدنا في نسائهم مُخالفات؛ لكن هل يعني هذا أنَّهم ما بذلُوا، بذلُوا يا أخي؛ لكن الهِداية بيد الله -جل وعلا-، لا يملك القلوب إلاَّ الله -جل وعلا-، أنت عليك بذل السَّبب، كثيرٌ حتَّى من طُلاَّب العلم يتندَّر يقول: شوف فُلان انشغل بدعوةِ النَّاس وتعليم النَّاس والمصالح العامَّة والخاصَّة وشوف أولادهم شو هم، نحن نعرف من شيوخنا من تقطَّع أسى على أولادِهِ، وبذل لهُم من جُهدِه ووقتِه ومالِهِ ما يَسعى بِهِ إلى إصلاحِهم لكنْ ما بيده حِيلة؛ لكن لا يعني هذا إنَّ الإنسان يُفرِّط في تربية أولادِهِ ونِسَائِهِ وأَطرِهِم على الحق ثُمَّ يقول: النَّتائج بيد الله، ابذل والنَّتائج بيد الله، أنت عليك بذل السَّبب. أهـ.
سؤال الله الثبات والهداية.
إذا تصورنا أن الإنسان لا يستطيع أن يزاول أي عمل إلا بمعونة الله -سبحانه وتعالى- سواء كان من أمور دينه أو دنياه، لا يستطيع أن يزاول أي عمل إلا بعون الله -سبحانه وتعالى- وتوفيقه وتسديده، فيستعين الله -سبحانه وتعالى- على جميع أعماله التي منها العبادة، فالعبد بحاجة إلى أن يدعو الله -سبحانه وتعالى- ليل نهار في أن يثبته ليستمر على هذه الهداية، وأن لا يزيغ قلبه، ويصرفه عن هذه الهداية، وجاء في دعاءه -عليه الصلاة والسلام-: ((يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك)) وهو أشرف الخلق، وأيضاً العبد وإن كان ممن اهتدى إلا أنه بحاجة إلى مزيدٍ من هذه الهداية؛ لأن الإيمان قابل للزيادة والنقصان على مذهب أهل الحق من أهل السنة والجماعة، فنحن بحاجة إلى أن نسأل الله -سبحانه وتعالى- طلب المزيد من الهداية ومن الإيمان، وأن نبذل السبب يعني نسأل الهداية، ونسأل المزيد منها، ونسأل الثبات ونترك الأسباب؟! لا، لا بد من بذل الأسباب.
عمل يسير ترجح به كِفَّة الحسنات
{فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ}[(6) سورة القارعة]، يعني كَثُرَتْ أعمالُهُ الصَّالحة فرَجَحَت كِفَّتُها بِكِفَّةِ الأعمال السَّيِّئَة يعني زادت حسناتُهُ على سَيِّئَاتِهِ، وقد خَابَ منْ رَجَحَتْ آحادُهُ على عَشَرَاتِهِ، يقولُ أهل العلم: "خابَ وخَسِر منْ رَجَحَتْ آحادُهُ على عَشَرَاتِهِ" يعني الحَسَنة بعشْرِ أمثالُها والسَّيِّئَة واحِدَة، ومع ذلك تَرجِحْ السَّيِّئَاتْ على الحَسَنات؟ هذا دليلُ الخَيبة والحِرمانْ والخُسْرَانْ، خَابَ وخَسِرْ منْ رَجَحَتْ آحَادُهُ وَزَادَتْ على عشراتِهِ، ففضلُ الله -جل وعلا- وكَرَمُهُ وجُودُهُ يجعل الحَسَنَة بعَشْرِ أمثالها هذا أقل تقدير و إلاّ فالله -جل وعلا- يُضاعف إلى سبعمائة ضِعف وفَتَحَ لنا أبْوَاب وآفاق تُوصِلُنا إلى جَنَّاتِهِ ومرضَاتِهِ، وضَاعَفَ لنا الأُجُور على أعمالٍ يسِيرَة إذْ لو أنَّ الإنسان يُكْثِرُ منْ الاسْتِغْفَار بِحُضُور قلب لا مَعَ الغَفْلَة واللَّهُو لكانَ لهُ شأنْ غير شأنه الذِّي يَعِيشُهُ، ولو كان يُكْثِر من التَّسْبيح والتَّحميد والتَّهليل، وكُلُّ تسْبيحةٍ صدقة وكُلُّ تسبيحَةٍ أو تحميدَةٍ أو تَهْليلةٍ شَجَرة في الجنَّة، والجَنَّة قِيعَان وغِرَاسُها التَّسبيح والتَّحميد والتَّهليل يعني ما يُكلِّفُ شيء.
الإنسان إذا أرادَ أنْ يَغْرِس نَخْلَة يحتاج إلى أنْ يَشْتَرِي الفَسِيلَة ثُمَّ يغرِسُها ويَتْعبُ على نخلِها وغَرْسِها وسَقْيِها وانْتِظارُ ثَمَرَتِها السِنِين، فَضْلاً عنْ كَونِهِ يغْرِسُ نواة انتظارٌ طويل، لكِنْ إذا قال: سُبحان الله غُرسَتْ لهُ هذهِ النَّخلة، الحمد لله غُرسَتْ لهُ نخلة يُكلف شيء يا الإخوان هذا؟ هذا ما يُكلِّف شيء سُبحان الله وبحمده مئة مرَّة في دقيقة ونِصف تُقال حُطَّتْ عنهُ خطاياه وإنْ كانت مِثْل زَبَدِ البحر، من قال" لا إله إلا الله وحدهُ لا شريك لهُ، لهُ الملك، ولهُ الحمد، وهُو على كلِّ شيءٍ قدير" عشر مرَّات بدقيقة تُقال -يا الإخوان- العشْر، كان كمنْ أعْتَقَ أربعةً من ولدِ إسماعيل" عِتْقْ رَقَبَة وهذهِ عشرُ رِقَابْ بدقيقةٍ تُقال حُطَّتْ عنهُ خَطاياهُ وإنْ كانت مِثل زبَدِ البحر بِدقيقة ونصف، وبِهذا تَرجِح كِفَّةُ الحَسَنات، بشيءٍ لا يُكلِّفُك شيء، ما أُمِرْتْ بِأخْذ مِسْحَات على كتفك وتذْهب إلى البَراري والقِفَار منْ أجل أنْ تغرِسْ شَجَرَة لِيُغْرَسْ لَكَ بدلَها شجَرَة في الجنَّة، وأنتْ في فِراشِك وأنْتَ في طريقِك، وأنْت جالِسْ في مجْلسٍ يكثُرُ فيهِ اللَّغَط والكَلام في أُمُور الدُّنْيا بإمْكانِك أنْ تقُول: سُبحان الله وبحمدِه سُبحان الله العظيم، ((كلِمَتانِ خَفِيفَتانِ على اللِّسَانْ، ثَقِيلَتانِ في المِيزَانْ، حَبِيبَتَانِ إلى الرَّحمن، سُبحان الله وبحمده، سُبحان الله العظيم)) ((سبَقَ المُفَرِّدُون الذَّاكِرُونَ الله كثيراً والذَّاكِرَاتْ)) فالذِّكْر الذِّكْر يا إخوان، هذا لا يُكلِّف شيء، وبِهِ تَرجِحُ كِفَّةُ الحَسَناتْ.