| ٥٠١ |
{وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (32)}
لما بين أن المهلكين لا رجعة لهم إلى الدنيا ذكر أنهم كلهم راجعون إليه محضرون لديه. وفي الآية تنبيه على أن من أهلكه الله في الدنيا وعاقبة لا يتركه سدى بل سيرجعه إليه ويحاسبه ويعاقبه.
جاء في (التفسير الكبير): "لما بين الإهلاك بين أنه ليس من أهلكه الله تركه، بل بعده جمع وحساب وحبس وعقاب" (1).
و(إن) نافية، و(لما) بمعنى (إلا).
و(كل) مبتدأ، وخبره (جميع)، وليست (جميع) ههنا بمعنى (كل) وإنما معنى (جميع) ههنا (مجموعون) فهي فعيل بمعنى اسم المفعول. والمعنى أن كلهم مجموعون محضرون. و(جميع) قد تكون بمعنى مجموعين، وبمعنى مجتمعين، تقول: قوم جميع أي مجتمعون (2).
وتقول: (الطلاب جميع) أي الطلاب مجتمعون، و(نحن جميع) أي مجتمعون، فهذا كلام تام.
جاء في (الكشاف): "فإن قلت: كيف أخبر عن (كل) بجميع، ومعناهما واحد؟
قلت: ليس بواحد؛ لأن كلًا يفيد معنى الإحاطة وأن لا ينفلت منهم أحد.
والجميع معناه الاجتماع، وأن المحشر يجمعهم، والجميع: فعيل بمعنى مفعول، يقال: حي جميع، وجاءوا جميعًا" (3).
والمقصود بـ (محضرون) أنهم محضرون للحساب، و(لدينا) ظرف قدم على متعلقه (محضرون) لإفادة الحصر، بمعنى أن الإحضار لديه وليس لدى غيره. وهو نظير تقديم الجار والمجرور في قوله: {أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ}.
و{مُحْضَرُونَ} إما خبر ثان أو نعت لـ (جميع) على المعنى، ويصح إفراده حملًا على اللفظ فيقال: (وإن كل لما جميع لدينا محضر) كما قال تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ} {القمر: 44}.
وقد تقول: ولم حمل على المعنى في (يس) وحمل على اللفظ في القمر؟
فنقول: لما ذكر القرون المهلكة الكثيرة في (يس) ناسب أن يجمع فيقول: (محضرون).
أما في سورة القمر فإنهم فريق واحد أو جمع واحد وليس جموعًا كما قال تعالى بعدها: {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} {القمر: 45}، فناسب ذلك الإفراد.
ثم إن الانتصار إنما هو وصف للفريق كله أو للجمع كله وليس لكل فرد. فيقول الفريق المنتصر أو الجيش المنتصر: (نحن انتصرنا) أو (جيشنا انتصر). ولا يقول الجندي: أنا انتصرت. فالنصر وصف للمجموع لا لكل فرد على حدة، فوحد الوصف لأنه وصف للفريق أو للجمع لا لأفراده واحدًا. بخلاف الإحصار للحساب أمام الله فإن كل فرد سيحضر أمام ربه ويمثل للحساب كما قال تعالى: {وَكُلُّهُمْ آَتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا} {مريم: 95}، فناسب الجمع في (يس) من جهة أخرى.
وقد تقول: ولم قال إذن في سورة الشعراء: {وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ} {الشعراء: 56}، فجمع ولم يفرد؟
والجواب: أن ذلك لأكثر من سبب ويدلل عليه السياق، قال تعالى: {فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (53) إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (54) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (55) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ} {الشعراء: 53 - 56}.
فإن فرعون أرسل في المدائن المتعددة أناسًا يحشرون الناس ويجمعونهم يبلغونهم قرار فرعون المذكور، فهم جموع متعددة لا جمع واحد، فناسب الجمع من جهة.
ومن جهة أخرى لم يقل: (وإنا لجميع حاذر) لأنه لم يرد أن يجعل الحذر وصف الفريق على العموم، بل أراد أن يجعله وصفًا لكل فرد، فكل فرد بعينه ينبغي أن يكون حاذرًا، فهو ليس مثل (نحن جميع منتصر) الذي هو وصف الجمع لا وصف الأفراد، فإن هذا وصف كل فرد في المجموع. فناسب الجمع ههنا.
فاتضح أن كل تعبير هو أنسب في مكانه، والله أعلم.
(1) التفسير الكبير 26/64.
(2) انظر لسان العرب (جمع) 9/404.
(3) الكشاف 2/587 وانظر روح المعاني 23/6.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 158 إلى ص 160.
الوقفة كاملة
|
| ٥٠٢ |
{وَآَيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (33) وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (34) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (35) سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ (36)} .
لما ذكر الحشر في الآية السابقة وهي قوله تعالى: {وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ} ذكر الدليل على إمكان وقوعه وعلى أن ذلك بمقدوره سبحانه، فاستدل بإحياء الأرض الميتة وإخراج الحب والجنات فيها فقال: {وَآَيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا} ومعنى الآية العلامة والدليل، فجعل إحياء الأرض الميتة دليلًا على إحياء الموتى في الآخرة.
ولا يقتصر الاستدلال بهذه الآية على إحياء الموتى، وإنما فيها دلائل على أمور أخرى، منها توحيد الله وقدرته البالغة ورحمته، فذكر جملة من نعمة عليهم.
جاء في (التفسير الكبير): "{وَآَيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ} وفيه مسائل:
(المسألة الأولى): ما وجه تعلق هذا بما قبله؟.
نقول: مناسب لما قبله من وجهين:
(أحدهما): أنه لما قال (وإن كل لما جميع) كان ذلك إشارة إلى الحشر، فذكر ما يدل على إمكانه قطعًا لإنكارهم واستبعادهم وإصرارهم وعنادهم، فقال: {وَآَيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا} كذلك نحيي الموتى.
و(ثانيهما): أنه لما ذكر حال المرسلين وإهلاك المكذبين وكان شغلهم التوحيد، ذكر ما يدل عليه، وبدأ بالأرض لكونها مكانهم لا مفارقة لهم عند الحركة والسكون...
وأما بالنسبة إلى التوحيد فلأن فيه تعدد النعم، كأنه يقول: آية لهم الأرض، فإنها مكانهم ومهدهم الذي في تحريكهم وإسكانهم والأمر الضروري الذي عنده وجودهم وإمكانهم، وسواء كانت ميتة أو لم تكن فهي مكان لهم لابد لهم منها فهي نعمة.
ثم إحياؤها بحيث تخضر نعمة ثانية فإنها تصير أحسن وأنزه.
ثم إخراج الحب منها ثالثة فإن قوتهم يصير في مكانهم...
ثم جعل الجنات فيها نعمة رابعة لأن الأرض تنبت الحب في كل سنة، وأما الأشجار بحيث تؤخذها منها الثمار فتكون بعد الحب وجودًا. ثم فجرنا فيها من العيون ليحصل لهم الاعتماد بالحصول، ولو كان ماؤها من السماء لحصل، ولكن لم يعلم أين تغرس وأين يقع المطر وينزل القطر.
وبالنسبة إلى إحياء الموتى كل ذلك مفيد؛ وذلك لأن قوله: {وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا} كالإشارة إلى الأمر الضروري الذي لا بد منه، وقوله: {وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ} كالأمر المحتاج إليه الذي إن لم يكن لا يغن الإنسان عنه لكنه يبقى مختل الحال.
وقوله: {وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ} إشارة إلى الزينة التي إن لم تكن لا تغن الإنسان ولا يبقى في ورطة الحاجة لكنه لا يكون على أحسن ما ينبغي" (1).
لقد قال: {وَآَيَةٌ لَهُمُ} فجعل الآية لهم مع أنها لا تخصم وحدهم بل هي آية لعموم العقلاء من خلق الله؛ وذلك لأنهم ينكرون الحياة بعد الموت، ولأنهم مشركون لا يقرون بالتوحيد، فحاجهم بما يدل على إحياء الموتى وبما يدل على التوحيد.
جاء في (التفسير الكبير): "الأرض آية مطلقًا فلم خصصها بهم حيث قال: {وَآَيَةٌ لَهُمُ} ؟
نقول: الآية تعدد وتسرد لمن لم يعرف الشيء بأبلغ الوجوه، وأما من عرف الشيء بطريق الرؤية لا يذكر له دليل" (2).
والضمير في (لهم) يعود على أهل مكة ومن يجري مجراهم في إنكار الحشر (3).
وقدم (آية) وهي الخبر على المبتدأ وهي الأرض ولم يقل (والأرض الميتة آية لهم) وذلك لأن الكلام على العلامات الدالة على قدرته وليس الكلام على الأرض. وقد ساق الليل والنهار والشمس والقمر دلائل على قدرته وليس لذاتها ولذا قال: {وَآَيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ ... وَآَيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ ... وَآَيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ }.
ثم إنه قدم الآية على الجار والمجرور فقال: {وَآَيَةٌ لَهُمُ} للدلالة على أنها آية لهم ولكنها لا تخصهم وحدهم، ولو قدم الجار والمجرور فقال: (ولهم الأرض الميتة آية) لكان ذلك يعني تخصيص الآية بأنها لهم دون غيرهم، في حين أنها آية للجميع وليست آية خاصة بهم. فالتقديم في نحو هذا أكثر ما يفيد التخصيص وذلك نحو قوله تعالى: {هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آَيَةً} {الأعراف: 73}، فقدم (لكم) على (آية) لأنها آية خاصة بهم دون غيرهم.
ونحوه قوله: {رَبِّ اجْعَلْ لِي آَيَةً} {آل عمران: 41}، فقدم الجار والمجرور لأنه طلب آية خاصة دون غيره.
وبدأ بذكر الأرض لأنها مسكنهم ومستقرهم (4).
(1) التفسير الكبير 26/65 – 66.
(2) التفسير الكبير 26/65.
(3) البحر المحيط 7/334، روح المعاني 23/6.
(4) انظر البحر المحيط 7/334.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 161 إلى ص 164.
* * *
{وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ}
بدأ بالحب لأنه طعام الإنسان وقوته وهو أهم ما يأكله البشر، وهم من دونه جياع، وإذا فقد الحب هلك الناس.
وقدم الجار والمجرور (منه) على الفعل (يأكلون) لأهميته، لبيان أن البشر إنما يأكلون منه، ولا يكون قوت من دون الحب، وهو من أجل النعم، وكأن الأكل لا يكون إلا منه.
جاء في (الكشاف): "{فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ} بتقديم الظرف للدلالة على أن الحب هو الشيء الذي يتعلق به معظم العيش ويقوم بالارتزاق منه صلاح الإنس، وإذا قل جاء القحط ووضع الضر، وإذا فقد جاء الهلاك ونزل البلاء" (1).
وجاء في (روح المعاني): "(فمنه) أي من الحب بعد إخراجنا إياه، والفاء داخلة على المسبب، و(من) ابتدائية، أو تبعيضية، والجاء والمجرور متعلق بقوله تعالى: (يأكلون) والتقديم للدلالة على أن الحب معظم ما يؤكل ويعاش به لما في ذلك من إبهام الحصر للاهتمام به حتى كأنه لا مأكول غيره" (2).
(1) الكشاف 2/587.
(2) روح المعاني 23/7.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 164 إلى ص 164.
الوقفة كاملة
|
| ٥٠٣ |
{وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (34) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (35)}
بعد أن ذكر الحب – وهو الأهم - ذكر الجنات من النخيل والأعناب، وهما دون الحب بالنسبة إلى طعام الناس.
والمقصود بالنخيل والأعناب هما الشجر وليس الثمر، ولذلك قال فيما بعد: {لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ} ولم يقل: (ليأكلوا منه). ثم إن قوله: (جنات) يدل على ذلك أيضًا.
وقدم شجرة النخيل على العنب لأنها أفضل منها، فإن فوائد النخلة كثيرة ولا يخلو أي جزء منها من فائدة. ولا تقاس شجرة العنب بالنخلة من حيث الفائدة، فشجر العنب ضئيلة الفائدة بخلاف ثمرها.
جاء في (التفسير الكبير): "في المواضع التي ذكر الله الفواكه لم يذكر التمر {بل ذكره} (1) بلفظ شجرته وهي النخلة، ولم يذكر العنب بلفظ شجرته بل ذكره بلفظ العنب والأعناب، ولم يذكر الكرم؛ وذلك لأن العنب شجرته بالنسبة إلى ثمرته حقيرة قليلة الفائدة، والنخل بالنسبة إلى ثمرته عظيمة جليلة القرد كثيرة الجدوى. فإن كثيرًا من الظروف منها يتخذ وبلحائها ينتفع ولها شبه بالحيوان فاختار منها ما هو الأعجب منها" (2).
وقد تقول: ولكنه قدم العب على النخل في موطن آخر من القرآن الكريم وهو قوله تعالى: {فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (25) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (26) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (27) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (28) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (29) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (30) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا} {عبس: 24 - 31}.
فنقول: لما يتقدم العنب على النخل في القرآن إلا في موطنين:أحدهما: في آيات عبس هذه.
والموطن الآخر: في سورة الرعد وهو قوله تعالى: {وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ} {الرعد: 4}.
أما آيات عبس فإنه ذكر فيها الأطعمة، فقد قال: {فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ} ، ثم ذكر عددًا منها فذكر الحب والعنب والزينون. أما النخل فإنه ليس بطعام وإنما هو اسم للشجرة التي تحمل التمر، في حين أن المذكور قبلها هو الثمر. فكل من العنب والزيتون ثمر، والحب طعام، أما النخل فهو شجر، فلما قال: {فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ} قدم الأطعمة وأخر الشجر، ولذا جعل النخل بجنب الحدائق فقال: {وَنَخْلًا (29) وَحَدَائِقَ غُلْبًا}.
هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى أنه رتب المذكورات بحسب الكثرة، فالحب أكثر المذكورات وجودًا وإنتاجًا في العالم، ثم العنب وهو أقل من الحب وأكثر من الزيتون. إن العنب ينبت في أجواء متباينة تباينًا كبيرًا وإنتاجه في العالم أضعاف إنتاج الزيتون.
ثم ذكر الزيتون وهو أقل من العنب.
ثم النخل وهو أقل، وإنتاجه في العالم أقل بكثير من الزيتون، وهو لا يثمر إلا في أجواء خاصة وليس منتشرًا في الأرض انتشار الزيتون.
فرتب الأطعمة بحسب كثرتها في العالم.
أما آية الرعد فإنه ذكر فيها المتجاور من النبات واختلافه في الأكل، فبدأ بجنات الأعناب ثم انتهى إلى أقرب المتجاور وهو النخل الصنوان الذي أصله واحد وهو أقرب من كل متجاورين.
فبدأ بجنات الأعناب وهو قطع متجاورة من البساتين، ثم ذكر ما هو أقرب تجاورًا وهو الزرع في الحقل الواحد أو الحقول المتقاربة.
والزرع أقرب إلى بعضه من أشجار العنب، فإنه إذا كان في حقل واحد فهو أقرب إلى بعضه من الجنات المتعددة وإن كانت متجاورة. ثم إن نبتة الزرع أقرب إلى أختها من أشجار الكرم، إذ إن أشجار الفاكهة ينبغي أن تتباعد عن بعضها ليكثر ثمرها ويحسن، والزرع لا يحتاج إلى مثل ما يحتاج إليه الشجر من المسافات.
ثم انتهى إلى النخل الصنوان وغيره، وهو أقرب من كل شيء، إذ الصنوان: هو النخل الذي يخرج من أصل واحد، وهي الفسائل المتعددة التي تخرج من أصل النخلة، وهذه أقرب من كل شيء إلى بعضها، فهي أقرب المذكورات تجاورًا.
فرتبها بحسب التجاور، فبدأ بالجنات وانتهى إلى الأشجار التي تخرج من أصل واحد وهي الفسائل التي تخرج من نخلة واحدة.
فكان التقديم بحسب ما يقتضيه السياق.
وقال في الحب: {فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ} وقال في الثمر: {لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ} بذكر لام التعليل؛ ذلك أن الناس يأكلون من الحب على الدوام وهم مستمرون على ذلك. أما الفاكهة فليست كذلك فهم لا يأكلون منها على الدوام وإنما يأكلونها في أوانها. ثم إن كثيرًا من الناس ليس بوسعهم أن يأكلوا الفاكهة إلا في أوقات متباعدة. ففرق بين ما هم مستمرون على أكله وما ليس كذلك.
وهناك سؤال وهو أنه لماذا ذكر الأكل بعد ذكر الحب مباشرة فقال: {وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ}، وأخر الأكل عن الثمار إلى ما بعد ذكر تفجير العيون ولم يجعلها بعد ذكر الجنات مباشرة فقال: {وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (34) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ} ؟
قيل: إن سبب ذلك أن الحب لا يحتاج إلى العيون والأنهار الجارية، وإنما قد يكفيه ماء السحاب، بخلاف الجنات فإنها تحتاج إلى ماء مستديم لسقيها، وذلك يكون من العيون والآبار والأنهار، فحاجة الجنات إلى العيون والماء المستديم أكثر من حاجة الحب، فالعيون أو ما قام مقامها هو الشرط الأول لقيام الجنات، وهو مبدأ قيامها.
جاء في (التفسير الكبير): "لم أخر التنبيه على الانتفاع بقوله: (ليأكلوا) عن ذكر الثمار حتى قال: {وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ} وقال في الحب: {فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ} عقب ذكر الحب، ولم يقل عقب ذكر النخيل والأعناب ليأكلوا؟.
نقول: الحب قوت وهو يتم وجوده بمياه الأمطار، ولهذا يرى أكثر البلاد لا يكون بها شيء من الأشجار والزرع والحراثة لا تبطل هناك اعتمادًا على ماء السماء، وهذا لطف من الله حيث جعل ما يحتاج إليه الإنسان أعم وجودًا.
وأما الثمار فلا تتم إلا بالأنهار ولا تصير الأشجار حاملة للثمار إلا بعد وجود الأنهار فلهذا أخر" (3).
وقد تقول: ولم أخر ذكر تفجير العيون عن ذكر الحب والفاكهة مع أن الماء سابق لهما وهو شرط لوجودهما؟
والجواب أن ذلك لأكثر من سبب:
1- منها أنه قدم المطعوم على المشروب، وذلك لأن الطعام أهم والحصول عليه أعسر، والناس يجهدون للحصول عليه، بخلاف الشرب فإن الحصول عليه أيسر، فقدم الطعام على المشروب.
وتقديم الطعام على المشروب هو الشائع في القرآن الكريم، فهو يقدم الطعام على الشراب إذا اجتمعا، قال تعالى: {كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ} {البقرة: 60}، وقال: {وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ} {الشعراء: 79}، وقال: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (63) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ} {الواقعة: 63 - 64}، ثم قال بعدها: {أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ} {الواقعة: 68}، وكذلك ههنا.
2- ومنها أن السياق في إحياء الموتى، فذكر الأرض الميتة وإحياءها وإخراج الحب والجنات منها دليلًا على ذلك، فقدم ما فيه آية عليه. فإحياء الأرض وإخراج الحب والجنات أدل على ذلك من تفجير العيون.
3- أنه ذكر الأكل ولم يذكر الشرب، فقد قال في الحب: {فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ} ، وقال في الجنات: {لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ}، ولم يقل في العيون: (ليشربوا منها) فلذلك قدم ما يؤكل وأخر ما لم يجر له ذكر، هذا إضافة إلى أنه ذكر تفجير العيون لغرض الأكل وهو إحياء الأرض وإنشاء الجنات وليس للشرب، فقدم ما عليه مدار الكلام والسياق.
4- أنه قال: {وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ}، والضمير في (فيها) يعود إما على الجنات أو يعود على الأرض.
فإن عاد على الجنات أي: (وفجرنا في الجنات من العيون) كانت العيون متأخرة عن الجنات في الوجود لأن التفجير كام في الجنات فتكون الجنات سابقة لها، وعلى هذا تكون العيون متأخرة عنها في الوجود، فناسب تأخيرها وتقديم ما قدم لسبقه.
وإن كان الضمير يعود على الأرض لا على الجنات أي: (وفجرنا في الأرض من العيون) فالتفجير لا علاقة له بجنات النخيل والأعناب؛ لأن التفجير سيكون في الجنات وغيرها، وقد يكون سابقًا للجنات أو متأخرًا عنها.
5- إن الماء هو السبب الأول لإخراج الحب والجنات وليست العيون، فإن المهم هو توفر الماء لإنبات الزرع وإخراج الحب والجنات، سواء كان ذلك عن طريق العيون أم عن غيرها. وإن أكثر الجنات في الأرض ليس فيها عيون ماء وإنما تسقى بالماء. أما تفجير العيون فيها فللزيادة في النعمة، ولذا فالعيون لا ترتبط بالجنات. فقد تكون في الجنات عيون ماء وقد لا تكون. وقد تتفجر عين في جنة من الجنات بعد مدة غير قليلة من وجودها فيكون ذلك زيادة في الخير، كما قال تعالى: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (32) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آَتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا (33) وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ } {الكهف: 32 - 34}. فذكر الجنتين وأن كلًا منهما آتت أكلها ولم تظلم منه شيئًا، ثم قال: {وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا}، مما يدل على أن التفجير كان في زمن متأخر زيادة في الاختبار والابتلاء، إذ التفجير كان خلال الجنتين.
فلا ارتباط مكانيًا أو زمانيًا لازم بين الجنات والعيون، إذ قد تكون جنات وليس فيها عيون ماء، وقد تكون عيون وليس ثمة جنات.
ثم إن الجنات أهم وأفضل من عيون الماء؛ لأنه بها غذاء الناس وطعامهم، أما الماء فمقدور عليه الغالب.
إن الشائع في التعبير القرآني أنه إذا اجتمعت الجنات والعيون قدم الجنات على العيون، قال تعالى: {أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آَمِنِينَ (146) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} {الشعراء: 146 - 147}.
وقال: {فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} {الشعراء: 57}.
وقال: {كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} {الدخان: 25}.
وقال: {أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (133) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} {الشعراء: 133 - 134}.
وقال: {وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا} {نوح: 12}.
غير أنه يقدم الماء إذا أراد أن يبين أنه سبب الإنبات كما قال تعالى: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ (18) فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} {المؤمنون: 18 - 19}.
وقال: {وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ} {ق: 9}.
وقال: {وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ} {الأنعام: 99}.
وقال: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (14) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (15) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا} {النبأ: 14 - 16}.
وغير ذلك.
فحسن تقديم ما قدم من الحب والجنات من كل وجه، والله أعلم.
ثم لننظر من ناحية أخرى أنه قال: {وَفَجَّرْنَا فِيهَا} بتضعيف العين للدلالة على الكثرة، فإن (فعل) المضعف العين يفيد التكثير والمبالغة، أما الفعل الثلاثي فلا يفيد التكثير، قال تعالى: {وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (90) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا} {الإسراء: 90 - 91}،
فقال: (تفجر) بالتخفيف؛ لأنه ينبوع واحد. في حين قال: (فتفجر الأنهار) بالتضعيف لأنه ذكر أنهارًا لا ينبوعًا.
وقال تعالى: {وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ} {القمر: 12} وذلك أنه جعل الأرض عيونًا ناكلها.
وقد تقول: ولكنه قال: {وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا} {الكهف: 33} بالتشديد.
فنقول: إن ذلك يدل على كثرة الماء في هذا النهر وغزارته مما يدل على كثرة التفجير.
(1) زيادة يقتضيها السياق.
(2) التفسير الكبير 26/67.
(3) التفسير الكبير 26/67 وانظر روح المعاني 23/7 – 8.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 165 إلى ص 172.
* * *
{وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ}
تحتمل أن تكون (ما) نافية، أي أن الثمر لم تعمله أيديهم وإنما هو من فعل الله كقوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ} {يس: 71}، فالثمر لم تعمله أيدي الناس وإنما عملته يد القدرة الإلهية.
وتحتمل أن تكون اسمًا موصولًا أيضًا، والمعنى: (ليأكلوا من ثمرة ومن الذي عملته أيديهم).
والموصولة تكون على أكثر من معنى.
من ذلك أن المعنى: ليأكلوا من ثمره ومما يعلمون من الثمار من الشراب والدبس وغيرهما مما يعمله الناس من الثمار.
وقيل: إن المعنى على الموصولة: ليأكلوا مما عملته أيديهم من الغرس والسقي والكد والقيام على أمرها حتى تنضج.
وقيل: إن المعنى يحتمل أيضًا أن يذكرنا أن الثمر على نوعين:
قسم لا يدخل فيه عمل الإنسان وإنما يخرجه الله دون أن تعمل فيه يد الإنسان.
وقسم يتعب فيه الإنسان ويكد من غرس وتعهد وتأبير وما إلى ذلك فتعمل فيه يد الإنسان.
فذكر هنا نوعي الثمر: ما لم تعمل أيديهم وما عملته أيديهم.
والوجه الأول أقوى في معنى الموصولة.
ويترجح عندي معنى النفي، وكلاهما محتمل.
جاء في (الكشاف): "{لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ} والضمير لله تعالى، والمعنى: ليأكلوا مما خلقه الله من الثمر، ومما (عملته أيديهم) من الغرس والسقي والآبار وغير ذلك من الأعمال إلى أن بلغ الثمر منتهاه وإبان أكله. يعني أن الثمر في نفسه فعل الله وخلقه، وفيه آثار من كد بني آدم. وأصله (من ثمرنا) كما قال: وجعلنا، وفجرنا، فنقل الكلام من التكلم إلى الغيبة على طريقة الالتفات. ويجوز أن يرجع إلى النخيل وتترك الأعناب غير مرجوع إليها؛ لأنه علم أنها في حكم النخيل فيما علق به من أكل ثمره.
ويجوز أن يراد من ثمر المذكورات وهو الجنات...
ولك أن تجعل (ما) نافية على أن الثمر خلق الله ولم تعمله أيدي الناس ولا يقدرون عليه" (1).
وجاء في (التفسير الكبير): "(ما) في قوله: { وَمَا عَمِلَتْهُ} من أي الماءات هي؟
نقول: فيها وجوه:
(أحدها) نافية، كأنه قال: وما عملت التفجير أيديهم بل الله فجر.
و(ثانيها) موصولة بمعنى (الذي) كأنه قال: والذي عملته أيديهم من الغراس بعد التفجير يأكلون منه أيضًا ويأكلون من ثمر الله الذي أجرجه من غير سعي من الناس...
(المسألة الرابعة): على قولنا (ما) موصولة، يحتمل أن تكون بمعنى: وما عملته - أي بالتجارة - كأنه ذكر نوعي ما يأكل الإنسان بهما، وهما الزراعة والتجارة. ومن النبات ما يؤكل من غير عمل الأيدي كالعنب والتمر وغيرهما، ومنه ما يعمل فيه عمل صنعة فيؤكل كالأشياء التي لا تؤكل إلا مطبوخة، وكالزيتون الذي لا يؤكل إلا بعد إصلاح" (2).
وجاء في (روح المعاني): "{ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ}: (ما) موصولة في محل جر عطف على (ثمره)... أي وليأكلوا من الذي عملوه أو صنعوه، والمراد به ما يتخذ من الثمر كالعصير والدبس وغيرهما...
وقيل: (ما) نافية وضمير (عملته) راجع إلى الثمر" (3).
{أَفَلَا يَشْكُرُونَ}
أي ألا يستدعي ذلك شكر المنعم الذي أمدهم بهذه النعم الجليلة؟
قال ذلك بصيغة الاستفهام، ولم يقل: (فليشكروا لي) بصيغة الأمر وذلك لأنه أراد أن يقول لهم: ألا يستوجب ذلك شكر ربهم؟
وهو عرض لطلب الشكر مع إنكار لعدم الشكر، وفيه بيان أن عدم شكر المنعم قبيح، وجاء بالفاء الدالة على السبب؛ لأن ما ذكر من النعم السابقة من الدواعي الموجبة للشكر، فالنعم سبب للشكر ومدعاة إليه.
جاء في (روح المعاني): "{أَفَلَا يَشْكُرُونَ} إنكار واستقباح لعدم شكرهم للمنعم بالنعم المعدودة بالتوحيد والعبادة. والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام، أي: أيرون هذه النعم أو أينتعمون بها فلا يشكرون المنعم بها" (4).
وقد تقول: لقد قال في موطن آخر: {أَفَلَا يَشْكُرُونَ} {الواقعة: 70}، فجاء بـ (لولا) الدالة على التحضيض وهو الطلب بحث وشدة، وهنا جاء بما يفيد العرض مع استثارة النفوس لشكر المنعم فما الفرق؟
فنقول: إن السياق في سورة (يس) هو تعداد النعم وذكر الآيات والدلائل ومظاهر الرحمة بهم.
أما في الواقعة فهو في مقام التحذير والتوعد والتهديد بالعقوبة وزوال النعمة، قال تعالى: {نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (60) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ (61) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ (62) أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (63) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (64) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (65) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (66) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (67) أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (68) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (69) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ} {الواقعة: 60 - 70}.
فناسب هذا التهديد والتحذير الحض على الشكر والحث عليه.
فاتضح الفرق.
ثم من الملاحظ أنه أطلق الشكر ولم يفيده، فإن الشكر قد يكون للنعمة وقد يكون للمنعم، قال تعالى: {وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} {النحل: 114}، وقال: {رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ} {النمل: 19}.
فهذا من شكر النعم.
وقد يكون الشكر للمنعم، قال تعالى: {وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} {البقرة: 172}.
وقال: {كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ} {سبأ: 15}.
وهنا أطلق الشكر ليتناول شكر النعمة وموليها.
(1) الكشاف 2/587.
(2) التفسير الكبير 26/68.
(3) روح المعاني 23/8.
(4) روح المعاني 23/9.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 172 إلى ص 176.
الوقفة كاملة
|
| ٥٠٤ |
{وَآَيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (37)}
بعد أن ذكر الأرض واستدل بأحوالها على التوحيد والحشر استدل بالليل والنهار على ذلك فكان استدلاله بالمكان والزمان، فالمكان هو الأرض التي يعيشون عليها، والزمان هو الليل والنهار اللذان يتعاقبان عليهم.
جاء في (التفسير الكبير): " لما استدل الله بأحوال الأرض وهي المكان الكلي استدل بالليل والنهار وهو الزمان الكلي، فإن دلالة المكان والزمان مناسبة، لأن المكان لا تستغني عنه الجواهر، والزمان لا تستغنى عنه الأعراض؛ لأن كل عرض فهو في زمان" (1).
وقد تقول: لقد قدم الاستدلال بالأرض على الاستدلال باليل والنهار، وفي موطن آخر قدم الليل والنهار على الأرض، فقد قال في سورة (فصلت) {وَمِنْ آَيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (37) فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ (38) وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} {فصلت: 37 - 39}.
فما السبب؟
والجواب: أن السياق في سورة (يس) هو الاستدلال على الحشر، وقد وقعت الآية بعد قوله: {وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ}. والاستدلال بإحياء الأرض الميتة أدل على ذلك من الاستدلال باليل والنهار وإن كان فيهما استدلال من طريق آخر.
أما الكلام في سورة (فصلت) فهو في توحيد الله وإفراده بالعبادة والنهي عن عبادة غيره، وقد كان قسم المشركين يعبدون الشمس والقمر ويسجدون لهما فقال: {لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ} ، فكان تقديم الليل والنهار وآيتيهما اللتين يسجد لهما طائفة من الناس أولى. بل إن السياق إنما هو في عبادة الله وتوحيده، فإنه بعد أن نهى عن السجود للشمس والقمر وعبادتهما ذكر أن الذين عند ربك يعبدون الله ويسبحونه بالليل والنهار. بل إن الأرض التي يعيشون عليها إنما هي خاضعة خاشعة لرب العالمين. واستعمال الخشوع أنسب شيء في هذا المقام العبادة (2).
فكان كل تعبير مناسبًا لمكانه الذي ورد فيه.
جاء في (التفسير الكبير): أن المقصود في سورة (فصلت): "إثبات الوحدانية بدليل قوله تعالى: {لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ} ثم الحشر بدليل قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى} {فصلت: 39}، وههنا المقصود أولًا إثبات الحشر؛ لأن السورة فيها ذكر الحشر أكثر يدل عليه النظر في السورة. وهناك ذكر التوحيد أكثر بدليل قوله تعالى: {قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ} {فصلت: 9} إلى غيره، وآخر السورتين يبين الأمر" (3).
والليل والنهار آية دالة على الموت والنشور، فإن الليل كالموت، والنهار كالحياة، والناس في الليل أموات ينشرهم ربهم في النهار كما أخبر سبحانه بقوله: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا} {الفرقان: 47}.
فكان ذلك مناسبًا للسياق من وجهة ثانية.
جاء في (التفسير الكبير): "لو قال قائل: إذا كان المراد منه الاستدلال بالزمان، فلم اختار الليل حيث قال: {وَآَيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ}؟
نقول: لما استدل بالمكان الذي هو المظلم وهو الأرض وقال:
{وَآَيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ} استدل بالزمان الذي فيه الظلمة وهو الليل.
ووجه آخر: وهو أن الليل فيه سكون الناس وهدوء الأصوات، وفيه النون – وهو كالموت – ويكون بعده طلوع الشمس كالنفخ في الصور فيتحرك الناس، فذكر الموت كما قال في الأرض: {وَآَيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ} فذكر من الزمانين أشبههما بالموت، كما ذكر من المكانين أشبههما بالموت" (4).
ومعنى {نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ} نزيله منه، من (سلخ جلد الشاة) إذا كشطه عنها وأزاله (5).
ومعنى (مظلمون) داخلون في الظلام (6)، كما يقال: أصبحنا: أي دخلنا في الصباح، وأعتمنا: أي دخلنا في العتمة، والمعنى أن الليل نزيل عنه النهار فيكون الناس في ظلام.
ويفيد هذا التعبير أن الليل مغطى بالنهار، ذلك أنه جعل الليل كالشاة ونحوها، والنهار كالجلد الذي يغطيها ويعلوها، فيسلخ منه النهار كما يسلخ الجلد فيكون تحته الليل، فجعل الليل أصلًا والنهار غلافًا له أو جلدًا.
وقد فهم المفسرون ذلك فقالوا: إنه جعل الليل أصلًا.
جاء في (البحر المحيط): "واستدل قوم بهذا على أن الليل أصل، والنهار فرع طارئ عليه" (7).
وجاء في (روح المعاني): "وفي الآية على ما قال غير واحد دلالة على أن الأصل الظلمة، والنور طارئ عليها يسترها بضوئه" (8).
والأمر كذلك فإن النهار إنما يأتي بسب الشمس، فإن ضوء الشمس يعلو الأرض ويغطيها فيكون النهار، فهو يأني من فوق فإذا زالت الشمس وذهب ضوؤها ظهر الأصل وهي الظلمة، فالظلمة هي الأصل والنهار طارئ.
ولم يقل: (وآية لهم النهار نسلخ منه الليل فإذا هم مبصرون)، أو فإذا هم (منهرون) أي داخلون في النهار؛ لأن ذلك لا يصح؛ لأن معنى ذلك أن الليل يأتي من فوق ويغطي النور، فإذا زال الليل ظهر النور الذي تحته وهو ضوء الأرض، وهذا لا يصح لأن الأرض مظلمة وليست مضيئة.
ثم من المعلوم أن الضوء هو الذي يزيل الظلمة، وليست الظلمة هي التي تزيل النور وتمحوه، ولو قال: (وآية لهم النهار نسلخ منه الليل فإذا هم مبصرون) لكان يعني أن الظلمة تزيل النور، ولا يصح ذلك.
وقال: (نسلخ) بإسناد الفعل إلى نفسه، ولم يقل (ينسلخ) ليدل على أن ذلك يجري بفعل الله وقدرته ولم يحصل من نفسه من دون تدبير مدبر ولا فعل فاعل، فيكون ذلك آية على توحيد الله وقدرته.
وقال: {فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ} ولم يقل: (فإذا الأرض مظلمة) ليبين أثر ذلك فيهم وفي حياتهم، فإنهم هم الذين يدخلون في الظلام بعد النهار فيكون ذلك آية لهم، وليبين أثر النعمة عليهم في الضياء والإظلام، فذكر نعمتي الضياء والإظلام عليهم، والنعمة إنم تكون بتعاقبهما لا أن يكون واحد منها سرمدًا إلى يوم القيامة. كما قال تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (71) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} {القصص: 71 - 72}.
وجاء بــ (إذا) التي تفيد المفاجأة للدلالة على سرعة التغير.
جاء في (التفسير الكبير): " فإن قيل: فالليل في نفسة آية، فأية حاجة إلى قوله: {نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ} ؟
نقول: الشيء تتبين بضده منافعه ومحاسنه، ولهذا لم يجعل الله الليل وحدة آية في موضع من المواضع إلا وذكر آية النهار معها.
وقوله: {فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ} أي داخلون في الظلام، و(إذا) للمفاجأة، أي ليس بيدهم بعد ذلك أمر ولا بد لهم من الدخول فيه" (9).
(1) التفسير الكبير 26/69.
(2) انظر في ظلال القرآن 5/3125.
(3) التفسير الكبير 26/70.
(4) التفسير الكبير 26/70.
(5) الكشاف 2/587.
(6) الكشاف 2/587.
(7) البحر المحيط 7/336.
(8) روح المعاني 23/11، وانظر فتح القدير 4/358.
(9) التفسير الكبير 26/70.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 176 إلى ص 181.
الوقفة كاملة
|
| ٥٠٥ |
{وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (38)}
من المحتمل أن تكون الواو عاطفة على (الليل) فتكون المتعاطفات كلها آية (1).
ولم يكرر كلمة (آية) فلم يقل لهم: (وآية لهم الشمس)؛ لأنه أراد أن يكون كل ما ذكر آية، فالليل والنهار والشمس والقمر كلها آية.
ويحتمل أن تكون (الشمس) مبتدأ وما بعدها خبر، والجملة معطوفة على ما قبلها.
ومعنى (لمستقر لها) أن لها حدًا تنتهي إليه سواء كان ذلك الحد زمانًا أم مكانًا، فقد يقصد بالمستقر اسم مكان أو اسم زمان، وكل ذلك مراد، فهي لها مستقر زمانًا ومكانًا، فهي تجري في فلك لا تتعداه، "أو لمنتهى لها من المشارق والمغارب؛ لأنها تقتصاها مشرقًا مشرقًا ومغربًا مغربًا حتى تبلغ أقصاها ثم ترجع، فذلك حدها ومستقرها لأنها لا تعدوه" (2).
وهي لها مستقر، أي وقت تستقر عنده وهو أجلها "الذي أقر الله عليه أمرها في جريها فاستقرت عليه وهو آخر السنة. وقيل: الوقت الذي تستقر فيه وينقطع جريها وهو يوم القيامة" (3).
وقد ذكرت في ذلك أمكنة وأزمنة على التفصيل (4) كلها يمكن أن تكون مرادة ما لم يكن ذلك مخالفًا لحقيقة علمية.
ثم قال: {ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} بعد أن أسند الجري إليها فقال: {وَالشَّمْسُ تَجْرِي} لئلا يظن أنها تجري بنفسها من دون تقدير أو تدبير. فإنها تجري بتقدير العزيز العليم على وفق سنة وضعها لها خالقها، وبذلك أبطل أن تكون حرة مختارة، وإنما هي خاضعة لمن جعل لها مستقرًا لا تعدوه ولا تتخطاه. فأبطل بذلك صحة أن تكون معبودة أو أن تتخذ إلهًا.
(1) التفسير الكبير 26/71، وروح المعاني23/11.
(2) الكشاف 2/587 – 588.
(3) الكشاف 2/588.
(4) انظر التفسير الكبير 26/71.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 181 إلى ص 182.
الوقفة كاملة
|
| ٥٠٦ |
{لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (40)}
أي لا يتيسر للشمس أن تدرك القمر وليس لها القدرة على ذلك؛ لأن لها فلكًا خاصًا لا تتعداه، كما أن للقمر فلكًا خاصًا به لا يتعداه.
وقد ذهب بعضهم أن النص قد يوقع في لبس فيظن ظان أنه متناقض، ذلك أن قوله: {لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ} معناه أن القمر سابق، وقوله: {وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ} معناه أن النهار سابق فتكون الشمس سابقة فيكون ذلك تناقضًا.
وقد حاول المفسرون تخريج النص وتفسيره بما يدفع التناقض المظنون (1).
وقد أوضح ذلك ربنا بما يدفع هذا الظن بقوله: {وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} فكل من الشمس والقمر له فلكه، فهما ليسا في سباق، فليس القمر أمام الشمس ولا الشمس وراءه. وهذان الجرمان نظيرًا شخصين أحدهما في أمريكا والآخر في العراق، وكل منهما يدور في دائرة لا يتعداها، وكل دائرة تخلف عن الأخرى سعة ووضعًا فليس أحدهما يدرك الآخر، ولا أحدهما سابقًا لصاحبه، وأن ما بين الشمس والقمر أبعد من هذا بكثير.
هذا علاوة على أن هذا التعبير يعبر عن حقيقة علمية ثابتة، ذلك أنه في كل لحظة تشرق الشمس على مكان وتغرب من مكان، فالذي تشرق الشمس عليه يكون نهارًا والذي تغرب منه يكون ليلًا، فالليل أمامه نهار يأتي عليه في كل لحظة وخلفه نهار يأتي عليه، وكذلك النهار، فالليل ليس سابقًا للنهار لأن أمامه نهارًا.
فقوله: {لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ} قد يفهم أن الليل سابق النهار فصحح ربنا هذا الفهم قائلًا: {وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ} أي ليس معنى هذا أن الليل سابق النهار.
فتبارك الله العزيز العليم قائل هذا الكلام.
وبهذا يسقط السؤال عن سر التعبير بالفعل في قوله: {لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ} فقال: (تدرك)، وبالاسم في قوله: {وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ} فقال: (سابق) ولم يجعلها على نسق واحد، ذلك أن قوله: {لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ} قد يفهم منه أن الليل سابق فقال: {وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ} فرد هذا التصور، وهو أعدل التعبيرات وأبلغها.
وفي تقديم الشمس على الفعل وتقديم حرف النفي عليها بحث، فإن الأصل في نحو هذا أن يقال: (لا ينبغي للشمس أن تدرك القمر) ولكنه عدل عن ذلك إلى ما قاله لأكثر من سبب:
1- منها أن (لا) إذا دخلت على اسم معرفة فإنه يردا بها نفي أكثر من أمر فتكرر وجوبًا، بخلاف ما إذا دخلت على فعل مضارع فإنها ليست كذلك. وههنا أراد أن ينفي أمرين فقدم الاسم المعرفة ليؤذن بأنه يريد نفي أكثر من مسألة فقال: {لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ} فأراد أن ينفي إدراك الشمس للقمر وسبق الليل النهار. وهذا نظير قوله تعالى: {فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} {البقرة: 38}.
فجاء بجملتين متعاطفتين كلتاهما اسمية فعطف جملة اسمية على اسمية وهما قوله: (الشمس ينبغي لها)، وقوله: (الليل سابق النهار) وتوافق الجملتين في نحو هذا أولى. وهو نظير قولنا: (لا محمد رجع ولا خالد مسافر) وهو أولى من قولك: (لا رجع محمد ولا خالد مسافر).
2- قد يفيد تقديم الاسم على الفعل في حيز النفي نفي الفعل عن المذكور وإثباته لغيره نحو: (ما أنا قلت هذا)، و(ما محمد فعل ذلك) أي لم أقل أنا هذا وإنما قاله غيري، ولم يفعله محمد وإنما فعله غيره. فعلى هذا المعنى يفيد التعبير نفي القدرة عن الشمس لإدراك القمر وإثباتها لغيرها، أي يستطيع ذلك غيرها، وهو الله العزيز الحكيم فينفي بذلك عنها القدرة والاختيار.
جاء في (التفسير البيضاوي): "وإيلاء حرف النفي الشمس للدلالة على أنها مسخرة لا يتيسر لها إلا ما أريد لها" (1).
وجاء في (روح المعاني): "وجوز أن يكون ذلك (يعني تقديم حرف النفي على الشمس) لإفادة كونها مسخرة لا يتسهل لها إلا ما أريد بها من حيث تقديم المسند إليه على الفعل وجعله بعد حرف النفي نحو: (ما أنا قلت هذا، وما زيد سعى في حاجتك) يفيد التخصيص؛ أي: ما أنا قلت هذا بل غيري، وما زيد سعى في حاجتك بل غيره، على ما حققه علماء البلاغة. والمقصود من نفي تسهل إدراك القمر في سلطانه عن الشمس نفي أن يتسهل لها أن تطمس نوره وتذهب سلطانه، ويرجع ذلك إلى نفي قدرتها على الطمس وإذهاب السلطان، فيكون المعنى بناء على قاعدة التقديم أن الشمس لا تقدر على ذلك بل غيرها يقدر عليه وهو الله عز وجل، وهذا بعد إثبات الجريان لها بتقدير العزيز العليم مشعر بكونها مسخرة لا يتسهل لها إلا ما أريد بها" (2).
3- ويصح أن يكون هذا التعبير أيضًا لمجرد نفي الفعل عن الاسم من غير إرادة إثباته إلى جهة أخرى مغايرة ولا تخصيصه به، وذلك نظير قولنا لمن قال:
ماذا يفعل محمد وخالد؟ (محمد يقرأ وخالد نائم)، فيقول آخر: (لا محمد يقرأ ولا خالد نائم). فهذا يفيد نفي القراءة عن محمد لكنه لم يثبت لزومًا أن شخصًا آخر يقرأ.
ونظير هذا أن تقول: (لا أبي ساعدني ولا أخي أعانني) فهذا يفيد نفي الفعل عن جهتين ولكن لا يفيد إثبات ذلك لغيرهما لزومًا.
وهذا قد يكون من هذا الباب.
4- إن هذا التقديم قد يكون لغرض العناية والاهتمام، ذلك أنه جرى ذكر للشمس والقمر قبل هذه الآية، فقد قال: {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا} وقال: {وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ} فناسب تقديم الشمس للإسناد إليها؛ لأن السياق في الكلام على الليل والنهار والشمس والقمر.
5- إن هذا التعبير ربط الكلام بما قبله، ولو قال: (لا ينبغي للشمس أن تدرك القمر...) لم يرتبط الكلام، فإنه لو قال: (والشمس تجري لمستقر لها... والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم.. لا ينبغي للشمس أن تدرك القمر) لوجدت الكلام مقطعًا غير متصل، بخلاف قوله: {لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا... } .
(1) انظر التفسير الكبير 26/73، روح المعاني 23/22.
(2) أنوار التنزيل 585.
(3) روح المعاني 23/21.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 183 إلى ص 187.
* * *
{وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ}
التنوين في (كل) يفيد العموم، أي كل الأجرام تسبح، فدخل فيها الشمس والقمر. ولو أضاف أو بين بمن قال: (وكل منهما) لتخصص الكلام بهما. فقطع (كل) عن الإضافة وسع المعنى ودخل في الحكم ما لم يجر له ذكر من الأجرام. ثم إن إسناد السباحة إلى الجمع أفاد أن المقصود عموم الأجرام السماوية، وأنها كلها لها أفلاك لا تتعداها تسبح فيها، وأن ذلك تقدير العزيز العليم. فنفى عنها كلها الإرادة والاختيار، وبذلك نفى أن يكون منها ما يستحق أن يعبد كما يفعل قسم من الناس، فنفى بهذا القطع عن الإضافة وإسناد السباحة إلى الجمع القدرة والاختيار عنها جميعها، واثبت أنها كلها مسخرة سخرها ربها وخالقها.
جاء في (التفسير البيضاوي) " (وكل): وكلهم، والتنوين عوض عن المضاف إليه، والضمير للشموس والأقمار، فإن اختلاف الأحوال يوجب تعددًا ما في الذات أو للكواكب، فإن ذكرهما مشعر بها" (1).
وجاء في (التفسير الكبير): "فإن قيل: فهل يختلف الأمر عند الإضافة لفظًا وتركها؟.
فنقول: نعم، وذلك لأن قول القائل كل واحد من الناس كذا لا يذهب الفهم إلى غيرهم فيفيد اقتصار الفهم عليه، فإذا قال: (كل كذا) يدخل في الفهم عموم أكثر من العموم عند الإضافة...
إذا كان (كل) بمعنى كل واحد منهم، والمذكور الشمس والقمر، فكيف قال: (يسبحون)؟.
نقول: الجواب عنه من وجوه:
(أحدها): ما بينا أن قوله: (كل) للعموم، فكأنه أخبر عن كل كوكب سيار...
و(ثانيها): لما قال: { وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ} والمراد ما في الليل من الكواكب قال: (يسبحون)" (2).
وإسناد السباحة إلى ضمير العقلاء، وهو الواو، لتنزيل الأجرام منزلة العاقل من جهة أن ذكر أنها تسبح، والسباحة من فعل ذوي العقول، كما في قوله تعالى في حق الأصنام: {مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ}، وقوله سبحانه: {أَلَا تَأْكُلُونَ} (3)
ومن جهة أنها تسبح في فلك خاص لا تتعداه، كأنها شخص عاقل ملتزم بما حد له فهو لا يتعدى حدوده فلا يشذ ولا يخرج عن مداره ولا ينبغي بعضه على بعض، بل إن كلًا منها يعرف مكانه وفلكه وحدوده، فهذا يشعر كأن الأجرام عاقله ملتزمة وليست كالإبل الهائجة المطلقة من عقالها تشرد وتهيم كما يحلو لها.
فإسناد السباحة إلى ضمير العقلاء كأن فيه إشعارًا بالأمان للناس مما فوقهم، فلا ترجمهم ولا تنقض عليهم فتهلكهم.
وفي الآية إشارة إلى أن حركة الكواكب والأجرام دائرية، أي هي تدور في مسار لها محدد وليست منطلقة في الفضاء على غير هدى.
جاء في (لسان العرب): " الفلك مدار النجوم والجمع أفلاك...
الفراء: الفلك استدارة السماء... والفلك قطع من الأرض تستدير وترتفع عما حولها" (4).
ثم إن اختيار لفظ السباحة أنسب شيء للتعبير عن حركة الأجرام، وقد اختار علماء العصر الحديث هذا اللفظ للتعبير عن الحركة في الفضاء لأنهم وجدوه أنسب لفظ للتعبير عنها.
(1) أنوار التنزيل 585.
(2) التفسير الكبير 26/74 – 75.
(3) روح المعاني 23/25.
(4) لسان العرب (فلك)
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 187 إلى ص 189.
الوقفة كاملة
|
| ٥٠٧ |
{وَآَيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (41)}
إن مناسبة هذه الآية لما قبلها ظاهرة، فإنه لما ذكر سباحة الأجرام في الفلك فقال: {وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} ذكر سباحة الفلك في الماء وجريها فيه (1).
إن كلمة (الفلك) تكون مفردًا وجمعًا، فالمفرد (فلك) والجمع (فلك) أيضًا بلفظ واحد.
وقد اختلف في (الفلك) الوارد في الآية فقيل: هي السفن التي تجري في البحار إلى قيام الساعة، والذرية هم الأولاد، فامتن عليهم بحمل أولادهم في البحار، ذلك أن الامتنان بالنعمة على الأبناء امتنان بالنعمة على الآباء. ولذلك كثيرًا ما يدعو الناس أن يرزقهم الله ذرية طيبة، فقد قال زكريا عليه السلام: {رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ} {آل عمران: 38}، ويدعون لذرياتهم بالخير، فقد وصف تعالى عباد الرحمن بقوله: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ} {الفرقان: 74}. وقال إبراهيم عليه السلام: {وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ} {البقرة: 128}.
فهو إشارة إلى إن عقبهم باق وأن نسلهم لا ينقطع وأنهم – أي ذريتهم – سيركبون في الفلك المشحون بالبضائع، الممتلئ بالأموال.
وقيل: المقصود بالفلك هو سفينة نوح عليه السلام، والمقصود بالذرية: الأبناء.
قيل: والمعنى أنه لما حمل آباءهم الأقدمين يكون قد حمل ذريتهم في أصلابهم، ولولا ذلك الحمل لم يبق للآدمي نسل (2). وحمل الآباء يتضمن حمل الذرية.
جاء في (الكشاف): "(ذريتهم) أولادهم ومن يهمهم حمله... وقيل: (الفلك المشحون) سفينة نوح. ومعنى حمل الله ذرياتهم فيها: أنه حمل فيها آباءهم الأقدمين، وفي أصلابهم هم وذرياتهم، وإنما ذكر ذرياتهم دونهم لأنه أبلغ في الامتنان عليهم وأدخل في التعجيب من قدرته في حمل أعقابهم إلى يوم القيامة في سفينة نوح" (3).
وجاء في (روح المعاني): "واستشكل حمل ذريتهم في سفينة نوح عليه السلام، وأجيب بأن ذلك بحمل آبائهم الأقدمين وفي أصلابهم هؤلاء وذريتهم، وتخصيص الذرية مع أنهم محمولون بالتبع لأنه أبلغ في الامتنان، حيث تضمن بقاء عقبهم، وأدخل في التعجب ظاهرًا حيث تضمن حمل ما لا يكاد يحصى كثرة في سفينة واحدة مع الإيجاز، لأنه كان الظاهر أن يقال: حملناهم ومن معهم ليبقى نسلهم. فذكر الذرية يدل على بقاء النسل، وهو يستلزم سلامة أصولهم، فدل بلفظ قليل على معنى كثير" (4).
وليس في كون (الفلك) سفينة نوح استشكال، فإنه سبحانه قال: {إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ} {الحاقة: 11}، فذكر أنه حملهم في سفينة نوح وهو لم يحملهم وإنما حمل آباءهم فصح أن يقول: {حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ} فإن المخاطبين وذريتهم هم جميعًا ذرية المحمولين في السفينة.
وهذا الخطاب أعني قوله تعالى: {إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ}، يصح أن يكون خطابًا للبشر على مدى الزمان، وأن يكون ذلك آية من آيات نعمة تعالى على خلقه.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أنه لما قال فيما بعد: {مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ} {يس: 49}، والمقصود بهذه الصيحة صيحة القيامة، وهي لا تأخذهم وإنما تأخذ ذريتهم صح أن يقول في سفينة نوح أنه حمل ذريتهم. فجعلهم هم المعنيين بالصيحة، مع أن المعني هم الذرية، فجعل الآباء والذرية شيئًا واحدًا.
ثم لننظر من ناحية أخرى أنه من عليهم وعلى ذرياتهم بالحمل في الفلك، غير أنه ذكر في حالة طغيان الماء حملهم هم فقال: {إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ}، ولما لم يذكر طغيان الماء ذكر حمل ذريتهم، ذلك أنه في حالة طغيان الماء يخشى الغرق فذكر أنه حملهم هم ليدل على إنعامه عليهم بالنجاة، وفي نجاتهم نجاة لذريتهم، وليس في نجاة الذرية نجاة للآباء.
ولما لم يذكر طغيان الماء ذكر أنه حمل ذريتهم فكانت النعمة عليهم بالنجاة وعلى ذريتهم بالانتفاع، أو بتعبير آخر: كانت النعمة عليهم بدرء المفسدة وعلى ذريتهم بجلب المنفعة؛ ذلك لأنه وصف الفلك بأنه مشحون، أي مملوء بالبضائع وعروض التجارة. ودرء المفاسد – كما يقال – مقدم على جلب المنافع، فذكر مع المخاطبين درء المفسدة ودفع الضرر عنهم، ومع الأبناء جلب المنفعة لهم، فكانت النعمة عليهم وعلى ذريتهم.
ولما ذكر طغيان الماء وصف الفلك بأنها جارية، أي تجري بهم لينجوا إلى مكان آمن. ولما لم يذكر طغيان الماء وصف الفلك بأنه مشحون، أي ممتلئ، ولا يحسن ذكر المشحون مع طغيان الماء، لأن امتلاءه يبطئه في الجري فلا ينجون به بسرعة.
فذكر مع النجاة الجري ومع المنفعة الشحن، فكان كل تعبير أنسب في مكانه.
جاء في (التفسير الكبير): "قال ههنا: {حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ} من عليهم بحمل ذريتهم.
وقال تعالى: {إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ} من هناك عليهم بحمل أنفسهم.
نقول: لأن من ينفع المتعلق بالغير يكون قد نفع ذلك الغير، ومن يدفع الضرر عن المتعلق بالغير لا يكون قد دفع الضرر عن ذلك الغير، بل يكون قد نفعه. مثاله: من أحسن إلى ولد إنسان وفرحه فرح بفرحه أبوه، وإذا دفع واحد الألم عن ولد إنسان يكون قد فرح أباه، ولا يكون في الحقيقة قد أزال الألم عن أبيه. فعند طغيان الماء كان الضرر يلحقهم فقال: دفعت عنكم الضرر، ولو قال: دفعت عن أولادكم الضرر لما حصل بيان دفع الضرر عنه.
وههنا أراد بيان المنافع فقال: {حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ} لأن النفع حاصل ينفع الذرية، ويدلك على هذا أن ههنا قال: {فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ} فإن امتلاء الفلك من الأموال يحصل بذكره بيان المنفعة، وأما دفع المضرة فلا؛ لأن الفلك كلما كان أثقل كان الخلاص به أبطأ وهنالك السلامة، فاختار هنالك ما يدل على الخلاص من الضرر وهو الجري، وههنا ما يدل على كمال المنفعة وهو الشحن" (5).
وقد تقول: ولم ذكر حمل الذرية ههنا، أي في آية (يس) هذه، ولك يذكر حملهم هم؟
فنقول: إن ذلك لأمور منها:
1- أنه لما قال قبل هذه الآية: {سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ} ناسب ذكر الذرية؛ لأن الذرية إنما تكون من الأزواج.
2- ولما ذكر صيحة القيامة، وهي لا تأخذهم وإنما تأخذ ذريتهم ناسب ذلك ذكر الذرية أيضًا.
3- ثم إن ذلك من قبيل المن عليهم، فهو أخبرهم ضمنًا أنه لا يستأصلهم وإنما يبقيهم ويبقى ذريتهم.
ثم لننظر من ناحية أخرى أنه قال: "{وَآَيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ}، وقال: { وَآَيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ} ولم يقل: (وآية لهم الفلك جعلناها بحيث تحملهم) وذلك لأن حملهم في الفلك هو العجب، أما نفس الفلك فليس بعجب لأنه كبيت مبني من خشب. وأما نفس الأرض فعجب ونفس الليل عجب لا قدرة عليهما لأحد إلا الله" (6).
ثم إن الامتنان عليهم إنما هو بالحمل في الفلك وليس في الفلك نفسه، ذلك أن الحمل فيه هو النعمة، فالفلك ليس مقصودًا لذاته، وإنما المقصود هو الحمل فيه، فذكر ما به مناط النعمة والمنة.
وبعد أن من عليهم بحمل ذريتهم في الفلك المشحون ذكر منته عليهم بالحمل فقال: {وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ} .
وقوله: (من مثله) يعني من مثل الفلك.
و(ما يركبون) فيه وجهان:
الأول: أنه الفلك وما يركبونه من السفن والزوارق (7).
والآخر: أنه عموم ما يركب في البر من الإبل وغيرها.
والظاهر أنه يشمل عموم ما يركب في البر والبحر، فمن عليهم بما يركبونه عمومًا مما سخره لهم ربنا سبحانه.
فذكرهم بنعمة السكن وهي الأرض، ونعمة الطعام، ونعم النهار والليل، وحملهم وحمل بضائعهم في البر والبحر.
وقوله: (لهم) يدل على تمام نعمته عليهم، ذلك أنه خلق ذلك من أجلهم. ولو قال: (وخلقنا من مثله ما يركبون) لم يدل على أن الخلق كان من أجلهم.
كما أن إضافة الذرية إليهم فيه تفضل آخر عليهم، بخلاف ما لو قال: إنا حملنا ذرية المخلوقات، أو ذرية الناس مع نوح، فإن ذلك يعم وهذا يخصهم هم.
(1) انظر التفسير الكبير 26/78.
(2) انظر التفسير الكبير 26/78.
(3) الكشاف 2/589، وانظر البحر المحيط 7/338.
(4) روح المعاني 23/27.
(5) التفسير الكبير 26/80.
(6) التفسير الكبير 26/81.
(7) انظر الكشاف 2/589، التفسير الكبير 26/81.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 189 إلى ص 195.
الوقفة كاملة
|
| ٥٠٨ |
{وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ (43)}
الصريخ: المغيث.
هددهم بالإغلاق فلا ينقذهم أحد كما فعل مع المغرقين من قوم نوح وفي هذا تهديد لهم من جهة أخرى، ذلك أن قوم نوح كذبوا رسولهم فأغرقهم، وهؤلاء كذبوا رسولهم فإن شاء ربهم أغرقهم.
وقد تقول: كيف يصح التهديد بالإغراق وهو لم يذكر حملهم في الفلك، وإنما ذكر حمل ذريتهم فقال: {وَآَيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ} ؟
فالتهديد بالإغراق يصح أن يكون لذريتهم لا لهم.
والجواب: أنه لما قال: {وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ} فذكر ما يركبونه من مثل الفلك صح أن يكون التهديد لهم.
وقد تقول: ولم قال: {فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ}، ولم يقل: (فلا مغيث لهم)؟.
فنقول: إن ذلك لأكثر من وجه:
منها أن الصريخ يجمع عدة معان: منها المغيث ومنها المستغيث.
والصريخ أيضًا صوت المستصرخ (1).
فقوله: {فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ} جمع عدة معان، وقد يحتمل ههنا هذه المعاني كلها.
وقد تقول: كيف يحتمل في الآية نفي المغيث والمستغيث ولا شك أنهم مستغيثون؟.
فنقول: ليس المعنى على ما ظننت، فإنه لم يقل: (فلا صريخ منهم) وإنما قال: {فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ} أي لا مستغيث لهم، بمعنى لم يستغث لهم أحد، وعلى هذا يكون المعنى أنه إن شاء أغرقهم فلا يستغيث لهم أحد ولا مغيث لهم، فلا يكون ثمة من يطلب العون لهم ولا من يعين، فنفى المغيث والمستغيث لهم. وهكذا يأخذهم البحر فلا تنجو جثثهم أيضًا بل تذهب في البحر.
والصريخ أيضًا صوت المستصرخ، وعلى هذا يكون المعنى أنهم لا يمكنهم الصراخ وطلب العون لأن الماء يلجم أفواههم فلا يتمكنون من طلب الاستغاثة.
وبهذا نفي المغيث والمستغيث لهم، ونفى إمكان رفع الصوت لطلب الاستغاثة فيغرقون في صمت رهيب ووحدة مرعبة.
واختار لفظ الصريخ على المغيث أيضًا لأن الصريخ من الصراخ، والصرخة: هي الصيحة الشديدة عند الفزع أو المصيبة (2).
والصريخ والمصرخ بمعنى واحد، فإن المصرخ هو الذي يزيل الصراخ بإغاثة صاحبه. والذي يشرف على الغرق يصرخ بأعلى صوته طالبًا النجدة ليسمعه من يغيثه وينجينه، فلا يكون صريخ إلا إذا كان صراخ. أما المغيث فيكون لمن يطلب الغوث سواء كان عم طريق الصرخة أم كان عن طريق ذكر الحاجة الشديدة، فقد يذهب شخص إلى آخر فيقول له: أغثني يا فلان فإني في ورطة، وليس من الضروري أن يرفع صوته عليًا بالصراخ. أما الصريخ فيكون مع الصراخ.
فكان ذكر الصريخ أنسب.
وقال: {فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ} ولم يقل: (فلا مصرخ لهم) للسبب نفسه، فإن الصريخ يجمع عدة معان، بخلاف المصرخ فإنه المعين والمغيث فقط.
ثم قال: {وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ} أي لا ينقذهم شيء سواء كان عن طريق الصريخ أم عن غيره. فقد لا يكون مغيث ينقذ من يشرف على الغرق ولكن قد ينقذ بطريق آخر مما يتهيأ من سبل النجاة ولو أن ينجو على خشبة، فهذا إنقاذ عن طريق الصريخ، فنفى ذلك أيضًا، فانتقت نجاتهم بكل سبيل.
ولم يكتف بقوله: {فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ} لئلا يظن أنهم قد ينقذون من غير صريخ.
جاء في (البحر المحيط): "والظاهر أن قوله: {فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ} أي لا مغيث لهؤلاء الذين شاء الله إغراقهم، {وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ} أي ينجون من الموت بالغرق، نفى أولًا الصريخ وهو خاص، ثم نفى ثانيًا إنقاذهم بصريخ أو غيره" (3).
وقال: {فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ} ولم يقل: (فلا صريخ لهم ولا منقذ) ذلك أنه نفى إنقاذهم عن أي طريق سواء كان عن طريق المنقذين أم عن غير هذا الطريق، فقد يتعلق الشخص بحبل أو يتمسك بخشبة أو يلقيه الموج بالساحل أو أي وسيلة أخرى مما يهيئه الله سبحانه، فهذه نجاة عن غير طريق المنقذين، فنفى ذلك أيضًا عنهم.
فقال: {وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ} أي بأية وسيلة أو سبيل، وهو أعم من قولنا: (ولا منقذ).
جاء في (التفسير الكبير): " وقوله تعالى: {وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ} إذا أدركهم الغرق؛ وذلك لأن الخلاص من العذاب إما أن يكون بدفع العذاب من أصله أو برفعه بعد وقوعه فقال: لا صريخ لهم يدفع ولا هم ينفذون بعد الوقوع فيه. وهذا مثل قوله تعالى: {لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ}. فقوله: {فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ} فيه فائدة أخرى غير الحصر وهي أنه تعالى قال: (لا صريخ لهم) ولم يقل: ولا منقذ لهم؛ وذلك لأن من لا يكون من شأنه أن ينصر لا يشرع في النصرة مخافة أن يغلب ويذهب ماء وجهه. وإنما ينصر وبغيث من يكون من شأنه أن بغيث، فقال: لا صريخ لهم. وأما من لا يكون من شأنه أن ينقذ إذا رأى من يعز عليه في ضر يشرع في الإنقاذ، وإن لم يثق بنفسه في الإنقاذ ولا يغلب على ظنه وإنما يبذل المجهود فقال: {وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ} ولم يقل: منقذ لهم" (4).
(1) لسان العرب (صرخ) 4/2.
(2) لسان العرب (صرخ) 4/2.
(3) البحر المحيط 7/339.
(4) التفسير الكبير 26/82.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 195 إلى ص 198.
الوقفة كاملة
|
| ٥٠٩ |
{إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (44)}
أي إلا إذا أراد ربهم أن يرحمهم فينقذهم ويمتعهم في الحياة إلى أجل، فنفى الإنقاذ إلا من طريق رحمة الله لهم.
والتعبير يحتمل معنيين:
الأول: أن ينقذهم رحمة بهم ويمتعهم إلى حين.
والمعنى الآخر: أن إنقاذهم على نوعين : إنقاذ رحمة وإنقاذ تمتيع.
وذلك أن قسمًا من هؤلاء الناجين يؤمنون بعد الكفر ويهتدون بعد الضلال، فكان إنقاذهم رحمة منه تعالى.
والقسم الآخر يبقون على ضلالهم فيكون إنقاذهم متاعًا إلى حين.
والقسمان نالتهم رحمة الله والمتاع على حين.
فالذين آمنوا نالتهم رحمة الله بإنقاذهم من الغرق وبإيمانهم.
والذين لم يؤمنوا نالتهم رحمة الله بالنجاة من الغرق.
وعلى هذا فكلهم مرحومون ممتعون، ولكن منهم من نالته رحمة أوسع بنجاته وإيمانه.
وقال: {رَحْمَةً مِنَّا} ليدل على أن الرحمة بهم كانت منه سبحانه، وإلا فليس ثمة من يرحمهم ويغيثهم. وحتى لو أغاثهم أحد فذلك برحمته سبحانه لهم وتهيئته من ينجيهم، فهم لا ينقذون إلا برحمته سبحانه.
جاء في (التفسير الكبير) في قوله: {إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ}: "وهو يفيد أمرين:
أحدهما: انقسام الإنقاذ إلى قسمين: الرحمة والمتاع، أي فمن علم الله منه أنه يؤمن فينقذه الله رحمة، وفيمن علم أنه لا يؤمن فليتمتع زمانًا ويزداد إثمًا.
وثانيهما: أنه بيان لكون الإنقاذ غير مفيد للدوام، بل الزوال في الدنيا
لا بد منه فينقذه الله رحمة ويمتعه إلى حين، ثم يميته، فالزوال لازم أن يقع" (۱).
وقد تقول: لقد قدم الرحمة ههنا على الجار والمجرور فقال: {إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا}، فهل يصح أن يقدم الجار والمجرور على الرحمة فيقول: (ولا هم ينقذون منا إلا رحمة ومتاعًا إلى حين) أو (ولا هم ينقذون إلا منا رحمة ومتاعًا إلى حين) كما قدم ذلك في مواطن من القرآن الكريم، وذلك نحو قوله: {وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ} {هود: 9}.
وقوله: {وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ}{الشورى: 48}.
وما الغرض من هذا التقديم والتأخير؟ فنقول: ههنا سؤالان:
السؤال الأول: هل يصح تقديم الجار والمجرور على الرحمة في آية (يس)؟.
والآخر: ما الغرض من هذا التقديم والتأخير فيما ورد من نحو ذلك في القرآن؟.
أما الجواب عن السؤال الأول فنقول: إنه لا يصح تقديم الجار والمجرور على الرحمة في آية (يس) ، لأن المعنى سيختل، ذلك أنه لو قال: (ولا هم ينقذون منا إلا رحمة ومتاعًا على حين) أو (ولا هم ينقذون إلا منا) كان المعنى أنه سينقذهم من الله تعالى منقذ وينجيهم منه مغيث رحمة ومتاعًا إلى حين، وبذلك يكون الله عاجزًا عن إغراقهم، تعالى عن ذلك؛ لأنه سيكون من ينقذهم من الله، ولذا لا يصح التقديم في الآية.
أما تقديم الجار والمجرور فيما ذكرناه من آيتي هود والشورى فذلك ما يقتضيه المقام.
فإنه سبحانه وتعالى قال في هود: {وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (9) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ} {هود: 9 – 10}.
وقال في الشورى: {وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ} {الشورى: 48}.
في حين قدم الرحمة على الجار والمجرور في سورة فصلت فقال: {لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ (49) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (50) وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ} {فصلت: 49 - 51}.
ومن النظر في المواطن الثلاثة يتضح أن الكلام في (فصلت) على الرحمة أكثر وأثرها على الإنسان أوسع مما في هود والشورى، فإنه في هود لم يذكر إلا إذاقته إياها ونزعها منه، فذكر حالة نزع الرحمة فقط ولم يذكر أثر الرحمة عليه.
وأما في الشورى فإنه لم يزد على أن قال: (فرح بها).
وأما في (فصلت) فقد فصل وأطال في وصف أثرها فيه واحتفائه بها فناسب تقديمها في (فصلت).
ونحو ذلك قوله تعالى في سورة هود: {وَآَتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ} {هود: 28} بتقديم الرحمة على الجار والمجرور.
وقوله في السورة نفسها: {وَآَتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً} {هود: 63} بتقديم الجار والمجرور على الرحمة.
ومن النظر في سياق الآيتين يتضح سبب التقديم والتأخير فيهما.
قال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (25) أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (26) فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ (27) قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآَتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ} {هود: 25 - 28}.
وقال: {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (61) قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (62) قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآَتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ} {هود: 61 – 63}.
فأنت ترى من النصين السابقين أن الكلام على الرحمة في قصة نوح أطول ووصفها أكثر، فقد قال: {وَآَتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ}
وليس الأمر كذلك في قصة صالح، فقد قال: {وَآَتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً} ولم يزد على ذلك. ثم قال بعدها: {فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ}.
فلما كان الكلام على الرحمة أكثر في قصة نوح قدم الرحمة، ولما لم يكن الكلام كذلك في قصة صالح أخرها.
هذا من ناحية .
ومن ناحية أخرى أن الكلام في قصة صالح على الله أكثر: {قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ}.
وقال في قصة نوح: {أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ}.
فقال في قصة صالح:
١- اعبدوا الله.
۲ - ما لكم من إله غيره.
3 - هو أنشأكم من الأرض.
4 - واستعمركم فيها.
5- فاستغفروه.
6- ثم توبوا إليه.
۷- إن ربي قريب مجيب
ولم يزد في قصة نوح على أن قال: {أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ}.
فناسب تقديم الضمير العائد على الله في قصة صالح فقال: {وَآَتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً} دون قصة نوح.
فناسب التقديم والتأخير من جهتين :
1- من جهة التوسع في ذكر الرحمة في قصة نوح فناسب ذلك تقديمها.
٢- ومن جهة التفصيل في الكلام على الله في قصة صالح دون قصة نوح، فناسب تقديم ضميره وتأخير الرحمة.
وقد تقول: لقد قال في آية (يس): {إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا}، وفي مواطن من القرآن الكريم قال: {رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا} فهل من فرق بين التعبيرين؟
فنقول: الظاهر من التعبير القرآني أن قوله: {رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا} {الكهف: 65} أخص من قوله: {رَحْمَةً مِنَّا}، ذلك أن قوله: {رَحْمَةً مِنَّا} فيه الرحمة عامة تشمل جميع الخلق مؤمنهم وكافرهم، فقد قال تعالى: {وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ (43) إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ}، وقال: {وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً} {فصلت: 50}.
أما قوله: {رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا} فهي رحمة خاصة بالمؤمن، ولم ترد في القرآن الكريم في غير المؤمنين.
قال تعالى على لسان سيدنا نوح: {قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآَتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ} {هود: 28}.
وقال في الخضر وهو الرجل الصالح الذي اتبعه موسى ليتعلم منه: {فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آَتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا} {الكهف: 65}.
وقال في سيدنا أيوب عليه السلام: {وَآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ} {الأنبياء: 84}.
ونظير هذا قوله: {نِعْمَةً مِنَّا} و{نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا}، فإن قوله:{نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا} فيه النعمة عامة تشمل المؤمن والكافر. قال تعالى: {فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} {الزمر: 49}.
وقال: {وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ} {الزمر: 8}.
فهذه النعمة عامة شملت عموم الناس وقد أصابت الكافر كما هو واضح في الآية الثانية.
أما قوله: {نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا}، فهي خاصة بالمؤمن، قال تعالى: {إِلَّا آَلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ (34) نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ} {القمر: 34 - 35}.
وهذا نظير قوله: {رَحْمَةً مِنَّا} و{رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا}
وقد تقول: ولكنه قد يرد في الموقف الواحد مرة (رحمة منا) ومرة (رحمة من عندنا) وذلك نحو قوله تعالى في سيدنا أيوب في سورة الأنبياء : {وَآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ} {الأنبياء: 84}.
وقوله فيه في سورة (ص): {وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ} {ص: 43}.
فما الفرق؟
فنقول: إن السياق الذي وردت فيه كل من الآيتين هو الذي يوضح سبب الاختلاف بين التعبيرين.
قال تعالى في سورة (ص): {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (41) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (42) وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (43) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} {ص: 41 - 44}.
وقال في سورة الأنبياء : {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ} {الأنبياء : ۸۳ - 84}.
ومن النظر في النصين يتضح الفرق:
١- فقد قال في سورة (ص) {أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ} فذكر مست الشيطان له. وقد اختلف المفسرون في تفسير هذا المس ، وفسره بعضهم بأنه وسوسة من الشيطان أطاعه فيها.
جاء في (الكشاف): "لما كانت وسوسته إليه وطاعته له فيما وسوس سبا فيما مسه الله به من النصب والعذاب نسبه إليه" (2).
أما في سورة الأنبياء فقال: {أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ}، فذكر في (ص)، ما هو خلاف الأولى فناسب ذكر {رَحْمَةً مِنَّا} في (ص) و{رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا} في الأنبياء.
۲- ذكر في سورة الأنبياء الله بصفة الرحمة فقال: {وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ}، ولم يذكر مثل ذلك في (ص).
٣- ذكر في الأنبياء أن الله استجاب له وكشف ما به من ضر تصريحًا، ولم يذكر مثل ذلك في (ص) بل فهم ذلك ضمنًا، فكان ما في الأنبياء أتم وأكمل مما ذكر في (ص).
فناسب كل تعبير موطنه.
ثم إن السياق في كل من السورتين يوضح ذلك أيضًا:
فقد ذكرت قصة أيوب عليه السلام بعد قصة داود وسليمان عليهما السلام في السورتين، وكان السياق في سورة (ص) فيما وقع لهما خلافًا للأولى، فقد ذكر فيها سيدنا داود وتسور المحراب عليه وفزعه من المتسورين، وذكر الحكم في مسألة النعاج التي ترمز إلى أمر ما الله أعلم به. وعلى أية حال فقد ظن داود أن الله قد فتنه فاستغفر ربه وخر راكعًا وأناب وغفر الله له ذلك.
وذكر سليمان وأنه أحب حب الخير عن ذكر ربه، وذكر أن الله قد فتنه وألقى على كرسيه جسدًا ثم أناب.
وذكر أيوب وأن الشيطان قد مسه بنصب وعذاب.
فالمقام والسياق في الابتلاءات والفتن التي تعرض لها الأنبياء المذكورون.
وليس في سورة الأنبياء مثل ذلك، وإنما ذكر التفضل والإنعام عليهم ورحمته بهم، فقد ذكر داود وسليمان وحكمهما في الحرث فقال: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آَتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا} {الأنبياء: 79} ، ولم يذكر أنه فتنهما، وإنما ذكر تفضله وإنعامه عليهما.
وذكر أيوب ولم يذكر أنه مسه الشيطان، وإنما قال: {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} {الأنبياء: 83}.
فناسب المقام والسياق ذكر الخصوصية بقوله: {رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا} في سورة الأنبياء دون سورة (ص)، والله أعلم.
ثم لننظر إلى الآيتين من ناحية أخرى.
فقد قال في (الأنبياء): {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ} {الأنبياء: 84}.
وقال في (ص): {وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ} {ص: 43}.
وإليك الفرق بينهما:
في الأنبياء
في (ص)
فاستجبنا له
- -
فكشفنا ما به من ضر
- -
آتيناه أهله
وهبنا له أهله
رحمة من عندنا
رحمة منا
وذكرى للعابدين
وذكرى لأولي الألباب
ونود أن نذكر ما يأتي تعقيبا على النصين:
1- إن قوله: (آتيناه) يشمل (وهبنا له) وزيادة، فإن الإيتاء يشمل الهبة وغيرها، فقد يستعمل الإيتاء في المال وغيره نحو قوله: {آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا}، وقوله: {وَآَتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً}، وقوله: {آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ} مما لا تصح الهبة في نحوه.
۲- إن قوله {رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا} يشمل {رَحْمَةً مِنَّا} وزيادة، إذ الرحمة في قوله: (منا) عامة يشترك فيها عموم الخلق مؤمنهم وكافرهم. أما قوله: {رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا} فهي رحمة خاصة تزيد على الرحمة العامة، فهي إذن تشمل قوله: {رَحْمَةً مِنَّا} مع زيادة في الرحمة.
۳- وقوله (للعابدين) يشمل (أولي الألباب) وزيادة في الوصف، فإن العابدين كلهم من أولي الألباب وليس أولو الألباب كلهم من العابدين، ذلك أنه لا تصح عبادة من غير عقل، وعلى هذا فإن العابدين يزيدون في الوصف على أولي الألباب، فإن العابدين هم:
أولو الألباب + عبادة.
فكان قوله: (للعابدين) يشمل أولي الألباب وزيادة.
4- وزاد على ذلك قوله: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ} {الأنبياء: 84}.
وبهذا يتضح أن آية الأنبياء تشمل آية (ص) وزيادة، فناسب كل تعبير مكانه.
هذا علاوة على أنه في سورة (ص) تكرر ذكر مشتقات الهبة، وفي (الأنبياء) تكرر ذكر الإيتاء.
فقد قال في (ص): {أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ} {الآية: 9}، وقال: {وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ} {الآية: 35}، وقال: {وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} {الآية: 35}، وقال: {وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ} {الآية: 43}.
وقال في (الأنبياء) : {وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ} {الآية: 48}، وقال: {وَلَقَدْ آَتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ} {الآية: 51}، وقال: {وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ} {الآية: 73}، وقال: {وَلُوطًا آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا} {الآية: 74} ، وقال: {وَكُلًّا آَتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا} {الآية: 79}، وقال: {وَآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ} {الآية: 84}.
فناسب لفظ (وهبنا) ما في (ص)، و( آتينا) ما في الأنبياء، من حيث السمة التعبيرية لكل من السورتين.
ثم من ناحية أخرى أن لفظ العبادة والعابدين ورد في سورة الأنبياء أكثر مما ورد في (ص)، بل لم يرد لفظ (العابدين) في (ص).
فقد ورد ذلك في الأنبياء عشر مرات، في حين ورد في (ص) خمس مرات.
قال تعالى في الأنبياء: {لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ} {الأنبياء: 19}، وقال: {لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} {الأنبياء: 25}، وقال: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ} {الأنبياء: 26}، وقال: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُون} {الأنبياء: 53}، وقال: {قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ} {الأنبياء: 66}، وقال: {أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} {الأنبياء: 67}، وقال: {وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ} {الأنبياء: 73}، وقال: {وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ} {الأنبياء: 84}، وقال: {وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} {الأنبياء: 92}، وقال: {إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ} {الأنبياء: 106}.
وقال في (ص): {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ} {ص: 17}، وقال: {وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} {ص: 30}، وقال: {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ} {ص: 41}، وقال: {نِعْمَ الْعَبْدُ} {ص: 44}، وقال: {وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ} {ص: 45}.
فناسب قوله: {وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ} ما في الأنبياء، وقوله: {وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ} ما في (ص).
ومما زاده حسنا أنه قال في (ص): {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} {ص: 29}، فناسب ذلك قوله: {وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ} {ص: 43}.
وأنه قال في (الأنبياء): {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ} {الأنبياء: 73}.
وقال: {إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ} {الأنبياء: 106}.
فناسب ذلك قوله: {وَآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ}.
هذا علاوة على أن سورة الأنبياء تكررت فيها مواقف العبادة وسياقاتها مما لم ير مثله في (ص)، وشرح ذلك يطول مما لا يناسب هذا المقام.
فناسب كل تعبير مكانه من كل وجه، والله أعلم.
(1) التفسير الكبير 26/82.
(2) الكشاف 3/16.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 198 إلى ص 211.
الوقفة كاملة
|
| ٥١٠ |
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (45)}
أي: إذا قيل لهم احذروا ما تقدم من موجبات العذاب وما يأتي فيما بعد أعرضوا.
وقيل في معنى قوله: {مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ} وجوه منها:
أن قوله: {مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ} يعني ما مضى من الذنوب، {وَمَا خَلْفَكُمْ} ما بقي منها (1).
أو ما تقدم من ذنوبكم وما تأخر.
وقيل: {مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ} الوقائع التي خلت من مثل الوقائع التي ابتليت بها الأمم المكذبة بأنبيائها.
{وَمَا خَلْفَكُمْ}: من أمر الساعة (2)، وعذاب الآخرة (3).
وقيل: {مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ} أي ما بين أيديكم من الآفات والنوازل فإنها محيطة بكم وما خلفكم منها.
وقيل: {مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ} ما ظهر لكم، {وَمَا خَلْفَكُمْ}: ما خفي عنكم (4).
وقيل: {مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ} من أنواع العذاب مثل الغرق والحرق وغيرهما المدلول عليه بقوله تعالى: {وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ}. {وَمَا خَلْفَكُمْ} من الموت الطالب لكم، إن نجوتم من هذه الأشياء فلا نجاة لكم معه، يدل عليه قوله تعالى: {وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ} (5).
وقيل: {مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ}: الآخرة فإنهم مستقبلون لها، {وَمَا خَلْفَكُمْ}: الدنيا فإنهم تاركون لها (6).
هذه أشهر الأقوال التي قيلت فيها. ويمكن تلخيصها بما يأتي:
{مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ}:
1- ما مضى من الذنوب وما تقدم منها.
۲ - الوقائع التي أوقعها الله بالأمم السالفة المكذبة.
3 - الآفات والنوازل المحيطة بكم وأنواع العذاب مثل الغرق والحرق.
4- ما ظهر لكم.
5- الاخرة
{وَمَا خَلْفَكُمْ}:
١- ما تأخر من الذنوب أو ما بقي منها.
۲- أمر الساعة وعذاب الآخرة.
٣- النوازل والآفات التي تنزل فيما بعد.
4- الموت الطالب لكم.
5- ما خفي عنكم.
6- الدنيا.
وأكثر الأقوال على أن {مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ} يعني ما تقدم من هذه الأمور {وَمَا خَلْفَكُمْ} يعني ما يأتي منها فيما بعد، غير أنه نسب إلى مجاهد القول بعكس ذلك، وهو أن {مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ} يعني الآخرة وعذابها، {وَمَا خَلْفَكُمْ} يعني الدنيا وما فيها.
وعلى أية حال فإن قوله: {مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ }يشمل ما ينبغي أن يتقي من أمور الدنيا والآخرة على قول مجاهد أو غيره، غير أن الاستعمال القرآني يؤيد ما ذهب إليه القائلون أن {مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ} يعني ما تقدم من الأمور المذكورة، أو ما هو واقع فعلا في حين الإخبار، {وَمَا خَلْفَكُمْ} يعني ما لم يأت بعد وهو المستقبل.
قال تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ} {المائدة: 48}، أي مصدقًا لما تقدمه من الكتاب.
وقال: {وَقَفَّيْنَا عَلَى آَثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآَتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ} {المائدة: 46}.
وقال: {نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ} {آل عمران: 3 - 4}.
أي ما تقدمه من الكتب.
فجعل (ما بين يديه) لما تقدم.
وقال: {فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ }{البقرة: 66}.
قيل: "أي لمعاصريهم ومن خلفهم... {وقيل} أيضًا: لما بحضرتها من القرى - أي أهلها - وما تباعد عنها" (7).
وقال: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} {آل عمران: 169 - 170}.
فاستعمل {مِنْ خَلْفِهِمْ} للذين يأتون بعدهم.
وقال: {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا} {النساء: 9}.
وقال: {فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} {الأنفال: 57}.
فاستعمل {مِنْ خَلْفِهِمْ} لمن يكون بعدهم، أي لمن يأتي في المستقبل.
ونحو هذا استعمال (من وراء) فقد يستعمل لما يكون بعد، أي في المستقبل.
قال تعالى: {وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي} {مريم: 5}، أي: بعد وفاتي
وقال تعالى في زوج إبراهيم عليه السلام: {وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ} {هود: 71}.
أي من بعد إسحاق يعقوب.
ومن هذا يترجح أنه يعني بقوله: {اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ} أي ما تقدم مما ينبغي أن يتقي، أو ما هم يفعلونه في الحال، ويعني بقوله: (ما خلفكم) ما ينبغي أن يتقي في المستقبل، وأعظم ما ينبغي أن يتقي في المستقبل هو الساعة وعذاب الآخرة. ويبدو أن هذا هو أظهر ما فهموه من النص ولذا قال: {وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} أي متي يقع ما تعدوننا به من أمر الساعة والآخرة؟.
ويتضح مما ذكرت أنه لا يعني بقوله: {مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ }أمرًا معينًا، وإنما هو عام في كل ما ينبغي أن يتقي، ما ذكر وما لم يذكر.
جاء في (روح المعاني): "وحاصل الأمر على ما قيل: اتقوا العذاب أو اتقوا ما يترتب العذاب عليه" (8).
وإن كان أظهر ما يدل عليه قوله: (وما خلفكم) الساعة وعذاب الآخرة كما ذكرت.
لقد قال: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ} فجاء بـ (إذا) ولم يأت بـ (إن) وذلك ليدل على أن هذا القول ليس أمرًا افتراضيًا بل هو أمر حاصل، فإنه قيل لهم هذا الأمر كثيرا، فإن (إذا) تستعمل في اللغة لما هو مقطوع بحصوله ولما يكثر حصوله، وذلك نحو قوله تعالى: {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} {التوبة: 5} فإن الأشهر الحرم لا بد أن تنسلخ.
وقوله: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ} {الجمعة: 10}، فإن الصلاة لا بد أن تنقضي.
فهذا من المقطوع بحصوله.
ومن الكثير حصوله قوله: {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} {النساء: 86}.
ولا تستعمل (إذا) لما هو أمر افتراضي محض لا يتحقق في الواقع. أما (إن) فقد تستعمل لعموم الافتراضات لما يقع ولما لا يقع، ولما لا يمكن أن يقع، وذلك نحو قوله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} {القصص: ۷۲}، وقوله: {قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ} {الزخرف: 81}.
فجاء بـ (إذا) في الآية ليدل على أن هذا القول قيل لهم كثيرًا.
ومعنى هذا أنه لم ينفع معهم النصح والتبليغ على كثرتهما وتطاولهما، إذ المفروض أن كثرة النصح والتبليغ تؤثر في النفوس، وهؤلاء لا يؤثر فيهم النصح وإن كثر.
ولا تفيد (إن) هذا المعنى.
ومن الملاحظ أنه لم يذكر جواب الشرط في الآية؛ ذلك لأنه معلوم مما بعده وهو قوله تعالى: {وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ} فكأنه قال: وإذا قيل لهم اتقوا أعرضوا (9)، فحذفه لدلالة ما بعده عليه.
وقد يكون الحذف إشارة إلى أمر آخر علاوة على ما ذكر، وهو أنهم إذا قيل لهم ذلك لم يجيبوا لأن الكلام لا يعجبهم ولا يروق لهم فيسكتون عن الجواب، كما يفعل أحدنا إذا سمع كلامًا لا يعجبه ولا يروق له فيسكت عنه ولا يجيب.
ومن الملاحظ أيضًا أن الآية بنيت على الإيجاز، يدل على ذلك أنه بنى القول للمجهول فلم يذكر القائل، وبنى فعل الرحمة للمجهول لأن الراحم معلوم، وحذف جواب الشرط لأنه مدلول عليه بما بعده كما ذكرنا.
واختار فعل الرحمة فقال: {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} لأنه لا ينجيهم من ذلك إلا رحمة الله، كما قال تعالى: {قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ} {هود: 43}، ولمناسبة ما قبله وهو قوله تعالى: {وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ (43) إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ} فذكر أنهم لا ينجيهم من المكروه والمحذور إلا رحمة الله.
وقوله: (اتقوا) يعني: احذروا واحفظوا أنفسكم منه، ذلك أن الذي يتقى هو مخوف ومحذور، فلا تقول لأحد ما: (اتق هذا) إلا إذا كان الشيء مخوفا ومحذورا، عليه أن يحذره ويحفظ نفسه منه، ولا يقيه من هذا المحذور إلا الاتقاء ورحمة الله.
ومعنى الاتقاء هو اتخاذ الأسباب لدفع المحذور.
لقد ذكر أمرين للنجاة من المحذور:
أحدهما: يتعلق بالإنسان، وهو ما يتخذه من الأسباب لدفع ذلك المحذور وحفظ نفسه منه وهو الاتقاء.
والآخر: متعلق بمشيئة الله تعالى ورحمته. والتقوى مدعاة لرحمة الله تعالى.
فاتخاذ الأسباب مرجو أن يدفع الله بها المحذور ولا تدفع المحذور وحدها، إذ من المحتمل أن يقع المحذور مع اتخاذ الأسباب. فالسبيل الدفع المحذور هو اتخاذ الأسباب ورجاء رحمة الله. ولذا قال: {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} فجاء بـ (لعل) الدالة على الرجاء، ولم يقل: (لترحموا) لأن الانتقاء مرجو معه رحمة الله ولا يدفع المحذور وحده.
ولو قال: (اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم لترحموا) لجعل الدفع حاصلاً بالأسباب وحدها، فلذا جيء بـ (لعل) التي تفيد الترجي لكيلا يتكل الإنسان على الأسباب وينسى ربه فتكون معبودة له.
وقال: {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} ولم يقل: (عسى أن ترحموا)، ذلك أن قوله: {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} يفيد الحال والاستقبال، فإن الفعل المضارع المجرد من حرف الاستقبال يحتمل الحال والاستقبال.
أما القول: (عسى أن ترحموا) فإنه يفيد الاستقبال ولا يفيد الحال؛ لأن (أن) تصرف الفعل إلى المستقبل، فتكون الرحمة في المستقبل ولا تكون في الحال. في حين أن الرحمة تراد في الحال والاستقبال وفي كل الأزمان، فكان ما قاله أولى.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أن قوله: {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} ذكر فيه ضمير الخطاب مرتين وهما: الضمير (كم) في (لعلكم)، والواو في (ترحمون). في حين أن قولنا: (عسى أن ترحموا) ذكر فيه ضمير الخطاب مرة واحدة فكان الإسناد في قوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} أقوى وأكد أن الإسناد تكرر، فقد أسند إليهم وقوع الرحمة بهم مرتين.
ومن ناحية ثالثة أن قوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} جملة اسمية، وقولنا (عسى أن ترحموا) جملة فعلية، والجملة الاسمية أقوى من الفعلية كما هو معلوم، فكان الرجاء في قوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} أقوى.
ثم إنه المناسب لقوله تعالى: {اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ} فقد أمرهم باتقاء ما تقدم وما هو حاضر وما هو آت، فكان الأمر عامًا شاملاً للأزمنة كلها، فكان المناسب أن تكون الرحمة عامة تشمل الأزمنة كلها، حاضرها ومستقبلها، فجاء بالفعل المضارع مجردًا من (أن) ليشمل ذلك كله. ولو قال: (عسى أن ترحموا) لكان خاصًا بالمستقبل، فناسب العام العام، فارتبطت الآية بما قبلها وما بعدها وهو قوله: {وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ}.
وقد تقول: ولكن ورد ترجي الرحمة بعسى وذلك في قوله تعالى: {عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا} {الإسراء: 8}، فما الفرق؟
فنقول: إن كل تعبير أنسب في مكانه، ذلك أن قوله: {عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ} خاص بأمر مستقبل، ذلك أن الخطاب فيه موجه إلى بني إسرائيل وقد قال ذلك بعد ما ذكر أنهم يفسدون في الأرض مرتين وأنهم يعلون علوًّا كبيرًا. ثم ذكر أنهم سيلحقهم الدمار بعد المرة الثانية. وقال بعد ذلك: {عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا} فهذا الرجاء بعد المرة الثانية (10) وهو مستقبل، فناسب ذلك (عسى).
فاختلف الأمران.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أن الاتقاء في آية (يس) أعم وأشمل، وذلك أنهم أمروا باتقاء ما بين أيديهم وما خلفهم، وذلك اتقاء شامل لما تقدم وما تأخر، وليس الأمر كذلك فيما ذكر عن بني إسرائيل فإنه خاص بما بعد المرة الثانية، فكان الترجي في آية (يس) أعم
وأشمل، فناسب كل تعبير مكانه، والله أعلم.
إن هذه الآية مرتبطة بكثير من آيات وأحداث في السورة.
فهي مرتبطة بقصة أصحاب القرية الذين لم يتقوا ما بين أيديهم وما خلفهم، فأهلكهم الله بما قدمت أيديهم. وقصة الرجل الذي اتقى ما بين يديه وما خلفه فأدخله الله الجنة.
ومرتبطة بقوله: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ} فقد ذكر ما قدمت أيديهم وهو قوله: {وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ}، وذكر (ما خلفهم) وهو قوله: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى}.
ومرتبطة بقوله: {وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا}
فكيف يتقي ما بين يديه من كان من بين يديه سد؟ وكيف يتقي ما خلفه من كان من خلفه سد؟ كيف يتقون ما بين أيديهم وما خلفهم وقد جعل سد من بين أيديهم وسد من خلفهم، وهم علاوة على ذلك لا يبصرون؟
وهي مرتبطة بقوله: {وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ} فهذا ما خلفهم.
ومرتبطة بقوله: {مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً} وما بعدها.
ومرتبطة بقوله: {هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ....} وهذا كله ما لم يتقوه مما خلفهم.
و مرتبطة بقوله في آخر السورة: {فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}
(1) فتح القدير 4/361.
(2) الكشاف 2/589، روح المعاني 23/28 – 29.
(3) البحر المحيط 7/340.
(4) فتح القدير 4/361.
(5) التفسير الكبير 26/83.
(6) التفسير الكبير 26/83، البحر المحيط 7/340.
(7) روح المعاني 1/284.
(8) روح المعاني: 23/29.
(9) ينظر الكشاف 2/589، التفسير الكبير 26/82، البحر المحيط 7/340.
(10) ينظر الكشاف 2/225، روح المعاني 15/21.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 211 إلى ص 220.
الوقفة كاملة
|