في قوله -جل وعلا-: {يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ} بإيش؟ {بِإِمَامِهِمْ} [(71) سورة الإسراء] يعني مقدمهم ومن يتبعونه، إن كان إمام هدى فهم على خير، وإن كان إمام ضلالة فهم على خلافه، وإمام هذه الأمة محمد -عليه الصلاة والسلام- ويدعى تحت لواؤه من اقتدى به، واهتدى بهديه، واستن بسنته.
{يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ} [(71) سورة الإسراء] منهم من يقول: إن الإمام هنا جمع أم فيدعى الناس بأمهاتهم ((هذه غدرة فلان بن فلان)) ما قال ابن فلانة، نعم، ابن فلانة، قال: ابن فلان، ومنهم من يقول: الناس يدعون يوم القيامة بإمامهم يعني أمهاتهم، فلان ابن فلانة، هل عرف أن الأم تجمع على إمام؟ لم يعرف، إنما تجمع على أمات وأمهات.
طيب ما الذي دعا من يقول: بأن الناس يدعون يوم القيامة بأمهاتهم إلى أن يقولوا هذا الكلام؟ يقولون: تشريفاً لعيسى بن مريم؛ لأنه يدعى بأمه، يقال: عيسى بن مريم، وأيضاً تشريفاً للحسن والحسين، حينما يقال: الحسن بن فاطمة بنت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، أو الحسين بن فاطمة، عندهم أنه أقوى من أن يقال: الحسن بن علي؛ لشرف الانتساب إلى النبي -عليه الصلاة والسلام-، ولذا جاء في الحديث الصحيح: خرج النبي -عليه الصلاة والسلام- وهو حامل أمامة بنت زينب، وهي بنت أبي العاص بن الربيع، فشرف الانتساب إليه -عليه الصلاة والسلام- لا شك أنه مقدم.
وقالوا: من العلل والحكم الستر على أولاد الزنا، فإذا قيل: فلان بن فلان، فلان بن فلان، فلان بن فلان، ثم قيل: فلان بن فلانة؛ لأن ولد الزنا ينسب لأمه، افتضح، فمن باب الستر على ولد الزنا، ومن باب تشريف من ذكر من عيسى والحسن والحسين، نعم يدعون بإمامهم، لكن هذا القول ضعيف، ضعيف جداً، فما في أحد يبي يتشرف بالانتساب إلى أمه مهما كانت أمه، إذا قيل: فلان ولد فلانة خلاص معناه عيب له، وشين له، وتنقص له بين الناس، فيدعى بأحب الأسماء إليه، لكن إذا تعذر لم يكن له أب حقيقة أو حكماً، حقيقة كعيسى، أو حكماً كأولاد الزنا، يدعى بما يعرف به.
فعلى كل حال ليس في هذا مستمسك لمن يقول: الناس يدعون بأمهاتهم، نعم.
من أرادَ أنْ يعتبر ويَدَّكِرْ كما قال القُرطبي في تفسير: ألهاكم التَّكاثر، يقول: من أراد الاعتبار والادِّكَار يَزُور المقابر، يقول: إنْ كانَ مع كثرة زِيَارَتِهِ للمقابر قَدْ قَلَّ أَثَرُها في نَفْسِهِ، تَأْثِيرُها عليه؛ فَلْيَحْضُر المُحْتَضَرِين، حال سُبحان الله العظيم، من شَاهَدَها لا شكَّ أنَّها تُؤَثِّر مَنْ في قَلْبِهِ أَدْنَى حَيَاة؛ لكنْ المَيِّتْ ما لِجُرْحٍ بِمَيِّت إيلامُ! قلب المَيِّتْ ما فيه فايدة! ويُشارك في التَّغسيل ويحضُر الجَنَائِزْ، ومع ذلكم بعض النَّاس يشهد هذه المشاهد ولا تُؤَثِّر فيه شيء، لا شكَّ أنَّ كثرة الإمْسَاسْ، وكثرة مُعاناة هذهِ الأُمُور قد تُخَفِّفُها على النَّفس؛ لكنْ يَبْقَى أنَّها لا بُدَّ من اسْتِحْضَارْ حال الإنْسَانْ في هذا الظَّرْف، فَمَنْ اسْتَحْضَرَ حَالَهُ في هذا الظَّرْف لا بُدَّ أنْ يَتَأَثَّرْ، وعُثمان -رضي اللهُ عنهُ وأَرْضَاه- إذا رَأَى القبر بَكَى بُكَاءً شديداً، يقول: هذا أوَّل منازل الآخرة، يعني إذا نَجِينا من هذا المنزل خلاص عَتَقْنَا، ويُوجد الآنْ رَأْيَ العَيْن مَنْ يُدَخِّنْ على شَفِيرِ القبر! موجود، وليسَ بشابّ – لا – كهل، نصف لحيته أبيض، ويُدَخِّنْ على شَفِير القبر، فضلًا عَمَّنْ يَبِيع ويَشْتَرِي ومواعِيد ونُكت في المقبرة! واللهُ المُستعان.
جاء في أول الحديث: "كان تنورنا وتنور رسول الله -صلى الله عليه وسلم- واحداً سنتين، أو سنة وبعض السنة، وما أخذت (ق) والقرآن المجيد إلا عن لسان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقرأها كل جمعة إذا خطب الناس"؛ لأن في سؤال من الأسئلة يقول: هل تجوز الخطبة بـ(قاف) فقط؟ يصعد المنبر ويقرأ سورة (ق) وينزل؟ نقول: هذه ليست خطبة؛ لأنها إنما أخذت (ق) والقرآن المجيد عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقرأها كل جمعة على المنبر إذا خطب الناس، يعني ضمن الخطبة تصير، تكون في ضمن الخطبة، ولا تكون هي الخطبة.
النبي -عليه الصلاة والسلام- يكثر من قراءة هذه السورة إذا خطب الناس في الجمعة، وذلكم لما اشتملت عليه، لما اشتملت عليه هذه السورة من المعاني العظيمة، فيها أمور لو تأملها المسلم لأفاد منها؛ ولذا جاء في أخرها {فَذَكِّرْ} كيف؟ {بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ} [(45) سورة ق] {فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ} [(45) سورة ق] فالتذكير ينبغي أن يكون بالقرآن، وكفى بالقرآن واعظاً، ومع الأسف تجد أن بعض الناس إذا كان هناك درس وإلا محاضرة يعتنون بالدرس والمحاضرة ويجلبون عليه بكل ما أتوا من استنفار، ثم إذا جاءت الصلاة لم يحضر لها قلب، لا من الطالب ولا من غيره؛ لأن العناية والهمة منصبة إلى هذا الدرس، لا يا أخي نقول: ينبغي أن يعنى بالفريضة قبل كل شيء التي هي الصلاة وتؤدى على الوجه المشروع، وتطال فيها القراءة طول نسبي، لا سيما إذا كثر الناس بصوت جميل يؤثر في الناس، وهذا التذكير بالقرآن، وهذا هو التذكير بالقرآن، بعض الناس يتضايق من الإمام إذا أطال في الصلاة وهو ينتظر درس، لا يا أخي هذه أهم من الدرس.
فهذه السورة لا شك أن فيها موضوعات تهم المسلم، تهم المسلم فيها أمور، يعني ولو تدبرها طالب العلم لخرج منها بالمعاني العظيمة، واستعراض هذه السورة وما فيها من معاني يحتاج إلى دروس لا يكفيها درس أو درسين، وكلكم يحفظ هذه السورة -ولله الحمد-، وهي من أعظم سور القرآن، فعلى الخطباء أن يعنوا بها، وأن يكثروا من قراءتها على الناس بطريقة أو على الوجه المأمور به من الترتيل، وإدخالها إلى القلوب بتحسين الصوت والتغني بها؛ لأن القرآن يزين بالقرآن ((زينوا القرآن بأصواتكم)) ((وليس منا من لم يتغنَ بالقرآن)) والتأثير أولاً وأخراً للقرآن المؤدى بالصوت الجميل، وليس التأثير للصوت أبداً، بدليل أن هذا الصوت لو قرأ به شيء غير القرآن ما أثر هذا التأثير، لكن التأثير للقرآن المؤدى بهذا الصوت، ولا شك أن السامع يتأثر بالقرآن لاسيما إذا أُدِّي على ما أمر به من ترتيل وتدبر وتخشع واستحضار قلب، والله المستعان.
علينا أن تستشفي بالقرآن، {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء} [(44) سورة فصلت] فإذا حقق الإنسان الوصف واستشفى بالقرآن معتقداً أن الشفاء بيد الله -جل وعلا-، وأنه لا شافي إلا هو {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} [(80) سورة الشعراء] وإن باشر بعض الأسباب العادية التي اضطرد نفعها فلا بأس، ((تداووا عباد الله، ولا تتداووا بحرام)) فلا ييأس المريض بأي مرضٍ كان حتى المرض الخبيث السرطان هذا الحديث يتناوله، ((ما أنزل الله داءً)) نكرة في سياق النفي تعمّ جميع الأدواء وجميع الأمراض، حتى السرطان؛ لكن كونه يخفى على كثيرٍ من الناس هذا شأنه شأن جميع ما من شأنه أن يعلم، جميع ما من شأنه أن يُعلم يكون علمه عند بعض الناس دون بعض، وقد يخفى على كثيرٍ من الناس، وقد يحجب عنه أكثر الناس، ويفتح الله على يد بعض خلقه فتحاً ينفع به الله -جل وعلا- خلقه، ومنه هذا المرض، فعلينا أن نستشفي بالقرآن، وأن نلجأ إلى الله -جل وعلا-، ونصدق اللجأ فهو كاشف الكروب، وهو مزيل الهموم، وإذا باشرنا بعض الأسباب من غير اعتمادٍ عليها، نعلم أن الشفاء بيد الله -جل وعلا-، وهو المسبب، وأن هذه الأدوية والعقاقير هي مجرد أسباب قد تنفع، يترتب عليها آثارها، وقد تتخلف كغيرها من الأسباب، وقد يوفق الطبيب لفحص المرض بدقة، ووصف العلاج النافع، وقد لا يوفق، يهمّ كغيره، حتى صاحب العلم الشرعي قد يهم في بعض المسائل، ويفتي بخلاف الحق، وقد يقضي بخلاف الحق؛ لأن الكل بشر، والله المستعان، ونعنى بالعلاج النبوي والطب النبوي الذي صح عن النبي -عليه الصلاة والسلام-، كالحبة السوداء، والعسل والعود الهندي وغيرها، هذه ثبتت آثارها، ثبتت الأخبار بها عن المعصوم -عليه الصلاة والسلام-، وكتاب الطب النبوي لابن القيم حافل بمثل هذه الأدوية، وكثير من الأدوية تجريبية ثبت نفعها بالتجربة، والعلاج من المرض يختلف فيه أهل العلم، منهم من يقول: هو أفضل من تركه، ومنهم من يرى أن التسليم لله -جل وعلا- والاعتماد عليه أدخل في التوكل وأقوى فهو أفضل.
وعلى كل حال يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: "لا أعلم سالفاً أوجب العلاج" لا أعلم سالفاً يعني أحداً من السلف أوجب العلاج، وعلى هذا لا يلام من رفض أن يذهب إلى الأطباء، ولو غلب على الظن أنه يشفى على أيديهم، على كل حال إذا صبر واحتسب، وحديث السبعين الألف الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عقاب معروف ((ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء)) له شفاء بلا شك، لكن قد يعلمه بعض الناس وقد يجهله أكثر الناس، علمه من علمه وجهله من جهله، ولذا لا ييأس من أصيب بأي مرض كان من الشفاء، فإذا توكل على الله -جل وعلا- وسأله بصدق أن يشفيه من هذا المرض، ورقى نفسه بالرقية الشرعية المعروفة بشروطها شفاه الله وعافاه، والله -جل وعلا- يقول: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء} [(82) سورة الإسراء].
القرآن من أعظم الأذكار، وأخص الأذكار، وأفضل الأذكار، وجاء وصفه، وتفضيله على سائر الكلام، وأن فضله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه.
هو الكتاب الذي من قام يقرؤه
كأنما خاطب الرحمن بالكلمِ
ويكفيه أنه كلام الله، فعلى طالب العلم أن يكون ديدنه النظر في كلام الله -جل وعلا-، وذكرنا مراراً مع الأسف الشديد أن كثيراً من طلاب العلم وإن حفظوا القرآن فقد هجروه، لا يكون لهم ورد يومي من تلاوة ونظر وتدبر وعلم وعمل، على الطريقة التي ذكرت سابقاً عن الصحابة وسلف هذه الأمة وخيارها.
الذكر شأنه عظيم، {وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ} [(35) سورة الأحزاب] ((سبق المفردون)) جاء في فضله نصوص كثيرة جداً، وهو من أسهل الأعمال وأيسرها، بالإمكان والإنسان جالس قائم قاعد {يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ} [(191) سورة آل عمران] لا يكلف شيء، ولو عود المسلم نفسه على أن يكون لسانه رطباً بذكر الله -جل وعلا- ما دب اليأس إلى قلبه، ولا حزن، ولا لحقه هم ولا نصب؛ لأنه يحزن على إيش؟ إن فاته شيء من أمر الدنيا فالباقيات الصالحات خير من الدنيا كلها، وإن جلس ينتظر، ومن أشق الأمور على النفس الانتظار؛ لكن إذا كان يذكر الله وهو ينتظر لا يضيره أن يتأخر صاحبه ساعة أو أكثر أو أقل؛ بل إذا جرب الذكر وأنس بالله -جل وعلا- يتمنى أن صاحبه لا يحضر، يتمنى أن يتأخر صاحبه، وفي الذكر أكثر من مائة فائدة، ذكرها العلامة ابن القيم في الوابل الصيب، ومن أهمها يقول: أنه يطرد الشيطان، ويقمعه، ويكسره، ومنها: أنه يرضي الرحمن -عز وجل-، ومنها: أنه يزيل الهم والغم عن القلب، ومنها: أنه يجلب للقلب الفرح والسرور، ومنها: أنه يقوي القلب والبدن، ومنها: أنه ينور الوجه والقلب، ويجلب الرزق، ويكسو الذاكر المهابة والنضرة، ومنها: أنه يورث المحبة التي هي روح الإسلام، وقطب رحى الدين، ومدار السعادة والنجاة، ومنها: أنه يورث المراقبة، الذي ديدنه ذكر الله -جل وعلا-، ولسانه دائماً رطب بذكر الله -جل وعلا-، لا شك أن الذي بعثه على ذلك مراقبة الله -جل وعلا-، فالإكثار من ذكر الله -جل وعلا- يورث المراقبة، فيدخل الإنسان في مرتبة الإحسان، إلى غير ذلك مما ذكره ابن القيم -رحمه الله تعالى-.
الذكر: الذكر باللسان فقط يترتب عليه ما وعد به من قال كذا فله كذا، يترتب عليه هذا؛ لكن إذا صحب الذكر باللسان حضور القلب والتدبر والعمل بما يقتضيه هذه الأذكار فقدر زائد لا يعرف قدره إلا الله -جل وعلا-، ولذا جاء فيه ما يأتي من الفضل العظيم، يعني: ((أفضل من أن تلقوا عدوكم))، ((من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، من ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه)) يعني لو أن واحداً منا -وهذا يوجد على كافة المستويات- لو أن الملك مثلاً أو أمير جالس مع أحد من أهل العلم أو كذا، وقال: فلان ماذا فعل؟ وفلان..، ثم يخبر فلان بأن الملك ذكره، ما ينام تلك الليلة، ما يجيه النوم، قطعاً ما ينام، هذا شيء شاهدناه، ومن الذي ذكره؟ مخلوق لا يقدم ولا يؤخر، لا يقدم ولا يؤخر؛ لكن إذا ذكره الله -جل وعلا-: ((من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي))، والله المستعان.
يُلاحظ بعض الأُخوة كثرة، أو التَّساهل في أمور الشِّرك لاسِيَّما ما يَتَعلَّق بالسِّحر، وإنْ سُمِّي بغير اسمِهِ، من خلال وسائل الإعلام كالقنوات وغيرها، هذا خطرٌ عظيم، يعني هذا اللي يسمُّونه سِرْك، يَمْشِي على سلكٍ أدقّ من الشَّعر، يُسمُّونه احتراف سلك، أو احتراف سرك، هذا هو السِّحر بعينِهِ، أو يمشي على الجمر هذا هو السِّحر، وهذا التَّخييل وهذه الشعوذة، وإنْ سَمُّوها بغير اسمها! المُحترف فُلَان! ايش يعني مُحترف، إنْ كان يفعل في مقدُور البشر نعم، أما إذا كان فِعله غير داخل في إطار مقدُور البشر، فهذا هو السحر بعينه، اللهم إلا إذا كان مِمَّن تُخوِّلُ له أعماله أنْ يكون من أهلِ الكرامات، فهذا ممكن، وإلا الذِّي يُقابل الكرامات الخوارق هذه خوارق الشَّيطان.
وأما بالنسبة لقراءة القرآن كثيرٌ من الناس تعلم القراءة هذّاً بسرعة، هذا يصعب عليه أن يتدبر، لكن عليه أن يأطر نفسه على التدبر، التدبر: يكون بقراءة القرآن على الوجه المأمور به، يعني يرتل القرآن ولا يسرع، ومع ذلك يكون بيده قلم يدون الألفاظ التي تشكل عليه، ويراجع فيها كتب الغريب، فإذا انتهى من القرآن على هذه الطريقة الآن لا يشكل عليه اللفظ، قد يشكل عليه معنى من المعاني، يراجع فيه كتب التفاسير الموثوقة حتى تنحل لديه هذا الإشكالات، ثم بعد ذلك يقرأ القرآن بدون إشكالات، ويتدبر، وفي كل مرة يعرض فيها القرآن يتكشف له من العلوم ما لم يكن عنده من قبل، والهدى كله في تدبر القرآن.
الأمثال التي ضربها الله –عز وجل- في كتابه لا يعقلها إلا العالمون، ولذا كثير من أهل العلم إذا استغلق عليه فهم مَثَل من الأمثال اتهم نفسه بقلة العلم؛ لأن الله -جل وعلا- ذكر ذلك فقال: {وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ} [سورة العنكبوت: 43]، فدل على أن الذي لا يعقل هذه الأمثال التي ضربها الله -جل وعلا- في كتابه، وعلى لسان نبيه -عليه الصلاة والسلام- ليس بعالم، ولذا ينبغي أن تكون هذه الأمثال محل عناية واهتمام من طالب العلم؛ لأنها ما ضربت عبثًا.
الذي يقال له يوم القيامة: «اقرأ وارق ورتل» [المسند: 6799]، ظاهر اللفظ أنه للحافظ دون غيره، لأنه لا يوجد هناك مصاحف لغير الحفاظ يقرؤون منها. لكن من كانت له عناية بالقرآن، وحاول أن يحفظ القرآن وعجز عن ذلك، فلا شك أن فضل الله -جل وعلا- لن يقصر عنه، والله أعلم.
أسباب النزول بالنسبة للقرآن كأسباب الورود بالنسبة للحديث. فإذا قيل: لا داعي لمعرفة السبب؛ لأن الذي يهمنا النازل، وهو الذي نتعبد به، وكون الآية نزلت في قصة فلان أو فلان، أو الحديث ورد في شأن فلان أو فلان لا يهمنا. نقول: لأسباب النزول فوائد كثيرة، لأجلها اعتنى بها العلماء عناية فائقة، وصنفوا فيها المؤلفات، ومن فوائد معرفتها:
أولًا: أن معرفة السبب مما يورث العلم بالمسبب، فكم من آية نقرؤها ولا ندري ما مراد الله فيها، ولا يتضح لنا وجه ارتباطها بما قبلها وما بعدها، ثم إذا اطلعنا على سبب نزولها زال الإشكال، والعرب يقولون: (إذا عرف السبب بطل العجب).
ثانيًا: أن معرفة السبب قد يُحتاج إليه في قصر الحكم العام على مدلول السبب، فالصحابة -رضوان الله عليهم- استشكلوا بعض الآيات، فلما بيّن لهم النبي –صلى الله عليه وسلم- السبب زال عنهم الإشكال، فقد استشكلوا ما جاء في آخر البقرة، واستشكلوا ما جاء في سورة الأنعام: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} [الأنعام: 82]، قالوا: «أيُّنا لم يظلم نفسه؟» [البخاري: 6937]، فأنزل الله تعالى: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13]، وفي بعض الروايات: «ألم تسمعوا إلى ما قال العبد الصالح: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}؟» [المسند: 3589]، وبهذا زال الإشكال.
ومن المعلوم عند أهل العلم قاطبة، ونُقل فيه الإجماع: أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، لكن قد يُلجأ إلى خصوص السبب إذا كان العموم معارَضًا بما هو أقوى منه، مثال ذلك: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة: 115]، العموم يدل على أن من صلى إلى أي جهة صحت صلاته، والأدلة دلت على أن استقبال القبلة شرط من شروط صحة الصلاة، فإذا عرفنا سبب النزول، وهو أن الصحابة اجتهدوا بالصلاة، فصلَّوْا إلى جهات متعددة، فنزل قوله –عز وجل-: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ}، عرفنا أن الآية مقصورة على سببها، وهو مَن خَفِيت عليه جهة القبلة واجتهد، ثم بان له أنه صلى إلى غير القبلة.
ومثال ذلك من الحديث: قوله –صلى الله عليه وسلم-: «صل قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب» [البخاري: 1117]، مع حديث: «من صلى قاعدًا فله نصف أجر القائم» [البخاري: 1115] فالحديث الأول: يدل على أن الصلاة لا تصح من القاعد المستطيع للقيام مطلقًا، والثاني: يدل على أن الصلاة تصح من القاعد المستطيع مطلقًا، فهذا تعارض تام، لكن إذا نظرنا في سبب ورود الحديث الثاني زال الإشكال، وهو أن النبي –صلى الله عليه وسلم- دخل المسجد والمدينة مُحِمَّة - يعني: فيها حمّى - ووجدهم يصلون من قعود، فقال النبي –صلى الله عليه وسلم-: «صلاة القاعد نصف صلاة القائم، فتجشم الناس الصلاة قيامًا» [المسند: 12395]، ومنه أخذ أهل العلم: أن صلاة النافلة تصح من قعود ولو كان قادرًا مستطيعًا، وعرفنا أنها نافلة من أنهم كانوا يصلون قبل حضور النبي –صلى الله عليه وسلم-؛ لأنهم لا يصلون الفريضة حتى يأتي –صلى الله عليه وسلم-، كما دل الخبر على أنهم يستطيعون القيام، فمن صلى قاعدًا وهو قادر على القيام في الفريضة فصلاته باطلة لقوله –عليه السلام-: «صل قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا»، ومن صلى قاعدًا في الفريضة أو النافلة وهو عاجز فصلاته صحيحة وأجره كامل، لقوله –عليه السلام-: «فإن لم تستطع فقاعدًا»، ومن صلى النافلة من قعود وهو قادر على القيام فصلاته صحيحة لكن أجره على النصف، فهذه من فوائد معرفة سبب النزول.
ثالثًا: يقول أهل العلم: (دخول السبب في النص قطعي)، مثال ذلك: لو جاء طالب إلى شيخ من الشيوخ وقال: (إن الكتاب الفلاني المقرر في الدرس الفلاني لا يوجد في المكتبات، والطلاب ظروفهم لا تساعدهم على أن يبذلوا الأسباب المكلِفة لإحضار الكتاب أو تصويره)، فقام الشيخ بطريقة ما بتوفير الكتاب بعدد الطلاب، ثم أعطى جميع الطلاب نسخة إلا هذا الطالب الذي جاء إليه، فمثل هذا لا ينبغي؛ لأن أولى الناس بالكتاب هذا الطالب المتسبب في إيجاد الكتاب.
فهذه من فوائد معرفة أسباب النزول بالنسبة للقرآن، وفوائد أسباب الورود بالنسبة للحديث.