عرض وقفة أسرار بلاغية

  • ﴿هُدًى وَرَحْمَةً لِّلْمُحْسِنِينَ ﴿٣﴾    [لقمان   آية:٣]
{هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (3)} وصف الكتاب ههنا بأنه حكيم وبأنه هدى ورحمة للمحسنين، ووصفه في سورة البقرة بأنه هدى للمتقين، فقد قال في البقرة: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2)}. فقد وصفه هنا: 1- بالحكيم. 2- وأنه هدى ورحمة. 3- للمحسنين. وقال في البقرة: 1- لا ريب فيه. 2- هدی. 3- للمتقين. ولم يصفه بأنه حكيم. أما وصفه بالحكيم في (لقمان) فهو مناسب لما ورد في السورة من نحو قوله: {وَلَقَدْ آَتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ}، وما ذكر في الوصية من الحكمة، وقوله: {إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}. وأما قوله: {لَا رَيْبَ فِيهِ} في البقرة فهو مناسب لقوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا}، فقد نفى عنه الريب أولًا، ثم قال: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ} {البقرة: 23} فأبطل دواعي الريب. وقال في البقرة: {هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ}. وقال ههنا: {هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ} فزاد الرحمة على ما ذكر في البقرة، وذلك أنه قال في البقرة: (للمتقين)، وقال في لقمان: (للمحسنين)، والمتقي هو الذي يحفظ نفسه، أما المحسن فهو الذي يحسن إلى نفسه وإلى غيره فلا يقتصر ذلك عليه هو. قال تعالى: {وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ} {القصص: 77}، وقال: {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} {الإسراء: 23}. فالإحسان لا يقتصر على النفس، بخلاف التقوى فإنها للنفس خاصة. والإحسان إلى الآخرين من الرحمة، فلما رحموا الآخرين رحمهم الله، فكما زادوا في الوصف بأن أحسنوا إلى أنفسهم وإلى الآخرين زاد الله لهم الرحمة على الهدى. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أن الله زاد في الجزاء للمحسنين في الآخرة فقال: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} {يونس: 26}، فكما زاد لهم في الآخرة زاد لهم في الدنيا. ثم إن كل تعبير مناسب لما ورد في السورة، فقوله: {هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} في البقرة مناسب لقوله تعالى: {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ}. ومن الطريف أن هذا وارد تعقيبًا على إبطال دواعي الريب فقال: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} {البقرة: 23 – 24}. وورد في أول السورة أيضًا بعد نفي الريب فقال: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ } وهي مناسبة بديعة فقال في أول السورة: {هُدًى لِلْمُتَّقِينَ}، وقال ثم: {فَاتَّقُوا النَّارَ}. أما قوله: {هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ} فهو المناسب لما ورد في سورة لقمان، فقد شاع في السورة جو الهدى والرحمة والإحسان. فمن مظاهر الهدي إرشاد لقمان لابنه وهدايته السبيل المستقيم. ومنه قوله تعالى في المحسنين: {أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} {لقمان: 5}. وقوله: {وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ (15)} والذي يسلك السبيل إنما يريد الهداية. ومن ذلك قوله: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (20) } وانظر إلى وصف الكتاب بالإنارة، والإنارة إنما تكون للهداية. أما الذي يسير في الظلام فإنما هو ضال لا يدري أين يتجه. ومن مظاهر الهدى النكير على الضالين والمضلين وذلك نحو قوله: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ (6) }، وقوله: {بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (11)}، وقوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ} {لقمان: 21}، وهؤلاء ضالون اتبعوا آباءهم الضالين، يدعوهم الشيطان فيستجيبون له حتى يوصلهم إلى عذاب السعير، كما قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ (3) كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ} {الحج: 3 – 4}، والضلالة نقيض الهدى. ومن مظاهر الرحمة في السورة ما ذكره من آياته الكونية والمسموعة رحمة بالإنسان، قال تعالى {وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ} {لقمان: 10}، فإنه ألقى الرواسي رحمة بنا لئلا تميد بنا الأرض. ومن ذلك ما ذكره من وصية الإنسان بالوالدين ومصاحبتهما بالمعروف وذكر حمل الأم لولدها وإرضاعها له، وكل ذلك من مظاهر الرحمة. وذكر تسخير ما في السماوات والأرض لنا وإسباغ النعم الظاهرة والباطنة علينا {أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً} {لقمان: 20}، وهذا من أعظم الرحمة بنا، وذكر غير ذلك من النعم. ومن مظاهر الإحسان ما ذكره من إيتاء الزكاة في قوله: {وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ}، ومنها الوصية بالوالدين والإحسان إليهما، ومن ذلك إحسان الأب إلى ابنه وإرشاده وتعليمه. ومن ذلك قوله: {وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} {لقمان: 22}، وذكر من مظاهر إحسان الله إلى خلقه ما عدد عليهم من النعم وتسخير ما في السماوات والأرض لهم وما خلقه من أجلهم. فناسبت الآية ما ورد في السورة أجمل مناسبة وارتبطت أحسن ارتباط. جاء في (التفسير الكبير): "قال في سورة البقرة: {ذَلِكَ الْكِتَابُ} ولم يقل: (الحكيم) فلما زاد ذكر وصف الكتاب، زاد ذكر أمر في أحواله فقال: {هُدًى وَرَحْمَةً}، وقال هناك: {هُدًى لِلْمُتَّقِينَ}. فقوله: (هدى) في مقابلة قوله: (الكتاب)، وقوله: (رحمة) في مقابلة قوله: (الحكيم)، ووصف الكتاب بالحكيم على معنى ذي الحكمة، كقوله تعالى: {فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ} أي ذات رضا. المسألة الثانية: قال هناك: (للمتقين)، وقال ههنا: (للمحسنين)؛ لأنه لما ذكر أنه هدى ولم يذكر شيئًا آخر قال: (للمتقين) أي يهتدي به من يتقي الشرك والعناد والتعصب، وينظر فيه من غير عناد. ولما زاد ههنا (رحمة) قال: (للمحسنين) أي المتقين الشرك والعناد الآتين بكلمة الإحسان. فالمحسن هو الآتي بالإيمان، والمتقي هو التارك للكفر، كما قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} {النحل: 128}، ومن جانب الكفر كان متقيًا وله الجنة. ومن أتي بحقيقة الإيمان كان محسنًا وله الزيادة لقوله تعالى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} {يونس: 26}، ولأنه لما ذكر أنه رحمة قال: (للمحسنين)؛ لأن رحمة الله قريب من المحسنين" (1). (1) التفسير الكبير للرازي – دار إحياء التراث العربي – بيروت – لبنان ط2/147 ه – 1997 م – المجلد التاسع 114 – 115. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 384 إلى ص 389.