عرض وقفات تذكر واعتبار

  • ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ ﴿٨٨﴾    [الشعراء   آية:٨٨]
  • ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴿٨٩﴾    [الشعراء   آية:٨٩]
الأُمُور القَلبِيَّة مُعضِلَة، ونحنُ نَغفُلُ عنها كثيراً، ولَا نَسعَى في إصلَاحِها، ولَا نَتَحَسَّس الخلل فيها؛ لِنَسعَى في عِلَاجِها، أبداً ماشين والقلوب والله المُستعان كل ما لها تَزِيد قَسوَة، والوَضع شيء مُدرَك ومَحسُوس، يعني الآن يَختَلِف اختلاف كبير عَمَّا قبل عشرين سنة، وما قبل عشرين سنة يَختَلِف اختِلَافاً كبيراً عَمَّا قبل أربعين سنة، يعني الأعمَال الظَّاهرة فيها كَثرَة الآن، وقد تكون أفضل من ذي قبل؛ لا سِيَّما في أوسَاط الشَّباب، يعني أَدرَكنا النَّاس وعُمَّار المساجد وهم كبار السِّن، والشَّباب يَندُر أن تَجِد شابّ يُصلِّي لا سِيَّما النَّوافل مِن تَرَاوِيح ومِن تَهَجُّد، الآن هُم عُمَّار المساجد؛ لكن هل القُلُوب قبل أن تُفتح الدُّنيا مثل القُلُوب بعدَ أن فُتِحَت؟! والله اختَلَفَت اختِلَاف جَذرِي، وإذا تَحَدَّثَ الإنسَان، أو فكَّر في هذه الأمور تَمَنَّى أن لَو مات قبل عِشرِين أو ثلاثين سنة! لأنَّ القُلُوب اختَلَفَت، كل إنسان يُحِسّ، ويَلمَس هذا من نفسِهِ، وَوَضعُنا يَختَلِف، وإن كان يعني العلم عليه إقبَال، والعمَل أيضاً عليهِ إقبَال، والأُمُور الظَّاهرة مَاشِيَة ولله الحَمد؛ لَكِن يَبقَى أنَّ القُلُوب هي المُعَوَّل عليها، {يَومَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَن أَتَى اللَّهَ بِقَلبٍ سَلِيمٍ} [( 88 ، 89 ) الشعراء]، تغيَّرت! تَجِد الوَاعِظ المُؤثِّر في النَّاس الذِّي يُبكِيهِم سَابقاً؛ تَجِدُهُ الآن مثل الناس! المَكَاسِب، والمَطَاعِم، والمَشَارِب، كل شيء تغيَّر مع انفِتَاح الدُّنيَا، واللهُ المُستَعَان.
  • ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿٣٣﴾    [النور   آية:٣٣]
يقول الرَّسُول -عليه الصلاة والسلام- في حديث أبي سعيد -رضي الله تعالى عنه-: ((من يستعفف يُعفَّهُ الله، ومن يستغنِ يُغنِهِ الله)) الاستِعفاف عمَّا في أيدي النَّاس لاشكَّ أنَّ منْ فَعَلَهُ جَاهِداً وقَهَر نفسهُ على ذلك مَا لمْ يَصِل إلى حدِّ ضرُورة، لاشكَّ أنَّ الله -جل وعلا- يُعينهُ على العفاف، هذا جواب الشَّرط، وجاء الأمرُ به {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمْ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ}[(33) سورة النــور] المقصُود أنَّ على المُسلم أنْ يكُون عزيزاً لا يُهينُ نفسهُ، ولا يبتذل نفسهُ باستكفاف النَّاس، وطلب إعاناتهم، وبعض النَّاس يسْهُل عليه هذا الأمر، ولأدْنى شيء يسأل النَّاس، مثل هذا يُبْتَلى لا يُعان على العفاف؛ وإنَّما يُبتَلى بالحاجة الدَّائِمة ((ومن يستغنِ يُغنِهِ الله)) من يستغنِ بما في يدِهِ عما في أيدي النَّاس يُغنِهِ الله -جل وعلا-، فمنْ تعلَّقَ بالله -جل وعلا-، وأنزلَ حاجتهُ بربِّهِ، وتوكَّلَ عليهِ، وقطع العلائق عن الخلائق، لاشكَّ أنَّهُ سوف يعيشُ حياةً مُطمئِنَّة، ويتحقَّق لهُ الموعُود في هذا الخبر، من يستغنِ بالله -جل وعلا- عن خلقِهِ يُغنِهِ الله.
  • ﴿أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ ﴿١٨﴾    [الزخرف   آية:١٨]
عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال)) وذلكم أن الله -جل وعلا- خلق الخلق من بني آدم وجعلهم صنفين، صنف ذكور وصنف إناث، وجعل لكل صنفٍ ما يناسبه، ما يناسب تركيبه من الأعمال والحركات واللبس وغير ذلك مما يتميز به كل صنفٍ عن الآخر، فمن تشبه بالصنف الآخر فيما هو من خصائصه دخل في هذا الوعيد الشديد، وهو اللعن، ويراد به الطرد والإبعاد عن رحمة الله تعالى، فإذا تشبه الرجل بالمرأة فيما هو من خصائصها، أو تشبهت المرأة بالرجل فيما هو من خصائصه وما يوافق طبعه وتركيبه دخل في هذا الوعيد الشديد؛ لكن هناك أمور مشتركة بين الرجال والنساء، في المآكل والمشارب والمساكن الأمر المشترك لا يدخل في هذا؛ لكن ما يختص بالنساء لا يجوز بحال للرجل أن يتشبه بالمرأة، وما يختص به الرجال لا يجوز للمرأة أن تتشبه بالرجال وهكذا. من ذلكم ما يتعلق بالمنطق والمشية والهيئة واللباس وما أشبه ذلك، وذلكم أن المرأة خلقت من ضلع، والرجل أكمل منها في كثيرٍ من الأوصاف هي بحاجة إلى أن تكمل هذا النقص في الزينة {أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ} [(18) سورة الزخرف] هذا الأصل في المرأة؛ لكن الرجل لأن الله كمله بالخصال وبالمزايا والسجايا التي فاق بها المرأة من غير ظلمٍ للمرأة؛ لأن الله -جل وعلا- جعل فيها من الخصائص ما يناسب فطرتها، وما يناسب ما وكل لها من أعمال، لم يجعل لها من القوة قوة البدن بحيث تزاول من الأعمال ما يزاوله الرجال، ولم يجعل في الرجل من الضعف في الخلق والخُلق ما يجعله يزاول أعمال النساء، فإذا زاولت المرأة أعمال الرجال خرجت عن الفطرة التي فطرت عليها، وإذا هبط الرجل إلى المستوى الذي جبل عليه النساء فزاول أعمال النساء أيضاً تشبه بالنساء، قد يقول قائل: إن تشبه النساء بالرجال من باب تحصيل الكمال، فماذا يقال عن تشبه بعض الرجال بالنساء؟ وليس عجيباً أن النساء ترجلت ولكن تأنيث الرجال عجيب يعني يوجد مع الأسف الشديد بل في أوساط المسلمين من إذا رأيته لا تجد أدنى فرق بينه وبين المرأة، حتى أنه وجد في بعض المجتمعات الإسلامية من يستعمل بعض الهرمونات التي تبرز الثدي، وهو ذكر خلقه الله ذكراً، كمله وشرفه، وقد كمل من الرجال كثير لكن وجد مثل هؤلاء مع الأسف الشديد. وعلى كل حال إذا تشبهت المرأة بما يختص به الرجال دخلت في اللعن، وإذا تشبه الرجل بما تختص به النساء دخل في هذا الوعيد الشديد، فلنكن على حذر، وإذا كان التشبه تشبه الرجل بالمرأة من المسلمين والمرأة المسلمة بالرجل من الرجال يدخل في هذا اللعن وهو حرام بل كبيرة من كبائر الذنوب فكيف بالتشبه بأعداء المسلمين؟! بأعداء الله وأعداء دينه من الكفار، ومع الأسف أننا نجد بعض المسلمين من يحاكي الكفار في جميع تصرفاته، بل يوجد في بعض المجتمعات الإسلامية بعض البلدان إذا دخلتها لا تفرق بينها وبين بلاد الكفار، وهذا من استحكام الغربة التي نعيشها، والله المستعان، ((لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضبٍ لدخلتموه)) فلنحذر من هذا أشد الحذر، يوجد في نساء المسلمين من يتشبه بالكافرات والفاجرات، وقصور الأفراح تعجّ بمثل هذه الصنوف المؤذية القذرة من التشبه، نسأل الله السلامة والعافية، وكل هذا شعور بالنقص، وإلا فلو اعتزّ المسلم بدينه ذكراً كان أو أنثى لكان في غنية عن مثل هذه التصرفات التي تحطّ من قيمته في الدنيا قبل الآخرة، وأما في الآخرة فله هذا الوعيد، والله المستعان.
  • ﴿لَّا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَن ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا ﴿١٤٨﴾    [النساء   آية:١٤٨]
يقول: كَثُر في هذهِ الأوقات اختلاف النَّاس وتَحَزُّبُهم حتّى لا نكاد نجلس في مجلس إلاّ ونرى الاختلاف بين الشّباب. هذا الاختلاف وهذا التَّحريش بين أهل المُعتقد الواحد سبّبَ في القطيعة والهجر، وأوجد الضَّغائن والأحقاد بين الأخيار مع الأسف الشديد، وهذا مما يرضى به الشيطان وهو التَّحريش؛ لأنه أَيِسَ أنْ يُعْبَدَ في جزيرة العرب، والتَّجربة والواقع يشهد أنَّ من كان هذا دَيْدَنُهُ الانشغال بالنَّاس بفلان وعلاَّن والغفلة عن عُيُوبِهِ، وعن تكميل ما ينقُصُهُ من علمٍ وعمل، التَّجربة أثبتت أنَّهُ سببٌ مُباشر لحرمان العلم والعمل معاً، بعض النَّاس يَرضَى بهذا، يُقابلُ أخاهُ الذِّي لا يختلف معهُ في شيء إلاّ في أُمورٍ لا تكاد تُذكر، وبعضُها مبني على ظُنُون وعلى أوهام، وبعضُها على وشايات ونقل كلام يُقابل وجههُ بوجهٍ مُكْفَهِرٍّ مُعربد، لا يُقابل بِهِ أعْدَى النَّاس لهُ -نسأل الله السَّلامة والعافية-. على الإنسان أنْ يكون سليم الصَّدر، أمَّا إذا وُجِد مُبتدع ويُخشى من تَعدِّي بِدعتِهِ إلى غيرِهِ مثل هذا يُحذَّر منهُ بقدْر الحاجة، ولا يكون الغرض من التَّحذير منهُ التَّشفِّي بعرضِهِ، جاء النَّصُّ بأنَّ ((مطل الغنيِّ ظُلم يُبيحُ عِرضهُ وعُقُوبتُه)) أهلُ العلم يقولون: أنَّ المُباح من عِرْض المُماطل أنْ تقول: مَطَلَني فقط، ما تقول: الخبيث، لا، بقدْر الحاجة {لاَّ يُحِبُّ اللّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ}[(148) سورة النساء] يعني بقدْر المَظلمة؛ لأنَّهُ إذا زادَ عن المظلمة صار ظالم. فعلى طالب العلم أنْ يُعنى بنفسِهِ، وأنْ يحرص على حِفظ ما يكتسِبُهُ من أُجُور؛ لئَلاّ يأتي يوم القيامة مُفلِساً، ويكُونُ ممَّن تَعِبَ ونَصب وعَمِل في الدُّنيا، ثُمَّ يكونُ عملُهُ وبالاً عليه {وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ}[(47) سورة الزمر] يظن أنَّ هذا في ميزان حسناتِهِ، وهو في الحقيقة العكس، فعلى الإنسان أنْ يحرص أشدَّ الحِرص على المُحافظة على ما يكتسِبُهُ من أُجُور، وأنْ يسعَ جاهِداً في تحصيل الأُجُور، واللهُ المُستعان.
  • ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴿٦٠﴾    [غافر   آية:٦٠]
فالذِّي يَدْعُو الله -عز وجل- ويُلِحُّ في الدُّعَاء ثُمَّ بعد ذلك يَسْتَحْسِرْ ادْعُ الله أنْ يَصْرِف عَنْكَ ما بِكْ، يقول: و الله يا أخي دَعَوْتُ ودَعَوْت ومَا أجَابَنِا، مثل هذا مَانِع منْ تَرتُّبِ أثَر الدُّعَاء عليه؛ لكِنْ أسْوَأُ مِنْهُ الذِّي يُصَابُ بِنَكْسَة نَسْأل الله العَافِيَة، الله -سبحانه وتعالى– يقول: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}[(60) سورة غافر] ما اسْتَجَاب لِي، هذا قَدْ يُوجَدْ نَسْأل الله العَافِيَة، كَمَنْ يُتْلِفُ مَا بَذَر، فالاسْتِعْجَالْ والاسْتِحْسَارْ سَبَبُهُ الجَهلْ، جَاهِلْ، ومَا يُدْرِيكْ لَعَلَّ الله -سبحانه وتعالى- أنْ يَرْفَعَكْ بِهَذا الدُّعَاء فِي الدُّنْيَا والآخِرَة، ومَا يُدْرِيكْ لَعَلَّ -سبحانه وتعالى- مُدَّخِرٌ لَكَ مَنْزِلَةً فِي الآخِرَة لا تَنَال هذهِ المَنْزِلَة إلاَّ بالإلْحَاحِ وكَثْرَةُ الدُّعَاءْ والاسْتِمرَار عليه؛ لأنَّ الدُّعَاء لاسِيَّمَا مَعَ حُضُور القَلْب والانْكِسَار بينَ يدي الله -عز وجل- مِنْ أعْلَى مَنَازِلْ العُبُودِيَّة، فأنْتَ تَتَعَبَّد الله -عز وجل- بِأَحَبِّ العِبَادَاتْ إِلَيْهِ، فَلِمَ العَجَلَة؟ أنْتَ تَطْلُبُ شيء قَدْ يَكُون يَسِير، والله -سبحانه وتعالى- يَدَّخِرُ لَكَ أمْراً عَظِيماً في الدُّنْيَا أو فِي الآخِرَة؛ لَكِنْ زِدْ فِي الدُّعَاء، وأَقْبِلْ إِلَى رَبِّكْ، ومَا يُدْرِيكْ لَعَلَّ الله -سبحانه وتعالى- فِي تأخِيرِ الإجَابَة يَصْرِفُ عَنْكَ مِنَ البَلاء أضْعَافْ أَضْعَافْ مَا أَرَدْتَهُ وأَمَّلْتَهُ، والله المُسْتَعَانْ.
  • ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴿٢١﴾    [الروم   آية:٢١]
((وأنْ يُحب المرء لا يُحبُّهُ إلا لله)) أوثق عُرى الإيمان الحُبُّ في الله والبُغضُ في الله، ((وأنْ يُحب المرء لا يُحبُّهُ إلا لله)) لا يُحبُّهُ إلا لله، هذا يجِدُ بِهِ حلاوة الإيمان، لهُ أخ في الله ليسَ لهُ عليهِ نِعمة؛ إنَّما يُحبُّهُ لاستقامتِهِ هذا يجِدُ بِهِ حلاوة الإيمان؛ لكن ينظر في هذه المحبة في أوقات الامتحان، في الابتلاء، في أوقات الصفاء والجفاء... هل تزيد هذه المحبَّة أو تنقُص؟! إنْ زَادَت مع الصَّفَاء أو نَقَصَتْ معَ الجَفَاء، فهذه ليست لله! وهذا الأمر قال ابن عباس في الصَّدر الأوَّل: "ولقد صارت عامَّةُ مُؤاخاة النّاس على أمر الدُّنيا" هذا في عصر الصَّحابة، ولو دقَّقْنا في السِّر والسبب الحقيقي لِحُبنا بعض النَّاس مِمَّن ظاهرهُ الصَّلاح أو من الصَّالحين لوَجَدْنا الأمر على خِلاف ما جاء في الحديث، لو تختلف المُعاملة أدنى اختلاف، لو يَحْتَفِي بغيرك، ولا يَلْتَفِت إليك، تغيَّر الوضع، من استمرأَ المَدْح والثَّناء وعاش عليهِ وسَمِعهُ كثيراً، وصار يَسْتَنْكِر إذا ما وُجِد! لأنَّ النُّفُوس مَدْخُولَة، يعني إلى وقتٍ قريب كان النَّاس يَنْفُرُونْ نُفْرَة تَامَّة عن المَدْح، ويُشَدِّدُونْ على منْ يَمْدَح ثُمَّ تَسَاهَلُوا صارُوا يَسْمَعُون المَدْح ولا يَتَأثَّرُون، والسُّنَّة الإلَهيَّة الثَّابِتَة بالتَّجرُبَة أنَّ من سَمِع مَدْحَهُ بما ليسَ فيهِ لا بُدَّ أنْ يُذَم بما لَيسَ فيهِ إذا لم يُنْكِر، وإذا مُدِحَ بما فيهِ ولم يُنْكِر ذُمَّ بما فيهِ، هذهِ سُنَّة إلَهِيَّة، لو حضرت إلى شخص بينك وبينهُ مودَّة وصَِلة وكذا، ثُم جاء واحد من أقرانك والتف إلى هذا القرين وصار وجهُهُ إليهِ وتركك... وش يصير وضعك؟! ما تتأثَّر؟! ما تنقُص المحبَّة والمودَّة؟! بعض النَّاس المودَّة مبنيَّة على هذا من الأساس!!! لماذا تزُور فُلان؟! لأنه والله يستقبل استقبال طيِّب! ، وفلان والله ما يلقينا وجه! أنت تحبه ليش؟! لماذا تُحبُّه؟! فعلى الإنسان أنْ يختبر نفسُهُ في هذا الباب! ((وأنْ يُحب المرء لا يُحبُّهُ إلا لله)) قد تجتمِع المحبَّة الجِبِلِّيَّة مع المحبَّة الشَّرعيَّة، وقد تَنْفَرِد المحبَّة الجِبِلِّيَّة دُونَ الشَّرعيَّة والعكس، فالرَّجُل يُحِبُّ وَلَدَهُ المُسْتَقِيم؛ لأنَّهُ اجتمعَ فيهِ الأمران، يُحبُّهُ جِبِلَّةً؛ لأنَّهُ وَلَدَهُ، ويُحبُّهُ؛ لأنَّهُ مُسْتَقِيم، قد يكُون الولد غير مُسْتَقِيم، يُحبُّهُ جِبِلَّةً؛ لكنْ يُبْغِضُهُ شَرْعاً، جار ليسَ بولد مُسْتَقِيم يُحبُّهُ شَرْعاً، وإنْ لَمْ يَكُن هُناك جِبِلَّة؛ لأنَّهُ ليس بقريب، الزوجة المودَّة والرَّحمة التِّي جُعِلَت بين الزَّوجين تَبْعَثُ على المَحبَّة... فماذا على محبَّة المرأة الكافِرَة الكِتَابِيَّة؟! ((وأنْ يُحب المرء لا يُحبُّهُ إلا لله)) هل يَقْدَح في مثلِ هذا الحديث أنْ يُحبَّ المرأة التِّي من خَصِيصة الزَّواج المودَّة والرَّحمة؛ بل من نَتِيجتِهِ المودَّة والرَّحمة {وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} [الرُّوم/ 21]، امرأة كافرة! تقول: المسيحُ ابنُ الله، ويُحِبُّها للمودَّة والمَحَبَّة التِّي جُعِلَت، ومع ذلك يُبْغِضُها لِدِينِها، فقد تَجْتَمِع المودَّة والمَحَبَّة من وجهٍ دُون وجه.
  • ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ﴿١﴾    [الحج   آية:١]
{إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمْ} [الحج/1] غاية في العظمة شيء لا يُتَصَوَّر يعني إذا كان بعض ما يحدث في الدنيا يُذْهِل وتَطِيشُ العُقُول بسببه، وهو من أمور الدنيا التي الدنيا كلها لا شيء بالنسبة للآخرة في الدنيا! والناس يتفاوتون في الفزع، بعض الناس إذا حركت الريح الباب اختلط! موجود، وبعض الناس إذا سقط شيء من السَّقف اختلط! وبعض الناس يصبر ويتحمل فلا يزيغه أدنى شيء؛ لكنهم يتفقون من الفزع في الأمور الكبيرة، داهمهم عدو يفزعون ولا بد، مع أنَّ المسلم ينبغي أنْ يَتَّصِف بالحلم والأناة حتى في أمور الحرب وحتى في أوقات الفتن؛ لأنَّ هذه الأمور لا تُحل إلا بالعقول المبنية على النصوص ((امضي على رسلك)) حرب ((امضي على رسلك)) تجي في حرب؟ ((امضي على رسلك)) هذا كلام النبي -عليه الصلاة والسلام-؛ فإذا كان كثير من الناس لا يحتمل ما يحدث من أمور الدنيا اليسيرة، تجد الإنسان يقرأ في المصحف مجرد ما يتحرك يدخل داخل إلى المسجد يفزع! وينسى هو في الصفحة اليمنى أو في الصفحة اليسرى! هذا في أمر يسير {إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمْ} [الحج/1]، ثم ضرب مثال من الأمثلة محسوس، {تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ} [الحج/2] في قضية الكويت التي حصلت قبل بضعة عشر عاماً؛ لما سمعوا فزعوا، فكان منهم امرأة بجانبها ولدها طفل رضيع حملت الوسادة وهربت ذهلت عن طفلها!!! يعني هذه في أمور دنيا محتملة ومقبولة يعني... كيف بالساعة التي لا تترك أحد؟ {إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمْ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا} [الحج/1،2]، إذا كان بعض الحوامل يضع حمله لهزة يسيرة أو لرؤية شيء مُخيف، وجاء من بعض أنواع الحيات أنها تسقط الحمل بمجرد رؤيتها!!! فكيف بالساعة؟ أمثلة حية {وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى} [الحج/2] مثل السكارى، عُقُول طَائِشَة، تعرفون أنه إذا حصل أدنى خلل في مجتمع في مدرسة، في قصر أفراح، في شيء التمس الكهرب خلاص ما عاد الناس يفكرون!!! يطأ بعضهم بعض يموت جملة منهم بهذا السبب!!! فكيف بالساعة؟! شَيْءٌ عَظِيمْ، شيءٌ مَهُول واللهُ المُسْتَعانْ.
  • ﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ ﴿٤﴾    [المطففين   آية:٤]
{أَلاَ يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ} [المُطَفِّفِين/4-5] يعني أُولَئِكَ العُصَاة الذِّين يُطَفِّفُونَ المَكَاييل والمَوازِينْ، ويَغُشُّونَ النَّاسْ، ويُدَلِّسُونْ ويُلَبِّسُونْ عليهم، {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينْ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوَهُمْ أَو وَزَنُوَهُمْ يُخْسِرُونَ أَلاَ يَظُنُّ أُوْلَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ} [المُطَفِّفِينْ/ 1 - 4] ويُمْكِنْ أنْ يُخَاطَبْ بهذا كُلّ عَاصِي، كُلّ عَاصِي يُخاطَبْ... أَلا تَظُنّ أنَّكَ تُبْعَثْ؟! يعني وإنْ صَدَّقْتَ بِلِسَانِكَ، فَفِعْلُكَ فِعْلُ مُكَذِّبْ، وإذا كان بعضُ السَّلَفْ يَقُول: "ما عَرَضْتُ عَمَلي على قَوْلِي؛ إلاَّ أَجْزَمْتُ أنِّي مُكَذِّبْ" القَوْل طَيِّبْ، وجَمِيلْ ومَقْبُول؛ لَكِنْ إذا عُرِضْ على العَمَلْ وُجِدْ البَوْنْ الشَّاسِعْ! {أَلاَ يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [المُطَفِّفِين/4-6] هذا اليَوْم المَهُولْ الذِّي يَقِفُ فيهِ النَّاسْ، والشَّمْسْ تَبْعُدُ عنهم قَدْر مِيلْ! الآن كم بُعْدْ الشَّمْسْ عن النَّاسْ؟ المَسْأَلَة خِلاف أَصْفَارْ ما هو بواحِدْ واثنين! يعني ما عِنْدَهُم مَوازِينْ دَقِيقَة يمكن...، مَسْأَلَة صَوْتْ، سُرْعَة الصَّوتْ يَقِيسُونْ، المَقْصُودْ أنَّها ملايينْ كثيرة كثيرة جدًّا بِيننا وبين الشَّمسْ، ومع ذلك لو خَرَجْت في هذهِ الأيَّام وقت الزَّوال حَاسِر الرَّأْسْ لا تُطِيقْ؛ بَلْ قَدْ تُصَابْ بضَرْبَة شمس اللي يُسَمُونهُ! وبَيْنَكَ وبينَها هذهِ المَلايِينْ من المَسَافاتْ! إذا كَانْ مِيلْ، الفَرْق بينَكَ وبينها مِيلْ واحِدْ! أَحْيَاناً العَرَقْ يَغْسِل الجَسَدْ كُلُّه، يَغْسِل الثَّوبْ! والعَرَبْ تَقُول: غَسَلَهُ العَرَقْ! ويَسْتَدِلُّونَ بذلك أنَّ الدَّلْك ليسَ من مُسَمَّى الغَسْلْ! غَسَلَهُ العَرَقْ فكيف يَصِلْ العَرَقْ يَصِلْ سَبْعِينْ ذِرَاعْ! ((يَذْهَبَ عَرَقُهُمْ فِي الأَرْضِ سَبْعِينَ ذِرَاعًا، وَيُلْجِمُهُمْ)) يَطْلَعْ على الأرْضْ؛ لكنْ بِقَدْرِ الأعْمَالْ، مِنْهُم من يَصِلْ العَرَقْ إلى كَعْبَيْهِ، ومِنْهُم مَنْ يَصِلْ إلى حِقْوَيْهِ، و مِنْهُم مَنْ يُلْجِمُهُ، على قَدْرِ أعْمَالِهِم، أَعْمَالُكَ رَاحِلَتُكَ التِّي تَحْمِلُكْ، أَعْمَالُكَ غِطَاؤُكَ الذِّي يُغَطِّيكْ مِمَّا يُؤْذِيكْ، حِجَابُكَ الذِّي يَحْجِبُكْ ويَسْتُرك، هذا عَمَلْكْ {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [المُطَفِّفِين/6].
  • ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ﴿١٢٨﴾    [آل عمران   آية:١٢٨]
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((شغلونا عن الصَّلاة الوسطى صلاة العصر؛ ملأ الله أجوافهم وقبورهم ناراً)) – أو – ((حشا الله أجوافهم وقبورهم ناراً)) مِمَّن ينتسب إلى العلم في هذه الأوقات يقول: لا تدعُ على الكُفَّار! ادعُ لهم بالهداية! ولا تقل: يُذَلُّ فيهِ أهلُ المعصية! هم حال كونهم أهل معصية ندعُو عليهم بأنْ يُذَلُّوا، ونرجُو لهم الهداية؛ لكن هنا ((ملأ الله أجوافهم وقبورهم ناراً)) – أو – ((حشا الله أجوافهم وقبورهم ناراً)) فيهِ دلالة صريحة على الدُّعاء عليهم بالهلاك، وبالعذاب، وجاء في الموطأ عن سعيد وغيره يقول: "أدركنا القوم – يعني الصَّحابة - وهم يدعون على عُمُوم الكُفَّار"، قد يقول قائل: هذا مُخالف للسُّنن الإلهية، السُّنن الكونية أنَّ من الكُفَّار – نعم – من يُسْلِم، فلماذا ندعُو عليهم؟! لماذا لا ندعُ لهم بالهداية؟ أو لا ندعُ على عُمُومِهِم، نقول: كما ندْعُو لعُمُوم المُسلمين، ومنهم من يُعَذَّب، ندعُ لهم بالرَّحمة والمغفرة، وأنَّ الله يتجاوز عنهم ويُدخلهم الجنة؛ لكن منهم من يُعَذَّب، فإرادةُ الله -جلَّ وعلا- ومشيئتُهُ نافذة، لا يَرُدُّها شيء؛ لكن إذا دَعَوْنا نحنُ مأمُورون بأنْ ندعُو لأنْفُسنا، ولأولادنا، وللمُؤمنين على جِهة العُمُوم، كما أنَّنا ندعُو على الكُفَّار على جِهة العُمُوم، ومشيئةُ الله نافذة؛ ولذا لمَّا دعا النَّبي -عليه الصَّلاة والسَّلام- على فُلان و فُلان؛ نزل قولهُ الله -جلَّ وعلا-: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} [آل عمران/128]، فمن أرادَ الله هدايتهُ؛ يُسْتَثْنَى من هذهِ الدَّعوة كَوْناً، نحنُ مأمُورُون بأنْ ندُور مع الإرادة الشَّرعِيَّة، لا معَ الإرادة القدريَّة.
  • ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ ﴿٢٩﴾    [ق   آية:٢٩]
((وإنْ أفتاك النَّاسُ وأفْتَوْك)) عملت عملاً توقَّعت أنَّ فيه جزاء أو كفَّارة، ثُمَّ ذَهَبْتَ تَسْأَلْ، فَبَانَ لَكَ بِقَرَائِنْ أَنَّ هذا الشَّخص الذِّي اسْتَفْتَيْتَهُ من المتساهلين في الفتوى، فقال لا شيء عليك، ما زالت النَّفس يتردد فيها هذا الأمر؛ لكن لو سألت شخص من أهل التَّحري وأنت من العوام فرضُك التَّقليد وتبرأ ذمَّتُك بتقليد أهل العلم، إذا اسْتَفتيت من تبرأ الذِّمَّة بتقليده يكفي؛ لكن كونك تذهب إلى هذا المُتساهل ثم يُفتيك بأنَّهُ لا شيء عليك، لا بد أنْ يبقى في نفسك ما يبقى، فضلاً عن كونك تسأل أهل التَّحري والتَّثبُّت؛ فيُلْزِمُونك بالكَفَّارة، ثُمَّ تذهب إلى المُتساهلين؛ لكي يُعفُوكَ منها! واللهُ المُستعان، وكثير من النَّاس يسأل أكثر من عالم، نعم، بعض النَّاس؛ لِيَطمئنَّ قلبُهُ استفتَى فقيل لهُ ما عليك شيء، فما ارتاح ذهب ليطمئنّ، يسأل ثاني ثالث ليطمئن لكنْ إذا قيل لهُ عليكَ كفَّارة، ثُم ذهب ليسأل عَلُّهُ أنْ يجد من أهل التَّسامُح والتَّساهل من يُعْفِيهِ من هذهِ الكَفَّارة هذا هو الإثم! حتَّى لو قيل لهُ فعلتَ كذا وسألت الشيخ الفُلاني فقال عليك كفَّارة فقيل لك إن في مذهب أبي حنيفة أو الشَّافعي ما عليك كفَّارة، فتقول أبو حنيفة إمام من أئِمَّة المُسلمين تبرأ الذِّمَّة بِتقلِيدِهِ، ثُمَّ في مسألةٍ أخرى تُلزم بشيء، تُلزم بقضاء، ثم يُقال لك مالك ما يُلزمك بالقضاء، تقول: مالك إمام في أئمَّة المُسلمين، ثُمَّ في مسألة ثالثة تسأل، فيُقال: عليك كذا، ثُمَّ يُقال لك: مذهب الشَّافعي ما عليك شيء، تقول: الشَّافعي إمام من أئِمَّة المُسلمين تبرأ الذِّمَّة بتقليده!، هذا تَتَبُّع الرُّخَصْ، الذِّي قال أهلُ العلم فيهِ مَنْ تَتَبَّعَ الرُّخَصْ فَقَدْ تَزَنْدَقْ، كيف يتزندق؟! مُسلم يقتدي بإمام من أئِمَّة المُسلمين! نقول: نعم، يخرُج من الدِّين بالكُلِّيَّة وهو لا يَشْعُر! لأنَّ هذه المذاهب فيها المُلزم وفيها المُعفي؛ لكنْ في مسألةٍ أخرى العكس، هذا الذِّي أعفاك يُلزمُك والذِّي ألْزَمَك هنا يُعْفِيكْ هُناك؛ لكن كونك تبحث عن الذِّي يُعفِيك في جميع المسائل!!! معناه أنَّك تخرج من الدِّين بالكُلِّيَّة، تبحث عمَّا يُعْفِيك في جميع مسائل الدِّينْ؛ إذنْ ما تَدَيَّنْتْ بدين!!! ولم تَتَّبِعْ ما جاء عن الله وعن رسُولِهِ، ولم يَكُنْ هواك تَبَعاً لما جاء بِهِ النبي -عليه الصَّلاةُ والسَّلام-؛ إنَّما الذِّي يَسُوقُك ويُشَرِّعُ لك هواك! هذا وجهُ قولهم: (مَنْ تَتَبَّعَ الرُّخَصْ فَقَدْ تَزَنْدَقْ)، وأنتم تسمعُون مِمَّا يُطْرَح الآن وبِقُوَّة على السَّاحة من التَّساهُل في الفتوى، وفقه التَّيسير على النَّاس من هذا الباب، تجده يقول لماذا نقول بقول الجُمهُور مثلاً: يُلزمُون النَّاس بالبقاء والمُكْثْ في منى إلى أنْ تَزُول الشَّمس، الحمد لله قال أبو حنيفة يجُوز الرَّمي يوم النَّفر الأول، والرسول -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام-: ((ما خُيِّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما))، نقول: نعم، ((الرسُول ما خُيِّر بين أمرين إلا اختار أيْسَرَهُما))، ((والدِّين يُسْر، ولن يُشَادَّ الدِّينَ أحدٌ إلاَّ غَلَبَهُ))، ((اكْلَفُوا من العمل ما تُطِيقُونْ))، لا شكَّ أنَّ الدِّينَ يُسْر؛ لكنْ أيضاً هو دِينْ تَكالِيفْ، فيهِ الحلال وفيه الحرام، فيهِ الإلْزَام أيضاً، والجنَّة حُفَّتْ بالمَكَارِهْ، ((ما خُيِّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما)) هذا قبل اسْتِقْرَار الحُكم، أمَّا إذا اسْتَقَرَّ الحُكم، فَلَيْسَ للمُسْلِمِ أنْ يَخْتَار؛ إنَّما يجبُ عليهِ أنْ يعمل بالقولِ الرَّاجِح، فإنْ كان مِمَّنْ يَسْتَطِيع الوُصُول إلى القولِ الرَّاجِحْ بِدَلِيلِهِ بِنَفْسِهِ؛ تَعَيَّنَ عليهِ، وإلاَّ فعليهِ أنْ يَسْأَلْ ويختار أهل العلم مع الدِّينِ والوَرَعْ ، لا بُدَّ من توافُرِ ثلاثة أُمُور: وليْسَ في فَتْوَاهُ مُفْتٍ مُتَّبَعْ مَا لَمْ يُضِفْ للعِلْمِ والدِّينِ الوَرَعْ إذا أفْتَاك من تبرأ ذمَّتُك بتقلِيدِهِ الحمدُ لله، لا أحد سيقول لك الْزِمْ نفسك بأشَدِّ الأقوال في كُلِّ مسألة – لا - ، المسألة راجِح ومَرْجُوحْ، فَعَليكَ أنْ تَعْمَل بالرَّاجِحْ سَواءً ألْزَمَكَ أوْ أَعْفَاكْ، وعلى كُلِّ مُسْلِم أنْ يَعْمَلْ بالقولِ الرَّاجِحْ، سَواءً كان مِنْ أهلِ النَّظر في المسائل العِلْمِيَّة بحيث يَصِلْ إلى القولِ الرَّاجحْ بِنفْسِهِ، هذا يَتَعَيَّنْ عليهِ، أوْ كان من فَرْضُهُ التَّقليد، عليهِ أنْ يَسْأل أهل العلم المَوْثُوقِينْ، أهل العلم والتَّحَرِّي والتَّثَبُّتْ والوَرَعْ، لا يَبْحَثْ عن الرُّخَصْ وعن المُتَساهِلِين – لا – كونُ الدِّينْ يُسْر – نعم يسر – الحمدُ لله الدِّينْ يُسْر، ما أَلْزمنا بخمسين صلاة في اليوم واللَّيلة! يُسْر، ألْزَمنا خمس صلوات؛ لكن هل تستطيع أنْ تقول الدِّين يُسر وأنا لن أُصلِّي إلاَّ أربع صلوات؟! هل يُمكن أنْ يُقال مثل هذا الدِّين يُسْر؟ أبي أصلي فرض وأترُك فرض والدِّين يُسْر والله الحمد، نقول: لا يا أخي هل يُمكن أنْ يُقال الدِّين يُسْر بدل ما تُصلِّي أربع ركعات الظُّهُر تُصلِّي ثلاث؟! نقول: لا يا أخي، فبعضُ النَّاس يسمع بوصفِ الشَّريعة باليُسْر، هي يُسْر بلا شك؛ لكنْ إذا قَارَنَّا هذه الشَّريعة بغيرها من الشَّرائع؛ تَبَيَّن لنا يُسْر هذهِ الشَّرِيعة ((بُعِثْتُ بالحَنِيفِيَّة السَّمْحَة))، ((خمسُ صلوات كَتَبَهُنَّ الله في اليوم واللَّيلة، هُنَّ خمس، وهُنَّ خمسُون)) {لا يُبدَّلُ القولُ لَدَيَّ}، في العمل خمس، وفي الأجر خمسين، خمسُون صلاة؛ لكنْ هل يجُوز أنْ يَتَرَخَّص الإنسان في تَرْكِ شيءٍ من الخَمْسْ؟! بِنَاءً على أنَّ الدِّين يُسْر! أبداً، هل للإنسان مندُوحة على أنْ لا يَصُوم شهر رمضان لأنَّ الصِّيام فيهِ مَشَقَّة؟! نعم فيهِ مَشَقَّة، التَّكاليف كُلَّها فيها مَشَقَّة؛ لأنَّها على خِلافِ ما تَهْوَاهُ النُّفُوسْ ((والجَنَّةُ حُفَّتْ بالمَكَارِهْ)).
إظهار النتائج من 1591 إلى 1600 من إجمالي 6456 نتيجة.