* ورتل القرآن ترتيلاً :
(أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (205) ثُمَّ جَاءهُم مَّا كَانُوا يُوعَدُونَ (206) مَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يُمَتَّعُونَ (207)) ذكر أن عمر بن عبد العزيز كان إذا أصبح أمسك بلحيته ثم قرأ (أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (205) ثُمَّ جَاءهُم مَّا كَانُوا يُوعَدُونَ (206) مَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يُمَتَّعُونَ (207)) ثم يبكي ويقول:
نهـــــارك يا مغـــرور سهـوٌ وغفلة ...... وليلك نومٌ والردى لك لازم
فلا أنت في الإيقاظ يقظان حازم ...... ولا أنت في النوام ناجٍ فسالِمُ
تُسرُّ بما يفنى وتفـــــــرح بالمُنـى ....... كما سُر باللذات في النوم حالم
وتسعى إلى ما سوف تكــره غبّه ....... كذلك في الدنيا تعيش البهائم
الحج جاء في شأنِهِ والتَّشديد والتَّأكِيد في أَمْرِهِ ما جَاء مِنْ نُصُوص الكتاب والسُّنَّة، ولو لَمْ يَرِد فيهِ إلاّ ما جاء من قولِهِ تعالى: {وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} [سورة آل عمران/97]، والجُملة التِّي تَلِيها: {وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [سورة آل عمران/97]، هذا ممَّا يُشدِّد ويُؤَكِّد ويُبيِّنْ أَهَمِّيَّة هذا الرُّكْن لأنَّ ارتباط جُمل القرآن وعطف بعضها على بعض ليس عَبثاً أنْ يُعْطف قولهُ -جلَّ وعلا-: {ومَنْ كَفَر} [سورة آل عمران/97] على بَيَانِ فَرْضِ الحج؛ ولِذا يَرَى بعضُ أهلِ العلم أنَّ الذِّي لَدَيْهِ مَقْدِرَة واسْتِطَاعة على الحج ولم يَحُجّ أنَّهُ يَكْفُر، هي رِواية عند الحنابلة عن الإمام أحمد يَنْصُرُها بعضُ المَالِكِيَّة كَبَقِيَّة الأركان؛ لكنْ الجُمهُور على أنَّهُ لا يَكْفُر تَارِكُ الأرْكَانِ الثَّلاثة والخِلافُ في الصَّلاة؛ لكنْ جاءَ فيها من النُّصُوص الخاصَّة ما جاء: ((العَهْد الذِّي بيننا وبينهم الصَّلاة فمن تَرَكَها فقد كَفَر))، ((بينَ العَبْدِ – أو المرء والكُفر تَرْكُ الصَّلاة)) المَقْصُود أنَّ تارك الأركان الثَّلاثة على خَطَرٍ عظيم؛ وإنْ كان الجُمهُورُ على أنَّهُ لا يَكْفُر، ليسَ معنى هذا أنَّ الإنْسَانْ كَوْنُهُ لا يَكْفُر ولا يَخْرُج من الدِّين بالكُلِّيَّة بأنَّ الأمْر سهل! لا، جاءَ عن عُمر -رضي اللهُ تعالى عنهُ- أنَّهُ كَتَبَ إلى الأمْصَار أنْ يَنْظُروا من كان ذا جِدَة ولم يَحُج أنْ تُضْرَب عليهِ الجِزْيَة، ويُرْوَى أيضاً مرفُوع: ((من اسْتَطاعَ الحج ولم يحج فليَمُتْ إنْ شاءَ يَهُودِيًّا وإنْ شَاء نَصْرَانِيًّا))؛ لكنْ رَفْعُهُ ضَعِيف جدًّا؛ بل أدْخَلَهُ ابن الجَوزي في المَوضُوعات لا يَصِل إلى حَدِّ الوَضْع، المَقْصُود أنَّهُ ضَعِيف مرفُوع، فشَأْنُ الحج كَغَيْرِهِ من الأركان عَظِيمٌ جدًّا، وكثير من الذِّين لديهم الاستطاعة؛ بل الذِّين لا يُكَلِّفُهُم الحجُّ شيئاً يَتَبَرَّع أبُوهُ بأنْ يَحُجَّ بِهِ، ومع ذلك يقول والله السَّنة هذي ربيع نبي نستغلّ الوقت عطلة ولا دراسة وربيع ويروح لرحلة ولا نُزهة! أو يَتعلَّل بِدراسة، وبعض الشَّباب -مع الأسف- أنه من طُلاَّب الكُلِّيَّات الشَّرعيَّة يقول والله تسليم البحث في أوَّل الدِّراسة بعد الحج، ولا أستطيع أنْ أَحُج، وكُلُّ هذا من إيثارِ الفَانِيَة، يا أخي: لماذا تَدْرُس أنت؟! تَتْرُك فريضة من فرائِض الإسلام، رُكْن من أرْكَان الإسلام تقول: تسليم البَحْث في أول الدِّراسة؟! هذا سَمِعْنَاهُ مِراراً! فَضلاً عمّن يقول: والله الأيَّام ربيع ولا أستطيع، يجي الحج في سنةٍ ما فيها ربيع نحج!!! معَ أنّ الحج لا يُكلِّفُهُ شيء البَتَّة، كثير من الشَّباب يَتَبَرَّع آبَاؤُهُم أنْ يَحُجُّوا بِهِم، ومع ذلك يَتَعلَّلُون بهذهِ الأعذار الوَاهِية، فالحَذر الحذر، والمُبادرة المُبادرة، الآن تَسْتَطِيع أنْ تَحج، ما يُدْرِيك عن المُسْتَقبل! يمكن يجي وقت من الأوقات لا سَمَحَ الله ما تَسْتَطِيع، أمْنُ الطَّريق الذِّي نَعيشُهُ ونَتَفَيَّؤُهُ نِعمة لا يَقْدِرُها إلاَّ من عَرَفْ ما كان عليهِ النَّاس في الزَّمن الماضي، تُصلِّي المغرب في هذهِ البلاد، وتُصلِّي الفجر بالبيت الحرام، وأنت مُرتاح جدًّا، تَتَّصِل بِمن تُريد، تَأْكُل ما تَشَاء، وتَشْرَب ما شِئْتْ، وتَقْرَأ إنْ شِئْتْ، وتَسْمَع إنْ شِئْتْ، وتَنَام أيضاً وأنْت في الطَّريق، على منْ كُلِّف أنْ يُبَادِر، ويَتَعَيَّن هذا في حقّ طُلاَّب العلم مَهْمَا كانت أعْذَارُهُم، إذا كان يَسْتَطِيع فَعَلَيْهِ أنْ يُبَادِر على خِلافٍ بينَ أهلِ العلم في الحج، هل هو على الفور أو على التَّراخي؟ وهل كان فرضُهُ سنة سِتّ أو تِسِع أو عَشر؟ خِلاف؛ لكن الذِّي رَجَّحَهُ ابن القيِّم أنَّهُ فُرِض سنة تِسِع، وكثيرٌ منْ أهلِ العلم يَرَوْنَ أنَّهُ على التَّراخي؛ لكنْ مع ذلك على الإنْسَانْ أنْ يَتَعَجَّل الحج؛ لأنَّهُ ما يدري ما يَعْرِضُ لهُ.
وليلة القدر شأنها عظيم {خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ} [سورة القدر / 3 ]، أكثر من ثمانين سنة ليس فيها ليلة القدر، هذه الليلة شأنها عظيم، على المسلم أن يحرص على قيامها، النبي - عليه الصلاة والسلام - إذا دخلت العشر أحيا ليلهُ، وشد مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله، ومفهوم قولهم: (أحيا ليله) أنَّهُ لا ينام في هذه اللَّيَالي، وكان - عليه الصَّلاة والسَّلام - يخلط العِشْرين بقيام ونوم؛ لكنْ إذا دخلت العشر شَدَّ المِئْزَر وطُوِيَ الفراش وأحيا اللَّيل، مع أنَّهُ ما حُفِظْ عنهُ - عليه الصَّلاة والسَّلام - قيام ليلة كاملة اللهُمّ إلا هذه العشر، وهذه العشر هي أفضل ليالي العام؛ لأنَّ فيها ليلة القدر التي شأنُها وقدرها عظيم عند الله - جلَّ وعلا - فهي ذات قدْرٍ عظيم، أو من يقُومُها يكُون لهُ شَأْن وقَدْر عظيم، أو لِأَنها يُقَدَّر فيها ما يكون في أيَّام العام، المقصُود أنَّها ذات قَدْرٍ عَظِيم وشَأْن، مَنْ وُفِّقَ لِقِيَامِهَا إيمَاناً واحْتِسَاباً غُفِرَ لهُ ما تَقَدَّم من ذَنْبِهِ، ومن حُرِمَ القِيَام فَقَدْ حُرِمْ - يعني لا أَشَدّ من هذا الحِرْمَان- يعني ما يُعَادِل ثلاثة وثمانين سنة ونصف في ليلةٍ وَاحِدة، فَضْلُ الله عَظِيم، ولا يُحَدّ فضلهُ؛ لكنْ الحِرْمَان لا نِهَاية لهُ، بعض النَّاس يَجْلِس فِي المَسْجد ويُصلِّى على الجنازة وهو جَالس، أقول: يا أخي لك قيراط قُم صلِّ مع الناس، قم صلِ على الجنازة، أمثلة واقِعِيَّة يا الإخوان ما هي من فَرَاغ، الحِرْمَان لا نِهَاية لهُ؛ لكنْ من أَعْظَم الحِرمان أنْ يُحْرَم هذِهِ اللَّيلة العَظِيمة؛ ولِذا فإن النَّبي -عليهِ الصَّلاة والسَّلام- يُحيي هذه اللَّيالي رجَاء أنْ يُصِيب، وأنها تنتقل في ليالي العشر كل سنة في ليلة، ولذا جاءت النُّصُوص الصَّحيحة مُخْتلفة في هذا الباب.
جاء في الحديث الصَّحِيح المُتَّفَق عليه: ((رأيت كأنِّي أسْجُد في صَبِيحَتِهَا على ماء وطِين فَوكف المَسْجِد ليلة إحدى وعشرين ورُؤِيَ الطِّين في وجهِهِ -عليه الصَّلاة والسَّلام- صَبِيحَة إحدى وعشرين)) ومع ذلكم يقول في الحديث الصَّحِيح: ((أَرَى رُؤياكم قد تَوَاطَأَت في السَّبع الأواخِر، فَمَنْ كانَ مُتَحَرِّيها فَلْيَتَحرَّها فِي السَّبع الأواخِر)) فصحّ الحديث في إحدى وعشرين إذاً هي تنتقل قد تكون ليلة إحدى وعشرين، وقد تكون ليلة ثلاث، والأوتار آكد وأرْجَى؛ لكن في السَّبع الأواخر، سابعة تبقى، خامسة تبقى، سابعة تبقى إذا كان الشَّهر كامل، ليلة أربعة وعشرين وهي المُرَجَّحَة عند أهل البصرة عند أنس بن مالك والحسن البصري، وكُل هذا من أجل إيش؟ أنْ يَجْتَهِد المُسْلِم ويتعرَّض لنَفَحَات الله -جلَّ وعلا- ويُرِيَ الله - جلَّ وعَلا- مِنْ نَفْسِهِ خَيْراً خِلال هذه العشر كُلِّها، وإلاَّ المُؤَيَّدْ بِالوَحي -عليه الصَّلاة والسَّلام- بإمْكَانِهِ أنْ يُحَدِّدها بليلة مُحَدَّدة، وإنْ كان أرَادَ النَّبي -عليهِ الصَّلاة والسَّلام- أنْ يُحَدِّدها ويُبَيِّنَها فَتَلاحى رجُلان فَرُفِعَت- يعني رُفِعَ تحْدِيدها؛
ولذا يُخْطِئ بعض من يُشِيع مِنْ خِلال الرَّسَائِل أو المُكالمات أنَّ ليلة القَدْر فِي هذهِ السَّنة هي ليلة كذا، الحِكْمَة مِنْ إِخْفَائِها تَزُول بِمِثْلِ هذهِ التَّصَرُّفات، ولو كانت الحِكْمة فِي تَحْدِيدها لَحُدِّدَت، حُدِّدَت من قِبَل الشَّارع المُؤَيَّد بالوَحِي؛ لكنْ الحِكمة من إخْفَائِهَا كالحِكْمَة منْ إخْفَاء سَاعة الجُمُعَة مِن أجل أنْ يَكْثُر العَمَل فِي حياة المُسْلِم،
هذه اللَّيَالي العَشر الذِّي هِيَ أفضل ليالي العَام يَحْرِصْ الإنْسَان أنْ يَحْفَظْ نَفْسَهُ فِيها، ويَضْبِط أُمُورَهُ، ولا يُفَرِّط فِي هذِهِ اللَّيَالِي، فَشُرِعَ الاعْتِكَاف لِحِفْظِ هذِهِ الأيَّام وحِفْظ هذِهِ اللَّيَالِي.
((ما رُئِيَ الشيطان يوماً هو فيهِ أصغرُ، ولا أَدْحَر، ولا أَحْقَر، ولا أَغْيَظْ)) أَذَلّ، وأَبْعَد عن الخَيْر، وأشدّ غَيْظاً، وحَنَقاً ((منه في يومُ عرفة، وما ذلك إلاَّ لِما رَأَى من تَنَزُّل الرَّحمة))، هو لا يُريد الرَّحمة لبني آدم! هُو يُريد أنْ يُشاركُوهُ ويَدخُلُون معهُ النَّار، ولهذا كانت وَظِيفَتُهُ، وأقْسَم عليه {فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} [ص/82] فَيَغِيظُهُ أنْ يَكْسِب الحسنات، ويَغِيظُهُ أنْ تُمحى عنهم ذُنُوبُهم، وتُكَفَّر عنهم سَيِّئاتُهُم ((إلاَّ لِما رَأَى من تَنَزُّل الرَّحمة وتجاوُز الله عن الذُّنُوب العِظَام)) جاء في خبرٍ رواهٍ ابن ماجه وفيه ضَعف: ((أنَّ النبي -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام- فِي عَشِيَّةِ عَرفة سَأل الله -جلَّ وعلا- أنْ يَغْفِرَ للحُجَّاج جميع ذُنُوبِهِم، فقال الله -جلَّ وعلا- قد َفَعَلْتُ إلاَّ المَظَالِم، فقال -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام- والمَظالِم؟ فلم يُجَب، فلمَّا كان من مُزدلفة سَأل هذه المسألة فَأُجِيب)) المقصُود أنَّ هذا الحديث مُضَعَّف عند أهلِ العلم، والبُخاري لا يُثْبِتُهُ، ((إلاَّ ما أُرِيَ يوم بَدْرٍ)) لأنَّهُ رَأى النَّصر المُبين، وهذا لا شكَّ أنَّهُ يَغِيظُهُ لما رَأَى من نَصْر ((قيل: وما رَأَى يوم بدرٍ يا رسُول الله؟ قال: أَمَا إنَّهُ قد رَأَى جِبريل يَزَعُ الملائكة))، تَصُفُّهُم، وتُرَتِّبُهُم، يُقدِّم ويُؤخِّر، وإذا حَضَر الملائكة، حضر النَّصْرُ معهُم، المقصُود أنَّ مثل هذا يَغِيظُهُ، والذِّي يَغِيظُهُ مثل هذهِ الأُمُور لا شكَّ أنَّهُ من جُنْدِهِ، الذِّي يَغِيظُهُ انتصار المُسلمين، وارتِفاع سَهْمُ الأخيار، أو انتصار لشعائِر الدِّين الأمر بالمَعْرُوف والنَّهي عن المُنكر، والجِهاد وغيرها من أُمور الدَّعوة، الذِّي يَغِيظُهُ مثل هذهِ الأُمُور لا شكَّ أنَّ فيهِ من صِفاتِهِ؛ بلْ هو من جُنْدِهِ، بعض النَّاس يَسْعَى جاهِد ألاَّ تقُوم قائِمة لهذهِ الأعمال، لِسَانُهُ مُسْلَط على أهل الخير منْ خِيَار هذهِ الأُمَّة من عُلَمائِها، وأهل الحِسْبَة، وأهل الدَّعوة، لا يُريد أنْ يَنْتَشِر الخير، واللهُ المُستعان.
الموقف ممن يُفتي بغير علم أو ديدنه التساهل.
الموقف ممن يفتي بغير علم أو بهوى أو ديدنه التساهل، أو ديدنه التشدد، المقصود أنه ليس على الجادة، الدين يسر، ولن يشاد أحد الدين إلا غلبه، لكن لا يعني هذا أننا نتنصل من الدين ونتتبع الرخص، لا، علينا بالدليل، فكل قول يسنده الدليل هو الذي يجب أن يعمل به، وهو الذي يفتى به، مع الأسف أن القنوات وغيرها من وسائل الإعلام مكنت بعض الناس من القول على الله بغير علم وهذه كارثة، فليحذر أولئك الذين يفتون الناس بغير علم من المفتونين مما جاء بالفتوى والتقول على الله بغير علم، ولو لم يكن في ذلك إلا ما جاء في سورة الزمر، {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ} [(60) سورة الزمر] هل يمكن أن يقول الذي يفتي بغير علم أنا ما كذبت على الله؟ {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ} [(116) سورة النحل] بل يدخل في هذه المسألة دخولاً أولياً. وقد أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً -ينتزعه من صدور الرجال- ولكن يقبضه بقبض العلماء)) نحن نرى تطاول بعض من لا علم عنده، أو من يتمكن ولم يرسخ قدمه في العلم، أو يفتي بهوى، نرى تطاوله بعد قبض بعض العلماء، فكيف لو قبض أهل العلم، ولم يبق إلا أمثال هؤلاء الذين يفتون بالهوى؟ نسأل الله السلامة والعافية، منهم من يسلك مسلك التساهل، محتجاً بأن الدين يسر، ((ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه)) وما خير النبي -صلى الله عليه وسلم- بين أمرين إلا اختار أيسرهما، نعم ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما، لكن متى هذا؟ هذا في وقت التنـزيل، الذي ينـزل الآن الوحي بالتأييد واختيار النبي -صلى الله عليه وسلم- شرع، لكن هل يختار أيسر القولين من ليس بمشرع؟ هذا مثلما ذكرنا، هذا تتبع للرخص، ومثل هذا يخرج من الدين بالكلية وهو لا يشعر، فمثل هؤلاء يجب أن يمنعوا من الفتوى، والتقول على الله بغير علم، والله المستعان.
القبر من نعم الله على العباد
القبر نعمة من نعم الله -جل وعلا- على بني آدم، قال تعالى: {ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ} [عبس: 21] وهذا امتنان من الله -جل وعلا-، فإذا تصورنا حال الشخص الذي لا يدفن، ماذا تكون حاله، وماذا تكون حال أهله! وتصور أنه يلقى في البراري والقفار أو بين الناس في الأزقة، أو في البيوت فيؤذيهم برائحته ونتنه، ويتأذون بمرآه، بعد أن كان عزيزًا لديهم صار جيفة! لكن من نعم الله -جل وعلا- أن ألهم الغراب؛ ليريه كيف يواري سوءة أخيه.
وعند الهندوس وغيرهم مسألة الإحراق، حيث يحرقون الإنسان إذا مات، وقد جاء شخص في الهند وأعلن إسلامه، فسُئل لماذا أسلمت؟ فأخبرهم أن أمه ماتت، فذهب ليحرقها على عادتهم، فجمع لها الحطب العظيم، فأشعل هذا الحطب، فأكلت النار الكفن فقط وانطفأت، وبقيت أمه عارية أمام الناس كما خُلقت، فجمع لها حطبًا مرة ثانية فأحرقها، ثم جاء ليعلن إسلامه، وقال: لو لم يكن في دينكم إلا قبر الميت لكفى، فالحمد لله على نعمه التي لا تعد ولا تحصى.
تعدد الحقائق الشرعية للفلس.
الفَلَس يطلق في أمور الدنيا على من لا درهم له ولا متاع، حيث يُعرّف المفلس في باب الحجر والتفليس بأنه: من لا درهم له ولا متاع، أو عنده درهم ومتاع، لكن لا يفي بديونه، هذه حقيقة شرعية، لكن الحقيقة التي ينبغي أن نتنبه لها ما أشار إليه النبي -عليه الصلاة والسلام- بقوله: «أتدرون من المفلس؟» .. «إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة، وصيام، وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار» [مسلم: 2581]، وكلها حقائق شرعية، لكن الثانية أهم، كما أن الغبن في أمور الدنيا: أن يشتري الإنسان سلعة يُزاد في ثمنها عليه، أو يبيع سلعة يُنقص من ثمنها بالنسبة لما تستحقه، فهذا غبن عند أهل العلم، لا سيما إذا كان كثيرًا، لكن الغبن الذي ينبغي أن يتفطن له طالب العلم، ما جاء في سورة التغابن: {ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ} [التغابن: 9]، وتعريف الجزأين معروف أنه يدل على الحصر عند أهل العلم، أي: ذلك يوم التغابن الحقيقي، أما الدنيا فهي كلها لا شيء بالنسبة لغبن الآخرة، فلنتنبه لهذا.
الصوف والظفر المنفصل من الحيوان.
معلوم أن الأصواف تُجزّ والبهيمة حيّة، وكذلك الأوبار والأشعار غالبًا، كما أن البهيمة إذا ذُبحت يُجزّ شعرها، أو يُبقى على الجلد، وهو طاهر بالآية {وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ} [النحل: 80]، سواء أخذ منها في حال الحياة، أو بعد مفارقتها الحياة بذبح أو موت، وهذا على أن الصوف حكمه حكم المتصل، أما إذا قلنا: إن الصوف والظفر أحكامهما أحكام المنفصل، فلا إشكال ولا نحتاج إلى مثل هذا التقرير، وهذه المسألة خلافية بين أهل العلم. ومَن أراد القاعدة والتمثيل عليها فعليه بـكتاب (القواعد) لابن رجب –رحمه الله-، حيث ذكر هذه القاعدة: (شعر الحيوان وظفره في حكم المنفصل عنه لا في حكم المتصل) وما يتفرع على ذلك من أحكام، وكأن أهل العلم يميلون إلى أنها في حكم المنفصل، وأن الحيوان لا يتأثر بجزّها ولا يشعر بذلك.
أما ما يدخل في الأيمان والنذور من ذلك كأن يحلف أن لا يمسّ بهيمة فمسّ شعرها، وقلنا: إن الشعر في حكم المنفصل، فإنا نقول: إنه لم يمسّ البهيمة. لكن مثل هذا المثال يَخرج بكون الأيمان والنذور مردُّها إلى الأعراف، والعُرف لا شك أنه جارٍ على أن مَن وضع يده على بهيمة فقد مسّها، والإمام مالك يُرجعه إلى نيته.
هدي النبي في رمضان.
الأصل أن المسافر لا يُفطر إلا إذا تحقق فيه الوصف المبيح للفطر وهو السفر، يعني إذا باشر السفر وشرع فيه وفارق الحضر، وهذا قول أكثر أهل العلم، أما مادام حاضرًا غير مسافر فهو شاهد للشهر فلا بد من إمساكه قال تعالى: { فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 158]، وما ذكره ابن القيم عن محمد بن كعب مما رواه الترمذي وحسنه [799] قال: «أتيت أنس بن مالك وهو يريد سفرًا، وقد رحلت له راحلته، ولبس ثياب السفر، فدعا بطعام فأكل فقلت: سنة؟ قال: سنة، ثم ركب» فإن في إسناده عبد الله بن جعفر والد الإمام علي بن المديني وهو ضعيف، وعلى كل حال فالأحوط ألا يفطر، ولا يقصر الصلاة، ولا يجمع بين الصلاتين إلا إذا تحقق فيه الوصف المبيح للترخص وشرع في السفر، والله أعلم.