التدبر

٥٨٤١ ﴿وقال الملأ الذين كفروا من قومه لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون﴾ لم يكتفوا بضلالهم في أنفسهم، بل عملوا على إضلال غيرهم و تنفير الناس من دعوة شعيب، وتثبيطهم عن الإيمان به، وإغرائهم بالبقاء على عقائدهم الباطلة وهكذا هم الكفار في كل زمان. الوقفة كاملة
٥٨٤٢ مقطعنا لهذا اليوم آياته عظيمة -وكل القرآن عظيم- فكل آية منه فيها من التحذير والوعيد والترهيب من آثار الذنوب والاستكبار والتكذيب والأمن من مكر الله تصريحًا أو إشارة. دعوة لمراجعة النفس والتوبة، وتذكر شؤم المعصية وعقوبتها وعاقبتها. الوقفة كاملة
٥٨٤٣ إذا رأيت نفسك لا تتأثر بالمواعظ .. فراجع قلبك : { ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون} الوقفة كاملة
٥٨٤٤ (ونطبع على قلوبهم فهم لايسمعون) اذا ختم الله على القلب فان صاحبه لاينتفع بمايسمع من الهدى والخير الوقفة كاملة
٥٨٤٥ (أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله الا القوم الخاسرون) لاتغتر بحلم الله عليك وستره ولا تأمن مكره وعقوبته وانت مقيم على المعاصي والذنوب الوقفة كاملة
٥٨٤٦ (الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله) مهما كانت أوجاعهم ومهما اشتدت آلامهم وجراحهم وأيا كانت ظروفهم فقلوبهم تسعد وتطمئن بذكر ربهم الوقفة كاملة
٥٨٤٧ ( قال الذين استكبروا إنا بالذي آمنتم به كافرون ) قد تُهمل فكرة وتحارب لمجرد أن من طرحها ليس من علية القوم ... ليس هذا فقط في العقيدة ، بل في أمور حياتنا العادية . الوقفة كاملة
٥٨٤٨ ( وأمطرنا عليهم مطراً فانظر كيف كان عاقبة المجرمين ) قيلت في قوم لوط عليه السلام . أما يخشى من يقومون على إشاعة الفاحشة عبر القنوات الهابطة أن يصيبهم ما أصاب قوم لوط ؟ الوقفة كاملة
٥٨٤٩ (ليس بي ضلالة ولكني رسول رب العالمين) (ليس بي سفاهة ولكني رسول رب العالمين) من فقه الأولويات في الدعوة، الدفاع عن الدعوة مقدم على الدفاع عن الداعية. الوقفة كاملة
٥٨٥٠ تعرض قصص #سورة_الأعراف بدءا من قصة نوح: - نماذج من أقوام جاءهم أنبياؤهم بالحق فانقسموا إلى فريقين: فريق آمن وفريق كفر - حجج الأقوام الواهية التي تتكرر على مدار العصور من أهل الباطل يرفضون الحق لكبر في النفس واتباع الأهواء والعادات والتقاليد والهدف الاتعاظ بهذه القصص وقبول الحق الوقفة كاملة

تفسير و تدارس

٥٨٤١ التعليق على تفسير الطبري الوقفة كاملة
٥٨٤٢ التعليق على تفسير القرطبي الوقفة كاملة
٥٨٤٣ التعليق على تفسير الطبري الوقفة كاملة
٥٨٤٤ التعليق على تفسير القرطبي الوقفة كاملة
٥٨٤٥ العليق على تفسير القرطبي الوقفة كاملة
٥٨٤٦ التعليق على تفسير الطبري الوقفة كاملة
٥٨٤٧ التعليق على تفسير القرطبي الوقفة كاملة
٥٨٤٨ التعليق على تفسير القرطبي الوقفة كاملة
٥٨٤٩ التعليق على تفسير القرطبي الوقفة كاملة
٥٨٥٠ التعليق على تفسير الطبري الوقفة كاملة

أسرار بلاغية

٥٨٤١ {وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (41)} قيل في الفرق بيم الاستهزاء والسخرية: "إن الإنسان يستهزأ به من غير أن يسبق منه فعل يسبق من المسخور منه" (1). والملاحظ في التعبير القرآني أن الاستهزاء يستعمله فيما هو أعم من السخرية. فإن السخرية لم يستعملها القرآن إلا مع الأشخاص. قال تعالى: {وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ} [هود: 38]. وقال: {فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [التوبة: 79]. وقال: {إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ} [هود: 38]. وقال: {لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ} [الحجرات: 11]. وقال: {زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا} [البقرة: 212]. أما الاستهزاء فهو عام يكون من الأشخاص وغيرهم. قال تعالى: {وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا} [المائدة: 58]. وقال: {أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ} [التوبة: 65]. وقال: {ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ} [الروم: 10] وقال: {إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ} [النساء: 140] وقال: {وَاتَّخَذُوا آَيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا} [الكهف: 56]. وقال: {وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا} [الفرقان: 41]. لقد ذكر في آية الأنبياء هذه الاستهزاء والسخرية فقال: {وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ} ثم قال: {فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ} والذي يبدو أن معنى الآية أن الكفار استهزأوا بهم وبما جاؤوا به وسخروا منهم ومن عملهم، فجمع بين الاستهزاء والسخرية فحاق بالذين سخروا من الرسل ما كانوا يستهزئون به ومما كانوا يذكرونهم به من الآيات والعذاب وما جاءت به رسلهم. وهو عدة للرسول وإنذار للمستهزئين أن يصيبهم مثل ما أصاب الأولين. جاء في (تفسير أبي السعود): "تسلية لرسول الله  عن استهزائهم به عليه السلام في ضمن الاستعجال وعدة ضمنية بأنه يصيبهم مثل ما أصاب المستهزئين بالرسل السالفة عليهم الصلاة والسلام" (2). وجاء في (روح المعاني): "وقيل: إن المراد من الذي كانوا يستهزئون هو العذاب الذي كان الرسل يخوفونهم إياه" (3). وقدم الجار والمجرور (بالذين سخروا) على فاعل (حاق) وهو {مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} لأن المعنى يقتضي - ذاك، فلا يصح أن يقال: (لقد استهزئ برسل من قبلك فحاق ما كانوا به يستهزئون بالذين سخروا منهم) أو هو ضعيف، لأن الضمير في (كانوا) عند ذاك لا يعود على مذكور متقدم؛ لأنه لم يتقدم ذكر للمستهزئين، فإن الفعل مبني للمجهول، بخلاف قوله: {فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ}، فإن الضمير في (كانوا) يعود على المتقدم وهو (الذين سخروا منهم). وجاء في (تفسير أبي السعود): "وتقديمه على فاعله الذي هو قوله تعالى: (ما كانوا به) للمسارعة إلى بيان لحوق الشر بهم" (4). وبنى الفعل (استهزئ) للمجهول لأنه لا يتعلق غرض بذكر الفاعل، فإن العقوبة تتعلق بالاستهزاء أيا كان فاعله. إذ لو ذكر الفاعل لربما أفهم أن العقوبة إنما حصلت لأن الفاعل هم هؤلاء المذكورون، ولو كان غيرهم لم تكن العقوبة كذلك أو أنهم لم يعاقبوا. جاء في (نظم الدرر): "ولما كان المخوف نفس الاستهزاء لا كونه من معين بني للمفعول قوله: {اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ} أي كثيرين" (5). ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الرابع من ص 102 إلى ص 105. (1) الفروق اللغوية 268. (2) تفسير أبي السعود 3/703. (3) روح المعاني 7/102. (4) تفسير أبي السعود 3/703 – 704. (5) نظم الدرر 12/423. الوقفة كاملة
٥٨٤٢ {قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ (42) } بعد أن ذكر استهزاءهم واستبعادهم لما وعدهم به رسوله أمر سبحانه رسوله أن يسألهم مقرعًا لهم: من الذي يحميهم ويحفظهم من بأس الله وعذابه الذي يستحقونه على وجه الدوام في الليل والنهار، فهم مستحقون لذلك لولا رحمته بهم. وقد ألمح باسمه (الرحمن) أنه حفظهم من ذلك برحمته وهو سينزله بهم إذا اقتضت حكمته ذلك. وقدم الليل على النهار لأن الداهية به أعظم وأشد وقعا فإنهم عند ذاك غافلون ولأنهم غير متوقعين ولا منتظرين لشيء من ذلك بل تفاجؤوهم. ونحو ذلك قوله تعالى: {أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (97) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ} [الأعراف: ۹۷ – ۹۸] فقدم البيات وهو الليل على النهار. ونحوه قوله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ} [يونس: ٥٠]. وقوله: {أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ } [يونس: ٢٤]. وفي ذلك تخويف أعظم وأشد. جاء في (البحر المحيط): "ثم أمره تعالى أن يسألهم من الذي يحفظكم في أوقاتكم من بأس الله، أي لا أحد يحفظكم منه. وهو استفهام تقريع وتوبيخ" (1). وجاء في (تفسير أبي السعود): "أي من بأسه الذي تستحقون نزوله ليلاً أو نهارًا. وتقديم الليل لما أن الدواهي أكثر فيه وقوعًا وأشد وقعًا. وفي التعرض لعنوان الرحمانية إيذان بأن كالئهم ليس إلا رحمته العامة" (2). وجاء في (نظم الدرر): "ولما كان لا منعم بكلاية ولا غيرها سواه سبحانه ذكرهم بذلك بصفة الرحمة فقال: (من الرحمن) الذي لا نعمة بحراسة ولا غيرها إلا منه حتى أمنتم مكره ولو بقطع إحسانه" (3). {بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ} فهم معرضون عن ذكر ربهم الذي أنعم عليهم وأحسن إليهم. وأضاف الضمير إليهم ليذكرهم بربوبيته لهم وإحسانه وتفضله عليهم. وقال: (معرضون) بالاسم للدلالة على دوام الإعراض عن ذكره سبحانه. جاء في (تفسير أبي السعود): "وإيراد اسم الرب المضاف إلى ضميرهم المنبئ عن كونهم تحت ملكوته وتدبيره وتربيته تعالى من الدلالة على كونهم في الغاية القاصية من الضلالة والغي ما لا يخفى" (4). ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الرابع من ص 105 إلى ص 106. (1) البحر المحيط 6/314. (2) تفسير أبي السعود 3/704. (3) نظم الدرر 12/424. (4) تفسير أبي السعود 3/705. الوقفة كاملة
٥٨٤٣ {أَمْ لَهُمْ آَلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ (43)} هذا التعبير يحتمل معنيين كلاهما مراد: الأول: بل ألهم آلهة تمنعهم من أن ينالهم مكروه يقع عليهم من جهتنا؟ والآخر: ألهم آلهة غيرنا تمنعهم وتحفظهم؟ ثم استأنف فذكر أن هذه الآلهة لا تستطيع أن تنصر نفسها، وأنهم لا يصحبون منا بنصر ولا تأييد فكيف ينصرونهم، فهم أعجز من ذلك؛ فليس لهم القدرة في أنفسهم ونحن لا نعينهم فهم ليست لهم قيمة ولا مكانة. جاء في (الكشاف): "ثم أضرب عن ذلك بما في (أم) من معنى (بل) وقال: {أَمْ لَهُمْ آَلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ } من العذاب تتجاوز منعنا وحفظنا. ثم استأنف فبين أن ما ليس بقادر على نصر نفسه ومنعها ولا بمصحوب من الله بالنصر والتأييد كيف يمنع غيره وينصره؟" (1). وجاء في (البحر المحيط): "قيل: والمعنى ألهم آلهة تجعلهم في منعة وعز من أن ينالهم مكروه من جهتنا... [وقيل] أم لهم مانع من سوانا" (2). وجاء في (روح المعاني): "وقوله تعالى: {لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ} أي لا يستطيعون أن ينصروا أنفسهم ويدفعوا عنها ما ينزل بها ولا هم منا يصحبون بنصر أو بمن يدفع عنهم، من جهتنا. فهم في غاية العجز وغير معتنى بهم فكيف يتوهم فيهم ما يتوهم؟" (3). وقال: {وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ}فقدم (هم) أي ليسوا هم يصحبون منا وإنما غيرهم هم الذين نعينهم ونكون معهم وننصرهم وهم المؤمنون بي وبرسولي كما قال سبحانه: {وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ} [الأنفال: 19] {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} [التوبة: 36]. وقال سبحانه: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} [غافر: 51]. وقدم (منا) على (يصحبون) أي لا يصحبون منا وإنما يصحبون من الذين يعبدونهم، فهم الذين ينصرونهم ويدفعون عنهم كما غيرنا وهم قال تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آَلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (74) لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ} [يس: ٧٤ - ٧٥]. وكما قال في قوم إبراهيم: {قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آَلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ} [الأنبياء: 68]. فهؤلاء عاجزون لا أحد يمنعهم من الله. فهم عاجزون والهتهم أعجز فما أضلهم وأخسرهم !! ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الرابع من ص 107 إلى ص 108. (1) الكشاف 2/329. (2) البحر المحيط 6/314. (3) روح المعاني 17/52. الوقفة كاملة
٥٨٤٤ {بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَآَبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ (44)} أي نحن حفظناهم ومتعناهم هم وآباءهم وليست آلهتهم ولا أحد غيرنا فلا يغتروا بذلك ويظنوا أنهم سيبقون على حالتهم من التمتيع والطمأنينة. أفلا يرون أنا نأتي على دار الكفر وننقصها شيئًا فشيئًا ونمكن منهم المسلمين فيفتحون ديارهم؟ جاء في (الكشاف): "ثم قال: بل ما هم فيه من الحفظ والكلاءة إنما هو منا، لا من مانع يمنعهم من إهلاكنا. وما كلأناهم وآباءهم الماضين إلا تمتيعا لهم بالحياة الدنيا وإمهالاً كما متعنا غيرهم من الكفار وأمهلناهم طال عليهم الأمد وامتدت بهم أيام الروح والطمأنينة فحسبوا أن لا يزالوا على ذلك لا يغلبون ولا ينزع عنهم ثوب أمنهم واستمتاعهم وذلك طمع فارغ... {أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا} ننقص أرض الكفر ودار الحرب ونحذف أطرافها بتسليط المسلمين عليها وإظهارهم على أهلها وردها دار إسلام... وإن عساكرهم وسراياهم كانت تغزو أرض المشركين وتأتيها غالبة عليها ناقصة من أطرافها" (1). وقال: {بَلْ مَتَّعْنَا} و{أَنَّا نَأْتِي} و{نَنْقُصُهَا} بإسناد ذلك إلى ضميره سبحانه ليدل على أن ذلك كله بإرادته وحوله وقوته وليس بما جرت عليه الأحوال، وإنما هو بتسليطنا جيوش المسلمين عليهم. وكان الأصل أن يقال: (يأتي جيوش المسلمين فيغلبونهم) ولكنه أسند الإتيان إليه سبحانه لأن ذلك بنصره وتأييده. جاء في (روح المعاني): "وكان الأصل: يأتي جيوش المسلمين، لكنه أسند الإتيان إليه عز وجل تعظيمًا لهم [أي تعظيمًا لجيوش المسلمين] وإشارة إلى أنه بقدرته تعالى ورضاه. وفيه تعظيم للجهاد والمجاهدين" (2). قد تقول: لقد قال في الرعد: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا} [الرعد: 41]. فقال: (أولم) بإدخال (لم) على الفعل. ومن المعلوم أن (لم) تقلب زمن المضارع إلى المضي. في حين قال في آية الأنبياء: {أَفَلَا يَرَوْنَ} بإدخال (لا) على الفعل المضارع. و(لا) الداخلة على المضارع تصرفه إلى الاستقبال غالبًا وقد تكون للحال. فكان السؤال عن الرؤية في الرعد في الماضي. وأما في الأنبياء فالسؤال عن الرؤية في الحال والاستقبال، فلم ذاك؟ والجواب أنه قال بعد آية الرعد: {وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا}. وهذا إخبار عن ماض، فذكر ما فعله ربنا بهم، فناسب إدخال (لم) التي تفيض المضي. في حين قال في الأنبياء: {قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ} وهذا إنذار وتخويف مما يقع لهم في المستقبل. وقال: {وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (46)}. وهذا تحذير لهم مما يقع في المستقبل، فناسب إدخال (لا) وذلك تذكير لهم في الحال والاستقبال. والله أعلم. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الرابع من ص 108 إلى ص 110. (1) الكشاف 2/329. (2) روح المعاني 17/53. الوقفة كاملة
٥٨٤٥ {قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ (45) } شبه المخاطبين بالإنذار المدعوين إلى الإسلام بالصم. فهو بدل أن يقول: (وهؤلاء لا يسمعون الإنذار ولا يلتفتون إليه) قال: {وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ} فهم أشبه بالصم فلا ينفع معهم إنذار. وذكر نفي السمع لأن الإنذار مما يسمع. جاء في (الكشاف): "فإن قلت: الصم لا يسمعون دعاء المبشر كما لا يسمعون دعاء المنذر فكيف قيل: {إِذَا مَا يُنْذَرُونَ}؟ قلت: اللام في (الصم) إشارة إلى هؤلاء المنذرين كائنة للعهد لا للجنس. والأصل: ولا يسمعون إذا ما ينذرون. فوضع الظاهر موضع المضمر للدلالة على تصامّهم وسدّهم أسماعهم إذا أنذروا. أي هم على هذه الصفة من الجراءة والجسارة على التصام من آيات الإنذار" (1). وجاء في (البحر المحيط): "ولما كان الوحي من المسموعات كان ذكر الصمم مناسبًا. والصم هم المنذرون، فـ (أل) فيه للعهد" (2). وقال: {وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ}، ولم يقل: (ولا يسمع الكلام) لأن الدعاء يكون عادة برفع الصوت. فإن هؤلاء حتى لو رفع الصوت لا يسمعونه للدلالة على شدة تصامّهم. جاء في (تفسير أبي السعود): "كما أن إيثار الدعاء الذي هو عبارة عن الصوت والنداء على الكلام لذلك فإن الإنذار عادة يكون بأصوات عالية مكررة مقارنة لهيئات دالة عليه" (3). وقال: (إذا ما ينذرون) بالفعل المضارع، ولم يقل: (إذا ما أنذروا) أي ولو تكرر دعاؤهم وإنذارهم. جاء بـ (ما) الزائدة المؤكدة للدلالة على أنهم لا يسمعون ولو بولغ في إنذارهم ورفع الصوت بذلك وتكرر. ففي التعبير أكثر من دلالة على شدة تصامهم، منها: أنه وصفهم بالصمم. وأنه ذكر الدعاء وهو رفع الصوت. وجاء بـ (إذا) الدالة على تحقق الإنذار ولم يأت بـ (إن). وجاء بـ (ما) الزائدة المؤكدة. وجاء بالفعل المضارع الدال على تكرر الإنذار. قد تقول: لقد قال في النمل: {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (80)}. ونحوه قال في الروم ٥٢. فختم الآيتين بقوله: {إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ}، في حين ختم آية الأنبياء بقوله: {إِذَا مَا يُنْذَرُونَ}. فلم الاختلاف بين الخاتمتين؟ فنقول: أما خاتمة آية الأنبياء فظاهرة المناسبة لأول الآية وهو قوله: {قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ} فكلاهما في الإنذار. وأما آيتا النمل والروم فقد قال في أولهما: {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى}، والموت إدبار عن الحياة، فناسب ذكر الإدبار في قوله: {إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ} قوله: {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى}. فكلاهما مدبر، أحدهما مدبر عن الحياة، والآخر مدبر عن السماع فهم بمنزلة الأموات. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الرابع من ص 111 إلى ص 113. (1) الكشاف 2/329. (2) البحر المحيط 6/315. (3) تفسير أبي السعود 3/706. الوقفة كاملة
٥٨٤٦ {وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (46)} أي ولئن أصابهم أدنى شيء مما أنذروا به في قوله: {قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ} لنادوا بالويل وأقروا بالظلم. وفي التعبير عدة مبالغات، منها: التعبير بالمس في قوله: {وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ}، والمس دون النفوذ، أي ولئن أصابهم أدنى شيء. والتعبير بالنفح وما فيه من لفظ القلة والنزارة، فإن أصل النفح هبوب رائحة الشيء أو العطاء اليسير. وبناء المرة في قوله: (نفحة) أي نفحة واحدة يسيرة من رائحة العذاب لنادوا بالويل وقالوا: (يا ويلنا). وإقرارهم بالظلم واتصافهم به على جهة الثبوت. وأكد ذلك بالقسم في قوله: (ولئن)، والجواب في: (ليقولن) وتوكيده بالنون الثقيلة، والتوكيد بـ (إن) في قوله: (إنا كنا)، والإقرار بالظلم على جهة الثبوت بالصيغة الاسمية. وأضاف العذاب إلى الرب مضافًا إلى كاف المخاطب لأنه هو الذي أنذرهم بالوحي من ربه. جاء في (الكشاف) "{وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ}من هذا الذي ينذرون به أدنى شيء لأذعنوا وذلوا وأقروا بأنهم ظلموا أنفسهم حين تصاموا وأعرضوا. وفي المس والنفحة ثلاث مبالغات، لأن النفح في معنى القلة والنزارة... نفحه بعطية: رضخه، ولبناء المرة" (1). وجاء في (روح المعاني): "ذكر المس وهو دون النفوذ ويكفي في تحققه إيصال ما. وما في النفح من معنى النزارة فإن أصله هبوب رائحة الشيء... نفحه بعطية: رضخه وأعطاه يسيراً. وبناء المرة وهي لأقل ما ينطلق عليه الاسم. وجعل السكاكي التنكير رابعتها لما يفيده من التحقير" (2). ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الرابع من ص 113 إلى ص 114. (1) الكشاف 2/329 – 330، وانظر البحر المحيط 6/316. (2) روح المعاني 17/54. الوقفة كاملة
٥٨٤٧ {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (47)} لما ذكر إقرار المنذرين بالظلم على وجه الثبوت في الآية السابقة بقولهم: {إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ} ذكر ربنا أنه عنده لا تظلم نفس شيئًا مهمًا قل، وأن أعمال العباد إنما توزن بميزان هو العدل بعينه فقال: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} فوصف الموازين بالمصدر وهو القسط، أي هي العدل بعينه. ومن المعلوم أن الوصف بالمصدر يفيد المبالغة في الاتصاف بالشيء. وجيء بالموازين على صيغة الجمع إما لكثرة من توزن أعمالهم أو لتعدد الموزونات وتنوعها (1). وقوله: (ليوم القيامة) قيل: أي في يوم القيامة، أو عند يوم القيامة، ويحتمل أن يكون للتعليل، أي لأجل يوم القيامة (2). وكل ذلك محتمل. {فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا} نكر النفس لتشمل جميع النفوس. و(شيئًا) يحتمل أن يكون معناه شيئًا من الأشياء فيكون مفعولاً به، كما يحتمل أن يكون: شيئا من الظلم فيكون مفعولاً مطلقا لدلالته على المصدر. وكلا المعنيين مراد. فهي لا تظلم شيئا من الأشياء ولا شيئا من الظلم. وهو من التوسع في المعنى. ولو قال: (شيئا من الظلم) لتخصص المعنى بشيء واحد، ولكنه أطلق. جاء في (الكشاف): "وصفت الموازين بالقسط، وهو العدل، مبالغة، كأنها في أنفسها قسط، أو على حذف المضاف، أي ذوات القسط. واللام في: (ليوم القيامة) مثلها في قولك: (جئته لخمس خلون من الشهر)... وقيل: لأهل يوم القيامة، أي لأجلهم" (3). وجاء في (تفسير أبي السعود): "(فلا تظلم نفس) من النفوس (شيئًا) حقًا من حقوقها أو شيئًا من الظلم... والفاء لترتيب انتفاء الظلم على وضع الموازين" (4). {وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا} أي وإن كان الشيء أو العمل مقدار حبة من خردل أتينا به. "ومثقال الشيء ميزانه في مثله. ومثقال ذرة أي وزن ذرة" (5)، ومثقال حبة أي وزن حبة. وأنث ضمير المثقال في قوله: (أتينا بها) لأنه أضيف إلى مؤنث وهو الحبة كقولهم: (ذهبت بعض أصابعه) (6)، وقوله: (كما شرقت صدر القناة من الدم)، وقوله: (تواضعت سور المدينة) في قول الشاعر: لمـا أتـى خبـر الـزبـيـر تـواضـعـت سـور المـدينـة والجبـال الخشـع والعدول من التذكير إلى التأنيث في قوله: {أَتَيْنَا بِهَا } على كثرته في اللغة في نحو هذا فيه معنى لطيف. ذلك أنه قال: {فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا} والشيء - كما ذكرنا - يحتمل أن يكون معناه العمل أو الظلم أو شيئًا من الأشياء. وهذا الشيء قد يكون حبة من خردل أو مقدار الحبة فأعاد الضمير بالتأنيث ليشمل المعنيين: المصدر وحبة الخردل ومقدار ذلك. وهذا من لطيف الدلالة. {وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} "فيه توعد وهو إشارة إلى ضبط أعمالهم من الحساب، وهو العد والإحصاء... والظاهر أن (حاسبين) تمييز... ويجوز أن يكون حالاً" (7). ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الرابع من ص 114 إلى ص 117. (1) انظر التفسير الكبير للرازي، المجلد 8/149، نظم الدرر 12/428. (2) انظر مغني اللبيب (اللام) 1/216، الكشاف 2/330، البحر المحيط 6/316. (3) الكشاف 2/330 وانظر البحر المحيط 6/316. (4) تفسير أبي السعود 3/707. (5) لسان العرب (ثقل)، المصباح المنير (ثقل)، تاج العروس (ثقل). (6) انظر الكشاف 2/330. (7) البحر المحيط 6/317. الوقفة كاملة
٥٨٤٨ {وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ (48) الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (49)} {وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ (48)} لما ذكر الإنذار بالوحي قبل هذه الآية في قوله: {} والوحي هو القرآن ناسب ذكر ما آتى موسى وهارون وهو ما ذكره في الآية. وقد بدأ بقصة موسى وهارون وذكر ما آتاهما من الفرقان والذكر مناسبة لما ذكره بعد الآية مما أنزله ربنا على رسوله من الذكر، ولم يذكر أنه أنزل على المذكورين من الأنبياء في السورة كتابًا أو ذكرًا، فناسب البدء بذكر موسى مناسبة للسياق الذي ورد فيه ذكرهما. وجاء في (التحرير والتنوير) أنه: "ابتدئ بذكر موسى وأخيه مع قومهما لأن أخبار ذلك مسطورة في كتاب موجود عند أهله يعرفهم وأخيه العرب" (1). إن التعبير في الآية يحتمل أكثر من دلالة: فالفرقان يحتمل أن يكون التوراة، ويحتمل أن يكون الآيات الدالة على صدقه من المعجزات. والضياء يحتمل أن يكون المقصود به التوراة أيضًا، فإنها ضياء. وهي ذكر للمتقين وموعظة. وقيل: هي شرف لهم لأن من معاني الذكر الشرف. وهو قد يفرق بين الكتاب والفرقان بالعطف وذلك نحو قوله سبحانه: {وَإِذْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [البقرة: 53]. وقد يجعل النور حالاً للكتاب، قال سبحانه: {قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ} [الأنعام: 91]. وذكر ههنا أنها ضياء، ولم يذكر ذلك في موضع آخر، وإنما يذكر أنها نور كما في آية الأنعام السابقة، أو فيها نور كما في قوله: {إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا} [المائدة: ٤٤]. ذلك "أن النور أعم من الضياء، والضياء حالة من حالات النور، وهو أخص منه... وقد ذكر في آية الأنبياء أنه: {لِلْمُتَّقِينَ (48) الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (49)}، وهم أخص ممن ذكر في الآيتين الأخريين. فقد قال في آية المائدة: {يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا} أي لليهود، والمتقون أخص من اليهود وهم جزء منهم. وقال في آية الأنعام: {الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ} فجعله للناس. وهم أعم من المتقين المذكورين في آية الأنبياء. والمتقون جزء منهم. فجعل النور الذي هو أعم من الضياء للذين هم أعم، وهم اليهود والناس. وجعل الضياء هو أخص للذين هم أخص، وهم المتقون الذين يخشون ربهم وهم من الساعة مشفقون. فناسب العموم العموم، والخصوص الخصوص. ومن ناحية أخرى أن الضياء إنما هو الساطع من النور أو هو التام منه (2). وإن المتقين إنما هم جماعة ساطعة من بين عموم المؤمنين أو الناس وحالهم أتم وأكمل. فناسب بين سطوع المتقين وسطوع النور وهو الضياء. فالمتقون من بين عموم المؤمنين كالضياء من النور" (3). جاء في (الكشاف): "أي آتيناهما الفرقان وهو التوراة وآتينا به ضياء وذكرًا للمتقين. والمعنى: أنه في ضياء وذكر. أو آتيناهما بما فيه من الشرائع والمواعظ ضياء وذكرًا... والذكر: الموعظة، أو ذكر ما يحتاجون إليه في دينهم ومصالحهم، أو الشرف" (4). وجاء في (البحر المحيط): "وقالت فرقة: الفرقان ما رزقه الله من نصره وظهور حجته وغير ذلك مما فرق بين أمره وأمر فرعون. والضياء: التوراة، والذكر: التذكرة والموعظة... والعطف بالواو يؤذن بالتغاير" (5). وجاء في (روح المعاني): "والمراد بالفرقان التوراة، وكذا بالضياء والذكر. والعطف كما قوله: إلى الملـك القـرم وابـن الهـمـام وليـث الكتيبـة فـي المزدحم ونقل الطيبي أنه أدخل الواو على (ضياء) وإن كان صفة في المعنى دون اللفظ كما يدخل على الصفة التي هي صفة لفظاً... وقال سيبويه إذا قلت: (مررت بزيد وصاحبك) جاز، وإذا قلت: (مررت بزيد فصاحبك) بالفاء لم يجز" (6). ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الرابع من ص 117 إلى ص 120. (1) التحرير والتنوير 17/88. (2) انظر تفسير الرازي 6/209. (3) أسئلة بيانية في القرآن الكريم 1/200 – 201. (4) الكشاف 2/330. (5) البحر المحيط 6/317. (6) روح المعاني 17/57. الوقفة كاملة
٥٨٤٩ {الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (49)} ذكر من صفات المتقين خشية ربهم بالغيب والإشفاق من الساعة. والخشية "خوف يشوبه تعظيم، وأكثر ما يكون ذلك عن علم بما يخشى منه، ولذلك خص العلماء بها في قوله: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: ۲۸] (1). والإشفاق شدة الخوف (2). لقد ذكر أنهم يخشون ربهم بالغيب، وقيل: إن قوله: (بالغيب) أنهم يخافونه ولم يروه، وقيل: إنهم يخافونه من حيث لا يراهم أحد (3) وذلك عند مغيب الإنسان عن عيون البشر، أي في الخلوة (4). وقد ذكر هنا أنهم يخشون ربهم بالغيب، فقيد الخشية بالغيب. وأطلق الخشية في أكثر من موطن وذلك نحو قوله: {يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ} [الرعد: 21]. وقد فصلنا القول في التقييد والإطلاق في هذا التعبير في قوله تعالى في سورة يس: {إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ} (5) فلا نعيد القول فيه. وقال: {يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ }بذكر الرب المضاف إلى ضميرهم؛ لأن الرب هو المربي والهادي والمعلم، وأن الفرقان والضياء إنما هما للهداية فناسب ذكر الرب. وقال: {الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ} بالفعل المضارع الدال على التجدد، فإن الفعل المضارع قد يدل على الاستمرار والتجدد نحو قوله سبحانه: {رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ} [البقرة: 258]، وقوله: {وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ} [البقرة: 245] وقوله: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (27)} [آل عمران: 26 – 27] (6). ذلك أن خشية الله تتجدد في كل لحظة فجاء بها بالفعل المضارع الدال على الاستمرار. وذكر اتصافهم بالإشفاق من الساعة بالصيغة الاسمية الدالة على الثبات، ذلك أنها ساعة الحساب على الأعمال، وهم يخافون على الدوام مما عملوه: ما مضى منه، وما هم فيه من العمل، وما سيعملونه في المستقبل، فجاء بها بالصيغة الاسمية الدالة على الدوام والثبات؛ ذلك لأنها متعلقة بحياة الإنسان كلها الماضية والحالية والمستقبلية. جاء في (البحر المحيط): "وتكون الصلة الأولى مشعرة بالتجدد دائمًا كأنها حالتهم فيما يتعلق بالدنيا. والصلة الثانية من مبتدأ ومخبر عنه بالاسم المشعر بثبوت الوصف كأنها حالتهم فيما يتعلق بالآخرة (7). وجاء في (تفسير أبي السعود): "وإيثار الجملة الاسمية للدلالة على ثبات الإشفاق ودوامه" (8). وقدم الساعة على العامل في قوله: {وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ} لأنه ذكر المتقين وهم الذين يحذرون ويتحفظون في أعمالهم لئلا يصيبهم منها سوء في الآخرة. وإنما ذلك يحصل في الساعة فقدمها. ثم إن الكلام على الساعة تردد في السورة في أكثر من موضع: فقد ابتدأت السورة باقتراب الحساب للناس وذلك قوله: {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ}. وختمت بذلك وذلك قوله: {وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا....} [الأنبياء: 97 - 104]. وتقدم الآية الكلام على الساعة وذلك قوله: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا}. فناسب ذلك تقديمها. جاء في (تفسير أبي السعود) أن "تقديم الجار لمراعاة الفواصل وتخصيص إشفاقهم منها بالذكر بعد وصفهم بالخشية على الإطلاق للإيذان بكونها معظم المخوفات، وللتنصيص على اتصافهم بضد ما اتصف به المستعجلون" (9). ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الرابع من ص 120 إلى ص 123. (1) مفردات الراغب (خشي). (2) البحر المحيط. 6/317. (3) البحر المحيط. 6/317. (4) البحر المحيط 7/325. (5) انظر كتابنا (على طريق التفسير البياني – ج2) تفسير سورة يس. (6) انظر (معاني النحو – ج3) – زمن الفعل المضارع. (7) البحر المحيط 6/317. (8) تفسير أبي السعود 3/708. (9) تفسير أبي السعود 3/708. الوقفة كاملة
٥٨٥٠ {وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (50)} إن هذه الآية مناسبة لما ذكر قبلها من إيتاء موسى وهارون الفرقان ضياء وذكرا للمتقين. وأشار بقوله: {وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ} إلى القرآن، أي هذا كتاب كثير البركة غزير النفع والخير. والإشارة إلى الذكر هنا مناسبة لما ذكره من الذكر في الآية السابقة. جاء في (تفسير أبي السعود): "(ذكر)... وصف بالوصف الأخير للتوراة لمناسبة المقام وموافقة لما مر في صدر السورة الكريمة" (1). ووصف الذكر بأنه مبارك وقدم الوصف بذلك على الإنزال. قد تقول: لقد قال في سورة الأنعام: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ}. فقال في الأنعام: {وَهَذَا كِتَابٌ}. وقال ههنا: {وَهَذَا ذِكْرٌ}. وقدم الإنزال على وصفه بأنه مبارك في الأنعام فقال: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ}. وقدم الوصف بالبركة على الإنزال في آية الأنبياء. فلم ذاك؟ فنقول: إن كل تعبير مناسب للموطن الذي ورد فيه. فقد قال قبل آية الأنعام: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ (91)}. فقد ذكر قول القائلين: {مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ} فأنكروا الإنزال أصلاً. ثم قال: {قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ}. فقدم الإنزال على كونه مباركًا لأنه هو مدار الإنكار والاهتمام فقال: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ}. ولما كان الله قد أنزله فهو مبارك ولا شك. ولما ذكر الكتاب في الآية فقال: {قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ}. ناسب أن يقول في الآية بعدها: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ}. فناسب ذكر الكتاب في آية الأنعام سياقه، وناسب ذكر (الذكر) في الأنبياء سياقه. وناسب تقديم الإنزال على كونه مباركًا في آية الأنعام. ولما لم يذكر الإنكار للإنزال في آية الأنبياء قدم عليه ذكر الوصف بالبركة. ثم قال: {أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ} استفهام إنكار وتوبيخ للمشركين (2). وقدم الجار والمجرور (له) على الخبر (منكرون) لأن الكلام عليه. جاء في (البحر المحيط): "لما ذكر وقرر أن إنكار من أنكر أن يكون الله أنزل على البشر شيئا وحاجهم بما لا يقدرون على إنكاره أخبر أن هذا الكتاب الذي أنزل على الرسول مبارك كثير النفع والفائدة. ولما كان الإنكار إنما وقع على الإنزال فقالوا: (ما أنزل الله) وقيل: {قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ}كان تقديم وصفه بالإنزال أكد من وصفه بكونه مباركًا، ولأن ما أنزل الله تعالى فهو مبارك قطعًا، فصارت الصفة بكونه مباركًا كأنها صفة مؤكدة إذ تضمنها ما قبلها. فأما قوله: {وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ} فلم يرد في معرض إنكار أن ينزل الله شيئا بل جاء عقب قوله تعالى: {وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ} ذكر أن الذي آتاه الرسول هو ذكر مبارك. ولما كان الإنزال يتجدد عبر بالوصف الذي هو فعل، ولما كان وصفه بالبركة وصفًا لا يفارق عبر بالاسم الدال على الثبوت" (3). ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الرابع من ص 123 إلى ص 125. (1) تفسير أبي السعود 3/708. (2) انظر البحر المحيط 6/317. (3) البحر المحيط 4/179. قصة سيدنا إبراهيم {وَلَقَدْ آَتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (51) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (52) قَالُوا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ (53) قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (54) قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ (55) قَالَ بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (56) وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (57) فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (58) قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآَلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (59) قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (60) قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (61) قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآَلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ (62) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (63) فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (64) ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ (65) قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (66) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (67) قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آَلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (68) قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (69) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (70) وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (71) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ (72)} ورد هذا الجانب من قصة إبراهيم – أي محاجة إبراهيم لأبيه وقومه ودعوته لهم – في سورة الأنعام ومريم والأنبياء والشعراء والعنكبوت والصافات والزخرف، غير أناه لم تتكرر، بل ورد في كل موضع ما يناسب السياق وما يراد أن يسلط عليه من الضوء. ففي سورة الأنعام وهو أول موضع ورد فيه هذا الجانب كان الكلام مع أبيه متعجبًا مع الإنكار من أن يتخذ أصنامًا آلهة. قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آَزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آَلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (74)}. وهو أول موضع ذكر اسم أبيه (آزر) ولم يكرره في موضع آخر، فاكتفى بذكره في الموضع الأول. كان الخطاب لأبيه وحده: {أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آَلِهَةً} ولم يقل: (أتتخذون) فكان الحديث مع الأب. ثم قال: {إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} أي هذا ما يراه هو، ولم يذكر أنه جاءه بذلك وحي أو علم. فهو لم يقل له: (إنك وقومك في ضلال مبين) بل قال إن هذا ما يراه. ثم ذكرت القصة كيف اهتدى إلى ربه بالنظر في ملكوت السماوات والأرض، إذ رأى كوكبًا فقال: هذا ربي، حتى إذا أفل قال: لا أحب الآفلين. ثم رأى القمر، فقال: هذا ربي، حتى إذا أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين. ثم رأى الشمس فقال هذا ربي هذا أكبر، فلما أفلت تبرأ من شرك قومه وخاطب قومه معلنًا براءته من شركهم وإيمانه بمن فطر السماوات والأرض. وحاجه قومه في ذلك لهم إيمانه بالله وأنه لا يخاف معبوداتهم التي يشركونها بالله (الآيات 74 - 81). وأما في سورة مريم فالقصة تبين أمرًا آخر، إذ سأل أباه أنه لم يعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنه شيئًا؟ ثم ذكر أنه قد جاءه من العلم ما لم يأته. وهذه مرحلة غير الحالة الأولى. فما ذكره في الأنعام أنه يراه وقومه في ضلال مبين، أي هذا ما يراه. أما في مريم فإنه ذكر لأبيه أنه قد جاءه من العلم ما لم يأته، وأنه طلب منه أن يتبعه ليهديه الصراط السوي. وهذا ما لم يذكره في الأنعام. فكأن هذه مرحلة تتلو المرحلة الأولى قبلها. ثم إن موقف أبيه منه قد تغير الآن، فإن أباه هدده بالرجم إن لم ينته، وأنه طلب منه أن يهجره. وقد أكد ذلك بالقسم: {لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا} وكان موقف إبراهيم في غاية حسن الأدب وتمني الهداية لأبيه قائلاً له: {قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي} كما إن موقفه مع قومه قد اختلف. ففي الأنعام ذكر المحاجة مع قومه وانتهى الأمر عند ذاك. أما في هذه السورة سورة مريم فقد ذكر أنه سيعتزلهم وما يدعون من دون الله. وقد اعتزلهم فعلاً، فقد قال لقومه: {وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (48)}. ثم نفذ هذا الأمر فاعتزلهم. وقد أخبر ربنا بذلك فقال: {فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (49)}. فما ورد في سورة مريم كأنه استكمال لما ورد في الأنعام. وهو الحالة الطبيعية في مواقف الحياة. وهذا ما ورد من القصة في سورة مريم: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (41) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (42) يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (43) يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (44) يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (45) قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آَلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (46) قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (47) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (48) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (49)} وأما ما ورد في سورة الأنبياء فالأمر مختلف. فإن الموقف قد اختلف، فالمحاجة قد اختلفت في الشدة، وإن العاقبة قد اختلفت. فالخطاب كان للأب في سورتي الأنعام ومريم. وأما في هذه السورة فكان الخطاب عامًا لأبيه وقومه: {إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ}. ولم يذكروا أمرًا في الإجابة عن هذا السؤال سوى أنهم وجدوا آباءهم لها عابدين. فقال لهم: {قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} فأخبرهم أنهم كانوا هم وآباؤهم في ضلال مبين. ولم يقل كما قال في الأنعام: {إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} أي هذا ما يراه. وإنما هو الآن قرر ذلك بعد ما جاءه العلم من ربه. ثم إن لم يذكر آباءهم في الأنعام بل ذكر أباه وقومه. أما الآن في سورة الأنبياء فإنهم بعد ما ذكروا أنهم وجدوا آباءهم لها عابدين قال لهم: {لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} فقد ذكرهم وذكر آباءهم وقرر ذلك مؤكدًا بلام القسم (لقد). ثم كان عاقبة ذلك أن حطم الأصنام فجعلها جذاذًا إلا كبيرًا لهم. وقرروا إحراقه فلم يفلحوا. وأما في سورة الشعراء فذكر شيئًا آخر من قصة سيدنا إبراهيم مع أبيه وقومه، وهو المناقشة والحوار في أمر الأصنام وماذا تستطيع أن تفعله لهم. وذكر هو ربه وما يفعله له. فقد قال لأبيه وقومه سائلاً لهم: {مَا تَعْبُدُونَ} فأجابوه قائلين: نعبد أصنامًا فنظل لها عاكفين. فسألهم قائلاً: هل يسمعونكم إذا تدعون، أو ينفعونكم أو يضرون؟ فلم يقولوا له: نعم هم كذلك، وإنما قالوا: {بَلْ وَجَدْنَا آَبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ} فأعلن عداوته لهذه الآلهة ولم يعلن عداوته لهم فقال: {قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (75) أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (76) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (77)} ثم ذكر ما يفعله له ربه رب العالمين: {الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (81) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (82)} وانتهى الأمر عند هذا الحد ولم يتعد المحاجة والمحاورة. ثم انتهت القصة بالدعاء لنفسه ولأبيه قائلاً: {رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (83) وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآَخِرِينَ (84) وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (85) وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ (86) وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (87) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)} فأنت ترى أنه نفذ ما وعد أباه في سورة مريم أنه سيستغفر له ربه حين قال: {سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي} فقد دعا ربه هنا في الشعراء بالمغفرة لأبيه قائلاً: {وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ} تنفيذًا لما وعد، كما قال تعالى: {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ} [التوبة: 114]. وأما ما ورد في العنكبوت فكأنه استكمال للحديث والمحاورة لما في الشعراء. إذ بعد أن ذكر لهم ما يفعله ربه له من الخير في الشعراء دعاهم في العنكبوت إلى أن يعبدوا الله ويتقوه ليصيبهم من النعم ما هو خير لهم. فإنه في الشعراء لم يدعهم إلى عبادة الله وإنما لم يتعد الأمر الحوار والحجاج، فلما تبين لهم ضعف حجتهم وأن آلهتهم لا تنفعهم شيئا دعاهم إلى عبادة الله. فذكر ما يفعله ربه له من النعم في الشعراء. وذكر في العنكبوت أنهم إن هم عبدوه واتقوه أفاض عليهم بالخير والنعم. قال تعالى: { وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (16) إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (17) وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (18) …… فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (24) وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (25) } فما كانت نتيجة الحوار إلا أن قالوا: (اقتلوه أو حرقوه) فأنجاه الله من النار. فكأن هذا نتيجة الحوار والحديث لما ورد في الشعراء والعنكبوت. وأما ما ورد في سورة الصافات فإنه مختلف عن كل ما ورد، فإنه لما ضاق ذرعًا بمحاجتهم وأنهم لا يعبئون بحجة ولا يستمعون لقول، وليس عندهم حجة سوى أنهم رأوا آباءهم كذلك. إقرارهم بأنها لا تسمع أو تنفع أو تضر، وأنه لم ينفع معهم ترغيب أو ترهيب أخذ يقرعهم ويشتد عليهم في الكلام: {إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ (85) }، فلم يقل: (ما تعبدون) كما قال في الشعراء، وإنما قال لهم: (ماذا تعبدون) فزاد في لفظة الاستفهام لقصد تقريعهم. ذلك أن المقام في الشعراء مقام استفهام ومحاجة، وفي الصافات مقام تقريع، يدل على ذلك قوله بعد هذه الآية: {أَئِفْكًا آَلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (86)}. ثم انتهى الأمر بتحطيم الأصنام وإلقائه في النار (1). ومع أنه ذكر في سورتي الأنبياء والصافات تحطيم الأصنام فإن القصة لم تتكرر فيهما، فإنه ذكر في كل موضع ما لم يذكره في الآخر. فإنه هدد في الأنبياء أنه ليكيدن أصنامهم (٥٧). وفي الصافات ذكر الحجة التي اعتل بها لئلا يخرج معهم في عيدهم فقال: {إِنِّي سَقِيمٌ }(2) ولم يذكر ذلك في الأنبياء. فقال: {أَلَا تَأْكُلُونَ (91) مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ}. وذكر في الصافات أنهم قالوا: {ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (97)}. ولم يذكر ذلك في الأنبياء. ثم تسير القصة في الصافات مسارًا آخر غير مسارها في الأنبياء. فإنه ذكر في الأنبياء أنه نجاه ولوطًا إلى الأرض التي بارك فيها، وذكر شيئًا من قصة لوط. وأما في الصافات فقد ذكرت القصة الأمر بذبح ولده وما بعد ذلك. قال تعالى: {وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (83) إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (84) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ (85) أَئِفْكًا آَلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (86) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (87) فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (88) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ (89) فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (90) فَرَاغَ إِلَى آَلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (91) مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ (92) فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (93) فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (94) قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (95) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (96) قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (97) فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ (98) وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (99) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (100) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (101)....} وأما في الزخرف وهو آخر موضع وردت فيه هذه القصة فإنه لخص دعوته وخاتمة الأمر بإيجاز. فقد أعلن لأبيه وقومه براءته ما يعبدون أشد البراءة قائلاً لهم: {إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ}، واستثنى من ذلك من فطره فقال: {إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ}. وأنه جعل هذه الكلمة باقية في عقبه، أي في ذريته فلا "يزال فيهم من يوحد الله تعالى ويدعو إلى توحيده عز وجل" (3). {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} أي لعله يرجع من يشرك بالله إلى التوحيد. قال تعالى في الزخرف: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (26) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (27) وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (28)} ويمكن تلخيص قسم من أحداث القصة في السور التي ذكرناها بما يأتي: الدعوة: كان الحديث موجهًا إلى أبيه في الأنعام ومريم. وفي الأنبياء والشعراء والصافات والزخرف موجها إلى أبيه وقومه. وفي العنكبوت كان الكلام موجها لقومه؛ لأن الكلام كان لما هو خير لهم على العموم، ولأنه ذكر عاقبة الأمم المكذبة. فكان الكلام موجهًا لقومه على العموم. موقف إبراهيم: كان موقف إبراهيم في الأنعام لا يعدو المحاجة. وفي مريم كان اعتزاله لهم ولما يعبدون من دون الله. وفي الأنبياء والصافات تحطيم الأصنام مع الاختلاف في التفاصيل. وفي الشعراء التوسع في الاحتجاج. وفي العنكبوت ذكر المنافع والترغيب في عبادة الله والترهيب من معصيته. وفي الزخرف إعلان البراءة مما يعبدون إلا الذي فطره، وجعل كلمة التوحيد باقية في عقبه. موقف قومه منه: في سورة الأنعام ذكر محاجة قومه له ولم يذكر كيف كان الاحتجاج وما كانت حجتهم، والإلماح إلى أنهم خوفوه آلهتهم فقال لهم إنه لا يخاف ما يشركون به. وفي مريم ذكر تهديد أبيه له بالرجم. وفي الأنبياء ذكر سؤال قومه له عمن حطم آلهتهم، ومحاكمته أمام الناس والقضاء بتحريقه. وفي الشعراء لم يتعد الموقف المحاجة وانقطاعهم أمامه في الحجة. وفي العنكبوت ذكر عاقبة المحاجة وهي أنهم طلبوا قتله أو تحريقه. وفي الصافات قرروا أن يبنوا له بنيانًا ويلقوه في الجحيم. ولم يذكر البنيان في الأنبياء وإنما ذكر الحكم بتحريقه. فهناك ذكر الحكم، وهنا ذكر كيفية تنفيذ الحكم. عاقبة إبراهيم: لم يذكر عاقبة إبراهيم في الأنعام سوى أنه ذكر أنه وهب له ذرية صالحة. وفي مريم ذكر أنه لما اعتزل قومه وما يعبدون من دون الله وهب له إسحاق ويعقوب وجعل كلاً منهما نبيًّا. وفي الأنبياء ذكر أن النار جعلها بردًا وسلامًا، ونجاه ولوطاً إلى الأرض التي بارك فيها ووهب له إسحاق ويعقوب. ولم يذكر في الشعراء سوى الدعاء لنفسه في الدنيا والآخرة. وفي العنكبوت ذكر أن الله أنجاه من النار، وذكر أنه مهاجر إلى ربه، وأن الله وهب له إسحاق ويعقوب وآتاه أجره في الدنيا، وفي الآخرة هو من الصالحين. وفي الصافات ذكر أنهم أرادوا به كيدًا فجعلهم الأسفلين. وأنه بشره بغلام حليم، ثم بشره بإسحاق. كيفية النجاة: قال في الأنبياء: إنه قال للنار كوني بردًا وسلامًا على إبراهيم، ونجاه ولوطاً إلى الأرض التي بارك فيها. وذكر في العنكبوت أنه أنجاه الله من النار ولم يقل كيف كان ذلك. وفي الصافات قال: {فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ} ولم يقل كيف كان ذلك. ونعود الآن لدراسة القصة دراسة بيانية. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الرابع من ص 127 إلى ص 137. (1) انظر كتابنا (التعبير القرآني) 124 وما بعدها، درة التنزيل 336. (2) انظر تفسير ابن كثير 4/13، فتح القدير 4/389. (3) روح المعاني 25/77. الوقفة كاملة


إظهار النتائج من 5841 إلى 5850 من إجمالي 14785 نتيجة.