التوفيق سهل بين الأقوال في آخر ما نزل من القرآن:
فيقال: بالنسبة لسورة النصر وبراءة هي آخر السور نزولًا بكمالها.
وأما بالنسبة لآخر الآيات، فالذي يقول: آيات الربا كلامه صحيح إلى آخر الوجه، أي إلى قوله: {وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ} [البقرة:281]، فتكون بمجموعها الآخر، وإذا نظرنا إلى آخر آية في الوجه اتفق معها قول من يقول: قوله تعالى: {وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ} آخر الآيات نزولًا، وعلى كل حال فالأقوال كثيرة، وهذه أشهرها.
قوله تعالى: {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} [الشعراء: 195] مفهوم الآية: أن القرآن كله {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ}، ليس فيه من غير لغة العرب شيء، وأهل العلم يُجمعون على أن القرآن ليس فيه جمل ولا تراكيب أعجمية، كما أنهم يُجمعون على وجود الأعلام الأعجمية فيه، لكن اختلفوا في وجود ألفاظ ليست تراكيب ولا أعلام:
فمنهم من نفى، وقال: إذا وُجد فيه شيء من لغة غيرهم ما استطعنا أن نقول: إن القرآن -والمراد جميعه- بلغة العرب، فهو ينافي كونه عربيًا. وأما الذين قالوا بوجود مثل هذه الألفاظ، فقالوا: إنها ألفاظ يسيرة جدًّا، -قيل: إنها حصرت في ستين لفظةً، بمعدل لفظة واحدة في كل عشر صفحات-، ووجود مثل هذا الشيء اليسير لا يُخرج القرآن عن كونه عربيًّا.
لم يتحد الله المشركين بآية؛ لأن الآية قد تكون كلمة واحدة، والعرب ينطقون بكلمة، وينطقون بجمل يوجد نظيرها في القرآن، مثل: {مدهامتان} [الرحمن:64]، ومثل قوله -جل وعلا-: {ثم نظر} [المدثر:21]، فهذه الكلمة لا يعجزون عنها، بل قد تأتي في كلامهم قبل نزول القرآن، لكن مع ذلك وكون أنه سبحانه ما تحداهم بآية، فإن هذه الآية في موضعها معجزة، لا يقوم غيرها مقامها، وإن لم يحصل التحدي بها، فمثلًا قوله: {مدهامتان} باستطاعتك لو كان من غير كلام الله -جل وعلا- أن تأتي بكلمة غيرها وتؤدي معناها، وقل مثل هذا في قوله تعالى: {ثم نظر}، لكن في القرآن تعجز أن تأتي بكلمة تقوم مقامها في هذا الموضع، فالإعجاز حاصل على كل حال. وقد عجز المشركون عن معارضة القرآن وأذعنوا له وصرحوا بعجزهم مع أنهم أرباب البلاغة وأصحاب الفصاحة، وللمعرِّي كتاب اسمه: (الفصول والغايات) قالوا عنه: إنه في بداية الأمر سماه: (الفصول والغايات في معارضة الآيات)، ثم غُيِّر اسم الكتاب إلى: (الفصول والرايات في مواعظ البريات)، لكن من قرأ كتاب المعري هذا، عرف حقيقة العجز البشري، وعرف قيمة الكتاب ومؤلفه، وقد رُمي المعرِّي بالزندقة، وعنده من عظائم الأمور ما عنده، وكذلك مسيلمة الكذاب ذُكر عنه شيء يعارض به القرآن أتى فيه بالعجائب المضحكات، فلو اجتمع العرب كلهم على معارضة القرآن ما استطاعوا. ولا يقال عن القرآن ما قاله المعتزلة: وهو أن المشركين قادرون على معارضة القرآن، لكن اللَّه –سبحانه وتعالى- صرفهم عن ذلك. حيث إنهم لو صُرفوا عن ذلك لما كان تحدِّيًا؛ لأن بإمكانهم أن يأتوا بمثله لكنهم عجزوا بالصرفة كما يقول المعتزلة.
قول الزمزمي في منظومته: (والسورة الطائفة المترجمة) أي: هذا تعريف للسورة، وهي مأخوذة من السُّور -سورِ البلد- لإحاطتها بجميع الآيات المذكورة تحتها، أو من السُّؤر: وهو البقية، فهذه السورة بقية من القرآن دون سائره.
وقوله: (المترجمة) أي: التي لها عنوان، كأن تقول: (سورة الفاتحة)، أو (سورة البقرة). وذُكر عن الحَجّاج - رغم ما أُثر عنه من ظلم ومخالفات، إلا أن له عناية فائقة بالقرآن –، وهو قول لبعض السلف: أنه لا يجوز أن تقول: (سورة البقرة)، إنما تقول: (التي يُذكر فيها البقرة)؛ لكي تتم المطابقة بين الترجمة وما تُرجم عليه، فإذا قلت: (سورة البقرة)، فماذا تمثل قصة البقرة من السورة؟، لا تمثل إلا نسبة يسيرة -واحد على خمسين من السورة-، فكيف يُترجم بهذه النسبة على السورة بكاملها؟!، فلا بدّ أن نقول: (التي تذكر فيها البقرة)، هذا ما ذهب إليه مَن قال بهذا القول. لكن هذا القول مردود؛ لأن التعبير بـ(سورة البقرة)، و(سورة آل عمران)، وسورة كذا، جاء بالأحاديث الصحيحة عن النبي –صلى الله عليه وسلم-، والبخاري أورد من الردود على هذا القول ما أورد، ومن ذلك حديث ابن مسعود –رضي الله عنه- قال: «هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة» [البخاري: 1747]، والنصوص في هذا كثيرة جدًّا، فالقول الأول لا اعتبار به، وعلى هذا فيجوز أن نقول: (سورة البقرة).
وقد جاء في أسماء سور القرآن أحاديث، فمن هذه الأسماء ما هو توقيفي، ومنها ما هو اجتهادي؛ نظرًا إلى محتوى السورة، فمثلًا: (سورة التوبة) توقيفي، لكن تسميتها بـ(سورة الفاضحة) اجتهادي؛ نظرًا لأنها فضحت المنافقين، فسمّاها بعض السلف: (الفاضحة).
جاء التحدي بالقرآن كاملاً، وجاء التحدي بعشر سور منه، وجاء التحدي بسورة، لكن لم يأتِ التحدي بآية؛ لأن من الآيات ما هو كلمة، كقوله تعالى: {مدهامتان} [الرحمن: 64]، ولا يعجز البشر أن يقولوا: (مدهامتان)، لكن مع ذلك فالآية معجزة في موضعها من الكلام وارتباطها بما قبلها وما بعدها، فلا تستطيع أن تحذف (مدهامتان) وتأتي بأي كلمة ترادفها تقوم مقامها، لكن بالنظر إليها مفردة لا تعجز، ولذا لم يحصل التحدي بها.
وأقصر سورة في القرآن سورة الكوثر، فإذا قلنا -وهو قول الشافعي-: إن البسملة آية، صارت سورة الكوثر أربع آيات، فلا يحصل التحدي إلا بأربع آيات أو بمقدارها ولو آية واحدة، وإذا قلنا: إن البسملة ليست بآية -وهو قول الأكثر- قلنا: يحصل التحدي بثلاث آيات، أو بقدر هذه الثلاث ولو آية واحدة، المهم ألّا تقل عن قدر سورة الكوثر، فلا يمكن أن يأتوا بآية واحدة بقدر أقصر سور القرآن.
اختلف أهل العلم في المراد بالحرف في قول الرسول –صلى الله عليه وسلم-: «لا أقول: {الم} حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف» [الترمذي: 2910]، هل المراد به حرف المعنى أو حرف المبنى؟
فإذا قلنا: إن المراد به حرف المعنى –كما قال به جمع من أهل العلم ونصره شيخ الإسلام ابن تيمية- يكون المراد بالحروف: الكلمات، وعلى هذا يكون الأجر المرتب على قراءة القرآن أقل بكثير من الأجر المرتب على قراءته إذا اعتبرنا الحرف حرف مبنى، فالقرآن سبعون ألف كلمة وزيادة، وهو أكثر من ثلاثمائة ألف حرف من حروف المباني، فالفرق بقدر الربع تقريباً، والخلاف بين أهل العلم في المراد بالحرف معروف، فمنهم من يرى أن المراد بالحرف حرف المعنى، ولذا قال النبي –صلى الله عليه وسلم-: «لا أقول: {الم} حرف، ولكن ألف حرف» ولم يقل: "(أ) حرف"، بل قال: «ألف حرف».
وعليه فإن قوله تعالى: {ألم} في قوله: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّك} [الفيل: 1] لا يُرتب عليه من الأجر مثل ما يُرتب على قوله تعالى: {الم} [البقرة: 1]؛ لأنه باعتبار {ألم} حروف معانٍ تصير حرفين: همزة الاستفهام، و(لم)، بينما قوله تعالى: {الم} يعتبر ثلاثة حروف، أما إذا قلنا بأنها حروف مبانٍ فتصير ثلاثة أحرف: الهمزة، واللام، والميم.
وكثير من أهل العلم يرى أن المراد بالحرف في الحديث حرف المبنى، وهذا هو اللائق بفضل الله -جل وعلا-، وعظيم منّه وعطائه، وهو المؤمل منه -سبحانه-، وثقتنا بفضل الله -جل علا- أعظم من ثقتنا بعلم شيخ الإسلام وإن كان إمامًا -رحمه الله-.
يقول جل وعلا: }وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ{ [ الأنفال: ٢٥ ]؛ لأنه قد يوجد الظالم فلا يؤخذ على يده فتنزل العقوبة فتعم الجميع، فهي فتنة الدهماء التي تأتي على الناس كلهم إذا وقعت، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (أي هذه الفتنة لا تصيب الظالم فقط؛ بل تصيب الظالم والساكت عن نهيه عن الظلم، كما قال النبي -عليه الصلاة والسلام-: «إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه» [أبو داود: 4338]، وصار ذلك سببًا لمنعهم كثيرًا من الطيبات)، فتصيب الظالم والساكت عن نهيه فضلاً عن المؤيد والمشرّع له؛ لأنه يوجد من علماء السوء من يشرِّعون للظلمة، ويوجِدون لهم المخارج والأدلة، فهؤلاء مع الظلمة بلا شك، وإنما ينجو من ذَكَرَه الله بقوله: }أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ{ [ الأعراف: ١٦٥ ]، وقد لُعن بنو إسرائيل؛ لأنهم }كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ {[المائدة: ٧٩ ]، وفُضّلت هذه الأمة على سائر الأمم بسبب }تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ{ [آل عمران: ١١٠ ]، وبعض الناس يقول: ما أنا بوكيل على بني آدم، أنا علي نفسي. وهذا ليس بصحيح، بل لا تنجو إلا إذا أمرت ونهيت.
وفي الصحيحين عن زينب بنت جحش –رضي الله عنها- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- دخل عليها يومًا فزعًا يقول: «لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه» وحلق بأصبعيه الإبهام والتي تليها، قالت زينب بنت جحش –رضي الله عنها- فقلت: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟! قال: «نعم إذا كثر الخبث» [البخاري: 3346].
وبعض الناس إذا قيل مثل هذا الكلام قال: البلد فيه خير، وفيه علماء ودعاة وعبّاد وقضاة، وفيه طلاب علم، وفيه جمعيات خيرية! نعم الخير موجود وهو الأصل، لكن لا تنظر إلى الخير بمقداره مهما بلغ، بل انظر أيضًا إلى الطرف الثاني «إذا كثر الخبث».
{وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [(4) سورة الحديد] يعني مبصر لأعمالكم، فهو معكم ببصره، بعلمه، بسمعه، فهو يعلم ويسمع ويبصر ما تعملون، ومقتضى ذلك أنه إذا كان معنا، إذا استحضرنا مثل هذا النص لا بد أن تكون منزلة المراقبة لله -جل وعلا- عاملة عملها فينا، وهي مرتبة الإحسان، إذا كان الله -جل وعلا- معنا يسمع كلامنا ويبصر أعمالنا {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [(4) سورة الحديد] ويسمع كلامنا، ويرانا أين ما كنا، وهو معنا أين ما كنا، فلا بد أن نراقبه، لا بد من أن نراقب الله -جل وعلا- في جميع أعمالنا، وهذه مرتبة الإحسان التي هي: أن تعبد الله -جل وعلا- كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.
وإذا خلوت بريبة في ظلمة
فاستحِ من نظر الإله وقل لها
والنفس داعية إلى الطغيان
إن الذي خلق الظلام يراني
يعني أيش الدرس العملي الذي نستفيده من مثل هذه الآية؟ " إذا كان الله -جل وعلا- مَعَنَا أَيْنَمَا كُنَّا ويَرَانَا، يَرَى أَعْمَالَنَا، ويُبْصِرُنَا، ويَسْمَعُ كَلَامَنَا أَيْنَ مَا كُنَّا فِي أَيِّ مَكَانٍ كُنَّا، سَواءٌ كُنَّا ضَاحِينَ لِلشَّمْس وَضَحَ النَّهَار، أَوْ كُنَّا فِي ظُلْمَةِ اللَّيْل، أَو فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثْ، أَوْ أَكْثَر، اللهُ -جَلَّ وعَلَا- يَعْلَمُ ذَلِكَ كُلُّه، ومُقْتَضَى ذَلِكْ أَنْ نُرَاقِبُه فِي جَمِيعِ أَعْمَالَنَا وَأَقْوَالَنَا، وفي جَمِيعِ تصرفاتنا".
{مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [(7) سورة المجادلة].
والنجوى الكلام سراً، هذه هي النجوى, {مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ} -جل وعلا- رابعهم بعلمه، بحيث لا يخفى عليه شيءٌ من نجواهم، {وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ} لأنه لم يذكر إلا الأعداد الفردية، ما ذكر الأشفاع، ثلاثة وخمسة، ولا أدنى من ذلك، يعني أدنى من ثلاثة اثنين، إلا هو ثالثهم، ولا واحد يتحدث إلى نفسه إلا والله -جل وعلا- يطلع على ما يختلج في صدره {وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ} سواءٌ واحد أو اثنين أو أربعة {وَلَا أَكْثَرَ} ستة, سبعة, عشرة، مائة، لا تشتبه عليه اللغات، ولا تلتبس عليه الأصوات، يعني لو قدر أن الملايين، نحن يمرُّ علينا شيء من هذا، لو تصورنا مثلاً المطاف وهو كضيض بالزحام، وكل واحدٍ يتكلم بكلام يختلف عن كلام غيره، وأحياناً لا يسمعه من بجواره، ولغات مختلفة ومطالب متعددة لا يخفى على الله -جل وعلا- شيء من لغاتهم، ولا لهجاتهم، ولا من مطالبهم وحاجاتهم إضافة إلى سائر من على ظهر المعمورة -جل وعلا-، {وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ} العدد المذكور ولا أكثر منه {إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا} أينما كانوا في أي مكان كانوا {ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ} يخبرهم بما عملوا، يخبرهم بما عملوا، هو معهم لا يظن العامل عمل السوء أنه يخفى على الله -جل وعلا- ولا يظن المتكلم بكلامٍ لا يرضي الله -جل وعلا- أنه يخفى على الله، ولا يظن أيضاً، بل لا يظن من عمل أي عملٍ أنه يخفى على الله، أو يتكلم بأي كلام، لا بد أن ينبئه الله -جل وعلا- بما حصل منه يوم القيامة، فإن كان خيراً جازاه عليه، وإن كان شراً عاقبه عليه أو عفا عنه {أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ} وقت الحساب يقررهم، ((ما منكم من أحدٍ إلا سيكلمه ربه يوم القيامة، ليس بينه وبينه حجاب وليس دونه ترجمان)) بدون ترجمان، {إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [(7) سورة المجادلة]. لا تخفى عليه خافية يعلم كل شيء.
من الغفلة أنْ يَطلُب الإنسان الشَّيء البعيد ويترك القريب، يَطْلُب وينظر إلى الشَّيء البعيد والذِّي بين يديهِ يترُكُهُ، لا ينظُر في خَلْقِهِ لا يَتَفكَّر في خلْقِهِ لِيَرَى العَجَب العُجاب، ابن القيم -رحمهُ الله- أفَاض في هذه المسألة في مُفتاح دار السَّعادة، وذكر وظائف الجِسم، وأعضاء الجسم، ومفاصل الجِسم، يقول: جَفْن العين هذا ما فائِدَتُهُ؟ يعني لو كانت العين مكشُوفة تصوَّر وش يصير الوضع؟ والحر والبرد والرِّياح تهبُّها! لا يَقْدِر قَدْر هذا الجَفْنْ إلاّ من فَقَدَهُ، النّاس يعني أشبه ما يكون بالمسَّاحة، مساحة الزُجاج تجدها باستمرار تَمْسَح، وإلاّ تراكمت عليها الميكرُوبات والجراثيم وغيرها، وتعرَّض للحر والبرد والرِّياح فتأثَّرت؛ لكنَّها محفُوظة ومحْمِيَّة بهذا الجَفْن، وذَكر شيء لا يخطُر على البال؛ فعلى طالب العلم أنْ يُعنى بمثل هذه الأُمُور؛ لأنَّها مِمَّا يُثبِّتُهُ ويَزِيدُ في يَقِينِهِ، يعني في كُل عُضو كل سُلامى من جَسَدِ الإنسان، كُل مَفْصِل من المَفَاصل ثلاثمائة وسُتُّون مفصل كل واحد يحتاج إلى صدقة؛ لأنَّها نِعَم تحتاج إلى شُكر، تَصوَّر لو أنَّ إصبعك الصَّغير لا تستطيع أنْ تَثْنِيهُ! كم تتأذَّى بهذا الإصبع؟ فكيف بالرِّجل؟ كيف باليد لو كانت ممدُودة هكذا لا تستطيعُ ثَنْيَها؟ كيف بالرَّقبة لا تستطيع أنْ تَلْتَفت يمين ولا شمال ولا ترفع رأسك ولا تخفِضُهُ؟ أُمُور على الإنسان أنْ يتفكَّر بها وينظُر فيها بِعَيْن الاعتبار، وأنْ يشكُر هذا الخالق المُنعم الرَّازق الذِّي تَفَضَّل عليهِ بهذه النِّعم الكثيرة، يعني لو أنَّ إنساناً أُصيب بعرقٍ نابض ما يَهَنَأُ لهُ عيش، ولا يطيبُ لهُ نوم، فهذه أُمُور كُلُّها تحتاج إلى شُكر، كُل نعمة من هذه النِّعم تحتاج إلى شُكر، ولو أنَّ إنساناً عَبَدَ الله -جلَّ وعلا- منذُ التَّكليف إلى أنْ مات بعد أنْ عُمِّر مئة سنة كل هذه العِبادة لا تُساوي نِعمة من النِّعم، فلو وُضعت في ميزان ووُضِع في مُقابِلِها نِعمة البصر أو السَّمع ما قامت لها، ولذا قال النَّبي -عليه الصَّلاة والسَّلام-: ((لن يدخل أحدكم عملُهُ الجنَّة، قالوا: ولا أنت يا رسُول الله؟ قال: ولا أنا إلاّ أنْ يتغمَّدني اللهُ برحمتِهِ)) فَدُخُول الجنَّة برحمة الله -جلَّ وعلا-؛ لكنْ كما قال أهلُ العلم المنازل بالأعمال، أمَّا الدُّخُول فهو برحمة الله -جلَّ وعلا-، و إلاّ لو حُوسب الإنسان كما ذكرنا في الدرس السَّابق ((من نُوقش الحِساب عُذِّب أيًّا كان)) كما جاء في الحديث الصَّحيح.