وصايا للزَّوج.
(حتَّى ما تجعلُ في فيّ امرأتك)) هذا من حُسْن العشرة والتَّعامُل، يعني تأخُذ اللُّقمة وتَضَعُها في فيّها، بعضُ النَّاس يَأْنَف من هذا ويَتَكَبَّر؛ لكنْ هذا لا شكَّ أنَّهُ من العِشرة بالمعرُوف، وبعض النَّاس إذا دَخَل بيته مثل الإمبراطُور ما يُريد أحد يتنفَّس، والنَّبي -عليه الصَّلاة والسَّلام- في خِدْمَةِ أهلِهِ {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة/228]، تُريد منك احترام وتقدير مثل ما تُريد منها، هي امرأة، إنسانة كاملة الحُقُوق، ويَبْقَى أنَّ الرَّجُل هُو الرَّاعِي، وهُو القَوَّام على من تحت يَدِهِ، لا نقول إنَّ المرأة مثل الرَّجُل، لا، من المعلُوم بالضَّرُورة من دين الإسلام أنَّ الله -جلَّ وعلا- فَضَّلَ الجِنْس على الجِنْس {وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} [البقرة/228]؛ لكن لا يعني هذا أنَّك تستغِل هذهِ القِوامة، وهذهِ الدَّرجة لِتجْعَلَها مُسَخَّرة مُذَلَّلة، لا يا أخي؛ لأنَّ الله -جلَّ وعلا- يقول: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة/228]، فلك حُقُوق ولها حُقُوق، وتُريدُها تتعامل معك باحترام وتقدير احْتَرِمْها وقَدِّرْها، هي إنسانة لها حُقُوق ولها مشاعر ولها نَفْس مِثلك، ابن عبَّاس يقول: (نِّي لأتَجَمَّلُ لها كما أُحِب أنْ تَتَجَمَّل لي) ((حتَّى ما تجعلُ في فيّ امرأتك)) يعني في فمها.
الموت وأحوال المحتضرين.
على الإنسان أنْ يعمل في حال حياتِهِ من الأعمال الصَّالحة ما يجعلُهُ يُحسن الظَّن بالله -جل وعلا-، وما يكُونُ سبباً في حُسْنِ العاقبة وحُسْن الخاتِمة، والشَّواهد من المُحتضرين كثيرةٌ جدًّا على هذا وعلى ضِدِّهِ؛ فمن عاش على شيء مات عليه، وأهلُ العلم يقُولُون: الفواتِح عنوان الخواتم، فمن عاش على شيء مات عليه، ومن مات على شيء بُعِثَ عليهِ، من لزم الأعمال الصَّالحة ذكرها عند موتِهِ وكرَّرها وقت اختلاطِهِ وهَرَمِهِ وشَغِفَ بها وأحبَّها، وشواهد الأحوال كثيرة على هذا، كم من شخص يحصلُ لهُ ما يحصل من إغماء وهو من أهل القرآن يُردِّد القرآن وهو لا يعرفُ أحد، ولا يستطيع أنْ يتكلَّم بكلمة ومع ذلك يُسْمع منهُ القرآن واضح، وكم من مُؤذِّن إذا جاء وقتُ الصَّلاة سُمع منهُ الأذان وهو في حالة إغماء.
وبالمُقابل من كان يُزاول الأعمال السَّيِّئة والجرائم و المنكرات تجدُهُ يُكررُها، وذكر ابن القيم -رحمه الله- تعالى في الجواب الكافي بعض القصص المُخيفة، فينتبه الإنسان لهذا، وإذا قيل لبعض النَّاس ممَّن شُغِف بالخمر قُل: لا إله إلا الله أجاب بما عاش فيه، إذا كان مشغُوفاًً بالغناء قيل لهُ: قُل: لا إله إلا الله ردَّد أُغنية، و إذا كان مشغُوفاً بالنِّساء إذا قيل لهُ: قُل: لا إله إلا الله ذكر بعض النِّساء المُومِسَات -نسأل الله السَّلامة والعافية-.
فعلى الإنسان أنْ يعمر حياتهُ بطاعة الله -جل وعلا- ليستصحِبَها إلى وفاتِهِ، قد يكون في نفس الإنسان هواجيس وخواطر يُردِّدُها، وأماني تغلبُ على تفكيرِهِ، ذكر ابن القيم في عِدة الصَّابرين أنَّ كثير من النَّاس ممَّن غلبت عليهم هذه الهُمُوم و الهواجس إذا صار بحالةٍ من إغماء أو خرف أو تخليط صار يُردِّدُها عند النَّاس، وكلٌّ لهُ همُّه، فمن النَّاس من كان همُّهُ في الدين ونصر الدِّين يُردِّد هذا، ومن كان همُّهُ في الدُّنيا ردَّدَها، من كان همُّهُ بالأكل ردَّد الأكل إذا خَرِف، أدركت شخص من كبار السِّن من المُسلمين كُفَّ بصرُه وصار يجلس بالشَّارع وكُل من مر قال –بلهجتِهِ-: من يراهن على دجاجة ما فيه أحد يجيب دجاجة يأكلها كاملة، هذا أيام كان الدَّجاج قليل جدًّا لا يُوجد، فاستصحب هذا الأمر إلى أنْ خَرِف صار يُردِّد هذا الكلام، بعد أنْ وسَّع الله على المُسلمين و صار الدَّجاج يعني أكثر من التَّراب، لأنَّهُ عاش على هذا الأمر، ومن عاش على ذكر الله ردَّد الذّكر، ومن عاش على التِّلاوة ردَّد التِّلاوة وهكذا، والجزاءُ من جنس العمل، وتجد بعضُ من خرف يُحْجب عن الزَّائِرين حتَّى أقرب النَّاس إليه؛ لأنَّهُ يتكلَّم بكلام حقيقةً يُخجل السَّامِع فضلاً عن القريب، لماذا؟ لأنَّهُ كان يُردِّدهُ في حياتِهِ، وفرق بين من تدخل بالعناية المُركَّزة بالمُستشفى وتجد شخص يقرأ القرآن، وآخر يُؤذِّن، وثالث يلعن ويشتم ويسب من لا شعُور ما يدري عن شيء، شيء مُشاهد، ومن أراد أنْ يعتبر ويدَّكر كما قال القرطبي في تفسير {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ}[(1) سورة التكاثر] يقول: من أراد الاعتبار و الادكار يزُور المقابر، يقول: إنْ كان مع كثرة زيارتِهِ إلى المقابر قد قلَّ أثرُها في نفسِهِ وتأثيرُها عليهِ، فليحضُر المُحتضرين، حالة سُبحان الله العظيم من شاهدها لاشكَّ أنَّها تُؤثِّر من في قلبِهِ أدنى حياة؛ لكن الميِّت ما لجرحٍ بميِّتٍ إيلامُ، قلب الميِّت مالهُ حياة، ويُشارك في التَّغسيل ويحضر الجنائز، ومع ذلكم بعضُ النَّاس يشهد هذه المشاهد ولا تُؤثِّر فيه شيء، لاشكَّ أنَّ كثرة الإمساس و كثرة مُعاينة هذه الأُمُور قد تُخفِّفُها على النَّفس؛ ولكنْ يبقى أنَّها لابُدَّ من استحضار حال الإنسان في هذا الظَّرف، فمن استحضر حالهُ في هذا الظَّرف لابُدَّ أنْ يتأثَّر، وعُثمان -رضي الله عنه- إذا رأى القبر بكى بُكاءً شديداً يقول: هذا أوَّل منازل الآخرة، إذا نجينا من هذا المنزل خلاص عتقنا، ويُوجد الآن رأيَ العين من يُدخِّن على شفير القبر، موجُود وليس بشاب لا كهل نصف لحيته أبيض ويدخن على شفير القبر، فضلاً عمن يبيع ويشتري ومواعيد ونُكت في المقبرة، كل حالة لها لبوس، والله المُستعان.
هَادِمْ اللَّذَّاتْ ومُفَرِّقْ الجَمَاعَاتْ.
((هاذم اللَّذات)) وجاء في بعض الألفاظ بالدَّال المُهملة هادم، وجاء في بعضها هازم، والفرق بين هذه الألفاظ أنَّ الهاذم هو القاطع، والهادم هو المُزيل كالذي يهدم البناء، والهازم هو الغالب، وإذا نَظَرْنا إلى الموت وجدنا فيهِ هذهِ الألفاظ كلها، فهو يقطع اللَّذات، والمُراد باللَّذات المحسُوسة من استمتاعٍ بمُتَعِ هذهِ الحياة، فَيَحُول بين المرءِ وبينها، فيقطعُهُ من الاستمتاع بالأكل والشُّرْبِ ومُعاشرة الأقرانْ، والنِّساء، وما أشْبَهَ ذلك، من مُتَعِ هذه الحياة الدُّنيا، على أنَّهُ قد ينقُلُ الإنْسَانْ إلى ما هو أشد مُتعةٍ ولذَّةٍ منها؛ لكنْ هذا بالنِّسبة لمُسْتَوى النَّاس كُلِّهِم الذي يشتركون فيه، في مُتَعِ هذهِ الحياة الدُّنيا؛ لكنْ من النَّاس من ينتقل إلى ما هو أفضل من حالِهِ وعَيْشِهِ، ومنهم من ينتقل إلى حالٍ سيِّئة نسأل الله السَّلامة والعافية، فهو قاطع وحائل بينَهُ وبين لذَّاتِهِ، وهو أيضاً هادم مثل ما يُهْدَم البِنَاء ويتحطَّم فهو مُزيل لهذهِ النِّعم، سواءً كانت حقيقتُهُ أو ذكرُهُ عند من أحيا الله قلبَهُ، هو مُزيل لهذا التَّلذُّذ بهذهِ النِّعم واللَّذَّاتْ، وهو أيضاً غالبٌ لها، ولذا يتقزَّز كثير من النَّاس من ذِكْرِ الموت أثناء الطَّعام! ويُنْكِر على من يذكر الموت في أوقات الفرح مثلا، في الأعياد، وفي الأفراح، في الأعراس، وفي غيرها، وأثناء الأكل والشُّرب، يُنْكِر من يقولها، النَّاس جاؤوا يَنْبَسِطُوا، يفرحوا، ويتلَّذُذون بحياتهم؛ لكنْ أولى ما يُذْكَر فيهِ الموت في هذهِ المواطن، مع أنَّهُ ينبغي أنْ يكون على لسان المُسْلِم؛ امتثالاً لهذا الحديث، وللمصلحة المُترتِّبة على ذِكْرِهِ؛ لأنَّ الإنسان الذِّي يُكْثر منْ ذِكْرِ الموت، الموت لا يُذْكَرْ في كثير إلا قَلَّلَهُ، ولا في قليل إلاَّ كَثَّره، إذا كانت عندك الأموال الطَّائلة إذا ذَكَرْتَ الموت؛ أمِنْتَ من الطُّغْيَان؛ لأنَّكَ رأيت أنَّكَ اسْتَغْنَيْتْ، فإذا عَرَفْتْ أنَّ ورائك موت؛ تأْمَنْ من هذهِ الآفة، وإذا كُنْتَ فَقِيراً لا تجدُ ما يكفيك؛ تكاد نفسُكَ تتقطَّع حسرات إذا رَأْيْت ما عند النَّاس من أموال ذكرت الموت؛ فهان عليك كل شيء!! هذا الأمر على المُسلم أنْ يمتثِله... لماذا؟ لئلاَّ يسترسل في اتِّباعِ شَهَواتِهِ ومَلَذَّاتِهِ، وينسَى ما أمامَهُ من أهوال، فإذا اسْتَحْضَر ذكر الموت؛ ارتاح ضميرُهُ، وعَمِلَ لما بعد الموت، لا يُذْكَرُ في كثيرٍ إلاَّ قَلَّلَهُ، ولا في قليلٍ إلاَّ كَثَّرَهُ، وجاء في بعضِ الألفاظ لهذا الحديث بعد الأمر بذكرهِ - أنَّ من أكثرَ ذِكْرَهُ؛ أحيا الله قلبَهُ - من أكثر ذكر الموت؛ أحيا الله قلبَهُ ومعناهُ صحيح، إذا تَصَوَّرت ما أمامك؛ عَمِلْتْ، وإذا نَسِيتْ ما أمامك؛ أهْمَلْتْ وغَفَلْت، فلا شكَّ أنَّ هذا الأمر على كُلِّ مُسلم أنْ يَمْتَثِله؛ لا سِيَّما من يَنْتَسِب إلى العلم وطَلَبِهِ، تَجِد النَّاس، ويُوجد هذا في مجالس طُلَّاب العلم أيضاً يَكْثُرُ فيها الهَزل، يكثُرُ فيها الضَّحك، ويَكْثُرُ فيها القِيل والقال؛ لكنْ لو ذُكِر الموت، الموت شبح أمام النَّاس كُلَّهم، مُخِيف؛ يَقِفُونَ عندَ حَدِّهم، واللهُ المُستعان.
الدنيا مزرعة للآخرة.
على المسلم أن يحرص على تحصيل الأجر والثواب، وأن يقتدي بالنبي -عليه الصلاة والسلام-، ولا يفرط في مثل هذه الأمور بناءً على أنها سنن لا عقاب عليها، ونرى بعض الناس يصلي الفريضة ثم تقام الصلاة على الجنازة ولا يصلي، لماذا؟ يقول: فرض كفاية قام به من يكفي، فرض كفاية قام بها؛ هكذا الحرمان، كم فرط مثل هذا، وصلاة الجنازة على كل جنازة قيراط، فعلينا أن نحرص على اكتساب الحسنات، ولا نفرط في مثل هذه الأمور.
فالدنيا مزرعة، مزرعة للآخرة، ألا يسرك أن يوجد في ميزانك زيادة حسنات، وكثرة ثواب من جراء فعلك لهذه المستحبات، هذه الموازين التي يستعملها بعض الناس في أمور الدين، يقول: الفرائض وكفى، بركة {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا} [(17) سورة الحجرات] هذه منة، المنة لله -جل وعلا- أنه وفقك على أنْ أسلمت، فالمنة لله -جل وعلا-، وأن وفقك لفعل الطاعات واكتساب الحسنات.
في أمور الدنيا تجد الإنسان يلهث وراء الحطام ليل نهار، هل هو يسعى لاكتساب القدر الواجب مما يلزمه ويلزم من يمونه؟ أو تجده يسعى جاداً ليل نهار في اكتساب ما يشغله عن دينه، ولو لم يكن بحاجته، بعض الناس يسعى لكسب الدنيا وعنده من الأموال ما يكفي لعشرة أجيال من ولده، ما يقول: خلاص يكفي الواجد، الموازين انتكست، يعني في أمور الدنيا ينظر إلى من هو دونه، يقول: الحمد لله نحن نصلي الفرائض ويكفي، في ناس ما يصلون أبد بعد!! يمن بعمله، لكن في أمور الدنيا – لا- ، ينظر إلى من أعلى منه، الناس ملكوا وفعلوا وتركوا، قصور واستراحات ومزراع ونحن مساكين ما عندنا إلا.. مع أنه مأمور بأن ينظر إلى من هو دونه؛ لئلا يزدري نعمة الله عليه، والدنيا مهما طالت ليست بشيء بالنسبة للآخرة ((ركعتا الصبح خير من الدنيا وما فيها)) خير من الدنيا وما فيها.
فعلى الإنسان في أمور دنياه أن ينظر إلى من هو دونه، أحرى أن يشكر ربه، وأن لا يزدري نعمة الله عليه، وأما في أمور الدين العكس، ما يقول: والله إحنا -الحمد لله- نصلي ونصوم والناس كلها ضالة، كلها ما تصلي، الكفار خمسة مليارات، يقول: كثير من المسلمين ما يصلوا إحنا -الحمد لله- نصلي، ما يكفي يا أخي، وما يدريك لعلك بتفريطك بهذه السنن واستخفافك بها يمكن تفتن في آخر عمرك، وتكون ممن عمل بعمل أهل الجنة، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار، فلتكن لطالب العلم على وجه الخصوص معاملة مع ربه وصدق ليُثَبَّتْ، وليتعرف على الله -جل وعلا- في الرخاء ليُعرف في الشدة، وما يدريك أنك في يوم من الأيام تتمنى أن تتفتح المصحف ولا يتيسر لك، في يوم من الأيام وأن تتقلب الآن بنعم الله تتمنى أن تجد رصيف تنام عليه ما تجد، يعني هذا موجود في أقطار الدنيا كلها، لننعم بنعم الله لا نظير لها لا عند السابقين ولا عند المعاصرين، فعلينا أن نعنى بهذا الباب.
الرباني.
"الرباني" منسوب إلى الرب، أو إلى التربية، إما لأنه يربي الناس، أو لأنه مطيع لربه فاعل لأوامره مجتنب لنواهيه، معتنٍ بخلقه، وقيل في الرباني: إنه الذي يتعلم ثم يعمل ويعلم، فالمتعلم والمعلم هذا رباني، وعن ابن عباس أنه الذي يعلم الناس بصغار العلم قبل كباره، يعلم الناس بصغار العلم قبل كباره، وعلى هذا عليه أن يتدرج مع الطلاب من الصغر إلى أن يكبروا، فيعلمهم المتون الصغيرة، ويحفظهم إياها، ويشرحها لهم بالطريقة المناسبة لاستيعابهم، وعقولهم ثم يتدرج إلى ما هو أكبر منها، ثم إلى ما هو أكبر، ويكون نظره إلى مصلحة الطالب لا إلى مصلحة نفسه؛ لأن بعض من يتصدى للتعليم ينظر إلى مصلحته، يأتي مجموعة من الطلاب يطلبون منه درساً فلا ينظر إلى مصلحتهم وما يناسبهم؛ بل ينظر إلى مصلحته هو، هو يحتاج هذا الكتاب، بغض النظر هل يستفيدون منه أو لا يستفيدون؟ هذا ليس برباني، هذا متعلم يريد أن يتعلم من قراءته في هذا الكتاب؛ لكن الذي ينظر إلى مصلحة الطالب ويوجهه إلى ما يفيده وينفعه ويناسبه هذا هو الرباني.
أيضاً لو قدر أن شخصاً يعلم الطلاب، نظر إلى هؤلاء المجموعة فوجدهم من المبتدئين أو المتوسطين وأراد أن يرفع من هممهم وينهض فجعل درساً في علل الدارقطني، وآخر في موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول لشيخ الإسلام وإلا در التعارض، هذا نصح للطلاب و إلا ما نصح؟ والله ما نصح للطلاب، وهؤلاء الطلاب المجزوم به أنهم سوف يتركون الطلب، فعليه أن يتدرج بهم ينظر فيما يحتاجون يتلمس حاجاتهم ويعلمهم إياها.
قد يقول قائل: إن بعض الشيوخ لا يستطيع أن ينزل بطريقته وأسلوبه إلى صغار المتعلمين، هل هو من هذا النوع؟ نقول: إذا لم يقم بحاجة صغار المتعلمين لا بد أن ينزل، إذا لم يقم بها أحد، وإذا وجد من يعينه عليها ويقوم بها ويكفيه إياها لا مانع أن يعلم من فوقهم بطريقته وأسلوبه الذي يراه نافعاً.
قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: الرباني هو المعلم، وأخذه من التربية أي يربي الناس بعلم كما يربي الطفل أبوه، وقال سعيد بن جبير: هو الفقيه العليم الخبير، وقال سيبويه: زادوا ألفاً ونوناً في الرباني إذا أرادوا تخصيصاً بعلم الرب، كما قالوا: شعراني ولحياني لعظيم الشعر واللحية، وقال أبو نعيم الزاهد... أبو عمر مو أبو نعيم، هذا معروف اللغوي الذي ينقل عن ثعلب: سألت ثعلباً عن هذا الحرف وهو الرباني فقال: سألت ابن الأعرابي فقال: إذا كان الرجل عالماً عاملاً معلماً قيل له: رباني، فإن حرم خصلة منها لم يقل له رباني، وفي مفتاح دار السعادة للإمام المحقق ابن القيم: معنى الرباني: الرفيع الدرجة في العلم، العالي المنزلة فيه، وعلى ذلك حملوا قوله تعالى: {لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ والأحبار} [(63) سورة المائدة].. إلى آخره.
قبله في البخاري: "الذي يربي بصغار العلم قبل كباره" هناك أقوال كثيرة لكن أشهرها ما ذكرنا أنه إما الذي يربي الطلاب بصغار العلم قبل كباره، أو أنه الذي يعتني بنفسه وبغيره فيتعلم ويعمل ويعلم، ويكون وقته لله.
المرء مع من أحب.
طالب: عن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((المَرْءُ مع منْ أَحَب)) متفق عليه.
الشيخ: هذا الحديث حديثٌ عظيم ، ينبغي للمُسلم أنْ يفرح به أشدّ الفرح، كما فَرِحَ به الصَّحابة؛ لكن ليست المسألة دعوى ولا أماني ((المرء مع من أحب)) كلنا نَدَّعِي أنَّنا نُحِب الرَّسُول -عليهِ الصَّلاة والسَّلام-، ونُحبُّ أبا بكر، ونُحب عُمر، ونُحب الأنبياء، ونُحب العُلماء العاملين المُخلصين المُحَقِّقِين، كلنا ندّعي ذلك؛ لكن الكلام ما الذي يُصدِّق هذه الدعوى؟ الذي يُخالف أمر الرسول -عليهِ الصَّلاة والسَّلام- يُحب الرسول؟ {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ}[(31) سورة آل عمران] هذه الدعوة المصدّقة في العمل، فالذي يعصي الله -جلَّ وعلا-، ويعصي أوامر الرَّسُول -عليهِ الصَّلاة والسَّلام- كاذبٌ في دعواه.
تَعْصِي الإله وأنت تزعُمُ حُبَّهُ
لو كانَ حُبُّكَ صَادِقاً لَأَطَعْتَهُ
هذا لَعَمْرِي فِي القِيَاسِ شَنِيعُ
إنَّ المُحِبَّ لِمَنْ يُحبُّ مُطِيعُ
الرَّسُول يَأْمُرُكَ بالأمر، ويَنْهَاك عن النَّهي، ولا يُحَرِّك فيك سَاكِن، وتقول: أحُب الرَّسُول -عليه الصَّلاة والسَّلام-، كثير من المُسلمين في أقطار الأرض مُخَالِفُون مُضَادُّون للنَّبي -عليه الصَّلاة والسَّلام- ولِأَقوالِهِ ولِأَفْعَالِهِ، وإذا جَاء يوم المَوْلِد زَعَمُوا أنَّهُم يُحِبُّون الرَّسُول -عليه الصَّلاة والسَّلام-، ويَرمُون من لا يُزاول هذه الأمور البِدْعِيَّة بعدم محبَّة النَّبي -عليه الصَّلاة والسَّلام-، ويزعُمُون أنَّهم هُم الذِّين يُحبُّونه، هذا الكلام ليس بصحيح؛ إنما من يُحِب أحد لابُد أنْ يَتَّبِعَهُ، على مُستوى الأفراد الآن لو شخص يُحِب آخر، أو يُحب امرأة أُعجب بها و أحبّها تأمرهُ بأدنى شيء فلا يُطيعُها هذا حب؟ هذا ليس بِحُب، كاذب في حُبِّهِ؛ لكن مع ذلك ((المرء مع من أحب)) فلتكُن مَحَبَّتُهُ لله ورسُولِهِ والصَّحابة والأتباع بإِحسان والأنبياء، مُخْلِصاً صَادِقاً في مَحَبَّتِهِ؛ لِيَتَحَقَّق لهُ هذا الوَعْد.
التدبير والتخطيط.
التدبير التخطيط الآن ما هو على مستوى الدول يقولون: التخطيط أساس التنمية، الإنسان إذا كان موظفاً ومرتبه مناسب متوسط قل أسرة متوسطة راتبهم خمسة آلاف، إذا رتبت ودبرت هذا الراتب، وقسمت على أيام الشهر في يوم كذا، ميزانية، مثل ميزانية الدولة تجده يستمر إلى آخر الشهر بدون حرج؛ لكن بعض الناس يطلع راتبه اليوم ما تغاب شمس اليوم ما عنده من شيء، ويستمر طول الشهر في حكم الفقراء المعدمين، هل هذا من العقل هذا؟ لا عقل كالتدبير هذه حكمة، فعلى الإنسان أن يوازن أموره، يوضب أموره، يقسم أموره، ويحتاط لنفسه، ويجعل لنوائبه ولضيوفه شيئاً يدخره، ولا يقصر على نفسه ولا يبخل ولا يشح، {وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ} [(9) سورة الحشر] فالناس إما إفراط وإما تفريط، بعض الناس وهذه حاصلة واقعة توفي شخص مدرس، درس أربعين سنة من يوم كذا تاريخ كذا إلى وفاته فوجدت رواتبه من أول شهر، راتب كل شهر مربوط بحبل، كل شهر إلى وفاته، بدون نقص ولا هللة في علب كبيرة مكتوب على كل شهر شهره ويدفن في البيت، يوم توفي والله ما نقص شيء أبد، هل هذا تدبير؟ يعيش يتكفف الناس ويسألهم ولا أسرة، ولا تزوج ولا شيء وعايش في بيت حالته حالة، لا كهرب ولا ماء، ما في عنده شيء، والرواتب كل راتب بحبل مكتوب شهر كذا وفي العلبة، ولما توفي وجدوه، يرثه إخوانه وجدوا الرواتب كلها موجودة، ووجدوا عنده هناك عادات إذا تزوج في الأسرة بنت مثلاً يهدى إلى عمها مشلح، بشت، عباءة، ووجدوا هذه البشوت بشناط مركومة أكلتها الأرضة، بعدد بنات الأخوة، هل هذا يقبله عقل؟ بل هل هذا يتصوره عقل؟ وبالمقابل الثاني: الذي ما تغاب الشمس وعنده من راتبه ريال، ولذلك لا بد من التدبير، لا بد من التنظيم، ولا أفضل من التوجيه الإلهي {وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا} [(29) سورة الإسراء] ملوم كل يلومك، زملاء اثنين على طرفي نقيض، واحد مبذر وواحد شحيح، المبذر صحيح أنه يستأنس إذا طلع الراتب الأيام اللي حوله، والثاني: صاكٍ على نفسه هذا الشحيح يقول لزميله: والله أنا غابطك مستأنس ومبسوط لكن لا جيت تتسلف تقترض والله أني أرحمك، صحيح هذا واقع كثير من الناس، إما كذا وإما كذا، لكن قلة من الناس الذين لديهم العقل المدبر، تجد أمورهم ماشية، يعني إلى آخر الشهر ما عليه نقص، قد لا يوفر شيء ما يخالف؛ لكن ما يروح يسأل الناس.
احذر من أن تتخبط في الظلمات يوم القيامة وأنت لا تشعر.
الظلم مرتعه وخيم، وشأنه عظيم، وهو وضع الشيء في غير موضعه، وتتفاوت شدته وقوته وضعفه بسبب الأثر المترتب عليه، وهو أنواع ودركات، أعظمه -نسأل الله السلامة والعافية- الشرك، وبه فسر النبي -صلى الله عليه وسلم- الظلم، في قوله -جل وعلا-: {الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ} [(82) سورة الأنعام] قال: ((الشرك)) وأحال على قول لقمان: {يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [(13) سورة لقمان] لا شك أن الشرك لا سيما الأكبر هو أعظم أنواع الظلم؛ لأنه وضع للشيء في غير موضعه، فموضع التوجه توجه الإنسان لمن خلقه ورزقه وأوجده من العدم إلى الوجود، فمثل هذا يجب أن يكون التوجه إليه، فلو أن شخصاً استأجر أجيراً ودفع له ما دفع من الأجرة ثم أخذ هذا الأجير يعمل ويؤدي ما يترتب على عمله لغير مستأجره ظلمه، فكيف بمن خلق ورزق وأوجد من العدم؟! كيف يؤدى الحق الذي هو أعظم الحقوق حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً يؤدى إلى غيره؟! لا شك أن هذا هو أعظم أنواع الظلم، وقصره النبي -عليه الصلاة والسلام- في تفسير آية الأنعام على الشرك، وهذا التفسير منه -عليه الصلاة والسلام- تفسير للعام ببعض أفراده، والتنصيص على بعض أفراد العام لا يقتضي الحصر {الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ} [(82) سورة الأنعام] نكرة في سياق النفي تعم جميع أنواع الظلم؛ لكن النبي -عليه الصلاة والسلام- فسره ببعض أفراده، وهذا له نظائر كثيرة ذكرنا في درسٍ مضى تفسير القوة بالرمي، ولا يعني أننا لا نستعد للعدو بغير الرمي، ولا يعني أننا لا نتقي من أنواع الظلم إلا الشرك، نعم التنصيص على بعض الأفراد من قبل الشارع إنما هو للعناية به، والاهتمام بشأنه، فلا شك أن الشرك -نسأل الله السلامة والعافية- لا سيما الأكبر المخرج عن الملة الموجب للخلود في النار هذا أعظم ما يجب أن يتقيه المسلم، ثم بعد ذلك يليه ما يليه من أنواع الظلم، من ظلم العبد لنفسه، وظلم العبد لغيره، هذه أنواع من الظلم، وقد حرم الله -جل وعلا- الظلم على نفسه ((يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا)) يعني لا يظلم بعضكم بعضاً، فعلى الإنسان أن يتقي ويجتنب الظلم لا ظلم الإنسان لنفسه بأن يدنسها بأوظار الشرك والبدع والمعاصي، ولا ظلم الإنسان لغيره، لا ظلم المسلم وشأنه عظيم، وظلم من لا يستحق الظلم من غير المسلمين غير الحربيين، وكذلك ظلم البهائم أيضاً ظلم أن تحمل الدابة ما لا تطيق، وأن يقصر في نفقتها، كل هذا ظلم لها، وكل هذا لا يجوز داخل في الآية {الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ} [(82) سورة الأنعام] يعني لم يخلطوا {إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ} [(82) سورة الأنعام] في جميع أنواعه وصوره وأشكاله {أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ} [(82) سورة الأنعام] الأمن التام المطلق؛ لكن إذا وجد الشرك فلا أمن البتة، إذا وجد الشرك ذهب الأمن {وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا} [(55) سورة النــور] هذا أقوى ما يثبت الأم ويقوي دعائمه، الالتزام بالتوحيد، وتحقيق التوحيد، وتخليصه من شوائب الشرك، {أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ} [(82) سورة الأنعام] يعني التام المطلق، ولم يلبسوه بأي ظلم؛ لكن إذا اتقوا الشرك ووقعوا في أنواع من الظلم سواء كان من ظلم الإنسان لنفسه أو لغيره لهم من الأمن بقدر ما حققوه من الاتباع، وكلما قرب من الكمال زاد الأمن، وكلما نقص نقص، والحصة بالحصة كما يقول ابن القيم، يقول: بعض الناس أن النبي -عليه الصلاة والسلام- فسره بالشرك فلا يدخل فيه شيء...، نقول: لا يا أخي فسره بالشرك ويبقى أن الظلم نكرة في سياق النفي يعم جميع أنواع الظلم، نص على الشرك لعظم شأنه، فلا يجوز للإنسان أن يظلم نفسه، ولا يجوز له أن يظلم غيره حتى غير المسلمين، يعني غير الحربيين، والبهائم يدخل في هذا.
إذا كان الظلم ظلمات فالعدل نور يوم القيامة، كما جاء في الحديث الصحيح: ((المقسطون على منابر من نور يوم القيامة)) الذين يعدلون في أنفسهم وأهليهم وما ولوا، فلا يقول الإنسان: أنا ما لي علاقة بأحد كيف يتصور مني الظلم؟ يتصور منك الظلم أمرت بالعدل والإنصاف، والأمة أمة عدل وإنصاف، وأمة وسط، خيار عدول يشهدون على الناس؛ لكن لا بد من العدل والإنصاف، وهذا على مستوى الأفراد والجماعات، ليس من العدل أن تسأل عن شخص هفوته يسيرة فتجعل هذه الهفوة من العظائم أو العكس لا بد من العدل والإنصاف، ولا يجوز لك وأنت بصدد ترجمة راوٍ من الرواة ضعفه يسير تجعله شديد أو العكس، وقل مثل هذا في جميع التصرفات، فالعدل لا بد منه {وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ} [(58) سورة النساء] {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ} [(90) سورة النحل] فإذا كان الظلم ظلمات والإنسان بحاجة إلى النور في تلك المضايق {يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم} [(12) سورة الحديد] بسبب العدل؛ لأن المقسطين على منابر من نور بسبب الالتزام بالعدل الأكبر وهو التوحيد، تحقيق التوحيد ونفي الشرك وما يوصل إلى الشرك من وسائل، والظلم هو التعدي على النفس، يعني لو تعدى الإنسان على نفسه بقطع أنملة من أنامله، أو إصبع من أصابعه ظلم نفسه، وكذا إذا تعدى على غيره في دمه وماله وعرضه هذا ظلم، فليحذر الإنسان من أن يتخبط في الظلمات يوم القيامة وهو لا يشعر بسبب الظلم، ونحن مأمورون بالعدل حتى بين من بيننا وبينهم عداوة، {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [(8) سورة المائدة] يعني لا يحملكم بغض قوم على أن لا تعدلوا بينهم، لا بد من العدل، والله المستعان.
أيضاً من الظلم وهو ظاهر في أوساط المسلمين مع الأسف الشديد ظلم بعض الناس لأولادهم، وعدم معاملتهم بالعدل، ظلم بعض الناس لزوجاتهم وهذا أيضاً مع الأسف الشديد موجود بين المسلمين؛ لكن على المسلم أن يتقي الظلم؛ لأن شأنه عظيم، وعاقبته وخيمة.