| ٥٩٨١ |
{هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (3)}
وصف الكتاب ههنا بأنه حكيم وبأنه هدى ورحمة للمحسنين، ووصفه في سورة البقرة بأنه هدى للمتقين، فقد قال في البقرة: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2)}.
فقد وصفه هنا:
1- بالحكيم.
2- وأنه هدى ورحمة.
3- للمحسنين.
وقال في البقرة:
1- لا ريب فيه.
2- هدی.
3- للمتقين.
ولم يصفه بأنه حكيم.
أما وصفه بالحكيم في (لقمان) فهو مناسب لما ورد في السورة من نحو قوله: {وَلَقَدْ آَتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ}، وما ذكر في الوصية من الحكمة، وقوله: {إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}.
وأما قوله: {لَا رَيْبَ فِيهِ} في البقرة فهو مناسب لقوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا}، فقد نفى عنه الريب أولًا، ثم قال: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ} {البقرة: 23} فأبطل دواعي الريب.
وقال في البقرة: {هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ}.
وقال ههنا: {هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ} فزاد الرحمة على ما ذكر في البقرة، وذلك أنه قال في البقرة: (للمتقين)، وقال في لقمان: (للمحسنين)، والمتقي هو الذي يحفظ نفسه، أما المحسن فهو الذي يحسن إلى نفسه وإلى غيره فلا يقتصر ذلك عليه هو. قال تعالى: {وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ} {القصص: 77}، وقال: {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} {الإسراء: 23}.
فالإحسان لا يقتصر على النفس، بخلاف التقوى فإنها للنفس خاصة.
والإحسان إلى الآخرين من الرحمة، فلما رحموا الآخرين رحمهم الله، فكما زادوا في الوصف بأن أحسنوا إلى أنفسهم وإلى الآخرين زاد الله لهم الرحمة على الهدى.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أن الله زاد في الجزاء للمحسنين في الآخرة فقال: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} {يونس: 26}، فكما زاد لهم في الآخرة زاد لهم في الدنيا.
ثم إن كل تعبير مناسب لما ورد في السورة، فقوله: {هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} في البقرة مناسب لقوله تعالى: {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ}. ومن الطريف أن هذا وارد تعقيبًا على إبطال دواعي الريب فقال: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} {البقرة: 23 – 24}.
وورد في أول السورة أيضًا بعد نفي الريب فقال: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ } وهي مناسبة بديعة فقال في أول السورة: {هُدًى لِلْمُتَّقِينَ}، وقال ثم: {فَاتَّقُوا النَّارَ}.
أما قوله: {هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ} فهو المناسب لما ورد في سورة لقمان، فقد شاع في السورة جو الهدى والرحمة والإحسان.
فمن مظاهر الهدي إرشاد لقمان لابنه وهدايته السبيل المستقيم.
ومنه قوله تعالى في المحسنين: {أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} {لقمان: 5}.
وقوله: {وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ (15)} والذي يسلك السبيل إنما يريد الهداية.
ومن ذلك قوله: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (20) } وانظر إلى وصف الكتاب بالإنارة، والإنارة إنما تكون للهداية.
أما الذي يسير في الظلام فإنما هو ضال لا يدري أين يتجه.
ومن مظاهر الهدى النكير على الضالين والمضلين وذلك نحو قوله: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ (6) }، وقوله: {بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (11)}، وقوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ} {لقمان: 21}، وهؤلاء ضالون اتبعوا آباءهم الضالين، يدعوهم الشيطان فيستجيبون له حتى يوصلهم إلى عذاب السعير، كما قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ (3) كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ} {الحج: 3 – 4}، والضلالة نقيض الهدى.
ومن مظاهر الرحمة في السورة ما ذكره من آياته الكونية والمسموعة رحمة بالإنسان، قال تعالى
{وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ} {لقمان: 10}، فإنه ألقى الرواسي رحمة بنا لئلا تميد بنا الأرض.
ومن ذلك ما ذكره من وصية الإنسان بالوالدين ومصاحبتهما بالمعروف وذكر حمل الأم لولدها وإرضاعها له، وكل ذلك من مظاهر الرحمة.
وذكر تسخير ما في السماوات والأرض لنا وإسباغ النعم الظاهرة والباطنة علينا {أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً} {لقمان: 20}، وهذا من أعظم الرحمة بنا، وذكر غير ذلك من النعم.
ومن مظاهر الإحسان ما ذكره من إيتاء الزكاة في قوله: {وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ}، ومنها الوصية بالوالدين والإحسان إليهما، ومن ذلك إحسان الأب إلى ابنه وإرشاده وتعليمه.
ومن ذلك قوله: {وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} {لقمان: 22}، وذكر من مظاهر إحسان الله إلى خلقه ما عدد عليهم من النعم وتسخير ما في السماوات والأرض لهم وما خلقه من أجلهم. فناسبت الآية ما ورد في السورة أجمل مناسبة وارتبطت أحسن ارتباط.
جاء في (التفسير الكبير): "قال في سورة البقرة: {ذَلِكَ الْكِتَابُ} ولم يقل: (الحكيم) فلما زاد ذكر وصف الكتاب، زاد ذكر أمر في أحواله فقال: {هُدًى وَرَحْمَةً}، وقال هناك: {هُدًى لِلْمُتَّقِينَ}.
فقوله: (هدى) في مقابلة قوله: (الكتاب)، وقوله: (رحمة) في مقابلة قوله: (الحكيم)، ووصف الكتاب بالحكيم على معنى ذي الحكمة، كقوله تعالى: {فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ} أي ذات رضا.
المسألة الثانية: قال هناك: (للمتقين)، وقال ههنا: (للمحسنين)؛ لأنه لما ذكر أنه هدى ولم يذكر شيئًا آخر قال: (للمتقين) أي يهتدي به من يتقي الشرك والعناد والتعصب، وينظر فيه من غير عناد.
ولما زاد ههنا (رحمة) قال: (للمحسنين) أي المتقين الشرك والعناد الآتين بكلمة الإحسان.
فالمحسن هو الآتي بالإيمان، والمتقي هو التارك للكفر، كما قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} {النحل: 128}، ومن جانب الكفر كان متقيًا وله الجنة. ومن أتي بحقيقة الإيمان كان محسنًا وله الزيادة لقوله تعالى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} {يونس: 26}، ولأنه لما ذكر أنه رحمة قال: (للمحسنين)؛ لأن رحمة الله قريب من المحسنين" (1).
(1) التفسير الكبير للرازي – دار إحياء التراث العربي – بيروت – لبنان ط2/147 ه – 1997 م – المجلد التاسع 114 – 115.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 384 إلى ص 389.
الوقفة كاملة
|
| ٥٩٨٢ |
{الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) }
ذكر إقامة الصلاة وهي أداؤها على الوجه الأتم، وهي من الإحسان إلى النفس. وذكر إيتاء الزكاة وهي من الإحسان إلى الغير.
وذكر الإيقان بالآخرة وهو مدعاة إلى الإحسان إلى النفس وإلى الآخرين فذكر جماع الإحسان.
لقد قال هنا: {وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ}.
وقال في البقرة {وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} {البقرة: 4}، فزاد (هم) في أول الجملة، وذلك - والله أعلم - لما تردد في السورة من ذكر الآخرة وأحوالها والتوعد بها، فقد ورد ذلك في زهاء نصف عدد آيات السورة، وذلك نحو قوله: {لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} {لقمان: 6}، {فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} {لقمان: 7}، {لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ} {لقمان: 8}، {خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا} {لقمان: 9}، {إِلَيَّ الْمَصِيرُ} {لقمان: 14}، {ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} {لقمان: 15}، {أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ} {لقمان: 21}، {إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا} {لقمان: 23}، {ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ} {لقمان: 24}، {مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ} {لقمان: 28}، {وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ} {لقمان: 33}، {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} {لقمان: 34}.
ثم إن السورة بدأت بذكر الآخرة وانتهت به، فقد بدأت بقوله: {وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} {لقمان: 4} وانتهت بقوله: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} {لقمان: 34}.
فناسب زيادة (هم) في هذه السورة على ما في البقرة.
وقدم (بالآخرة) على الفعل (يوقنون) لأن الإيقان بالآخرة صعب ومقتضاه شاق، فإن الإيقان بالمشاهد يسير، بل إن قسمًا من الناس يؤمنون بالله ولا يؤمنون باليوم الآخر، ومن هؤلاء كفار مكة كما أخبر عنهم ربنا في أكثر من موطن، وذلك نحو قوله: {وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ} {الجاثية: 32}، وقوله: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} {سبأ: 7}، وقوله: { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآَبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ (67) لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآَبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} {النمل: 67 – 68}.
ومع إنكارهم الآخرة كانوا يؤمنون بالله كما أخبر ربنا عنهم بقوله: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ} {العنكبوت: 61}، وكما أخبر عنهم في السورة نفسها فقال: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} {لقمان: 25}.
وقدم (هم) على الفعل (يوقنون) تعريضًا بغيرهم ممن يدعي الإيمان باليوم الآخر ولا يعمل بمقتضاه، فكأنهم وحدهم الذين يوقنون إيقانًا حقيقيًا باليوم الآخر، وكأن من عداهم ليس بمؤمن، فكان ههنا تقديمان: تقديم الضمير على الفعل، وتقديم الجار والمجرور عليه، وكان الأصل أن يقول: (ويوقنون بالآخرة)، ويحتمل أن تكون الواو للحال فيكون المعنى: الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة في حال إيقانهم بالآخرة، أي: يفعلون ذلك موقنين بالآخرة، فهم يقيمون الصلاة موقنين بالآخرة، ويؤتون الزكاة موقنين بالآخرة. ولو قالها على الأصل، أي (يوقنون بالآخرة) لم يفد هذا المعنى، فكانت أفعالهم طمعًا في ثوابه سبحانه وخوفًا من عذابه.
وقد تقول: وهل يصلي من لم يكن مؤمنًا باليوم الآخر؟
فنقول: نعم قد يكون ذاك، فقد أخبر ربنا عن مشركي قريش أنهم كانوا يصلون مع أنه ذكر أنهم لا يؤمنون بالآخرة فقال: {وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً} {الأنفال: 35}.
وبناء ذلك على الجملة الاسمية وتكرار (هم) يدل على عظم شأن الإيمان باليوم الآخر، وأنه لا ينفع شيء مع عدم الإيمان به.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 389 إلى ص 391.
الوقفة كاملة
|
| ٥٩٨٣ |
{أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5) }
أولئك الموصوفون بتلك الصفات على هدى من ربهم، فذكر أن الهدى إنما هو من ربهم لا من ذات أخرى.
واقتران لفظ الرب مع الهداية أحسن اقتران، ذلك أن الرب هو المربي والمعلم والمرشد، وأولى مهمات الرب التربية والهداية، ولذا كثيرا ما يقترن لفظ الرب مع الهداية، وذلك كقوله: {رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} {طه: 50}، وقوله: {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} {الأنعام: 161}، وقوله: {إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} {الشعراء: 62}، وغير ذلك.
وإضافة (الرب) إلى ضميرهم إضافة لها دلالتها، ذلك أن الذي يهديهم هو ربهم وفيه إخلاص الهداية ومحض النصح والتوجيه.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 391 إلى ص 392.
* * *
{وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}
وتعريف المفلحين والمجيء بضمير الفصل يدلان على أنهم وحدهم المفلحون وليس ثمة مفلح سواهم، والإنسان يبغي الفلاح في كل أموره، فإذا كان الأمر كذلك فعليه أن يكون على هدى من ربه ولا فلاح بغير ذلك. فهذا إهابة بالناس لأن يكونوا منهم بل أن لا يكونوا إلا منهم، فمن عداهم خاسر وهم وحدهم المفلحون.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أن طريق الهدى قد يكون شاقًا مكلفًا وقد تكون عاقبته شديدة الأذى في الدنيا وينال متبعه من الضر والعنت ما يؤدي إلى العزوف عنه، فذكر ربنا أن متبعه مفلح رابح وأنه لا فلاح في سواه، فكان ذلك مدعاة إلى اتباعه وإهابة بالتمسك به، فكان ذلك أحسن تعقيب.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 392 إلى ص 392.
الوقفة كاملة
|
| ٥٩٨٤ |
{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (6)}
"اللهو كل باطل ألهى عن الخير وعما يعني، و(لهو الحديث) نحو السمر بالأساطير والأحاديث التي لا أصل لها والتحدث بالخرافات" (1) والغناء وقول الخنا ونحوه (2).
ومما ذكر في سبب نزول هذه الآية أنها نزلت في النضر بن الحارث وكان يخرج تاجرًا إلى فارس فيشتري أخبار الأعاجم. وفي بعض الروايات: كتب الأعاجم، فيرويها ويحدث بها قريشًا ويقول لهم: إن محمدًا عليه الصلاة والسلام يحدثكم بحديث عاد وثمود وأنا أحدثكم بحديث رستم و اسفنديار وأخبار الأكاسرة، فيستملحون حديثه ويتركون استماع القرآن (3).
ومهما ذكر من أسباب النزول الآية فإنها لا تخص واحدًا بعينه، بل تعم كل من ينطبق عليه الوصف.
{لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ} أي: "يشتري بغير علم بالتجارة وبغير بصيرة بها، حيث يستبدل الضلال بالهدى والباطل بالحق" (4).
والمشتري يشتري عادة ما ينفعه وهو يعلم ماذا يشتري، أما هذا فيشتري بغير علم وهو يشتري ما يضره ولا ينفعه، وعلى هذا فقوله: (بغير علم) متعلق بالفعل (يشتري).
ويحتمل أن يكون متعلقًا بـ (يضل) فيكون الإضلال بغير علم، أي يضل الناس وهو لا يعلم كقوله تعالى: {وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ} {الأنعام: 119}.
والذي يترجح عندي أنه متعلق بالفعلين (يشتري) و(يضل) فيكون من باب التنازع، فهو يشتري بغير علم ويضل بغير علم فتكون الخسارة مضاعفة، ذلك لأن من يشتري ولا يعلم ماذا يشتري خاسر، وكونه يضل بغير علم خاسر أيضًا، فإن المشتري بغير علم قد يقتصر ضرره على نفسه، أما هذا فهو يضل الآخرين فيتعدى ضرره إلى الآخرين. وكونه يضل بغير علم لا يعفيه من المسؤولية، لأن الأصل أن يتكلم بعلم ولا يتكلم بما ليس له به علم فيضل الناس بجهله. بل إن هذا أخسر الخاسرين ولا يعفيه جهله وإن حسب أنه مهتد، قال تعالى: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} {الكهف: 103 – 104}، وقال: {إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ} {الأعراف: 30}، وقال: {وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ} {الزخرف: 37}.
لقد وردت تعبيرات في القرآن قريبة من هذا التعبير مع بعض اختلاف، فقد يذكر السبيل مع الإضلال كما في هذه الآية، وكما في قوله تعالى: {ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} {الحج: 9}، وقوله: {وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ} {الزمر: 8}.
وأحيانًا يذكر الإضلال ولا يذكر السبيل كما في قوله تعالى: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ} {الأنعام: 144}، فلم يقل: (ليضل الناس عن سبيله).
وأحيانًا يقول: (بغير علم) وأحيانًا لا يقول ذلك كما في آيتي الحج والزمر.
وقد يذكر الناس فيقول: {لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ} {الأنعام: 144}، وقد لا يذكرهم كما في الآيات الأخرى.
ولكل ذلك سبب.
فأما ما ذكر فيه السبيل فهو يعني دين الله وصراطه المستقيم وهو الإسلام، بخلاف ما لم يذكر فيه السبيل وذلك كما في آية لقمان، وكما في قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (8) ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ} {الحج: 8 – 9}.
فهذا مجادل في الله ليضل عن سبيله. وكما في قوله تعالى: {وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ} {الزمر: 8}.
بخلاف ما لم يذكر فيه السبيل نحو قوله تعالى في تحريم الجاهليين قسمًا من الأنعام: {وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آَلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} {الأنعام: 144}.
فلم يقل: (ليضل الناس عن سبيل الله) وذلك لأن هذه مسألة جزئية متعلقة بالذبائح والأطعمة وليست متعلقة بالدين كلًا.
وأما ذكر (بغير علم) أو عدم ذكره فلذلك سبب يقتضيه أيضًا، وذلك نحو قوله تعالى في سورة الحج: {ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ} {الحج: 9} فإنه لم يقل: (بغير علم) وذلك لأنه تقدم الآية قوله: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (8) ثَانِيَ عِطْفِهِ}، فقد نفى عنه العلم قبل هذه الآية.
ونحو ذلك ما ورد في سورة الزمر، فقد قال: {وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ} {الزمر: 8}، ولم يقل: (بغير علم) وبقية الآية توضح سبب ذلك، فقد قال تعالى: {وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ}.
فلم يقل: (بغير علم) لأنه دعا ربه منيبًا إليه واستجاب له، فهو إذن يعلم ربه فدعاه وحده ومع ذلك جعل له أندادًا ليضل عن سبيله.
وأما ذكر (الناس) وعدم ذكرهم فله سببه أيضًا، ذلك أن كل ما لم يذكر فيه الناس مع قوله: (ليضل) فلأنه تقدم ذكر الناس أو الإنسان، وذلك نحو قوله: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ}.
وقوله: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ}.
وقوله: {وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ} {يونس: 12}.
فلا حاجة لذكر الناس.
وأما قوله: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ} {الأنعام: 144} فلم يتقدم ذكر الناس بل تقدم ذكر الشيطان، فقد تقدم الآيات قوله: {وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ} {الأنعام: 137}.
والشركاء هم الشياطين.
وقيل قبل آية تحريم الأنعام: {وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} {الأنعام: 142}.
فهذا التحريم اتباع للشيطان، والشيطان يريد أن يضل الناس، فلما لم يتقدم ذكر الناس وإنما تقدم ذكر الشيطان ناسب ذكر الناس لأنه عدوهم المبين.
(1) الكشاف 2/514.
(2) ينظر المحرر الوجيز 11/484 – 485.
(3) ينظر روح المعاني 21/67، المحرر الوجيز 11/483، البحر المحيط 7/179.
(4) الكشاف 2/514.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 392 إلى ص 396.
* * *
{وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا}
"الضمير في (يتخذها) يحتمل أن تعود على (آيات الكتاب) المذكور أولًا، ويحتمل أن يعود على السبيل" (1).
ولم يأت باللام مع المعطوف (ويتخذها) فلم يقل: (وليتخذها هزوًا)، ذلك أن المعطوف ليس بمنزلة المعطوف عليه من حيث الغرض والتعليل، وإنما هو يأتي بالدرجة الثانية، فإن الغرض الأول من اشتراء لهو الحديث والأساطير هو الإضلال وصرف المستمعين عن القرآن الكريم، أما الهزء فيأتي بالدرجة الثانية؛ لأن الهزء إنما يمكن أن يحصل بطرائق متعددة وليس عن طريق شراء الأساطير، فإن الغرض من شراء الأساطير إنما هو الإضلال عن سبيل الله، فلما لم يكونا بمنزلة واحدة حذف اللام، فإن الذكر أكد من الحذف، فقولك: (مررت بأحمد وبمحمود) أكد من قولك: (مررت بأحمد ومحمود)، فلما لم يكن المتعاطفان بمنزلة واحدة في الغرض حذف اللام مما هو أقل شأنًا في التعليل.
ألا ترى إلى قوله تعالى مثلًا: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آَيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آَيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آَيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ} {الإسراء: 12} كيف ذكر اللام في المعطوف والمعطوف عليه فقال: (لتبتغوا) و(لتعلموا) لأن الابتغاء من فضل الله، ومعرفة السنين والحساب كليهما مطلوبان، وإن معرفة السنين والحساب من ألزم الأمور لهذه الحياة فذكر اللام في المتعاطفين معًا.
(1) المحرر الوجيز 11/485.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 396 إلى ص 397.
* * *
{أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ}
جمع بعد الإفراد، إذ قال أولًا: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي ... لِيُضِلَّ ... وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا} بالإفراد، ثم قال بعدها: {أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} بصيغة الجمع، وذلك أنه لما قال: {لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} كان التهديد له ولمن يضلهم، يدلك على ذلك أنه جاء في سورة البقرة بالإفراد مع المتعاطفات فقال: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (205) وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ} {البقرة: 204 – 206}.
فجاء بالإفراد فقال: {فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ} لأنه لم يذكر أحدًا معه.
جاء في (التحرير والتنوير): "لما كان (من يشتري لهو الحديث) صادقًا على النضر بن الحارث والذين يستمعون إلى قصصه من المشركين جيء في وعيدهم بصيغة الجميع {أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ}" (1).
ووصف العذاب بأنه مهين لأنه استهان بآيات الله واستهزأ بها واستكبر عنها، والاستهزاء إهانة لمن يستهزأ به فجعل له عذابًا مهينًا.
جاء في (التفسير الكبير) في هذه الآية: "لما بين أن القرآن كتاب حكيم يشتمل على آيات حكيمة بين من حال الكفار أنهم يتركون ذلك ويشتغلون بغيره، ثم إن فيه ما يبين سوء صنيعهم من وجوه:
الأول: أن ترك الحكمة والاشتغال بحديث آخر قبيح.
الثاني: هو أن الحديث إذا كان لهوًا لا فائدة فيه كان أقبح...
ثم قال تعالى: (بغير علم) عائد إلى الشراء أي يشتري بغير علم، ويتخذها هزوا أي يتخذ السبيل هزوًا" (2).
(1) التحرير والتنوير 21/144.
(2) التفسير الكبير 9/115.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 397 إلى ص 398.
الوقفة كاملة
|
| ٥٩٨٥ |
{وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (7)}
قال: (وإذا) ولم يقل: (وإن) لأن الأمر حصل أو هو يحدث لا محالة، لأن (إذا) تستعمل لما يقع كثيرًا أو سيقع لا محالة، بخلاف (إن) فإنها تستعمل لافتراض قد يقع وقد لا يقع.
ومعنى ذلك أن التلاوة حصلت وقد ولى عنها مستكبرًا.
وقال: (تتلى) بالمضارع، ولم يقل: (تليت)؛ للدلالة على تكرار التلاوة عليه. والمفروض أن تكرار التلاوة يدعو إلى التأمل فيها. أما هذا فهو يولي عنها مستكبرًا.
وقال: (آياتنا) بإضافة الآيات إلى ضمير الله المعظم لتعظيم آياته وتشنيع فعله.
وقال: (مستكبرًا) للدلالة على أنه لم يكتف بالتولية، فقد يكون المولي غير مستكبر، أما هذا فهو يستكبر عن آيات ربه، فوصفه بالتولي عن آيات ربه، وهو وصف قبيح، ثم وصفه بالاستكبار عنها، وهو زيادة في القبح.
وقال: {كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا} للدلالة على أنه يسمع وليس في أذنيه وقر، ولكن يتجاهل ما يتلى عليه.
وقد تقول: ولم قال ههنا: {كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا}، ولم يقل نحو ذلك في قوله: {وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (7) يَسْمَعُ آَيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} {الجاثية: 7 – 8}؟
والجواب عن ذلك: "أن آية الجاثية لما تقدم فيها قوله: {وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (7) يَسْمَعُ آَيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ} فوصفه بسماع آيات الله لم يكن ليطابقه ذكر الوقر في الأذن، لأنه قد ذكر سماعه الآيات، والوقر مانع من السماع فلم يناسب الإعلام بالسماع ذكر الوقر المانع منه...
ولما لم يقع ذكر سماع الآيات في آية لقمان وتقدم ذكر المشار إليه بقوله: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا} وهذه زيادة مرتكب فناسبها ذكر زيادة الوقر، مع أنه لم يرد فيها ذكر سماعه الآيات كما ورد في آية الجاثية، فازداد ووضح التلاؤم" (1).
(1) ملاك التأويل 2/789.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 399 إلى ص 400.
* * *
{فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}
قال: (فبشره) والبشرى إنما تكون في الخير، ولكنه قال ذلك استهزاء، فاستهزأ به كما استهزأ بآيات الله واستكبر.
وقال: (فبشره) بضمير الإفراد، ولم يقل: (فبشرهم) كما قال في الآية السابقة، إذ قال فيها: {أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} بصيغة الجمع، وذلك أنه في هذه الآية ذكره وحده ولم يذكر معه أحدًا، بخلاف الآية السابقة فقد ذكر معه من يضلهم.
ووصف العذاب ههنا بأنه أليم، ووصفه في الآية السابقة بأنه مهين، ذلك أن كل وصف وضع بمكانه اللائق به، فإن الإهانة غالبًا ما تكون إذا وقعت أمام الآخرين. وكلما كانت أمام جمع أكبر كان وقعها أشد على النفس، أما إذا لم يكن ثمة أحد يشاهدها فالإهانة ليست ظاهرة، وتكون أشد إذا كانت أمام أشخاص يعرفهم ويعرفونه.
ولما ذكر في الآية الأولى جمعًا أضلهم كان وصف العذاب بأنه مهين أشد على النفس؛ وذلك لأنه واقع أمام مشهد من أضل، فكان يشهد بعضهم إهانة بعض.
أما في الآية الثانية فإنه لم يصف العذاب بأنه (مهين)؛ لأنه ذكره بمفرده ولم يذكر معه أحدًا يشاهد تعذيبه، فناسب وصفه بالأليم.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أن في الاستهزاء جانبين:
جانب إهانة الآخرين، وجانب إيلامهم، فجمع له بين العذابين: المهين والمؤلم.
فقد يكون العذاب مهينًا غير مؤلم للجسد، وقد يكون مؤلمًا غير مهين، فجمع له بين العذابين. فكما أهان الآخرين والمهم باستهزائه جمع له بين الإهانة والإيلام.
وفي هذه الآية ذم للمشتري من وجوه فهو "يشتري الحديث الباطل، والحق الصراح يأتيه مجانًا يعرض عنه. وإذا نظرت فيه فهمت حسن هذا الكلام من حيث إن المشتري يطلب المشتري مع أنه يطلبه ببذل الثمن، ومن يأتيه الشيء لا يطلبه ولا يبذل شيئًا، ثم إن الواجب أن يطلب العاقل الحكمة بأي شيء يجده ويشتريها، وهم ما كانوا يطلبونها، وإذا جاءهم مجانًا ما كانوا يسمعونها، ثم إن فيه أيضًا مراتب:
الأولى: التولية عن الحكمة، وهو قبيح.
والثاني: الاستكبار.
ومن يشتري حكاية رستم وبهرام ويحتاج إليها كيف يكون مستغنيًا عن الحكمة حتى يستكبر عنها...
الثالث: قوله تعالى: {كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا} شغل المتكبر الذي لا يلتفت إلى الكلام ويجعل نفسه كأنها غافلة.
الرابع: قوله: {كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا} أدخل في الإعراض" (1).
وجاء في (البحر المحيط): "وتضمنت هذه الآية ذم المشتري من وجوه: التولية عن الحكمة، ثم الاستكبار، ثم عدم الالتفات إلى سماعها كأنه غافل عنها، ثم الإيغال في الإعراض بكون أذنيه كأن فيهما صممًا يصده عن السماع" (2).
(1) التفسير الكبير 9/116.
(2) البحر المحيط 7/180.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 400 إلى ص 402.
الوقفة كاملة
|
| ٥٩٨٦ |
{إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ (8) خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (9)}
لما ذكر الكافرين وذكر أن لهم عذابًا مهينًا وعذابًا أليمًا ذكر بمقابل ذلك من آمن وعمل صالحًا فذكر أن لهم جنات النعيم.
وإضافة الجنات إلى النعيم أنسب إضافة، إذ هي بمقابل ما يلقاه المضل المستهزئ من عذاب مهين وعذاب أليم. ومن كان في عذاب أليم ومهين لا ينعم وإن كان في الجنات، فناسب ذلك إضافة الجنات إلى النعيم.
وتقديم الجار والمجرور (لهم) على الجنات يفيد الاختصاص، فإن جنات النعيم لا تكون إلا لمن آمن وعمل صالحًا.
ثم ذكر أنهم خالدون فيها، وأن هذا وعد منه لا يتخلف، وكيف يتخلف وهو وعد من الله العزيز الحكيم؟
والعزيز هو الذي لا يغلبه شيء فليس ثمة ما يمنعه من إنجاز وعده و تحقيق وعيده، والحكيم الذي لا يفعل إلا ما تقتضيه الحكمة والمصلحة (1).
واختيار (العزيز الحكيم) لخاتمة الآية أنسب شيء.
فالعزيز هو الغالب الممتنع.
والحكيم يحتمل أن يكون من الحكمة أي هو ذو حكمة، ويحتمل أن يكون من الحكم أي هو حاكم.
والمعنيان مرادان معًا فهو الحاكم ذو الحكمة.
واجتماع هذين الاسمين أحسن شيء وأنسبه في هذا المكان، فإن تمام العزة أن يكون صاحبها حاكمًا وهو أعلى العزة، فإن العزة درجات والأعزة درجات، فبعضهم أعز من بعض، وأعلى العزة أن تجتمع مع الحكم، فإنه قد يكون العزيز غير حاكم، فإذا اجتمع معها الحكم كان تمام العزة.
والعزيز الحاكم إن لم يكن ذا حكمة كانت عزته وحكمه تهورًا وبطشًا وغرورًا، وكان ذلك في حقه منقصة وليس صفة كمال، فإن من ألزم صفات الكمال للعزيز الحاكم أن يكون ذا حكمة فتزداد صفاته كمالاً، فكان اجتماع هذين الوصفين أحسن اجتماع وأنسبه. وقد عرف الوصفين بأل فقال: {وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} ولم يقل: (إنه عزيز حكيم) للدلالة على أنه المتفرد فيهما ولا يماثله في ذلك أحد. ولو قال: (عزيز حكيم) لاحتمل أن يكون هناك من يماثله ممن هو عزيز حكيم.
وقد تقول: ولم قال إذن في السورة نفسها: {إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} فلم يعرف؟
والجواب: أن السياق مختلف، ذلك أنه في الآية الأولى قالها تعقيبًا على المستكبر الذي اتخذ آيات الله هزوا، وبعد التهديد الذي ألحقه به وبمن يضلهم، وبعد ذكر الجزاء الذي يؤتيه أولياءه، فاقتضى تعريف العزيز الحكيم، إذ هو الذي سيفعل بكل صنف هذا الفعل لا يمنعه من ذلك مانع، وليس ثمة من يظن أن هناك عزيزًا حكيمًا يمنعه من ذلك.
وأما الآية الثانية فجاءت في سياق قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} فليس في السياق ذكر محارب له أو معاند، كما لم ترد في التعقيب على نصرة أوليائه وجزائهم، فلم يقتض ذلك ما اقتضى في الأول من التعريف، فناسب كل تعبير موضعه.
(1) ينظر روح المعاني 21/81.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 402 إلى ص 404.
الوقفة كاملة
|
| ٥٩٨٧ |
{خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (10)}
قال ههنا: {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا}، وقال في مكان آخر: {رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا} {الرعد: 2}، وكل تعبير مناسب لمكانه، فإن تعبير (رفع) في الرعد أنسب من جهات:
1- منها أنه قال: {وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ}، والإنزال إنما يكون من فوق أي من مكان مرتفع، فناسب (رفع السماوات).
2- وقال: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} {الرعد: 2}، والعرش فوق السماوات.
3- ذكر تسخير الشمس والقمر وهما من الأجرام السماوية وهي مرتفعة في السماء، فناسب ذكر رفع السماء.
وليس في (لقمان) شيء من ذلك، فناسب (خلق) دون (رفع).
ثم إن قوله: (خلق السماوات) في لقمان مناسب لما ورد في الآية بعدها وهو قوله: {هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ}.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 404 إلى ص 404.
* * *
{وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ} {لقمان: 10}.
أي كراهة أن تميد أو لئلا تميد بكم.
ومن الملاحظ أنه حين يذكر الرواسي يقول أحيانًا: {أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ} {النحل: 15}، أو {أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ} {الأنبياء: 31}، وأحيانًا لا يقول ذاك كما في {الرعد: 3}، و{الحجر: 19}. و{فصلت: 10}، و{ق: 7}، و{المرسلات: 27}، و {النمل: 61}.
وسبب ذلك - والله أعلم - أنه إذا أراد بيان نعمة الله على الإنسان قال: {أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ}، وإذا أراد بيان قدرة الله فيما صنع لا لبيان علاقة ذلك بالإنسان لم يقل ذاك.
وقال: {أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ} ههنا لبيان نعمة الله على الإنسان ورحمته له، وهذا أمر مرتبط بقوله: {هُدًى وَرَحْمَةً} في أول السورة فإن عدم ميدها بهم من رحمة الله لهم.
وهو مرتبط أيضًا بقوله تعالى في الآية السابقة لها: {وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}، فإنه بين حكمة إلقاء الرواسي في الأرض، فهي مرتبطة بما قبلها من ناحيتين: من ناحية الرحمة ومن ناحية الحكمة.
وقال: {وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ} دون (جعل) كما في آيات أخرى (1)، وذلك لمناسبة وصفه نفسه بـ (العزيز) في الآية السابقة، فإن إلقاء الرواسي من العزة.
فقوله: {وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ} مناسب لاسمه (العزيز)، وقوله: {أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ} مناسب لاسمه (الحكيم).
واختار لفظ (الرواسي) دون الجبال مثلًا لأن المقصود بالرواسي الثوابت، وليس في لفظ الجبال ما يدل على ذلك، ولذا لا يستعمل لفظ الرواسي حين يذكر زوالها وذهابها يوم القيامة، لأن الرواسي من الرسو وهو الثبات، بل يستعمل لفظ الجبال وذلك نحو قوله: {وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ} {التكوير: 3}، {وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا} {النبأ: 20}، {وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً} {الحاقة: 14}، {وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ} {المرسلات: 10}، وغيرها.
(1) انظر مثلاً الرعد 3، الأنبياء 31، فصلت 10، النمل 61.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 405 إلى ص 406.
* * *
{وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً}
قال: (أنزلنا) بإسناد الإنزال إلى ضمير الله سبحانه على طريق الالتفات وذلك لأهمية الماء بالنسبة للإنسان.
جاء في (التفسير الكبير): "إن إنزال الماء نعمة ظاهرة متكررة في كل زمان، متكثرة في كل مكان، فأسنده إلى نفسه صريحًا ليتنبه الإنسان الشكر نعمته فيزيد له من رحمته" (1).
وجاء في (التحرير والتنوير): "والالتفات من الغيبة إلى التكلم في قوله: (وأنزلنا) للاهتمام بهذه النعمة التي هي أكثر دورانًا عند الناس" (2).
وكذلك أسند الإنبات إلى نفسه فقال: {فَأَنْبَتْنَا فِيهَا} فهو المنزل وهو المنبت.
(1) التفسير الكبير 9/118
(2) التحرير والتنوير 21/146.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 406 إلى ص 406.
* * *
{مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ}
أي من كل صنف بالغ الجودة كثير الخير والمنفعة، و(الزوج) معناه ههنا الصنف، قال تعالى: {وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً} {الواقعة: 7}، أي أصنافًا. وقال: {وَآَخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ}{ص: 58}، أي أصناف.
وقد تقول: ولم قال ههنا: {مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ}، فوصفه بالكرم، وقال في (ق) والحج: {مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} فوصفه بالبهجة؟.
والجواب: أنه إضافة إلى موافقة فواصل الآية في كل موضع فهناك أمر آخر حسن كل تعبير في مكانه.
فقد قال في (لقمان): {مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ} والكريم - كما قلنا – هو البالغ الجودة والنفاسة والكثير المنفعة وهو المناسب لما ذكره من حكمة لقمان التي آتاه الله إياه، وهي بالغة الخير والنفاسة كثيرة المنفعة، {وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} {البقرة: 269}.
أما في (ق) فالسياق سياق الزينة والجمال، قال تعالى: {أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (6) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (7) ….. وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ} {ق: 6 – 10}،فانظر كيف ناسب ذكر البهجة ذكر الزينة في السماء، والزينة إنما تكون للبهجة. وانظر كيف قال: {وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ} وكل ذلك مناسب للزينة والجمال.
ونحو ذلك ما جاء في سورة الحج، فقد قال: {وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} {الحج: 5}، فقابل الهمود بالبهجة وهو المناسب.
فناسب كل تعبير موطنه.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 406 إلى ص 407.
الوقفة كاملة
|
| ٥٩٨٨ |
{هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (11)}
* * *
{هَذَا خَلْقُ اللَّهِ}
يمكن أن يراد بالمصدر ههنا اسم المفعول، أي مخلوقاته، والإشارة إلى ما ذكر من خلق السماوات وغيرها.
ويمكن أن يراد به الحدث؛ أي: هذا خلقه، كما تقول: (هذا صنعه) وهذا فعله).
والإشارة تكون إلى بديع صنعه وحسن فعله، ومن المحتمل أن يكونا مرادين معًا.
وقال: (ماذا) ولم يقل: (ما خلق الذين من دونه) للتنصيص على الاستفهام، ولو قال: (ما) لاحتمل الموصولية والاستفهامية.
وفي الاستفهام من التعجيز والاستهزاء ما ليس في الموصول، إذ قد يفهم من الموصولية أنهم خلقوا شيئًا فتطلب رؤيته، فيكون المعنى: أروني الذي خلقوه، كما تقول: انظر إلى ما صنع فلان، وهذا ما فعل فلان، وهذا ما رسمه، وهذا ما كتبه، وأرني ما كتب، فإن كانت موصولة احتمل أنه كتب شيئًا فأراد أن يراه، وقطعا لهذا المعنى ولئلا يفهم أنهم خلقوا شيئًا جاء بما ينص على الاستفهام ولا يحتمل الموصول وهو (ماذا).
ومن المعلوم أن الذين من دونه لم يخلقوا شيئا وهم يعلمون ذاك، فهم لا يستطيعون أن يروه شيئا خلقه غير الله ولذا انقطعوا وسكتوا فقال هو: {بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ}.
والمشركون من الظالمين، فهم ظالمون لأنفسهم لأنهم عبدوا ما لا يستحق العبادة، فأذلوا أنفسهم وحقروها لأنهم عبدوا ما هو دونهم، وهم سيدخلون أنفسهم النار فكانوا ظالمين لها.
وهم ظالمون من جهة أخرى لأنهم أعطوا ما لا يستحق شيئا أعظم الأشياء وهو العبادة، فالعبادة حق الله وحده وهم جعلوها لغير الله، وهذا ظلم، لأنك إذا صرفت الحق عن صاحبه إلى غيره كنت ظالمًا، فهؤلاء إذن ظالمون. وهم في ضلال ظاهر مظهر لنفسه، أي هو من الوضوح بحيث لا يخفى على عاقل.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 408 إلى ص 409.
الوقفة كاملة
|
| ٥٩٨٩ |
{وَلَقَدْ آَتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (12)}
الحكمة: هي وضع الشيء في محله في القول والعمل، وقيل: هي" عبارة عن توفيق العمل بالعلم. فكل من أوتي توفيق العمل بالعلم فقد أوتي الحكمة" (1).
فالحكمة لها جانبان: جانب القول وجانب العمل، ولا يكون الفرد حكيما حتى يحسن القول والعمل.
وقد أسند الله إيتاء الحكمة إلى نفسه (آتينا)؛ وذلك لأن إيتاء الحكمة من الخير، ومن الشائع في القرآن الكريم أن ربنا سبحانه يسند الإيتاء إلى نفسه في الخير، بل يسند أفعال الخير إلى نفسه في العموم (2). قال تعالى: {وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا} {الجن: 10}، فأسند الخير وهو الرشد إلى نفسه فقال: {أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا} وبنى مريد الشر للمجهول فقال: {أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ}.
والواو في أول الآية "عاطفة قصة لقمان على قصة النضر بن الحارث في قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} باعتبار كونها تضمنت عجيب حاله في الضلالة من عنايته بلهو الحديث ليضل عن سبيل الله ويتخذ سبيل الله هزوا، وباعتبار كون قصة لقمان متضمنة عجيب حال لقمان في الاهتداء والحكمة، فهما حالان متضادان" (3).
{أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ}
ذهب كثير من المفسرين إلى أن (أن) في الآية تفسيرية (4) فيجعلون (آتينا) متضمنًا معنى القول دون حروفه.
جاء في (التفسير الكبير): "فإن (أن) في مثل هذا تسمى المفسرة، قسر إيتاء الله الحكمة بقوله: {أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ} وهو كذلك" (5).
وذهب بعضهم إلى أن قوله: {أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ} تفسير للحكمة لا للفعل.
جاء في (التحرير والتنوير): "و(أن) قوله: {أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ} تفسيرية وليست تفسيرًا لفعل (آتينا) لأنه نصب مفعوله وهو الحكمة. فتكون (أن) مفسرة للحكمة باعتبار أن الحكمة هنا أقوال أوحيت إليه أو إليهما فيكون في الحكمة معنى القول دون حروفه فيصلح أن تفسر بـ (أن) التفسيرية...
وأيضًا فإن شكر الله من الحكمة" (6).
والأقرب إلى المعنى فيما يبدو أن يقال: إن التقدير: آتينا لقمان الحكمة وأوصيناه أن اشكر لله، فيكون المعنى أنه أتاه الحكمة وأوصاه بالشكر وأمره به.
أو بتقدير: وآتيناه أن اشكر الله.
أي آتيناه الحكمة وآتيناه أن اشكر لله، أي أوحينا إليه ذلك وألهمناه إياه، ولا يشترط ذلك أن يكون وحي نبوة بل قد يكون وحي إلهام كقوله تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ} {القصص: 7}، وقوله: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا} {النحل: 68}، فكما أوحى الرب إلى أم موسى الأمر بالإرضاع، وأوحي إلى النحل الأمر بالاتخاذ، آتى لقمان وأوحى إليه الأمر بالشكر، وهذا أولى من جعل (أن) تفسيرية، وذلك لأن التفسير يجعل الحكمة هي الشكر فحسب، مع أن الشكر إنما هو من الحكمة وليس هو الحكمة كلها.
إن هذا التعبير يعني أيضًا أن من الحكمة التي أوتيها لقمان أن يشكر ربه.
فشكر الله إنما هو من الحكمة، ويعني أيضًا أن يشكر ربه على ما آتاه من الحكمة، فإن الحكمة نعمة ينبغي أن يشكر ربه عليها، كما تقول: إن من الحكمة أن تشكر ربك، وقد آتاك الله الحكمة فاشكره على ما آتاك.
فهذا التعبير يفيد عدة معان في آن واحد:
اتينا لقمان الحكمة، وآتيناه أن اشكر لله، أو: وأوصيناه به، ومن الحكمة أن تشكر ربك، واشكر ربك على ما آتاك من الحكمة.
وقد تقول: لم يقل: ولقد آتينا لقمان الحكمة فاشكر لله؟
فنقول: لو قال ذاك لم يفد هذه المعاني وما أفاد إلا معنى واحدًا وهو أن تكون الحكمة سببًا للشكر.
ولكان فيه ضعف في الدلالة، ذلك أن المعني سيكون أن الذي أوتي الحكمة لقمان، والمأمور بالشكر غيره. فيكون المعني: لقد آتينا لقمان الحكمة فاشكر أنت أيها المخاطب الله، فيكون قد طلب منه الشكر للإنعام على غيره لا عليه.
وقال: {أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ} لهم ولم يقل: (أن اشكر لنا) فالتفت ليدل على أن مؤتي الحكمة هو الله.
ومن المطرد في التعبير القرآني أنه ما عبر الله عن نفسه بضمير الجمع إلا ذكر بعده أو قبله ما يدل على الإفراد ليدل على أنه واحد لا شريك له، وذلك أمر مطرد في جميع القرآن لم يتخلف عنه موطن واحد وذلك نحو قوله تعالى: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (1) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} {الكوثر: 1-2}، فذكر بعد ضمير الجمع في: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ} الرب بصورة الإفراد فقال: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ} وقال: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ}، ثم قال بعد ذلك: {تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ}، فذكر الرب بعد ضمير الجمع.
(1) التفسير الكبير 9/118.
(2) انظر معاني النحو 2/89 وما بعدها.
(3) التحرير والتنوير 21/148.
(4) انظر التفسير الكبير 9/119، البحر المحيط 7/181.
(5) التفسير الكبير 9/119.
(6) التحرير والتنوير 21/151 – 152.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 409 إلى ص 412.
* * *
{وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ}
جاء بفعل الشرط (يشكر) مضارعًا للدلالة على أن الشكر يتكرر، وذلك لأن كل نعمة تمر بك تشكر الله عليها وهو ينبغي أن يتكرر، وجاء بفعل الشرط في قوله: {وَمَنْ كَفَرَ} ماضيًا، لأن الكفر لا يتكرر تكرر الشكر، بل قد يحصل ابتداء ويبقى صاحبه عليه إلا إذا شاء الله..
ومن الظاهر في استعمال الشرط في القرآن الكريم أنه يؤتي بفعل الشرط مضارعًا فيما يتكرر حدوثه، ويؤتى به ماضيًا فيما لا يتكرر حدوثه، وهذا الأمر جاء كثيرًا في القرآن الكريم (1).
جاء في (التفسير الكبير) في هذه الآية: "قال في الشكر: {وَمَنْ يَشْكُرْ} بصيغة المستقبل، وفي الكفران: {وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} وإن كان الشرط يجعل الماضي والمستقبل في معنى واحد كقول القائل: من دخل داري فهو حر، ومن يدخل داري فهو حر، فنقول فيه إشارة إلى معنى وإرشاد إلى أمر، وهو أن الشكر ينبغي أن يتكرر في كل وقت لتكرر النعمة، فمن شكر ينبغي أن يكرر، والكفر ينبغي أن ينقطع، فمن كفر ينبغي أن يترك الكفران" (2).
ومن الملاحظ أنه قدم الشكر على الكفر في هذه الآية، في حين قدم الكفر على العمل الصالح في آية أخرى، قال تعالى في سورة الروم: {مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ} {الروم: 44}.
وبالنظر في الآيتين نجد أكثر من اختلاف في التعبير:
1- فقد قدم في آية الروم الكفر وأخر العمل الصالح، وقدم في آية لقمان الشكر وأخر الكفر كما أشرت.
2- ذكر في الروم عاقبة كل من الفريقين فقال: {مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ}، في حين قال في لقمان: {وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ}، فذكر عاقبة الشكر ولم يذكر عاقبة الكفران.
3- ذكر في الروم فعلي الشرط بالماضي فقال: {مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا}.
في حين ذكر في لقمان فعل الشكر بالمضارع وفعل الكفر بالماضي.
4- ذكر في لقمان مقابل (من كفر): (من يشكر)، وذكر في الروم مقابل (من كفر): (من عمل صالحًا).
ولكل ذلك سبب اقتضاه.
أما تقديم الكفر في الروم على العمل الصالح فذلك لأن السياق هو في ذكر الكافرين ومآلهم، فقد قال قبل هذه الآية: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (41) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ (42) فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ (43) مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ} {الروم: 41 – 44}.
فالسياق في ذكر الكافرين فقدمهم.
وأما آية لقمان فوقعت في سياق الأمر بالشكر، قال تعالى: {وَلَقَدْ آَتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ}، فناسب تقديم الشكر.
جاء في (التفسير الكبير): "قال تعالى هنا: {وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ}، بتقديم الشكر على الكفران. وقال في سورة الروم: {مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ}.
فنقول: هناك كان الذكر للترهيب لقوله تعالى من قبل: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ}. وههنا الذكر للترغيب؛ لأن وعظ الأب للابن يكون بطريق اللطف والوعد" (3).
وأما ذكر عاقبة الكفر في الروم فلما تقدم من ذكر عاقبة من كفر في الدنيا وعاقبة ذلك في الآخرة، فقد قال فيمن أظهر الفساد في البر والبحر: {لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (41)}، وقال: {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ (42)}، فوجهنا للنظر في عاقبة الكافرين.
ثم هدد بما سينالهم في الآخرة، ولذا ناسب ذكر عاقبة من كفر فقال: {مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ}، ولم يذكر شيئًا من ذلك في لقمان فاكتفى بقوله: {وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ }.
وبالنسبة إلى اختلاف فعلي الشرط في المضارع والمضي فإن آية لقمان فيمن هو في الدنيا، فذكر فعل الشرط بالمضارع لأن الشكر يتكرر، وذكر الكفر بالماضي لأنه لا يتكرر تكرر الشكر كما أسلفنا.
وأما آية الروم فهي في الآخرة، قال تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ (43) مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا ..... } {الروم: 43 – 44}، فذكر الكفر والعمل الصالح بالماضي؛ لأنه ليس عمل ثم، وإنما هو جزاء على ما قدم من عمل.
وأما ذكر الكفر بمقابل الشكر في لقمان فلأنه ذكر الشاكرين أولاً فقال: {وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ}.
وأما في سورة الروم فقد ذكر الكافرين والمشركين فناسب ذكر من آمن وعمل صالحًا فقال: {وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (44) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} {الروم: 44 – 45}، فناسب كل تعبير موطنه.
وقال: {فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ} فجاء بـ (إنما) للدلالة على أن الشكر لا ينفع إلا صاحبه حصرًا ولا يفيد الله سبحانه، فإن الشكر ينفع صاحبه في الدنيا والآخرة. وقد قضى ربنا بأن يزيد الشاكر من نعمه، قال تعالى: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ } {إبراهيم: 7}.
{وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} لا ينفعه شكر ولا يضره كفر، فهو الغني المحمود في غناه.
والحميد هو الذي يستحق الحمد على الدوام.
والجمع بين الغني وكونه محمودًا أحسن جمع وألطفه، فقد يكون الشخص غنيا غير محمود، أو محمودًا غير غني، فربنا غني محمود على الدوام.
وقد تقول: لقد جاء في سورة إبراهيم. {وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ} {إبراهيم: 8}، فأكد الجملة بإن واللام، فقال: {فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ}، في حين أكدها في آية لقمان بـ (إن) وحدها فقال: {فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} فما الفرق؟.
والجواب: أن كل تعبير مناسب لما ورد فيه، فقد قال في لقمان: {وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ}، فقد قسم العباد إلى من يشكر ومن كفر.
أما في سورة إبراهيم فافترض كفر أهل الأرض جميعًا فقال: {إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا}، فالاختلاف في التعبير من ثلاث نواح:
1- أنه في آية لقمان جرى على التبعيض، وجرى في سورة إبراهيم على الشمول.
2- أنه قال في لقمان: {وَمَنْ كَفَرَ} فجعل فعل الشرط ماضيًا، وقال في سورة إبراهيم: {إِنْ تَكْفُرُوا} بالمضارع للدلالة على تكرر الكفر وتجدده، أي إن تستمروا على الكفر وتداوموا عليه.
3- وأكد ذلك بالحال المؤكدة فقال: (جميعًا). فاقتضى ذلك زيادة التأكيد في آية إبراهيم.
وقد تقول: لقد قال في آية أخرى في سورة لقمان: {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} {لقمان: 26}، فعرف الوصفين وجاء بضمير الفصل، في حين قال في هذه الآية: {فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} من دون تعريف ولا فصل. فما الفرق؟
والجواب واضح في سياق كل منهما.
فقد قال في آية لقمان الأولى: {وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ}، فلم يذكر سبحانه له ملكًا.
والمعنى: فإن الله غني عن شكره. وهو كما يقول الشخص ولله المثل الأعلى: أنا غني عنك وغني عن مدحك وثنائك، ولا يعني أنه ذو مال أو ثروة، ونحوه ما قال الخليل:
أبلغ سليمان أني عنه في جدة
وفي غنى غير أني لست ذا مال
أما في الآية الثانية فقد قال: {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} فقد ذكر ملكه وهو ما في السماوات والأرض.
ومن المعلوم أن الغني فيما تعارف عليه الناس من يملك الأموال. ثم إن الأغنياء يتفاوتون، فمن يملك ثروة أكبر كان أغني. وقد ذكر ربنا أن له ما في السماوات والأرض فلا ملك أكبر ولا أوسع من ملكه، فعرف وجاء بضمير الفصل للدلالة على أنه هو الغني دون سواه.
ومن المعلوم أن قولك: (فلان هو الغني) أدل على الغنى من قولك: (فلان غني)؛ لأن قولك: (فلان غني) يعني أنه أحد الأغنياء، وأن هناك أغنياء آخرين. أما قولك: (فلان هو الغني) فيدل على أنه لا غني في الحقيقة سواه. ولا شك أن من له ما في السماوات والأرض هو الغني الذي لا غني سواه.
(1) انظر معاني النحو 4/66.
(2) التفسير الكبير 9/119.
(3) التفسير الكبير 9/119.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 412 إلى ص 418.
الوقفة كاملة
|
| ٥٩٩٠ |
{وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (13)}
الواو عطفت هذه العبارة على قوله: {وَلَقَدْ آَتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ}، أي آتيناه الحكمة في شكره لله وفي وعظه لابنه، فإن وعظ الأبناء من الحكمة.
وفي هذا توجيه للآباء أن يتعاهدوا أبناءهم بالموعظة والإرشاد، وأن لا يتركوهم للشوارع والطرقات ومعلمي السوء والجهال يأخذون عنهم ما سقط من القول والفعل، ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم.
جاء في (التفسير الكبير) أن قوله: {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ ....} "عطف على معنى ما سبق، وتقديره: آتينا لقمان الحكمة حين جعلناه شاكرًا في نفسه، وحين جعلناه واعظًا لغيره. وهذا لأن علو مرتبة الإنسان بأن يكون كاملاً في نفسه ومكملاً لغيره، فقوله: {أَنِ اشْكُرْ} إشارة إلى الكمال، وقوله: {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ} إشارة إلى التكميل" (1).
وجاء في (التحرير والتنوير) أن قوله سبحانه هذا "عطف على جملة {آَتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ} لأن الواو نائبة مناب الفعل، فمضمون هذه الجملة يفسر بعض الحكمة التي أوتيها لقمان. والتقدير: وآتيناه الحكمة إذ قال لابنه، فهو في وقت قوله ذلك لابنه قد أوتي حكمة فكان ذلك القول من الحكمة لا محالة، وكل حالة تصدر عنه فيها حكمة هو فيها قد أوتي حكمة.
و(إذ) ظرف متعلق بالفعل المقدر الذي دلت عليه واو العطف، أي والتقدير: وأتيناه الحكمة إذ قال لابنه...
ويجوز أن يكون (إذ) ظرفًا متعلقا بفعل (اذكر) محذوفًا" (2).
لقد جاءت موعظة لقمان بعد قوله تعالى: {وَلَقَدْ آَتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ}، وكان من الممكن أن يبدأ بالموعظة من دون هذا التصدير، فيقول بعد قوله تعالى: {هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ}: {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ .....}
ولكن هذا التصدير له أكثر من غرض:
من ذلك أنه يتبين منه أن الحكمة يتعلق جانب منها بإصلاح النفس وجانب بإصلاح الآخرين، وأن أولى موجبات الحكمة أن يعلم الأب أبناءه ويوجههم ويرشدهم، هذا إضافة إلى ما قاله لقمان من الحكمة.
ثم إن الحكمة - كما أسلفنا - إحسان القول والعمل، أو وضع الشيء في محله في القول والعمل، فلما قال: {وَلَقَدْ آَتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ} دل ذلك أن لقمان أوتي الحكمة في قوله وعمله، وأنه كان يطبق ما يقول على نفسه، إذ ليس من الحكمة أن تناقض أقوال الشخص أفعاله وإلا كان قوله ساقطة ولو نطق بأعلى الحكمة. وفيه توجيه للدعاة والواعظين أن يبدؤوا بأنفسهم قبل وعظ الآخرين.
(1) التفسير الكبير 9/119.
(2) التحرير والتنوير 21/153 – 154.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 418 إلى ص 419.
* * *
{وَهُوَ يَعِظُهُ}
الواو في قوله: {وَهُوَ يَعِظُهُ} تحتمل أن تكون للحال، أي: قال لقمان لابنه واعظًا له، وتحتمل أن تكون للاستئناف، أي وهذا شأنه، أي من شأن لقمان أن يعظ ابنه.
فقوله: {وَهُوَ يَعِظُهُ} يفيد أنه قال ذلك واعظًا لابنه، وأن من شأن لقمان أن يعظ ابنه فلا يترك توجيهه. ولو قال: (وإذ قال لقمان لابنه واعظًا لم يفد إلا معنى واحدًا.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 420 إلى ص 420.
* * *
{يَا بُنَيَّ }
بدأ وعظه بمناداة ابنه مناداة تحبيب ورفق وتلطف ولين (يا بني) بالتصغير والإضافة إلى النفس ليعطف قلبه، وليزيل كل حجاب مانع من قبول التوجيه بينه وبينه. واللين في القول يفتح القلوب المقفلة والأبواب الموصدة ويلين النفوس العصية وهو أدعى إلى الاستجابة والقبول.
وهو توجيه للآباء والواعظين أن يرفقوا في القول وأن يمزجوا كلماتهم بالرحمة والحنان، فتؤثر الرحمة ولين القول ما لا يؤثر القول نفسه. وقد أمر ربنا موسى وأخاه عليهما السلام أن يقولا لفرعون قولًا لينًا فقال: {اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} {طه: 43 – 44}.
جاء في (التحرير والتنوير) في قوله: {يَا بُنَيَّ}: "والتصغير فيه لتنزيل المخاطب الكبير منزلة الصغير كناية عن الشفقة به والتحبب له، وهو في مقام الموعظة والنصيحة إيماء وكناية عن إمحاض النصح وحب الخير، ففيه حث على الامتثال للموعظة" (1).
(1) التحرير والتنوير 21/155.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 420 إلى ص 420.
* * *
{لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ}
بدأ النصح بالنهي عن الشرك لأنه رأس الإيمان ورأس الدين، ولأن أول ما ينبغي أن يغرس في النفوس هو التوحيد لأنه أساس صلاحها ونجاتها.
ومن الملاحظ أنه نهاه عن الشرك قبل أن يأمره بالعبادة وذلك لأكثر من سبب:
منها: أن عدم الشرك مقدم على العبادة، فلا تنفع عبادة مع الشرك، فبدأ بما هو أهم
ولأن النهي عن الشرك يعم الصغير والكبير، أما العبادة فيكون التكليف بها بعد البلوغ، فبدأ بما هو أعم.
ثم إن الانتهاء عن الشرك أيسر من القيام بالعبادات والطاعات، ولذا نجد كثيرًا من الناس موحدين، غير أنهم لا يأتون بالعبادات من صلاة وصيام وغيرهما.
فبدأ بما هو أهم وأعم وأيسر، حتى إذا قام بغرس العقيدة وتصحيحها أمره بعد ذلك بالعبادات.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 421 إلى ص 421.
* * *
{إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}
كون الشرك ظلمًا لأنه يسوي بين القادر والعاجز، والعالم والجاهل، والخالق والمخلوق، والمنعم المتفضل والمحتاج إلى النعمة. وهذا ظلم عظيم، فإنك في الحياة لو سويت بين هؤلاء كنت ظالمًا ظلما عظيمًا، فإنه لو تقدم مثلاً جماعة إلى طلب عمل فأجري لهم اختبار فكان منهم من يحسن كل جزئيات ذلك العمل بأدق تفاصيله على أكمل وجه وأحسنه، يخبر عن ذلك بأبلغ الكلام وأحسنه، ومنهم من لا يحسن شيئًا، ولا يعلم شيئًا، في عي وقصور فهم وإدراك ولا يحسن النطق أيضًا، وكنت سويت بينهم كنت ولا شك ظالمًا ظلمًا عظيمًا.
فإن الشرك بالله أعظم بكثير من هذا الظلم، فإن التفاوت بين الخالق والمخلوق لا يصح فيه قياس.
جاء في (روح المعاني): "وكون الشرك ظلمًا لما فيه من وضع الشيء في غير موضعه، وكونه عظيمًا لما فيه من التسوية بين من لا نعمة إلا منه سبحانه ومن لا نعمة له" (1).
ثم إن الشرك كما سبق أن ذكرنا ظلم للنفس من جهة أن المشرك يعبد من هو أقل منه شأنًا، أو من لا يستحق العبادة البتة، فيكون ظالمًا لنفسه حاطًا من قدرها وقد كرمه الله سبحانه.
ثم إنه ظلم للنفس من ناحية أخرى، ذلك أنه يوردها موارد الهلكة، فإن الشرك يورد صاحبه النار خالدًا مخلدًا فيها.
ولذا وصف هذا الظلم بأنه عظيم، وأكد ذلك بإن واللام فقال: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}.
ثم إن اختيار وصف الشرك بالظلم اختيار له دلالته من ناحية أخرى، ذلك أن فطرة الإنسان تكره الظلم والظالمين، وحتى لو كان الشخص ظالمًا فإنه يسيغه لنفسه ولا يسيغه من غيره، ولذا تجد عموم الناس يكرهون الظالم وينتصرون نفسيًا للمظلوم حتى في التمثيل، فوصف الشرك بما تكرهه النفوس ولا تنحاز إلى صاحبه لينأى عنه ويتركه.
ولعل من المفيد أن نذكر أيضًا أن قوله: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} فيه تعليل للنهي عن الشرك، وهو إشارة إلى أن الناصح والموجه ينبغي أن يعلل كلامه ويذكر السبب الموجب، وألا يذكر الأمور من دون تعليل، وذلك ليقتنع السامع ويسلم له عقله و نفسه، والله أعلم.
(1) روح المعاني 21/85.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 421 إلى ص 423.
الوقفة كاملة
|