عرض وقفات تذكر واعتبار

  • ﴿وَالْعَصْرِ ﴿١﴾    [العصر   آية:١]
  • ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴿٢﴾    [العصر   آية:٢]
  • ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴿٣﴾    [العصر   آية:٣]
تعلَّم، واعْمَلْ، وعَلِّمْ، وادْعُ، وأْمُر، وانْهَ، إذا تَعَلَّمْت العِلْم؛ اعْمَلْ بهذا العِلْم، إذا تَعَلَّمْت وعَمِلْتَ؛ عَلِّمْ هذا العلم، وادعُ إلى ربِّك بالتِّبيان والحِكَمِ، أُأْمُر بالمعرُوف، وانْهَ عن المُنْكَر، كل هذهِ من وظائف العالم والمُتعلِّم على حدٍّ سواء. وأَتْبِعْ العِلْمَ بالأعمالِ وادْعُ إلى واصْبِرْ على لَاحِقٍ منْ فِتْنَةٍ وأَذَى سبيلِ رَبِّكَ بالتِّبْيَانِ والحِكَمِ فيه وفِي الرُّسْلِ ذِكْرَى فَاقْتَدِهْ بِهِمِ واصْبِرْ لا بُدَّ أنْ يَعْتَرِضَكْ فِي طَرِيقك شيء من الأذَى؛ ولِذا في المسائل الأربع للإمام المُجدِّد الشيخ محمد بن عبد الوهاب، المسائل الأربع: الأولى: العلم، الثانية: العمل بالعلم، والثَّالثة: الدعوة إليه، والرَّابعة: الصَّبر على الأذى فيه، {وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ} [العصر/1، 2] إلاَّ.. من اسْتُثْنِي؟ {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر/ 3] لا بُد من توافر هذهِ الأُمُور، لا بُدَّ من الأَذَى، لا يَظنّ الِإنْسَانْ أنَّهُ يَصِلْ إلى المَرَاتِبْ والمَنَازِلْ العُلْيَا ولا يَحْصُلْ لهُ شيء، ولا إِمَامَة إِلَّا بِابْتِلَاءْ، ((وأَشَدُّ النَّاسِ بَلَاءً الأنبياء ثُمَّ الأمْثَل فالأمْثَلْ))، ما فِيهْ نَبِيّ مَا ابْتُلِي، ولا إِمَامْ مِنْ أَئِمَّة المُسْلِمين سُهِّلت لَهُ الطُّرُق منذُ أنْ وُلِد إلى أنْ مات، أبَداً، والإمَامَة لا تُنال بالرَّاحة؛ بل لا بُدَّ من التَّعب، ولا بُدَّ من العَنَاء، ولا بُدَّ من الأذى؛ لِأَنَّ لك خُصُوم، فالمُتَعَلِّم يَعْتَرِضُهُ ما يَعْتَرِضُهُ، وقد يَعْتَرِضُهُ أَقْرَبُ النَّاسِ إِلَيْهِ من الوَالِدين والإخوة والأقارب وما أشْبَه ذلك، المُعلِّم كذلك يَعْتَرِضُهُ من يَعْتَرِضُهُ، وهذا كثير ومُشَاهَدْ على مرِّ العُصُور، إذا كانَ الأنْبِيَاء مَا سَلِمُوا مِنْ هذهِ الاعْتِرَاضَات، فَأَتْبَاعَهُم عَلَى سَنَنِهِمْ ونَهْجِهِمْ؛ ولِذَا يقول: وفي الرُّسْلِ ذِكْرى، يعني تَذَكَّرْ، الرَّسُول -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام- لَمَّا دَعا قَوْمَهُ ماذا حصل لهُ؟!، آذوه، ورَمَوْهُ بأبْشَع الأوْصَافْ، وأَدْمَوْا قَدَمَيْه، وكسَرُوا ثَنِيَّتَهُ، وفِي الرُّسْلِ ذِكْرَى فَاقْتَدِهْ بِهِمِ.
  • ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴿١١﴾    [المجادلة   آية:١١]
((يَحْمِلُ هَذَا العِلْم مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ)) نعم، قد يأتي الخبر ويُرادُ به الأمر، الآن في قوله -عليه الصلاة والسلام-: ((لِيَلِنِي منكُم أُولُوا الأحْلَامِ والنُّهَى)) هل الحديث مُتَضَمِّنْ لِطَرْدِ الصِّغَار الذِّينَ تَقَدَّمُوا إلى الصَّلاة، وصلَّوا خلف الإمام؟! – لا - هذا فيه حثٌّ للكبار أنْ يَتَقَدَّمُوا؛ ليصُفُّوا قُرْبَ الإمام، فلا تُتْرَكْ هذه الأماكن المُهِمَّة في المسجد للصِّغار، وليس معنى هذا أنَّهُ طردٌ للصِّغَار؛ إنَّما هو حَثٌّ للكِبار، ومثل هذا ما جاء في الحديث ((يَحْمِلُ هَذَا العِلْم)) يعني لِيَحْمِل هذا العلم مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ، وهذا على القول بأنَّ ما يحمله الفُسَّاق يُسَمَّى عِلْماً ولو تسمية عُرفيَّة وليست بِتَسْمِيةٍ شرعيَّة، العلم جاء الأمر للنبي -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام- بطلب الزِّيادة منه، ولم يُؤمر -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام- بطلب الزِّيادة في شيء إلا من العلم {وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [سورة طـه/ 114]، والنُّصوص في هذا كثيرة، {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [سورة المُجادلة/ 11]، وكم بين الدرجة والدرجة من درجات الجنة؟! فالأمر في غاية الأهمية؛ لكن دون العلم مع الرَّاحة والاسْتِرْخَاءْ خَرْطُ القَتَادْ، يسمع النَّاس النُّصُوصْ، ويَنْظُرُونَ فِي وَاقع أهل العِلْم، ويَرَوْنَ الشَّرَفْ في الدُّنيا والآخرة، ويَتَمَنَّى كل واحدٍ أنْ يَكُونَ عَالِماً؛ لكنْ دُونَهُ خَرْطُ القَتَادْ، النَّفْسْ بِطَبْعِها ميَّالة للرَّاحَةِ والدَّعَة؛ لأنَّ العلم مَتِينْ، ويَحْتَاجُ إلى تَعَبٍ ونَصَبْ، يَحْتَاج إلى أنْ يُسْلَك الطَّريقْ، ويُؤْخَذْ من أبوابِهِ وعنْ أهْلِهِ على الجَوَاد المعرُوفة عند أهلِ العلم، وقد يطُولُ الطَّرِيقْ! ((من سَلَكَ طَرِيقاً يلتمسُ فيه عِلْماً؛ سَهَّلَ اللهُ لهُ بِهِ طريقاً إلى الجنَّة))، وهذا وَعْد لِمَنْ يَسْلُكُ الطَّرِيق؛ لأنَّ بعض النَّاس تكون عِنْدَهُ النِّيَّةُ الصَّادِقَة، والعَزِيمَة، والهِمَّة، والحِرْصْ، ثُمَّ بعد ذلك يَطْلُبُ العلم عشر سِنين، عِشْرِينْ سنة، ثلاثين سنة، فإذا جَلَسَ في مَجْلِسْ، أوْ أرادَ أنْ يُحَرِّرْ مسألة؛ ما اسْتَطَاعْ! نقُول: الأجر مُرَتَّبْ على سُلُوكِ الطَّريقْ، كونُكَ تُحصِّل العلم – نعم، هذهِ غاية؛ لكنْ الأجر مُرتَّب على بَذْلِ السَّبَبْ، وحُصُول المُسَبَّبْ بِيَدِ المُسَبِّبْ وهو اللهُ -جلَّ وعلا-، فلا يَضِيقُ ذَرْعاً من تَعِبَ فِي تَحْصِيلِ العِلْم، ولم يُدْرِك منه ما يُقْنِعُهُ، أو ما ينقُلُ بهِ ويُعْرَض بين النَّاس؛ لِيَصْبِرْ، ويَسْلُكْ الطَّرِيقْ؛ ويُوَفَّقْ إنْ شَاء اللهُ تعالى، ومرَّ في كتب التَّرَاجِمْ -تَرَاجِم أهلِ العِلْم- والوَاقِعْ يَشْهَدُ أيضاً أنَّ بعض النَّاس يطلُب العلم خمسين سِتِّينْ سبعين سنة! ما يُوفَّقْ! ولا يُفْلِح! والسَّبَبُ في ذلك كما جاء في الحديث حديثُ مُعاوية -رضي اللهُ عنهُ-: ((منْ يُرِدْ اللهُ بِهِ خيراً؛ يُفَقِّهُ في الدِّينْ))، ((وإنَّما أنا قَاسِمْ، واللهُ المُعْطِي)) اللهُ -جَلَّ وعلا- هو المُعْطِي، النَّبِيُّ -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام- قَسَّمَ العلم على الأُمَّة، مَا كَتَمَ شَيْئاً مِمَّا أُمِرَ بِتَبْلِيغِهِ؛ لَكِنْ المُعْطِي في الحقيقة هو الله -جلَّ وعلا-؛ فاصْدُقْ اللَّجَأْ إلى الله -جلَّ وعلا-؛ وأَخْلِصْ في طَلَبِكَ للعلم؛ وتُوَفَّقْ إنْ شاء الله، ولوْ لَمْ تُدْرِكْ إلاَّ الدُّخُول في حديث! ((من سَلَكَ طَرِيقاً يلتمسُ فيه عِلْماً؛ سَهَّلَ اللهُ لهُ بِهِ طريقاً إلى الجنَّة)) طالبُ العلم بِحَاجَةٍ مَاسَّة إلى تصحيح النِّيَّة، والإخلاص لله -جلَّ وعلا-، فالعِلْم عِبَادَة لا تَقْبَلْ التَّشْرِيكْ، أَوَّلاً: لا بُدَّ مِنْ بَيَانْ العِلْم الذِّي جَاءَتْ النُّصُوصُ بِفَضْلِهِ، وفَضْلِ أهلهِ، العِلْم الذِّي جَاءَتْ النُّصُوصُ بِفَضْلِهِ هو العُلْم الشَّرْعِي المُورِثْ للخَشْيَة {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء} [سورة فاطر/ 28 ] نعم هو العِلْم الذِّي رُتِّبَتْ عليهِ الأُجُور هو العِلْم الشَّرْعِي، العلم الشرعي المُسْتَمَدْ مِنْ كِتَابِ الله -جَلَّ وعلا-، وسُنَّة نَبِيِّهِ -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام-، والوَسَائل لها أحْكَامُ المَقَاصِدْ، فما يُعِينُ على فَهْمِ الكِتَابِ والسُّنَّة؛ دَخَل في فَضْلِ هَذا المَقْصَد العَظِيمْ، وهو علم قال الله وقال رَسُوله، فَعَلَى طَالِب العِلْم أنْ يُصحِّح النِّيَّة، ويُخْلِصْ في طَلَبِهِ للعِلْم؛ لأنَّهُ عبادة، وقد جاء في الحديث الصَّحيح حديث الثَّلاثة الذِّينَ هم أوَّل من تُسَعَّر بهم النَّار، ومِنْهُم من تَعَلَّم وعَلَّم فَسُئِل بعد ذلك، فقال: تعلَّمتُ العلم، وعلَّمتُهُ النَّاس، وقد يُنْفِقْ على التَّعَلُّمِ والتَّعليم عُقُود؛ لكنْ يُقال لهُ في النَّتيجة، كَذَبْتْ! إنَّما تَعَلَّمْتَ وعَلَّمْتَ لِيُقال! فهذا أحد الثَّلاثة الذين هم أوَّلُ من تُسَعَّر بهم النَّار - نسأل الله السَّلامة والعافية - فالمسألة خطيرة، ولَيْسَ فيها كَفَافْ، لا عَلَيَّ ولا لي! – لا – إنَّما إمَّا أنْ تُرْفَعَ دَرَجَاتْ، أو تكُون أوَّل منْ تُسَعَّر بهم النَّار؛ لكنْ قد يَسْمَع بعض طُلَّاب العلم مثل هذا الكلام، فيقول: لا طَاقَة لي بمثل هذا، أَتْرُكْ! والتَّرْكْ لَيْسَ بِحَلّ؛ لأنَّ منْ عَمِلَ منْ أجْلِ النَّاسْ، أو العَمَلْ منْ أَجْلِ النَّاس رِيَاء، وتَرْكُ العَمَلِ أيْضاً منْ أَجْلِ النَّاس أيْضاً أمرُهُ خطير، قالَ بعضُهُم كُفر
  • ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ ﴿٦٠﴾    [المؤمنون   آية:٦٠]
اعمل على وَجَل، اعْمَلْ الأَعْمَال الصَّالِحة، واترُك المُحرَّمات على وَجَل، على خَوْفْ أنْ يُرَدَّ العمل، {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} [(60) / المُؤمنون] تقول عائشة: هم الذِّين يَزْنُون، ويَسْرِقُون، قال: لا، يا ابنة الصِّدِّيق: ((هم الذِّينَ يُصلُّون، ويَصُومُون ويَتَصَدَّقُون ويَخَافُون أنْ تُرَدَّ عليهم أَعْمَالهم)) فَيَنْبَغِي أنْ يكون الإنْسَانْ على غَايَةِ الوَجَلْ من رَدِّ العَمَل؛ لأنَّ العَمَلْ قَدْ يُوجَدْ، قَدْ يُوَفَّق الإنْسَانْ للعمل؛ لَكِنْ قَدْ يَتَخَلَّف شرط ، أو يَعْتَرِيهِ ما يَعْتَرِيه من مَانِع من موانِع القَبُول؛ ولِذا يخاف كثير من السَّلف من قول الله -جل وعلا- {وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ} [(47) / الزُّمر] يعني الإنسان يُعلِّم النَّاس دُهُور، والنَّاس تُشيرُ لهُ بالبَنَانْ، ما شاء الله ما أَجْلَدَهُ، ما أَعْلَمَهُ، ما أَحْذَقَهُ، ما أحْلَمَهُ؛ وهو في النِّهاية من الثَّلاثة الذِّين هم أوَّل من تُسَعَّر بهم النَّار يوم القيامة، أو يَتَعَلَّم؛ لِيُقال...! فعلى الإنسان أنْ يكون على خَوْفٍ تام، وحَذَر، ومُراجعةٍ دَائِبَة دَائِمَة للنِّيَّة، وتَحَسُّس للقلب باستمرار. فاعمل على وجلٍ وادْأَبْ إلى أجَلٍ: أنت تمشي إلى أجلك، وأيَّامُكَ مراحل، وكل يُوم تَقْطَع مرحلة، وأنْتْ تَدْأَبْ تَمْشِي دائِباً إلى أَجَلِك، وكل يُوم يَمْضِي مِنْ عُمرك؛ يَنْقُص عُمُرك بِقَدْرِهِ وادْأَبْ إلى أجَلٍ. واعزل عن الله سوء الظَّنِ والتُّهَمِ: ولا بُدَّ مِنْ تَحْسِينْ الظَّنْ بالله -جلَّ وعلا- ((لا يَمُتْ أَحَدُكُمْ إلاَّ وهو يُحسن الظَّنَّ بِرَبِّهِ)) لكن ليسَ في هذا مُعَارضة لِمَا تَقَدَّمْ، الإنْسَانْ يُحَسِّنْ الظَّنَّ بِرَبِّهِ؛ لَكِنَّهُ يُسِيءُ الظَّنَّ بِنَفْسِهِ، وعَمَلِهِ، فهذا الذِّي يَجْعَلُهُ يَعِيشُ بينَ الرَّجَاء والخَوْف، يَخَاف أنْ يَخُونُهُ مَا وَقَرَ في قَلْبِهِ، أَوْ انْطَوَى عليهِ قَلْبُهُ مِنْ دَخَل؛ يَخُونُهُ في أَحْوَج الأوقات، يَخَاف مِنْ مِثِل هذا، ويَعْرِف ويَجْزِم بِأَنَّهُ سَوْفَ يُقْدِم على رَبٍّ كَرِيم، رؤُوفٌ، رَحِيم، سَبَقَتْ رَحْمَتُهُ غَضَبَهُ، فَيَجْعَلُهُ يَرْجُو من الله، ويُؤمِّل مع السَّعِيّ الجَادّ في تَحْسِينِ العَمَل.
  • ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ﴿٩٩﴾    [الحجر   آية:٩٩]
سَدِّد وقَارِب، لن تَصِلَ إلى الغَاية، تَتَشَوَّف نَفسُكَ إلى الغَاية، ولَن تَصِل إلى الكَمَال؛ لِأَنَّك مَجبُول على النَّقص؛ لَكِن مع ذلك، سَدِّد وقَارِب، احرِص أن يكُون عَمَلُك سَدَاداً على وِفقِ مَا جَاءَ عَن نَبِيِّ الله -جَلَّ وعَلا-، وقَارِب الكَمَال وإن لَم تَستَطِعهُ. سَدِّد وقَارِب وأَبشِر واستَعِن بِغُدُوٍّ والرَّواح وأَدلِج قَاصِداً ودُمِ ((سَدِّدُوا وقَارِبُوا، واستَعِينُوا بالغُدوَة والرَّوحَة، وشيء من الدُّلجَة)) يعني أوَّل النَّهار، وآخِرُهُ، وأَوَّل اللِّيل الذِّي هو الإدلَاج، والإدِّلَاج .... المَقصُود أنَّكَ تَستَغِلّ آناءَ اللِّيل وأطرَاف النَّهار. وأدلِج قَاصِداً ودُمِ، ما تقول أنا والله بتعبَّد يُوم يومين في الشَّهر، أو شهر في السنة ويكفي! – لا- دُم على ذلك، {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [(99) سورة الحجر] هذهِ هي الغاية.
  • ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴿١٧﴾    [الحجرات   آية:١٧]
{بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيكُم أَن هَدَاكُم لِلإِيمَانِ إِن كُنتُم صَادِقِينَ} [الحُجرات/ 17] في قولكم آمَنًّا، يعني مَن رُزِقَ هذهِ النِّعمة التِّي هي الإيمان، المِنَّة لمَن؟! المِنَّة لله -جلَّ وعلا-، فَمِن أَعظَمِ المِنَن على المُسلِم أن يَكُونَ من المُؤمِنين، المُصَدِّقِين، المُعتَقِدِين، الجَازِمِينَ باعتِقَادِهِم، العَامِلِينَ بِمُقتَضَى هذا الاعتِقَاد؛ هذا مِن أعظَم المِنَن؛ وإلاَّ فِليَتَصَوَّر الإنسَان نفسَهُ بين أُولئك الكُفَّار، مَلَايين البَشَر، مَأوَاهُمُ النَّار – نسأل الله السَّلَامة والعَافِيَة – {إِنَّهُ مَن يُشرِك بِاللَّهِ فَقَد حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيهِ الجَنَّةَ} [المَائِدة/72] يعني بعض النَّاس يُسافِر إلى البُلدَان التي تكثُر فيها مظاهر الشِّرك، تَظهَر فيها مَظَاهِر الشِّرك! إن كانَ لهُ قلب ويَعتَبِر، ويَعضّ على إيمانِهِ بِنَوَاجِذِهِ؛ لأنَّهُ يَرَى أُنَاس يُشرِكُون! يَطُوفُون بِقُبُور مَثَلًا! هذا إن استَطَاعَ أن يُنكِر عليهم؛ وإلاَّ فلا يَجُوزُ لهُ أن يُسَافِر إلى هذهِ الأَمَاكِن! فعلى الإنسَان أن يَحمد الله -جَلَّ وعلا-، وأن يَلهَجَ بِشُكرِهِ في كُلِّ لحظة وفي كُلِّ نَفَس مِن أَنفَاسِهِ أَن هَدَاهُ للإيمَان، يعني إن كنتم صادِقين في قولكم آمَنًّا.
  • ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ ﴿١٣﴾    [الرعد   آية:١٣]
قول الله -جل وعلا-: {وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ} [(13) سورة الرعد] أي أخذ المخالف بقوة، شديد الحول، كما يقول ابن عباس، أو شديد القوة والأخذ والبطش، والتحول من حال إلى حال بالنسبة لمن خالف، فأخذه شديد، وعذابه أليم، ورحمته وسعت كل شيء، فالله -جل وعلا- حينما يذكر مثل هذه الآية لتخويف المخالفين؛ لتخويف المفرطين؛ لتخويف المعاندين، كما أنه إذا ذكر رحمته ومغفرته وسعة رحمته، وأنها وسعت كل شيء يسلي عباده خوفاً من أن يأخذهم اليأس والقنوط، وهكذا نجد كتاب الله وسنة نبيه -عليه الصلاة والسلام- مشتملة على النوعين الترغيب والترهيب، الوعد والوعيد؛ ليكون المسلم في حياته دائراً بين الأمرين بين الخوف والرجاء، فإذا تصور المسلم أن الله -جل وعلا- شديد المحال، شديد الحول، شديد القوة، شديد البطش {إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ} [(12) سورة البروج] يحول الحال من حال إلى حال، من حال إلى ضدها، تجد الغني الذي رأى نفسه أنه استغنى {كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى} [(6-7) سورة العلق] متى؟ إذا اغتنى؟ لا قد يكون غنياً ولكن لا يطغى {أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى} [(7) سورة العلق] فالإنسان إذا رأى نفسه أنه استغنى فقد طغى، وكذلك إذا عرف نفسه وأنه أصبح عالماً يشار إليه حينئذٍ يستحق إلى قارعة ترده إلى صوابه ورشده، وهكذا في جميع المواقف التي يرى فيها المرء نفسه وأنه بإمكانه أن يستغني عن الله -جل وعلا- فيصل إلى حد الطغيان يحتاج إلى هذا التحويل، فالغني يفتقر، والعالم يقف في موقف يعرّفه نفسه، فالعالم الذي يتكبر على الناس بعلمه هذا إذا سلمنا بأن ما يحمله مثل هذا علم وإلا في الحقيقة ليس بعلم؛ لأن العلم ما نفع، والعلم الذي لا يدل على العمل ولا على التواضع ولا معرفة الإنسان نفسه هذا ليس بعلم؛ لأنه وبال على صاحبه، فلا بد أن يقف فيه موقف يذل فيه، والشواهد ما تحتاج إلى ذكر، والعالم كلما تواضع وخضع لربه وأدرك حقيقة نفسه وأنه ما زال بحاجة ماسة إلى التزود من العلم والعمل هنا يسدد ويوفق، فيحذر الإنسان من التحويل، من تحويل حاله من صحته إلى مرضه، من علمه إلى جهل يسلب العلم، لذا كان بعض السلف يقول: عوقب بنسيان القرآن من أجل نظرة! إذاً ماذا نستحق من العقوبات؟! نسأل الله -جل وعلا- أن يعفو عنا، من أجل نظرة عوقب بنسيان القرآن! فالله -جل وعلا- شديد المحال شديد التحويل للمخالفين من حال إلى ضدها، شديد البطش، شديد القوة، فليحذر العاقل الناصح لنفسه لاسيما من ينتسب إلى العلم وإلى طلبه من مثل هذا التهديد، ولهذا أردف الشيخ -رحمه الله تعالى- هذه الآية بقوله الله -جل وعلا-: {وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللّهُ} [(54) سورة آل عمران] يعني التحويل الذي حصل مكر من الله -جل وعلا- بالعبد؛ يرزقه، ويغدق عليه النعم؛ ثم يرى نفسه أنه استغنى عن ربه وعن غيره فيطغى، ثم يزاد من باب الاستدراج؛ فيزيد في عتوه وطغيانه، يوجد ممن أعطاه الله الأموال من هذه حاله، والله -جل وعلا- يزيده، وإذا كان الإنسان يتقلب في نعم الله ويزاد منها ولا يستعملها فيما يرضي الله -جل وعلا- يجزم أنه يمكر به ويستدرج! ولذا أردف الآية السابقة بقوله: {وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [(54) سورة آل عمران] مكروا خدعوا غيرهم فمكر الله بهم، مكروا وخدعوا عباد الله، وخادعوا الله -جل وعلا-، فأظهروا للناس خلاف ما يبطنون {يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم} [(9) سورة البقرة] ما يخدعون في الحقيقة إلا أنفسهم، فالله -جل وعلا- الذي يعلم السر وأخفى، وما هو أخفى من السر يخفى عليه ما في قلوبهم؟! {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ} [(19) سورة غافر] فالمكر والخداع إذا مشى على الخلق فإنه لا يمشي على الخالق وهذا الذي يمكر بالمخلوقين، ويظهر أو تسول له نفسه أن مكره وخديعته تمشي على الناس الله -جل وعلا- يمكر به، والجزاء من جنس العمل {وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [(54) سورة آل عمران].
  • ﴿نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ ﴿٤٥﴾    [ق   آية:٤٥]
الحافظ ابن رجب ذكر في كتابِ لهُ اسمُهُ أهوالُ القُبُور قَصَص نَدُلُّ على عذاب القبر، وهناك رُؤى ومنامات وقَصَص، يقول بعضهم: نَسِيَ الفَأْس فَنَبَشَ القبر، فإذا بِيَدَيْهِ ورِجْلَيْهِ قَدْ غُلَّتا إلى عُنقِهِ وأُدْخِلا في حَلْقَة الفَأْس، ذَكَرُوا من هذا الشَّيء الكثير؛ لكنْ لَسْنَا بحاجة إلى مِثْلِ هذهِ الأخْبَار، لسنا بِحَاجة، عندنا نُصُوص صَحِيحة ثابِتة عن النَّبي -عليه الصلاة والسلام- لا نَتَرَدَّدْ ولا نَشُكّ، ولا نَرْتَابْ، هُناك أشياء تُذْكَر للاعْتِماد، وهناك أشياء تُذكر للاعتضاد؛ يعني ما يُعوَّل عليها ولا يُعتمد عليها، مثل ما ذكر شيخ الإسلام بالنِّسبةِ للأخبار الضَّعِيفة، وما يُذكر عن بني إسرائيل، وما يُذكر من حوادث العالم، وما يُذْكر من الوقَائِع المُشاهدة، هذه لا يُعتمد عليها ولا يُعوَّل عليها في تقرير مسائل عِلْمِيَّة، وإنما تُذكر للاعتضاد، ما فيها إشكال يعني مُجرَّد ذِكر لا إشكالَ فيه، اللهم إلاَّ إذا أدَّى الذِّكر إلى تَعَلُّق النَّاسِ بها، بِحيث لا يُؤِّثر فيهم إلاَّ مثلها، فإذا ذُكِرَت النُّصُوص ما تَأثَّر، مثل هذا يُعْرَض عنها، ومُعَوَّل القُصَّاص في القديم والحديث على مِثْل هذهِ الأُمُور، تَجِدُهُم يُذكِّرُونَ النَّاس بها، وكم سَمِعنا أنَّ شَخْصاً رَأَى شَخْصاً يُحْتَضَر وهو من يَشْرَبْ الدُّخان؛ فانْقَلَبَ وَجْهُهُ عن القِبْلَة!!! وصار وَجْهُهُ أسْوَد!! وما أشْبَه ذلك، نقول: هذه الأُمُور إذا ذُكِرَتْ تَبَعاً بعد ذِكْرِ النُّصُوص، وتَعْظِيم النُّصُوص في نُفُوس النَّاس، اللهُ -جل وعلا- يقول لِنَبيِّه: {فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ} [(45) سورة ق]، ومَنْ أَرادَ كَيْفِيَّة التَّذكيرِ بالقُرآن؛ فَلْيَقْرَأْ أوَّل الفَوائد لابن القَيِّم، كيف يُذَكَّرْ المُؤمن بالقُرآنْ، كلامٌ نفِيس لا يُوجد عند غيرهِ فيما أعلم، وتَجِدْ النَّاس يَتَعَلَّقُون بِأُمُور، القُرآن يُسْمَع ويُتْلَى، ومع ذلك لا يُحَرِّك ساكِن، فإذا ذُكِر قِصَّة وإلا منام وإلاَّ رُؤيا وإلاَّ شيء؛ تأثَّر النَّاس! ولاشكَّ أنَّ هذا خلل في الإتِّبَاعْ، النبي -عليه الصلاة والسلام- يَقْرَأُ القرآن في صلاتِهِ ولصَدْرِهِ أزِيزْ كَأَزِيزْ المِرْجَلْ، وبَكى لمَّا سَمِع قِراءة ابن مسعود، وتَأَثَّر لما سَمِع قِراءة أبي مُوسى وهكذا، يسمع طالب العلم - مع الأسف - ما يصحّ عن النبي -عليه الصلاة والسلام- فلا يَتَأَثَّر! فإذا سَمِع قِصَّة أو حادِثة تأثَّر! تَجِدْ القرآن يُتْلَى في كُلِّ ليلة من ليالي رمضان؛ فَيَنْدُر أنْ تجد من يَتأثَّر به ويبكي، ثُمَّ إذا جاء دُعاء الخَتم، تَأَهَّب النَّاسُ للبُكاء قبل أنْ يَحْضُرُوا إلى المسجد، تَجِدُهُم قبلَ الشُّرُوع في الصَّلاة متأهبين ! ولاشكَّ أنَّ هذا خلل؛ ينبغي أنْ يُذكَّر الإنسان بالقرآن، والحسن البصري يقول: تَفَقَّدْ قلبكَ في ثلاثة مواطن: في الصَّلاة، وفي قراءة القرآن، وفي الذِّكر، يقول: إنْ وَجَدْتَهُ و إلاَّ فاعْلَمْ أنَّ الباب مُغلق! يعني ما يتأثَّر، يُقرأ القرآن والإنسان عله يتذكر قصَّة أو حادثة وهو يُصلِّي ما يتأثَّر بالقرآن الذِّي يُتْلَى، فَلَعَلَّهُ يبكي أو يَتَباكى؛ لكنْ هذا كله لا يَنْفَع؛ لأنَّهُ إنَّما بكى من غير خَشْيَة الله، والفُقهاء يَنُصُّون على إنَّهُ إنْ بَكى في القرآن، أو انتحب من غير حشية الله، الصَّلاة باطلة؛ لكنْ أحياناً يكون البُكاء مِمَّا ينبغي البُكاء منهُ؛ لكنَّهُ في القرآن، يعني ذكرنا مثال -وهذا واقع- يعني شخص يُصلِّي في الدُّور الثَّاني من المسجد الحرام، وهو مُطِلّ على المَطَاف، والإمام يقرأ آيات مُؤثِّرة بالفِعل، وبعض النَّاس يبكي منها، وهذا الشَّخص الذِّي يُطِلّ على المَطَاف يَتَذَكَّر الحشر، والنَّاس يَمُوجُ بعضُهُم في بعض، النَّاس يَطُوفُون وهذا داخل وهذا طَالِع، والصَّحن مليانْ، مُزْدَحِم، فَيَبْكِي من هذا المنظر وهذا المَشْهد، يُؤجر على هذا و لاَّ ما يُؤجر؟؟! هذا تشريك في العبادة؛ لكن هل هذا التَّشريك مِمَّا يُغْتَفر ويُحْمد؟! أو هو مِمَّا يُذمّ يعني أقرب ما يكون إلى فِعل عمر إنَّهُ كان يُجهِّز الجُيُوش وهو في الصَّلاة، يعني يُفكِّر في الجُيُوش عمل طاعة، عمل خير، يعني تشريك عبادة بعبادة؛ لكنْ الأولى أنْ يلْتَفِت إلى ما هو بِصَدَدِهِ، وإنْ كان الأصل فيهِ مشرُوع ، فيُذكَّر الإنسان بالقرآن، ولا يَلتفِت إلى هذه القصص إلاَّ للاعتضاد لا للاعتماد؛ ولذلك ذكر شيخ الإسلام -رحمه الله- عن أُناس في القرن السَّابع، والسَّادس، والخامس أنَّهُم فِرقة من الفِرَقْ يُتوِّبُون العُصاة بأناشيد! والعُصاة إنَّما يُتَوَّبُون ويُخَوَّفُونْ بالنُّصُوص بقال الله وقال رسُوله، فلاشكَّ أنَّ مِثل هذا مُخالف لهدي النَّبي -عليه الصلاة والسلام- ، والله المُستعان.
  • ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴿١٠٣﴾    [الأنعام   آية:١٠٣]
الإدراك بالنِّسبة من المخلُوق للخالق؛ فمُستحيل، والنَّفي فيه مُوبَّد - لا - ما جيء بلن، هذا وجه الفرق، مع أنّهُ -جل وعلا- يُدْرِك الأبصار على تَعَدُّدِها، واختلافها زماناً ومكاناً، وحالاً ومآلاً، المقصُود أنَّ الله-جل وعلا- لا تخفى عليه خافية وهو المحيط لكلِّ شيء، يُدركها الأبصار، أنت تدري كم في البصر من وش يسمونه؟ الشُّعب والخلايا التِّي فيها، يعني لما بكبرونها في التَّشريح ترى العجائب، فهو يُدْرِكها بِتفاصِيلها من كُلِّ مخلوق، تعالى الله، -سبحانه وتعالى-، لمَّا نُصّ على الأبصار؛ {يُدْرِكُ الأَبْصَارَ} [(103) سورة الأنعام] لأنَّ فيها من الأجزاء ما لا يوُجد في غيرها، فعظمة الباري -جل وعلا- لا يُمكن أنْ يُدْرِكها المخلُوق، يُدْرِك شيئاً من هذه الحِكم وهذه العِبَر التِّي تزيد في إيمانِهِ بالتَّأمُّل والتَّدَبُّر، وخيرُ ما يُعين على مثل هذا القراءة في مثل مفتاح دار السَّعادة لابن القيم، ترى العَجَب إذا قرأت في هذا الكتاب واللهُ المُستعان.
  • ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ ﴿٢٣﴾    [الشورى   آية:٢٣]
الصحابة منهم القرابة ومنهم من صحب النبي -عليه الصلاة والسلام-، وشارك القرابة في هذا الوصف؛ لكنهم ليسوا من قرابته، وللطائفتين-أعني- القرابة والصحابة في عنق كل مسلم حق عظيم؛ لأنَّ القرابة هم وصية النبي -عليه الصلاة والسلام-، والصحابة هم الذين حملوا الدين عنه -عليه الصلاة والسلام-، وبلغنا من طريقهم، يعني لولا جهود الصحابة في حفظ الدين، وحفظ ما جاء عن النبي -عليه الصلاة والسلام-، لو انقطعت الصِّلة بيننا وبينهم كيف يصل إلينا الدِّين؟ فلهم في أعناقنا مِنة عظيمة، فنترضّى عنهم ونتولاهم، وكذلك نحفظ حقّ قرابة النبي -عليه الصلاة والسلام- الذين وصانا بهم -عليه الصلاة والسلام-، بالنسبة للقرابة غلا فيهم فِرق الشيعة بما فيهم الرافضة والزيدية غلوا فيهم، وبالغوا في حقهم؛ لكن الرافضة رفضوا الصحابة وبما في ذلك أبو بكر وعمر، كفروهم وجعلوا جُل الصحابة ارتدوا بعد النبي -عليه الصلاة والسلام-، وبالغوا في حق القرابة، وصرفوا لهم ما لا يجوز صرفه من حقوق الله -جل وعلا-؛ فدخلوا في الشرك، يعني على مرأى ومسمع من الناس يقولون: يا علي يا حسين هذا الشرك الأكبر، بالغوا في هذا الباب، وقابلهم النواصب ومنهم الخوارج الذين كفروا علي -رضي الله تعالى عنه-، وكفروا غيره من الصحابة، كفروا علي وكفروا معاوية، وكفروا جل الصحابة ممن رضي بالتحكيم، وأهل السنة يتولون القرابة كما أنهم يتولون الصحابة، وينزلون كل إنسان منزلته في حدود ما جاء عن الله وعن رسوله -عليه الصلاة والسلام-، ومثل ما قررنا القرابة لهم حق عظيم {قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} [(23) سورة الشورى] فالقرابة لاشك أن لهم حقًّا عظيماً في عنق كل مسلم إلى قيام الساعة، والمقصود بالقرابة من هو على الجادة أوائلهم علي -رضي الله عنه-، والحسن والحسين، وعلي بن الحسين، ومحمد بن علي الباقر، وجعفر الصادق، كل هؤلاء أئمة حتى لأهل السنة يروون عنهم الأحاديث، ويتولَّونهم، ويرون أنهم الحق، وكذلك من تبع النبي -عليه الصلاة والسلام- على جادّته من أولادهم وأحفادهم إلى قيام الساعة، ويتولون الصحابة على ما ذكرنا، الرافضة غلوا في الصحابة، النواصب غلوا في القرابة وكفروا الصحابة! إلا نفر يسير هم مُدوَّنُون في كتب أهل العلم، وشيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- تولى الرد عليهم، وبيّن منزلة الصحابة، بالمقابل النواصب الذين نصبوا العداوة لأهل البيت وبالغوا في خصومهم من بني أمية، هؤلاء يُسمُّون نواصب، والخوارج يُكفِّرون علي، ويكفرون معاوية، ويكفرون الصحابة، ولذا سُمُّوا خوارج، فمن اتَّصف بهذا الوصف سُمِّيَ خارجيًّا، من كفّر المسلمين فهو خارجيّ، من كفَّر بالكبيرة خارجيّ، المقصود أنَّ من غلا بأهل البيت، ورفض غيرهم من الصحابة فهو رافضيّ، من غلا بأهل البيت، وقدَّمهم على غيرهم من الصحابة ولم يُكفِّرهم فهو زيدي؛ لأنّ الزيدية يتولون أبا بكر وعمر؛ لكنهم يُقدِّمون عليهما عليًّا -رضي الله عنه-؛ ولذا سُمُّوا رافضة؛ لأنهم رفضُوا الشيخين، والزيدية رفضوا زيد بن علي؛ لأنه تولى الشيخين فرفضوه فَسُمُّوا رافضة، وإلاَّ فالأصل واحد، والكلام والزمن والوقت لا يتَّسع لبسط مثل هذه المسائل؛ لكن الله -جل وعلا- هدى أهل السنة، واتبعوا نبيّهم -عليه الصلاة والسلام-، وآمنوا بما جاء به من كتابٍ وسُنَّة مما فيه مدح الطائفتين، مدح القرابة، ومدح الصحابة، فهم يتولون الصحابة كما يتولون القرابة، ولذا قال: "وفي أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بين الرافضة والخوارج" فهو وسط في هذا كله، فعرفوا لأهل الفضل فضلهم، سواء يستوي في ذلك الصحابة كما يتولون القرابة.
  • ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴿٢١﴾    [الأحزاب   آية:٢١]
الذي يحرص على اتباع السنة فإمامه محمد -عليه الصلاة والسلام-، والذي يُقلد أحداً من الرجال، ويتعصب له، ويُوالي ويُعادي عليه؛ يُدعى به؛ لأنه هو قدوته في كل شيء، وهذا ظاهر في مُتعصِّبة المذاهب سواء كانت الأصلية أو الفرعية؛ لكن من كان قدوته محمد -عليه الصلاة والسلام-، فإمامه محمد، ومن كان قدوته أبو حنيفة -رحمه الله- وهو إمام هدى؛ لكن من يتعصب له، ويقتدي به في كل شيء، ويرد الحق من أجله؛ لا شك أنه ليس على خير، ومثله سائر المذاهب وهذا من المذاهب الفرعية والأصلية أيضاً، لو تعصب لمذهب الجهمية، ولو تعصب لمذهب المعتزلة، ولو تعصب لمذهب كذا، كلهم يُدعون بأئمتهم، وهؤلاء أئمتهم الذين يقتدون بهم، والمُوفق من يقتدي بمحمد -عليه الصلاة والسلام- الذي هو الأسوة والقدوة.
إظهار النتائج من 1601 إلى 1610 من إجمالي 6456 نتيجة.