عرض وقفات تذكر واعتبار

  • ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴿١٢﴾    [الطلاق   آية:١٢]
قوله تعالى: {لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الطلاق: 12] من الألفاظ التي بقيت على عمومها ولم تخصص إجماعًا، فالله -جل وعلا- على كل شيء قدير. وفي صحيحِ مسلمٍ من حديثِ ابنِ مسعودٍ –رضي الله عنه- في قصةِ آخرِ مَن يَدخُلُ الجنةَ: «فيقولُ له الربُّ: إني لا أَسْتهْزِئُ منك، ولكني على ما أشاءَ قادرٌ» [مسلم: 187]. فهذا منطوقُه موافقٌ للآيةِ، وظاهر مفهومِه معارَضٌ بمنطوقِ الآيةِ، وحينئذٍ يُلْغَى المفهومُ لمعارضتِه للمنطوقِ. قال الإمام الطبري –رحمه الله- في أول تفسير سورة الملك: (وهو على ما يشاء فعلُه ذو قدرة لا يمنعه من فعله مانع ولا يحول بينه وبينه عجز). والأولى عدم تقييد القدرة بالمشيئة خشية الإيهام؛ لأنه يفهم منه أن الذي لا يشاؤه لا يقدر عليه، وهذا ليس بصحيح. وعلى الإنسانِ إذا كان يَتحدَّثُ ابتداءً عن مشيئة الله وقدرته، أن يأتي بالآياتِ التي عمومُها محفوظٌ. أما عن مثلِ قولِه تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ} [الشورى: 29]. فيقال في معناها: إن (إذا) هنا بمعنى: متى، أو أن مفهوم (إذا يشاء) ملغى؛ حيث لو كانت شرطية كان مفهومها أنه إذا لم يشأ ذلك لا يقدر عليه، والله منزه عن ذلك، وله -سبحانه- القدرة الشاملة.
  • ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴿٣٣﴾    [الأعراف   آية:٣٣]
الشرك بالله أعظم من القول على الله بغير علم، وإن كانت الآية ختمت به {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 33] وأهل العلم يقررون أن الآية سيقت على سبيل الترقي، فكل مرتبة من هذه المراتب الأربع أعظم من التي قبلها، لكن حُمل قوله: {وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} على القول على الله بغير علم بإثبات الولد له، وهو نوع من الكفر، نسأل الله العافية.
  • ﴿فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴿١١﴾    [الشورى   آية:١١]
نشَأَتْ عندَ بعض المبتدعة شبهةٌ وهي: أنَّ التَّشبيهَ من لوازمِ الإثباتِ، معَ أنَّ نفيَ التَّشبيهِ وتنزيهَ اللهِ -جل وعلا- ثبت بالكِتابِ والسنَّةِ، وإثْبَاتُ الصفاتِ كذلك ثَبَتت بالكِتابِ والسنَّةِ، فلا يُضرب هذا بهذا؛ لأن الجمع بينهما ممكن، وهو ما وفَّقَ اللهُ أهلَ السنِّةِ له، فاللهُ -جلَّ وعلا- يقول: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11]، ففي الجمع بين قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}، معَ إثباتِ السَّمعِ والبصرِ دليلٌ على أنَّ إثباتَ السَّمعِ والبصَرِ لا يَقتضي التَّمثيلَ ولا التَّشبيهَ؛ لأنَّ اللهَ جمعَ بينهما في آيةٍ واحدةٍ. وإذا أثبَتنا الوجهَ للهِ، فلا يعني ذلك أنَّنا نُثبِتُ له وجهًا يُشبِهُ وجهَ المخلوقِ بحالٍ منَ الأحوالِ. وقد مرَّ هؤلاء المعطلةِ بقَنْطَرَةِ التَّشبيهِ وَرَأَوا -على حدِّ زعمهم- أنَّ إثبات الصفات لله يقتَضي التَّشبيهَ، وتَوصّلُوا بذلكَ إلى أنْ يُعطِّلوا اللهَ عمَّا أثبَتَه لنفسِه وأثبَتَه له رسولُه -ﷺ- من الصِّفاتِ، والإلزامُ ليسَ بلازمٍ، واللهُ -جلَّ وعلا- لا يُشبِهُهُ شيءٌ من خَلقِه. فكما أنَّ ذاتَه -جلَّ وعلا- لا تُشبِهُ الذَّواتِ فكذلكَ صفاتُه لا تُشبِهُ الصِّفاتِ.
  • ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا ﴿١٣﴾    [الإسراء   آية:١٣]
قال تعالى: {وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا} [الإسراء: 13]، (مَنْشورًا) مَفْتوحًا لا يَحتاجُ إلى تَقْليبٍ وعَناءٍ وتَعَبٍ، وفي كَوْنِه مَنْشورًا زيادَةُ سُرورٍ بالنسبةِ لصاحِبِ العَمَلِ الصالِحِ، وزيادةُ حُزْنٍ وكآبَةٍ بالنسبةِ لصاحِبِ العَمَلِ السَّيِّئ؛ لأنَّه أوَّلُ ما يُواجَه به عَمَلُه، فيَنْظُرُ إلى هذه الأعمالِ السيئةِ فيَزدَادُ حُزْنُه وكآبَتُه، والآخَرُ صاحِبُ الأعمالِ الصالِحَةِ يَجِدُها مَنْشورَةً مُسْتَقْبَلًا بها لا يَحتَاجُ إلى تَفْتيشٍ في الأمورِ المحسوسةِ.
  • ﴿هَا أَنتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴿١١٩﴾    [آل عمران   آية:١١٩]
قد جاءَ ذكرُ لفظِ (الذاتِ) على لسانِ أئمةِ الإسلامِ، فشيخُ الإسلامِ –رحمه الله-يقولُ: (فكَمَا أَنَّ ذَاتَه لَا تُشْبِهُ الذَّوَاتِ فَصِفَاتُهُ لَا تُشْبِهُ الصِّفَاتِ)، ويقول: (الكَلَامُ فِي الصِّفَاتِ فَرْعٌ عَلَى الْكَلَامِ فِي الذَّاتِ)، وتَرِدُ بكثرةٍ على لسانِ أهلِ العلمِ فيقولون: الذاتُ الإلهيةُ، وقول خبيب –رضي الله عنه-: «وذلك في ذاتِ الإلهِ» [البخاري: 3054]. وثبتت إضافة (الذات) إلى الله في السنةِ، فروى البخاريُّ من حديثِ أبي هريرةَ –رضي الله عنه- ولم يُصرِّحْ برفعِه قال: «لم يَكْذِبْ إبراهيمُ عليه السَّلامُ إلا ثلاثَ كَذِباتٍ ثنتَيْنِ منهن في ذاتِ اللهِ» البخاري:[3358]، ورواه مسلمٌ [2371] وأبو داودَ [2212] والنسائيُّ في الكبرى [8375] وأحمدُ [9241] وغيرُهم من طريقِ أيوبَ عن محمدٍ عن أبي هريرةَ –رضي الله عنه- أيضًا أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: «لم يَكْذِبْ إبراهيمُ النبيُّ عليه السلام قطُّ إلا ثلاثَ كَذِباتٍ ثنتَيْنِ منهن في ذاتِ اللهِ؛ قولُه: إني سقيمٌ، وقولُه: بل فعَلَه كبيرُهم هذا، وواحدةٌ في شأنِ سارَّةَ». فالبخاري –رحمه الله- خرّج الحديث موقوفًا على أبي هريرة –رضي الله عنه- مع لفظة (ذات)، وعلقه مرفوعًا في كتاب الطلاق، وخرّجه مرفوعًا من طرق متعددة، لكن ليس فيها لفظة (ذات)، وسواءٌ كانت مرفوعةً كما صرح بذلك مسلمٌ أو موقوفةً كما في صحيحِ البخاريِّ، فهي كلمةٌ تُضافُ إلى اللهِ، إذ لا يُظَنُّ بالصحابيِّ أن يقولَها من تلقاءِ نفسِه، فلها حكمُ الرفعِ، فثبوتُ إضافةِ الذاتِ إلى اللهِ في هذا الحديثِ لا إشكالَ فيه، وهناك أحاديثُ ورواياتٌ في هذا المعنى غير ما ذكر. ولذا يقولُ شيخُ الإسلامِ –رحمه الله-: (وقد وُجِدَتْ في كلامِ النبيِّ -ﷺ- والصحابةِ). فإضافةُ الذاتِ إلى اللهِ ثابتةٌ، وشيخُ الإسلامِ يَقْصِدُ بها ما يُرادِفُ النفسَ الثابتةَ بالقرآنِ؛ ولذا يقولُ: (وقد روي في حديث مرفوع وغير مرفوع «تفكَّروا في كل شيء، ولا تفكَّروا في ذاتِ اللهِ» فإن كان هذا اللفظ أو نظيره ثابتا عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فقد وجد في كلامهم إطلاق اسم (الذات) على النفس كما يطلقه المتأخرون). وتصديرُه من قِبَلِ شيخِ الإسلامِ بصيغةِ التمريضِ يدلُّ على أنه لا يَجْزِمُ بثبوتِه، وكأنه يترَدَّدُ في إثباتِ الذاتِ للهِ، مع أنها واردةٌ في كلامِه كثيرًا، وشيخُ الإسلامِ –رحمه الله- من أحرصِ الناسِ على اتباع السنَّةِ، وما دامَ قد أثبَتَ هذا اللفظ مَن تَبْرَأُ الذِّمَّةُ بتقليدِه وهو من الغَيْرةِ على عقيدةِ هذه الأمةِ بالمكان الأرفع والمحل الأسنى- مما تلَّقَى من كتابِ اللهِ وسنةِ نبيِّه ﷺ- فلا شك أن استعماله يصح. وإن كانت المطابقةُ تَحتاجُ إلى نظَرٍ، ففي حديثِ إبراهيمَ لو جعَلْنَا النفسَ مكانَ الذاتِ، وقلنا: «اثنتَيْنِ منها في نفسِ اللهِ»، لم يَسْتقمِ الكلامُ، وهذا هو المَلْحَظُ الدقيقُ الذي يَنْبغي أن يُراعَى في مثلِ هذه الأمورِ، وأكثرُ الناسِ لا يَنْتَبِهُ لهذه الملاحظِ الدقيقةِ التي انتَبَه لها شيخُ الإسلامِ –رحمه الله- والمعنى الذي يُرادُ بهذا الفظ قد لا يَنْطَبِقُ من كلِّ وجهٍ على ما يُريدُه العلماءُ من إطلاقِ الذاتِ والصفاتِ الذاتيَّةِ إلى آخرِه. والرَّاغبُ في (المفرداتِ) يقولُ: (وقد استعارَ أصحابُ المعاني الذاتَ، فجعلوها عبارةً عن عينِ الشيء، جوهرًا كان أو عرَضًا، واستعملوها مفردةً ومضافةً إلى المضمرِ بالألفِ واللام، وأجروها مجرى النفسِ والخاصةِ، فقالوا: ذاتُه، ونفسُه وخاصتُه، وليس ذلك من كلامِ العربِ). وفي (المِصباحِ) نقلًا عن ابنِ بَرْهَانَ يقولُ: (قولُ المُتكلِّمين: (ذاتُ اللهِ) جهلٌ؛ لأن أسماءَه لا تَلْحَقُها تاءُ التأنيثِ، فلا يُقالُ: علَّامةٌ وإن كان أعلمَ العالمين. وقولُهم: الصفاتُ الذاتيةُ خطأٌ أيضًا؛ فإن النسبةَ إلى ذاتٍ ذووي؛ لأن النسبةَ تَرُدُّ الاسمَ إلى أصلِه). ويُعلِّقُ صاحبُ (المِصباحِ) بقولِه: (وما قالَه ابنُ بَرْهانَ فيما إذا كانت بمعنى الصاحبةِ والوصف مسلَّمٌ، والكلامُ فيما إذا قُطِعَت عن هذا المعنى واستُعْمِلَتْ في غيرِه بمعنى الاسميَّةِ نحو: {إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [آل عمران: 119]، والمعنى عليمٌ بنفسِ الصدورِ؛ أي ببواطنِها وخفيَّاتِها، وقد صار استعمالُها بمعنى نفسِ الشيءِ عُرْفًا مشهورًا، حتى قال الناسُ: ذاتٌ مُتَميِّزةٌ، وذاتٌ مُحْدَثَةٌ، ونسبوا إليها على لفظِها من غيرِ تغييرٍ فقالوا: عيبٌ ذاتيٌّ، بمعنى جبِلِّيٍّ وخِلْقيٍّ). ثم عقَّب بقولِه: (فالكلمةُ عربيَّةٌ، ولا التفاتَ إلى مَن أَنْكَرَ كونَها من العربيةِ، فإنها في القرآنِ، وهو أفصحُ الكلامِ العربيِّ). وما دامت نسبةُ الذاتِ إلى اللهِ ثابتةٌ في الجملة، فالأمرُ فيه سَعَة من هذه الحيثيَّةِ. والله أعلم.
  • ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ﴿٢٥٣﴾    [البقرة   آية:٢٥٣]
في قوله تعالى: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} [البقرة: 253] إثباتُ صفةِ المَشيئَةِ، وفيها أيضًا إثباتُ صفةِ الإرادةِ، والإرادةُ والمشيئةُ بينَهما شيءٌ من التداخلِ، فالإرادةُ الكونيةُ مطابقةٌ للمشيئةِ، والإرادةُ الشرعيَّةُ مطابقةٌ للمحبةِ، وإرادة الله قد يقَعُ مُقْتضاها وقد لا يَقَعُ؛ لأن اللهَ أرادَ للعبادِ أن يَعبدوه، فمنهم مَن امتَثَلَ، ومنهم مَن لم يَمْتَثِلْ، فمَن امتَثَلَ صدَقَتْ عليه الإرادةُ الشرعيَّةُ وهي محبوبةٌ للهِ -جلَّ وعلا- ومَن لم يَمْتَثِلْ ولم يَعْبُدِ اللهَ -جلَّ وعلا- ثبتت فيه المشيئةُ والإرادةُ الكونيَّةُ وهي غيرُ محبوبةٍ للهِ -جلَّ وعلا-. وقد اقتَضَتْ حكمةُ اللهِ أن يَشاءَ شيئًا إرادةً كونية وهو لا يُحِبُّه. ويقَعُ في تصرُّفاتِ البشرِ من هذا النوعِ الكثيرُ؛ فالرجلُ يُقدِّمُ ولدَه بطوعِه واختيارِه إلى الطبيبِ؛ ِليَفتَحَ بطنَه ولِيزيلَ عنه ما يُؤذيه وهو يَكرَهُ هذا العملَ، فهو مكروهٌ من وجهٍ، محبوبٌ من وجهٍ. والمكلَّفُ مطالبٌ بأن يدورَ مع الإرادةِ الشرعيَّةِ والسعي إلى تحقيقها، ولا يَلْتَفِتَ إلى الإرادةِ الكونيَّةِ، وقد جاء الخبرُ عن اللهِ وعن رسولِه -ﷺ- عن أمورٍ لا بدَّ من وقوعِها، ومن ثمَّ فمن الخطأِ أن نَستَسْلِمَ ونقولَ: إن كان لا بدَّ من وقوعِها فليس لنا أن نُدافِعَ. ومثالُ ذلك أن الإرادةَ الشرعيَّةَ تَمْنَعُ من سفرِ المرأةِ من دونِ مَحْرَمٍ، وأما الإرادةُ الكونيَّةُ فقد دلَّتِ الأدلةُ على أن المرأةَ ستسافرُ وحدها من الحيرة –الشام- حتى تطوف بالكعبة [البخاري:3595]. فالإرادةُ الشرعيةُ تمنَعُ من هذا، والإرادةُ الكونيةُ تدلُّ على أنه سيقعُ لا محالةَ، وعلى المُسلمِ أن يتعلَّقَ بالإرادةِ الشَّرعيةِ، ولا يتعلَّلَ بالإرادةِ الكونيَّةِ؛ لأن ذلك دليلُ العجزِ. وقد احتجَّ المشركون بالإرادةِ الكونيَّةِ، كما في قولِه تعالى: {لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا} [الأنعام: 148] فاللهُ أرادَ أن يشركوا إرادةً كونيَّةً من بابِ الابتلاءِ لهم، مع أن اللَه هداهم إلى السبيلِ هدايَة دَلالةٍ وإرشادٍ، لكنهم اختاروا الضلال، كما قال تعالى عن ثمود: { وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى} [فصلت: 17] فهم الذين جنوا على أنفسِهم. والنظرُ إلى مثلِ هذه الأفعالِ من قِبَلِ اللهِ زلَّتْ بسببه أقدامٌ وضلَّتْ به أفهامٌ، فالجبْرِيَّةُ تمسكوا بنصوصٍ، والقدريَّةُ الغلاةُ تمسكوا بنصوصٍ، وغفَلَ كلُّ فريقٍ عما استدَلَّ به الفريقُ الآخرُ، ووَفَّقَ اللهُ أهلَ السنةِ للنَّظرِ إلى أدلةِ الفريقين فتوسَّطوا في المسألةِ، فقالوا: إن للعبدِ حريةً واختيارًا؛ لأنه لو كان مجبورًا لكان في ذلك ظلمٌ له، لكنَّ مشيئته واختيارَه لاتخرجُ عن مشيئةِ اللهِ وإرادته الكونيَّة.
  • ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴿١٢﴾    [الطلاق   آية:١٢]
في قوله تعالى: {لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الطلاق: 12]، بعضُ المفسرين يرى أن العقلَ خصَّ ذاتَه الشريفة فليس بقادرٍ عليها. وهذا كلامٌ مُوحِشٌ يتعاظم النطقُ به، لكن لا بد من الإجابةِ عن مثلِ هذا الكلامِ؛ لأنه إذا كان غيرَ قادرٍ عليها فهو عاجزٌ، والآيةُ تُثْبِتُ القدرةَ التامةَ للهِ ـ وإذا خصَّ العقلُ ذاتَه أثبَتَ من خلال هذا التخصيصِ العجزَ فيَلْزَمُ على قولِهم أنه قادرٌ عاجزٌ، وفي هذا إثباتٌ للنقيضَيْنِ، فاجتماعُهما من المُحالِ، والمُحالُ ليس بشيءٍ فلا يَدخُلُ في قولِه: {عَلَى كُلِّ شَيْءٍ}، إذنْ هو خارج من الأصلِ؛ لأنه لا يُمْكِنُ تصورُه لا في الأعيانِ ولا في الأذهانِ، وحينئذٍ لا نحتاجُ إلى أن نستَثْنِيَ، فالآيةُ باقيةٌ على عمومِها، وهي نصٌّ قطعيُ الدِّلالةِ والثبوتِ على إثباتِ قدرةِ اللهِ على كلِّ شيءٍ.
  • ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴿٦٧﴾    [التوبة   آية:٦٧]
هناك قدرٌ مشتركٌ بينَ العلمِ والمعرفةِ، وكلاهما نقيضُ الجهلِ، فالعلمُ لا يَسْتلْزِمُ سبقَ الجهلِ، بينما المعرفةُ تستلْزِمُه، ولذا يوصفُ اللهُ بالعلمِ ولا يوصفُ بالمعرفةِ. وأما ما ورد في الحديثِ: «تعَرَّفْ إلى اللهِ في الرخاءِ يَعْرِفْك في الشدةِ» [المسند: 2803]، فالجوابُ عنه من وجهين: - الأول: أنه مشاكلةٌ ومجانسةٌ في التعبيرِ، كما في قوله تعالى: {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} [التوبة: 67]. - الثاني: أن هذا من باب الإخبارِ لا الوصفِ، والإخبارُ أمرُه أوسَعُ من الوصفِ؛ ولذا يقولُ أهلُ العلمِ: نواكَ اللهُ بخيرٍ، أي: قصَدَك، لكن لا يقالُ له: الناوي، أو يوصَفُ بأنه يَنوِي.
  • ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ﴿١٨﴾    [الأنعام   آية:١٨]
قوله تعالى: {وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ} [الأنعام: 18] الحكيم الذي يضَعُ الأشياءَ في مواضعِها، وهو أيضًا مُحكِمٌ ومُتقِنٌ لما خلَقَه وأَبْدعَه وأنشَأَه. و(الحكيمُ) أخصُّ من (العليمِ)، كما أن (الخبيرَ) من الخبرةِ وهو أخصُّ وأدق من وصف العلمِ؛ لأنه ليس كلُّ عالمٍ عندَه خبرةٌ، بينما كلُّ خبيرٍ عندَه علمٌ، فالعلمُ صفةٌ أعمُّ من حيثُ الإحاطةُ والشمولُ، بحيثُ لا يَخْفَى عليه شيءٌ، وهو أيضًا خبيرٌ بدقائقِ الأمورِ وجلائِلها، وإذا أردْنا مدحَ شخصٍ بتمامِ المعرفةِ والخبرةِ قلنا: هو خبيرٌ.
  • ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ ﴿١﴾    [البينة   آية:١]
القولِ في أهلِ الكتابِ: هل يُقالُ هم مشركونَ أوْ لا مع أنهم كفارٌ كُفْرًا أكبرَ بإجماعِ المسلمين، خالدون مُخلَّدونَ في النارِ لا يَختَلِفُ في هذا أحدٌ؟ فمِنْ أهلِ العلمِ مَنْ يَقُولُ: هم مشركونَ؛ لأنَّ النَّصارى أشْرَكُوا المسيحَ مع اللهِ -جَلَّ وعَلا-، واليهودُ أشْرَكُوا عُزَيْرًا مع اللهِ -جَلَّ وعَلا- فهم مشركونَ. ويذهبُ بعضُ العلماءِ إلى أنهم كُفَّارٌ وفيهم شرك، لكن لا يقال: المشركون؛ بدليل قوله -تعالى-: {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ} [البينة: 1]، فالقرآنُ الذي نَزَلَ على النبيِّ ﷺ وأثْبَتَ شرْكَهُم فَرَّقَ بينَهم وبينَ المشركينَ في مسائلَ. والذي قَرَّرَهُ الحافظُ ابنُ رجبٍ أنَّهُم لَيْسُوا مشركينَ وإنْ كَانُوا كفارًا بِالإجماعِ، ومَنْ شَكَّ في كُفْرِهِم فهو كافرٌ، ومع ذلك لا يُقالُ إنَّهُم مشركونَ بلْ فيهِم شرْكٌ، واللهُ أعلمُ.
إظهار النتائج من 1621 إلى 1630 من إجمالي 6456 نتيجة.