عرض وقفات تذكر واعتبار

  • ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ ﴿٢٠﴾    [الذاريات   آية:٢٠]
يقول رحمهُ الله تعالى(*): [{وَفِي الْأَرْضِ} [(20) سورة الذاريات] من الجبال والبحار والأشجار والثِّمار والنَّبات وغيرها، {آيَاتٌ} دلالات على قُدْرة الله -سُبحانه وتعالى- ووحدانيَّتِهِ]. وفي الأرضِ من جميع ما على وجهها من الجبال والرِّمال والسُّهُول والوُعُور والنَّباتات بأنواعها آيات: جمع آية وهي ما يدُلُّ على عظمة الله -جلَّ وعلا-، وأنَّهُ –جل وعلا- هو المُتفرِّد بالخَلْق والرَّزْق والإحياءِ والإماتة، وأنَّهُ هُو المُستحقُّ للعبادة؛ لكن آياتٌ لمن؟ آيات لجميع الخلق؟ هذا هو الأصل؛ لكنْ هل من مُدَّكر؟ هل من مُتَّعِظ؟ هل من مُعتبر؟ هل من مُستدل؟ ولذا جاء تعظيم التَّفكُّر والاعتبار والنَّظر في مخلوقات الله وآياتِهِ للدَّلالة بذلك على وحدانيَّتِهِ، فَهَدَى اللهُ أقواماً امْتَثَلُوا ما أُمِرُوا بِهِ، ونظرُوا في ملكوت السَّماوات والأرض {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} [آل عمران/190]، لكن من؟ {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ} [آل عمران/ 191]، أهلُ الغفلة ليس لهم نصيب من ذلك، ولذا تجد كثير من النَّاس هذا الأمر لا يرفعُ بِهِ رأساً، وهو من أعظم ما يُثبِّت الإيمان في القلب، ومن أعظم ما يزيدُهُ في النَّفس، فمن أعظم ما يزيد الإيمان التِّي جاءت الأدلَّة أنَّهُ يزيدُ وينقُص، من أعظم ما يزيدُهُ التَّذكُّر في آيات الله، في مخلُوقاته، في آياتِهِ فيما أَنْزَلَهُ على خَلْقِهِ لِيَعْتَبِرُوا ويَدَّكِرُوا، ويَتَّعِظُوا، وكما قال الله -جلَّ وعلا- عن القرآن {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} [القمر/ 17]، يعني لا يَتَسَنَّى لجميع النَّاس أنْ يَتَّعِظُوا ويَعْتَبِرُوا وينظُرُوا؛ لكنْ المُوفَّق من وَفَّقَهُ الله -جلَّ وعلا- باستعمال ما رُكِّبَ فيهِ منْ هذهِ الحواس التِّي تُعينُهُ على ما أرادهُ اللهُ -جلَّ وعلا-... فكم من بصير أعمى، وكم من أعمى بصير، الأعمى بإمكانِهِ أنْ ينظر، بإمكانِهِ يتفكَّر بعين البَصِيرة... وكم من أعمى يَتَقلَّبُ في فِراشِهِ خوفاً من ربِّهِ وتعظيماً له، وكم من بصيرٍ ينظُرُ يميناً وشِمالاً؛ لكنَّهُ لا يستفيدُ شيئاً! والله المُستعان.
  • ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ﴿٥٠﴾    [الذاريات   آية:٥٠]
يعني هل الفرار إلى الله -جل وعلا- بأن نركب المراكب الفضائية لنحلق بها إلى ما فوق العرش، نفر إليه بأبداننا إليه -جل وعلا-؟ أو نفر مما يبعدنا منه إلى ما يقربنا إليه؟ لأن التقريب هو أقرب إلينا من حبل الوريد، وأقرب للإنسان من عنق راحلته؛ لكن القرب ثابت لله -جل وعلا- لكن قربنا إليه؟ قربه إلينا ثابت بالنصوص، لكن قربنا إليه بما يقربنا إليه من فعل أوامره، واجتناب نواهيه، و((أقرب ما يكون العبد إلى ربه وهو ساجد)) ففروا إلى الله: فروا إلى ما يقربكم إليه، فعلى الإنسان أن يفر إلى الله -جل وعلا-، إذا جلس معه أناس وطال بهم المجلس وهناك مكان يمكن أن يختفي به عن هؤلاء، وراغ عنهم بخفية، وانسل إلى هذا المكان، وجلس يذكر الله، ويقرأ القرآن، بحيث لا يلفت أنظارهم إليه، أو يصلي ركعتين ثم رجع إليهم، وكأن شيئاً لم يكن هذا فرار إلى الله. {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ} [(50) سورة الذاريات] وأمثال ذلك كثيرة، يعني أقل ما يكون فرار القلب إلى الله -جل وعلا-، وكم من إنسان يخالط الناس من خواص المسلمين من عُبَّادهم، من علمائهم، من فُضَلَائِهِم تجده يُخالط الناس ببدنه وقلبه مُعلق بالله -جل وعلا-، {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} [(50) سورة الذاريات]...
  • ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ ﴿١٥٨﴾    [البقرة   آية:١٥٨]
يقول الله -سبحانه وتعالى-: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ} [(158) سورة البقرة] ، {إِنَّ الصَّفَا} فبدأ بالصفا ذكراً وبدأ النبي -عليه الصلاة والسلام- به فعلاً، فرقي على الصفا حتى رأى البيت فاستقبل القبلة، واتجه اتجاه الكعبة، ونظر إليها، وهذا سنة إن تيسر، وإلا فالجهة كافية؛ لأنه في هذه الأزمان مع كثرة العمد، وكثرة البنايات قد لا يتيسر، فاستقبل القبلة فوحد الله وكبره، وفسر ذلك بقوله: قال: ((لا إله إلا الله وحده -هذا التوحيد- لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيءٍ قدير)). وهذا التوحيد من أفضل ما يقوله المسلم، بل أفضل ما قاله النبي -عليه الصلاة والسلام- والنبيون من قبله، ((أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة، وأفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيءٍ قدير)) ومن قال: ((لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيءٍ قدير، في يومٍ مائة مرة -حصل له أمور، واحد منها يكفي- كتب له مائة حسنة، وحطّ عنه مائة خطيئة، وحذر من الشيطان حتى يمسي...)) الخ. فالمحروم من حرم مثل هذه الأذكار، والناس في غفلةٍ عن مثل هذا، إذا قال: ((لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيءٍ قدير، كان كمن أعتق أربعةً من ولد إسماعيل))، شيء لا يكلف، يعني عشر مرات تقال بدون مبالغة في دقيقة؛ لكن الحرمان لا نهاية له، من قال: ((سبحان الله وبحمده مائة مرة حطّت عنه خطاياه، -خطايا جمع مضاف فيفيد العموم-، وإن كانت مثل زبد البحر)). على كل حال هذه مناسبة لذكر هذا الذكر فالنبي -عليه الصلاة والسلام- يكثر من الذكر، والذكر في موطنه أفضل من غيره، فقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له في هذا الموضع أفضل من قراءة القرآن، كما أن التسبيح بالركوع والسجود أفضل من التلاوة، بل التلاوة حرام في حال الركوع والسجود كما هو معروف، لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، أنجز وعده، بنصر الدين وتحقيق ما وعده الله نبيه من إعلاء كلمته، ونصر عبده، يعني نفسه -عليه الصلاة والسلام-، وهزم الأحزاب وحده، في غزوة الأحزاب لما تحزبوا واجتمعوا لحربه -عليه الصلاة والسلام- هزمهم الله -سبحانه وتعالى-. "ثم دعا بين ذلك" صيغة التكبير: الله أكبر، كما هو معروف ، ثم دعا بين ذلك، دعا بين التوحيد والتكبير، قال مثل هذا ثلاث مرات، فأعاد التوحيد والتكبير والدعاء ثلاثاً، ومنهم من يقول: يوحد ويكبر ثلاثاً ويدعو مرتين؛ لكن الحديث صريح في كون الدعاء يكرر ثلاثاً كالتوحيد والتكبير.
  • ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴿٢٨﴾    [الرعد   آية:٢٨]
وتجدُون في أقطار الأرض من يَتَعبَّد بأُمُور يعرف الصِّبيان والجُهَّال أنَّها بَاطِلَة فكيفَ خَفِيَت عليهم؟! لأنَّهُم عَمِلُوا بِأُمُور أخَف منها؛ لكنَّها لا أَصْلَ لها، ثُمَّ عُوقِبُوا بما هو أشد منها، ثُمَّ عُوقِبُوا بما هو أشد منها، إلى أنْ وَقَعُوا في المُضْحِكات! يعني يُذكَر في طبقات الشَّعراني وغيرُهُ وكرامات الأولياء المزعُومة التِّي ألَّفها النَّبهاني والنَّابُلْسِي وغيرُهما يَذْكُرُونْ أشْيَاء لا يَفْعَلُها ولا المَجَانِين مِمَّنْ تُعْتَقَدْ فيهِ الولايَة، وأمَّا بالنِّسبة لما تَفَوَّهُوا بِهِ من أقوال فشيءٌ لا يَخْطُرُ على البال!!! يعني يُذْكَر عن بِشْر المِرِّيسي أنَّهُ يقول في سُجُودِهِ سُبحان ربيِّ الأسفل!!! – نسأل الله العافِيَة – هذهِ البِدَع يَجُرُّ بَعْضُها إلى بعض، يعني مُجرَّد ما تُفارق الأدِلَّة الصَّحيحة الثَّابِتة عن النَّبي – عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام – شيء يَسِير؛ لا شكَّ أنَّكَ تُسْتَدْرَجْ إلى ما هُو أعْظَم منْ ذَلِك، ابن العَربي يقول: ألا بِذِكْرِ الله تَزْداد الذُّنُوب، الله -جلَّ وعلا- يقول: {أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [(28) سورة الرعد]، وهذا يقول: ألا بِذِكْرِ الله تَزْداد الذُّنُوب * وتَنْطَمِسُ البَصَائِرُ والقُلُوب! هذا كُلُّهُ سَبَبُهُ التَّساهُل في أوَّل الأمر؛ فَلْيَكُنْ الإنسانُ حَازِماً في أمْرِهِ، مُقْتَدِياً بِنَبِيِّهِ – عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام -لا يَفْعل أي عَمَل يَتَدَيَّنْ بِهِ إلاَّ بِنَصّ، ثُمَّ يَبْحَثْ عن هذا النَّصّ هل يَثْبُت أو لا يَثْبُت؛ لأنَّ المُبْتَدِعة عِندهُم نُصُوص؛ لكنَّها ضَعِيفة أو باطِلة، فَتَجِدَهُم يَنْشَغِلُونَ بها، ويُحْرَمُون بَرَكة العِلم النَّافِع والعَمَل الصَّالِح، فَتَجِدَهُم من أجهل النَّاس في العِلم ومنْ أَضَلِّهِم في العَمَل، والمُؤلَّفات في طَبَقَاتِ مَنْ يُدَّعى لَهُم الوِلاية كثيرة، تَجِدُونْ أشْيَاء يعني في بعض كُتُب الطَّبَقات وَقَفْت على كلام! يقول وكان -رضي الله عنهُ- مُرْتَكِباً لجميع المُحرَّمات! لَمْ يَصُم لله يوماً قط! ولمْ يَسْجُد لله سَجْدَة! يعني هل هذا الكلام يَقُولُهُ عاقل؟!! هل هذا الكلام يَصْدُر من عاقل؟! مالِك النُّسْخَة الأوَّل صَاحِبها الأوَّل – جزاهُ اللهُ خيراً– قال: إذا كانَ هذا رَضِيَ اللهُ عنهُ، فَلَعْنَةُ اللهِ على من؟! ضلال ضلال، يعني شيء ما يخطُر على البال، يمكن الذِّينَ وَفِدُوا الآن من الإخوان الذِّينَ جاؤُوا من الآفاق، يمكن اطَّلَعُوا على أكثر مِمَّا نَقُولُهُ أكثر مِمَّا نَعْرِف مِنْ وَاقِعِهِم العَمَلِيّ، يعني دَيْدَنُهُم الرَّقْص والغِناء! بعضُهُم عُراة! – نسأل الله العافِيَة– كُل هذا سَبَبُهُ شُؤم المُخالفة، وقد تَبْدَأ هذهِ المُخالفَة بِشَيءٍ يَسِير، ثُمَّ يُعاقب بما هُو أعظم من ذلك إلى أنْ يَصِل إلى ما وَصل إليْهِ من يقول: سُبحان ربِّيَ الأسْفَل! – نسأل الله العافِيَة – أو ابن العربي فيما يقُول من الشِّعْر الذِّي لا يَقْبَلُهُ ولا المَجَانِينْ – واللهُ المُستعان – ومع ذلكم لا يَسْتَطِيع بعض النَّاس في بعضِ الأقْطَار أنْ يَتَكَلَّم فيهم بكلمة!؛ لأنَّهم مُقدَّسُون! ويُصْرَفْ لهُم من العِبادات ما لا يَجُوز صَرْفُهُ إلاَّ لله -جلَّ وعلا-، يعني من نَظَر في كُتُب الرَّحلات مثلاً، رحلة ابن بطوطة التِّي هي أَشْهَر الرَّحلات على الإطلاق، يعني الأمثلة لما ينقُض توحيد العِبادة بجميع أبوابِهِ التِّي أَلَّف عليها الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمهُ الله- كتاب التَّوحيد يقرأ في رحلة ابن بطوطة، يعني ما يَرِد على بَلَد إلاَّ ويَذْهَب إلى قَبْر، ويطلُب المَدد، وإذا وَصِل إلى جَبل صعدهُ إلى أنْ يَصل إلى مكان مَسَّهُ قَدَم فُلان أو عَلاَّن، فالإنسان عليهِ أنْ يَحْمَد الله -جلَّ وعلا- على نِعْمَة التَّوحيد، نِعمة التَّوحيد التِّي رُبِطَ بها الأمْنْ التَّام في الدُّنْيَا والآخِرَة، {الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ} [(82) سورة الأنعام]، {وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا} [(55) سورة النــور]، يعني من يَطْلُب الأمْنْ، ويُخِلّ بالتَّوحِيد أو يَتَسَاهَلْ في أُمُور الشِّرْك هذا مُتَطَلِّبٌ في الماءِ جَذْوَةَ نَارِ!!! هذا غَلَط، مُنَاقِض للسُّنَّة الإلَهِيَّة، مُخالِف للنُّصُوص الشَّرعِيَّة، فعلى المُسْلِم أنْ يُحقِّق التَّوحيد، وأنْ يُخَلِّصَهُ منْ جَمِيع شَوائِب الشِّرك صَغِيرِهِ وكبيرِهِ، والبِدَع كَبِيرها وصَغِيرِها.
  • ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿٣٣﴾    [النور   آية:٣٣]
جاء في الحديث الصحيح: ((إنما أنا قاسم والله يعطي))، والله -جل وعلا- يقول للأغنياء: {وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} [(33) سورة النــور] فالبشر المال بأيدهم عارية، وضع في أيدي بعض الناس ليبتليهم ويبتلي بهم، ووجد من الناس من لا مال عنده ليبتلى هل يصبر؟ الأول مبتلى، الغني يبتلى هل يشكر ويستعمل هذا المال فيما يرضي الله -جل وعلا-، أو يكفر هذه النعمة فيجحدها ويجحد نسبتها إلى الله -جل وعلا-، ويستعملها فيما لا يرضي الله -جل وعلا- ؟ كما أنه يبتلي الفقير هل يصبر ويرضى ويسلم ويحمد الله على نعم كثيرة لا يستطيع عدها؟ يقول ابن عبد القوي -رحمه الله-: وكن صابراً للفقر وادَّرع الرضى بما قدر الرحمن واشكره واحمد لأن بعض الناس قد يبلغ به من الفقر والحاجة مبلغاً عظيماً، ثم إذا قيل: له احمد ربك واشكر ربك {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا} [(18) سورة النحل] قال: على إيش أحمد الله، أنا فقير مدقع محتاج، لا يا أخي ما تدري لو أن الأُذن دخل فيها حشرة وطلب منك ما على وجه الأرض من أموال لبذلتها، لو احتبس فيك البول وطلب منك ما على وجه الأرض من المليارات من الذهب والفضة دفعتها، أليست هذه نعم؟ نعمة البصر، نعمة السمع، نِعَم لا تعد ولا تحصى. تصور أن أصبعاً من أصابعك أصغر الأصابع عندك صَلَّب لا تستطيع أن تثنيه ماذا يكون؟ من دون ألم تتأذى به أذىً شديداً ولو لم يؤلمك، ولذا هذه النعم أعني نِعَم المفاصل نِعَم لا يقدر قدرها إلا من فقدها، تصور شخص الرِجْل عنده مُتَصَلِّبة لا تنثني يواجه من العنت والحرج ما لا يدرك ولو لم يكن فيها ألم، ولذا يصبح على كل سلامى على سلامى كل واحد منكم صدقة، ثلاثمائة وستين مفصل تحتاج إلى ثلاثمائة وستين صدقة؛ لكن الله -جل وعلا- لطيف لا يكلف الفقير أن يتصدق بالدراهم وهو لا يجده، كل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، إلى أخره، ويكفي من ذلك ركعتان تركعهما من الضحى في مقابل ثلاثمائة وستين صدقة، ركعتان من الضحى فعلى الإنسان أن يحمد الله -جل وعلا-، وأن يلهج بذكره وشكره، ولا يجحد هذه النعم وإن كان يغفل عنها، كثير من الناس في غفلة تامة عن هذه النعم؛ لكن مع ذلك عليه أن يتذكَّر، وعليه أن يشكر {لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} [(7) سورة إبراهيم]. والله -جل وعلا- أسبغ النعم على عباده، وأعظم هذه النعم على الإطلاق نعمة الإسلام، نعمة الإسلام وهذا هو رأس المال، افترض أن المسلم كما هو الأصل فيه أنه مبتلى بالمصائب، مبتلى بالأمراض، هل يمكن أن تقارن حالة أقل المسلمين شأناً في أمور الدنيا بأعظم الكفار شأناً في أمور الدنيا؟ أبداً، ولذا المؤمن كخامة الزرع، المصائب تعتريها من كل وجه، وأما الكافر مثل الأَرْزَة -شجرة صلبة متينة عريضة لا تحركها الرياح- فلا تعتريها العوارض؛ لكن الإنسان يحمد الله -جل وعلا- أن جعله من هذه الأمة ويفتخر بإسلامه ويرفع رأسه بدينه {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [(33) سورة فصلت]، يعتز بدينه ويفتخر به.
  • ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا ﴿٩٨﴾    [النساء   آية:٩٨]
الهجرة: عمل شرعي، وأصلها الترك، في اللغة: الترك. وفي الاصطلاح: الانتقال من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، وهي واجبة إلى قيام الساعة، حكمها باقي إلى قيام الساعة، وأما حديث: ((لا هجرة بعد الفتح)) فإنما المراد به من مكة؛ لأنها صارت دار إسلام، أما البقاء بدار الكفر، والإقامة بدار الكفر فلا تجوز بحال ولا يعفى عن أحد يستطيع، أما الذي لا يستطيع ولا بالحيلة فإنه معذور {إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً} [(98) سورة النساء] الذي لا يستطيع ما يستطيع {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} [(286) سورة البقرة]، لكن المستطيع القادر على الهجرة يجب عليه أن يهاجر، وذلك لعظم أمر البقاء بين ظهراني الكفار، كم من إنسان انحرف؟ كم من شخص ارتد؟ كم من إنسان ابتلي وامتحن حتى صرف عن دينه؟ وأما ما يحصل لذراري المسلمين في بلاد الكفر فحدث ولا حرج، والوقائع التي تنقل عنهم يندى لها الجبين، ويعتصر لها القلب ألماً. يعني شخص من أصل لبناني مسلم يعرض بنته الوحيدة الصغيرة على شيخ كبير زائر، يريد أن يزوجه إياها، فقال له: ما الذي دعاك إلى أن تعرض هذه البنت في سن ما قبل العشرين على شخص يقرب من الستين، ما الذي حملك على ذلك؟ قال: أنت بتسافر إلى بلاد المسلمين، وتعيش بنتي في بلاد المسلمين؛ لأن معي من الزملاء خمسة جئنا قبل خمسين سنة، وسكنا في هذه البلاد، فمات أولئك، وارتد أولادهم، وبناتهم تنصروا، وأنا خائف على هذه البنت، مسائل التربية والتعليم في بلاد الكفر كارثة يعني فيما يذكر، ولذلك عظم أمر الهجرة وشأنها في الإسلام.
  • ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ ﴿١٥٦﴾    [الأعراف   آية:١٥٦]
"فما رأيتُ رسُول الله -صلى الله عليه وسلم- استنَّ استناناً أحسن منه" -عليه الصلاة والسلام- حرصاً على هذه السَّنَّة، والمُوفَّق لا يُفرِّطُ بشيءٍ من السُّنن حتى في أحلك الظُّرُوف والأحوال، وكثيرٌ من النَّاس تُشاهِدُونهُ في الأوقات التِّي تضييق بالنِّسبة لهُ يُهدر كثير من الواجبات فضلاً عن السُّنن، يتخفَّف من الواجبات لأدْنَى سبب، ويعْذُر نفسهُ بأدْنَى عُذْر عن الواجبات يتخفَّف ويقول: الله غفورٌ رحيم لأدْنى عُذر، يُصاب بزُكام ويترك الصَّلاة مع الجماعة، وعكة خفيفة يترك الصَّلاة، يُؤخِّر الصَّلاة حتى يخرج وقتُها و يقول: الله غفورٌ رحيم، نعم الله غفورٌ رحيم، رحمتُهُ وسعت كُلَّ شيء كَتَبَها لمن؟ و{وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا}[(156) سورة الأعراف] لمن؟ للمُفرِّطين؟ للذِّين يُزاولُون المُنكرات ويعتمدُون على سعة رحمة الله؟ لا، هو غفورُ رحيم كما أخبر عن نفسِهِ -جل وعلا- ، ومع ذلكم شديدُ العقاب، والله -سبحانه وتعالى- يغار، ولذا حُدَّت الحُدُود، يزني الزَّاني ويقول: الله غفورٌ رحيم، ويسرق السَّارق ويقول: الله غفورٌ رحيم، ورحمة الله -جل وعلا- لا تُحد وسِعت كل شيء؛ ولكنْ مع ذلكم هناك مع هذا الوعد وعيد، وعلى المُسلم أنْ ينظر إلى النُّصُوص مُجتمعة، لا ينظر إلى الوعد فقط فيُصاب باليأس والقُنُوط، ويسلك مسالك الخوارج، لا، ولا ينظر إلى نُصُوص الوعد مُعرضاً عن نُصُوص الوعيد فيسلك مسلك الإرجاء، وينسلخ من الدِّين وهو لا يشعر، على الإنسان أنْ يتوسَّط في أُمُورِهِ كما هو مذهب أهل الحق مذهب أهل السُّنة والجماعة، النبي -عليه الصلاة والسلام- ما فرَّط في هذه السنة رغم ما يُكابِدُهُ من آلام وأوجاع. ومن عرف الله وتعرَّف على الله في الرَّخاء عرفهُ في الشِّدَّة، من أراد أنْ ينظر الشَّاهد على ذلك الشَّواهد الحيَّة على ذلك يزُور المرضى في المُستشفيات لاسيَّما من كانت أمراضُهُم شديدة مُقلِقة؛ بل ينظر إلى أماكن العِناية، وينظر الفُرُوق، دخلنا المُستشفى مرَّة فإذا بشخص أكثر من ثمانين عُمرهُ في آخر لحظاتِ حياتِهِ على لسانِهِ اللَّعن والسَّب والشَّتم، لا يفترُ عن ذلك كبير في السِّن في آخر لحظاته أين أنت والله يفعل ويترك، يلعن باللعن الصَّريح، وخرجنا من عندهُ وهو على هذه الحال؛ لأنَّهُ عاش أيَّام الرَّخاء على هذه الحال، وشخص؛ بل أشخاص بالعناية لا يعرفُ الزَّائِرين ويُسْمع القرآن منهُ ظاهر، يُرتِّل القرآن ترتيل، وهو لا يعرف من حوله، وهو مُغمىً عليه، وكم من شخص في حال إغماء فإذا جاء وقتُ الأذان أذَّن أذان واضح وظاهر يُسْمَع منهُ، وكم من شخص يُلازم الذِّكر وهو بالعناية وتُرى علامات الذِّكر على وجهِهِ، وقدِّم تجِد. تعرَّف على الله في الرَّخاء يعرفك في الشِّدَّة، أما لأدنى سبب تعذر نفسك وتترك الواجبات فضلاً عن المُستحبَّات، هذا في النِّهاية ما تجد شيء، ما تُعان، كثير من طُلاَّب العلم مع الأسف الشَّديد ليس لهم نصيب كما ينبغي من كتاب الله -عز وجل- ، فإذا ذهب إلى الأماكن الفاضلة، في الأوقات المُفضَّلة في العشر الأواخر من رمضان في مكة يتفرَّغ للعبادة فيجلس من صلاة العصر إلى أذان المغرب يتعرَّض لِنفحات الله في ذلك الوقت، يفتح المُصحف؛ لكن ليس لهُ رصيد سابق طُول عُمره يُريد أنْ يستغل هذه الأيام، هل يُعان على قراءة القرآن؟ ما يُعان أبداً، هذا الشَّاهد حاصل، يعني موجُودة الشَّواهد، تجد شخص من خيار النَّاس يفتح المُصحف بعد صلاة العصر خمس دقائق ثُم يغلق المُصحف يمل يتلفَّت يمين وشمال لعلُّه يشُوف أحد يقضي معه بعض الوقت يُنفِّس عنهُ، هل أنت في كُربة يُنفِّس عنك؟ لكن رأينا من ينظر السَّاعة كيف تمشي بسُرعة قبل أنْ يُكمل ما حدَّدَهُ من التِّلاوة حِزبهُ الذِّي اعتادهُ، بعض النَّاس يقول: ((من حجَّ فلم يرفُث ولم يَفْسُق خرج من ذُنُوبِهِ كيوم ولدتهُ أُمُّه)) الحج أربعة أيَّام، يقول: لو الإنسان يخيط الشفتين خياط ما عليه لو سكت أربعة أيام؟! لكن هل يُعان على السُّكُوت؟ وهو طُول أيَّامِهِ أيَّام الرَّخاء قيل وقال؟ والله ما يُعان على السُّكُوت. فعلى الإنْسان أنْ يتعرَّف على الله في الرَّخاء ليُعرف في مثل هذه اللحظات، كما قال الله -جل وعلا- : {إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى}[(4) سورة الليل] " في العناية شخص يلعن و يسبُّ و يشتم وشخصٍ يقرأ القُرآن، يعني الله -جل وعلا- ظلم هذا ولطف بهذا؟ أبداً، هذا ما قدَّم وهذا ما قدَّم، والنَّتيجة أمامه، النَّبي -عليه الصلاة والسلام- يُكابد من المرض ما يُكابد ويحرص على تطبيق السُّنَّة -عليه الصلاة والسلام-. "فما رأيتُ رسُول الله -صلى الله عليه وسلم- استنَّ استناناً أحسن منه" بعد أنْ فرغ، مُجرَّد ما فرغ رسُول الله -صلى الله عليه وسلم- رفع يدهُ أو إصبعهُ، ثُمَّ قال: ((في الرَّفيق الأعلى)) ثلاثاً ثُمَّ قضى -عليه الصلاة والسلام-، خرجت رُوحُهُ الشَّريفة إلى بارئِها، وكانت تقول: "مات بين حاقنتي وذاقنتي" الوهدة المُنخفضة ما بين الترقوتين، والذِّقن معروف مكان اللحية، "مات بين سحري ونحري" هذا من مناقبها -رضي الله عنها-، وفي لفظٍ: "فرأيته ينظر إليه، وعرفت أنه يُحب السواك" فقلت: "آخذه لك؟" فأشار برأسه: أن نعم -عليه الصلاة والسلام- وهذا لفظُ البُخاري، ولمسلم نحوه. فعلينا أنْ نحرص أشدَّ الحرص على الواجبات ((وما تقرَّب احدٌ إلى الله بأفضل مما افترض عليه)) ويحرص أيضاً على تطبيق السُّنن في الرَّخاء ليُمكَّن منها في الشِّدَّة، ولِيَأْلَفها ولِيَتجاوز مرحلة الاختبار إلى مرحلة التَّلذُّذ بالطّاعة العبادة، يكُون لهُ نصيب من الذِّكر، من التِّلاوة من الانكسار بين يدي الله -عز وجل-، ليُعرف إذا احتاج فيما بعد، ليُكْتب لهُ هذا العمل إذا مرض وعجز عنهُ، يستمر لهُ هذا العمل.
  • ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا ﴿٤٨﴾    [النساء   آية:٤٨]
الكُفُر شأنُهُ عظيم، والكافر مُخلَّد في النَّار {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النِّساء/48] الكفر ترى يا الإخوان ما هو بأمرٍ صعب؛ لا سِيَّما في أيَّام الفِتَنْ التِّي تكُون في آخر الزَّمان ((يُصبح الرَّجل مُؤمناً ويُمسِي كافراً ويُمسي مُؤمناً ويُصبح كافراً)) فَعَلى الإنسانْ أنْ يَسْأل رَبَّهُ الثَّبات على الدِّينْ، وابن القيم رحمهُ الله تعالى يقول:
  • ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ ﴿١﴾    [المطففين   آية:١]
الاسْتِسْقَاء طَلَبْ السُّقْيَا، عندَ تَأَخُّر المَطَرْ، وحُصُول القَحْطْ والجَدْبْ، يُشْرَع للمُسْلِمينْ أنْ يَخْرُجُوا؛ لِيَطْلُبُوا من الله -جلَّ وعلا- أنْ يَسْقِيَهُمْ، يُشْرَعْ لهُم ذلك؛ لكنْ الاسْتِسْقَاء طَلَب ودُعاءْ؛ فليَحْرِصْ كُلّ مُسلِم؛ أنْ يكُون مُجَاب الدَّعْوَة؛ لِيَنْكَشِفَ ما بِهِ، أمَّا أنْ يُزَاوِلْ المَعاصِي والمُنْكَرَاتْ، وتَكْثُرُ عندَهُ موانِعْ قبُول الدُّعاء، ولا يَبْذُلُ من أسْبَابِ القَبُولِ شيْئاً، هذا الأمَلُ فيهِ ضَعِيفْ، وإنْ كانَ الرَّبُّ -جلَّ وعلا- أكْرَمُ الأكرمِينْ، وأَجْوَدُ الأجْوَدِينْ؛ لكنْ يَبْقَى أنَّهُ أمَرَنا بِبَذْلِ الأسْبَابْ، وكَلَّفَنا باجْتِنَابْ المَوانِعْ التِّي تمنَعْ من قَبُول الدُّعاء، جاء في سُنَنْ ابن ماجه بِسَنَدٍ لا بأسَ بِهِ حَسَنْ منْ حَدِيثْ ابن عُمر أنَّ رسُول الله -صلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمْ-: ((لَمْ يَنْقُصْ قَوْمٌ المِكْيَال والمِيزَانَ؛ إِلَّا أُخِذُوا بِالسِّنِينْ، وشِدَّة المَؤُونَة وجَوْر السُّلْطَانِ عَلَيْهِم, ولَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ؛ إِلَّا مُنِعُوا القَطْرَ مِنَ السَّمَاء)) فهل اسْتَشْعَر التُّجَّار مثل هذا الخَبَر؟! ((ولَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ؛ إِلَّا مُنِعُوا القَطْرَ مِنَ السَّمَاء)) ومعَ الأسَفْ إنَّ كثيراً من النَّاس يَتَصَوَّر أنَّهُ ليسَ بِحَاجة إلى مطر! الذِّينَ يَحْتاجُون المَطَرْ يَسْتَسْقُونْ! منْ أهلِ البَوادِي والمَزَارِع وغيرِهِم! هذا خطأ، هذا خَلَلْ، وما يُشَاعْ ويُذَاعْ ويُعْلَنْ منْ نَقْصٍ في المِيَاه الجَوْفِيَّة أَمْرٌ مُخِيفْ، فَلا بُدَّ من بَذْلِ الأسْبَابْ الحِسِيَّة والمَعْنَوِيَّة؛ لِتَدَارِكِ الوَضْع، وإلاَّ هُم يَذْكُرُون في تَقَارِيرِهِم أَشْيَاءْ مُذْهِلَة، ومع ذلك ومع كَثْرَة ما يَسْمَع النَّاس تَجِد الإسراف الشَّديد في الماء، وقد نُهِينا عن الإسراف، إسْرَافْ شَديد في المَاء، وعلى النَّاس جميعاً أنْ يَقْتَصِدُوا في جَمِيع أُمُورِهِم؛ بحيث لا يُضَيِّقُون على أَنْفُسِهِم ولا على منْ تَحْتِ أَيْدِيهِمِ، ويَحْفَظُوا هذهِ الثَّرَواتْ، يعني المَاء كَوْنُهُ بِأَرْخَصِ الأثْمَانْ، هل يعني هذا أنَّهُ غير مَتْعُوبٍ عليه؟!! مَتْعُوب عليه؛ لكن منْ نِعَم الله -جلَّ وعلا- أنَّهُ كُلَّمَا كانتْ الحَاجَة إلى الشَّيْءِ أشَدّ؛ كانَ ثَمَنُهُ أقلّ؛ رِفْقاً بالنَّاس؛ ولِذا تجدُون يعني أرْخَصْ ما يُباع من الكُتُب الضَّرُوريَّات لأهلِ العلم وطُلاَّبِ العِلْم، فَتَجِدْ على سَبِيل المِثَال، ولَيْسَت المَسْألَة مُقَايَسَة بالأقيام أو مُقَدَّرَة بالأَثْمَانْ المُصحف، أَرْخَصْ ما يُبَاع المُصْحَفْ، ثُمَّ شُف حاجَة عَامَّة النَّاس مَثلاً إلى رِياض الصَّالِحينْ، أو إلى تفسِيرْ ابن كثير، أو إلى صحيح البُخاري مِنْ أَرْخَصْ ما يُبَاعْ، وكُلّ ما يَحْتَاجُهُ عُمُومُ النَّاسْ تَجِدُهُ أَرْخَصْ شَيْءْ، منْ أَرْخَصْ الأُمُور المَاء، والمِلْح والتَّمر، أُمُور ضَرُورِيَّة؛ لكنْ تعال إلى الأُمُور التِّي لا يَحْتَاجُها عَامَّة النَّاسْ الكماليَّاتْ أغلى الكُتُب كُتب الرَّحلات والذِّكْرَيات، هذهِ أغْلَى الكُتُب، ثُمَّ انْظُر إلى مَا فِي أسْواق النَّاس منْ السِّلَع التِّي تُبَاع تَجِدْ الكَمَالِيَّات بِأَغْلَى الأثْمَانْ والضَّرُورِيَّاتْ رَخِيصَة -وللهِ الحمد-، وهذا من لُطْفِ الله -جلَّ وعلا-؛ لأنَّ الضَّرُورِيَّاتْ يَحْتَاجُها النَّاس كُلُّهُمْ، بِخِلاف الكماليَّات، فلا بُدَّ من اسْتِشْعار هذا، لا بُدَّ أنْ نَعْرِفْ أنَّنَا بِحَاجَةٍ مَاسَّة إلى المَاءْ، وأنَّهُ لا يُمكن أنْ يَعِيش أَحَد بِدُونِ مَاء {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} [الأنْبِيَاء/30]، وعلى كُلِّ إنْسَانْ أنْ يُؤَدِّيَ ما عليهِ، يَسْعَى بِصَلاحِهِ وصَلاح نَفْسِهِ، وصَلاح من تحت يَدِهِ، يَحْرِصْ على الاقْتِصَادْ في المَاء، ولا بُدَّ من هذا، التُّجَّار أيضاً عليهم أنْ يُساهِمُوا فِي رَفْعِ الشِّدَّة بأدَاءِ الزَّكَاة ((ولَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ؛ إِلَّا مُنِعُوا القَطْرَ مِنَ السَّمَاء)) والبَلد فيهِ خَيْرَات وللهِ الحَمْد، وفيهِ أموال ولو أُدِّيت الزَّكَاةُ بِدِقَّة احْتِمَال أنْ لا يُوجَدْ فَقِير في البَلَدْ، يمكن ما يُوجَد فقير في البَلَد لو أُدِّيَتْ الزَّكَاة على الوَجْه المَطْلُوب، واللهُ المُسْتَعَانْ. أيْضاً على النَّاسْ أنْ يَنْصَحُوا، ((لَمْ يَنْقُصْ قَوْمٌ المِكْيَال والمِيزَانَ؛ إِلَّا أُخِذُوا بِالسِّنِينْ، وشِدَّة المَؤُونَة)) هذا منْ النُّصْحْ للمُسْلِمينْ؟! هذا من الغِشِّ لَهُم، ((لَمْ يَنْقُصْ قَوْمٌ المِكْيَال والمِيزَانَ)) يعني تَصَوَّر قبل سِنِينْ يمكن قبل عِشْرِينْ سَنَة وُجِد جَزَّار فيهِ حَبْل يَرْبِط بِهِ كِفَّة المِيزَانْ بإصْبَع رِجْلِهِ؛ فإذا وَضعْ قِطْعَة من اللَّحم جَرَّ الحَبْل! فرَجَحَتْ!!! هذا على خَطَرٍ عظيم نَسْأَلْ الله العَافِيَة ((لَمْ يَنْقُصْ قَوْمٌ المِكْيَال والمِيزَانَ)) {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ} [المُطَفِّفِينْ/1] وَيْلْ: وَادٍ في جَهَنَّم نَسْأَلْ الله العَافِيَة، جَاء في وَصْفِهِ انَّهُ لو سُيِّرَتْ فيهِ جِبَالُ الدُّنْيَا لَذَابَتْ! {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ} [المُطَفِّفِينْ/1]، وهذا يَرْبط كِفَّة المِيزَانْ بحبل، فإذا وَضَع قِطْعة جَرَّ الحَبْل! فَرَجَحَتْ الكِفَّة نَسْأَلُ الله السَّلامة العَافِيَة، ((إِلَّا أُخِذُوا بِالسِّنِينْ)) ويُلاحظ على مِثْل هذا أنَّهُ يَعِيشُ فَقِيراً! يعيش فَقِير مثل هذا! وهذا وَاقِع هذا الرَّجُلْ إلى أنْ ماتْ! نَسْأَلُ الله السَّلامة العَافِيَة، مَسْأَلَة الغِشّ مُشْكِلة أيْضاً ((مَنْ غَشَّنا فَلَيْسَ مِنَّا))، وفي رِواية: ((مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنَّا))، ((مَنْ غَشَّنا)) يعني غَشَّ المُسْلِمِينْ، و ((مَنْ غَشَّ)) يَشْمَل المُسْلِمينْ وغير المُسْلِمينْ، ((إِلَّا أُخِذُوا بِالسِّنِينْ، وشِدَّة المَؤُونَة)) كثِير من النَّاسْ يَعِيشْ في ضِيقْ، وعِنْدَهُ الدُّخُول العَظِيمَة! عِنْدَهُ رَاتِبْ كثيرْ؛ لكنْ نَقَصْ، يقول أنَا ما نَقَصْتْ لا مِكْيَال ولا مِيزَان! أنت طَفَّفْتْ في وَظِيفَتِكْ، ما أَدَّيْت العَمَل على الوَجْه المَطْلُوب، مَا أعْطَيْتْ العَمَلْ حَقَّهُ؛ فَتُبْتَلَى بالدُّيُونْ وهذا نُوع من شِدَّة المَؤُونة، كَوْن الرَّاتب إذا جَاءْ لا يَسْتَمِر لا يُوم ولا يُومين هذهِ شِدَّة المَؤُونة، على كُلِّ حَال، على كُلِّ إنْسَانْ أنْ يُحَاسِبَ نَفْسَهُ، وأنْ يُقدِّم ما يَكُونُ فيهِ فَرَجْ لَهُ ولِغَيْرِهِ.
  • ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ﴿١٢٨﴾    [آل عمران   آية:١٢٨]
المُعَيَّنْ من المُسْلِمين، لا يَجُوزُ لَعْنُهُ، ولو لُعِنَ جِنْسُهُ، ولو جَاءَ النَّصُّ بِلَعْنِ جِنْسِهِ، ((لَعَنَ اللهُ السَّارِقْ))، ((إنَّ الله لَعَنَ في الخَمْرَة)) ثُمَّ عَدَّهُمْ: ((شَارِبَها، وحَامِلَها، وعَاصِرَها، ومُعْتَصِرَها، والمَحْمُولَة إليهِ)) إلى آخِرِهِ؛ لكنْ لَمَّا جيء بِهِ –الشَّارب-، قال بعضُهُم: ((لَعَنَهُ اللهُ ما أَكْثَرُ ما يُؤْتَى بِهِ! قال: لا تَكُنْ عَوْناً للشَّيْطَانِ على أخِيكْ))، فالجِنْسْ غير المُعَيَّنْ، والمُعَيَّنْ لا يَجُوزُ لَعْنُهُ من المُسْلِمِينْ بِخِلاف الجِنْسْ، وقد يرد لعن الجِنْس، وجاء في المُتبرِّجَاتْ ((فالعَنُوهُنَّ)) يعني جِنْسْ المُتبرِّجات، ويُلْحَقُ بالجِنْسْ، وإنْ كانت المسألة تحتاج إلى نَظَرْ، إذا كانت فِئَة مُعَيَّنة أكثر من واحِدَة اتَّصَفَتْ بهذا الوَصْفْ، لو قِيل انتَشَر التَّبَرُّجْ في العُرس الفُلاني، جنس هذا يَنْتَابُهُ أمْرَانْ الجِنْسْ والتَّعْيِين، هو دائِرٌ بين الجِنْسْ والتَّعْيِين، المرأة الواحِدَة مُتَبَرِّجَة مُعَيَّنة، وجميع وعُمُوم المُتبرِّجات ((العَنُوهُنَّ فإنَّهُنَّ مَلْعُوناتْ)) لكنْ يَبْقَى لو تَبَرَّج أكثر من واحِدَة، مجمُوعة في حَفل مثلاً، عرس أو شبهه هُنَّ من حيث التَّعيين والانحِصَار في هذا الجَمْع مُعَيَّنات؛ لكنَّهُ لا يُقْصَد مِنْ ذلك واحِدَة بِعَيْنِها؛ إنَّما يُقْصَدُ الجِنْسْ فهذهِ يُنْتَابُها الأمرانْ، وعُمُوماً ((ليسَ المُؤمن باللَّعَّان ولا بالطَّعَّان ولا بالفَاحِشُ البَذِئ)) وقال عبد الله بن أحمد لأبِيه -كما في الأحكام السُّلْطَانِيَّة وغيرِها-، ما تقُولُ في يزيد الذِّي اسْتَبَاح المَدِينة، وأَهَانَ الصَّحابة، وقَتَلَ بَعْضَهُم، تَكَلَّمَ فيهِ بكلامِ شديدٍ جِدًّا، قال لهُ عبدُ الله لماذا لا تَلْعَنُهُ؟ قال: وهل رَأَيْتَ أبَاكَ لَعَّاناً؟ هذا بالنِّسبةِ لمن هو في دائِرَة الإسلام، يَبْقَى مسألة الكافر المُعيَّن، جَاءَ في قُنُوتِهِ -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام-: ((اللهم العَنْ فُلاناً وفُلاناً وفُلانًا)) ثُمَّ نَزَلَ قَوْلُهُ -جلَّ وعلا-: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} [آل عمران/ (128)]، ولَعْن الكافر المُعَيَّن مَسْألَة خِلافِيَّة بين أهلِ العلم لا سِيَّما مَنْ اعْتَدَى وظَلَمْ المُسْلِمِين؛ عند جَمْعٍ من أهلِ العِلْم مِنْ أهْلِ التَّحْقِيقْ المُتَّجِهْ جَوَازُهْ.
إظهار النتائج من 1581 إلى 1590 من إجمالي 6456 نتيجة.