| ٤٩١ |
{إِنِّي آَمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (25)}
أعلن إيمانه في هذا الجو المكفهر بكل صراحة وصدع بالحق من دون مواربة.
وأعلن أنه بدأ بنفسه، وسبقهم إلى ما يدعوهم إليه، ولم ينتظر من أحد أن يسبقه فيشجعه ويقوي قلبه ويشد عضده، وفي ذلك محض الإيمان ومحض الإخلاص.
ثم انظر إلى قوة إيمان هذا الرجل الذي تحدى قومه في ذلك الوقت الذي لا يطيقون فيه أن يسمعوا الرسل فهددوهم بالرجم إن لم يكفوا عن الدعوة.
فقال: ها أنا آمنت بربكم فاسمعون.
وقوله: (فاسمعون) يدل على أنه أعلن إيمانه بصوت ظاهر مسموع غير خفي ولا متلجلج، يسمعه كل أحد. وهذا يدل على أنه غير مبال بما سيحصل له من الرجم والتعذيب وما هو أكثر من ذلك.
واختيار (إني آمنت) على (أنا آمنت) لما في ذلك من التوكيد والقوة.
وقوله: (بربكم) دون (بربي) مع أنه قال قبلها {وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي} ليبين أن ربهم هو ربه وهو الذي فطره وإليه يرجعون، فهو ربه وربهم.
وقيل: إن الخطاب بقوله: (بربكم) للرسل، أي آمنت بربكم الذي تدعون إليه. والحق أن الخطاب للجميع، فرب الرسل هو ربه ورب قومه، وهو قد أعلن ذلك على الملأ، وطلب من قومه اتباع الرسل والإيمان بما يدعونهم إليه.
وعلى أية حال فهو صدع بالحق وجهر به ولم يبال بما سيحصل له من جراء إعلانه إيمانه هذا.
قيل: وقوله: {آَمَنْتُ بِرَبِّكُمْ} أولى من قوله: (آمنت بربي)؛ لأن كل شخص إنما هو مؤمن بربه فيقول له المقابل: وأنا آمنت بربي أيضًأ.
فقوله: {آَمَنْتُ بِرَبِّكُمْ} يدل على أنه الرب الذي يدعو إليه الرسل.
ولو كان المقصود ربهم الذي يعبده قومه لما كان في قوله: {اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ...} داع.
وذكر الإيمان بالرب دون بقية الأسماء الحسنى له أكثر من مناسبة، فقد مر قول الرسل: {قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ} فقال: {إِنِّي آَمَنْتُ بِرَبِّكُمْ} .
وقوله: {إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ}، والرب هو الذي يهدي من الضلال؛ لأن الرب هو المربي والمرشد والمعلم.
والهداية من أبرز صفات الرب، ولذلك كثيرًا ما تقترن الهداية باسم الرب وذلك نحو قوله تعالى: {قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (49) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} {طه: 49 - 50}، وقوله: {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} {الأنعام: 161}.
فناسب ذكر الرب.
وهناك أمر آخر حسن ذكر الرب وهو قوله: {أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً} أي لا أتخذ من دونه إلهًا، أي معبودًا. وقال ههنا: {إِنِّي آَمَنْتُ بِرَبِّكُمْ} فجعله هو الإله وهو الرب، فهو إلهه وربه، وبذلك جمع له بين الألوهية والربوبية.
جاء في (التفسير الكبير): "في المخاطب بقوله: (بربكم) وجوه:
(أحدها) هم المرسلون. قال المفسرون: أقبل القوم عليه يريدون قتله فأقبل هو على المرسلين، وقال: إني آمنت بربكم فاسمعوا قولي واشهدوا لي.
و(ثانيها): هم الكفار، كأنه لما نصحهم وما نفعهم، قال: فأنا آمنت فاسمعون.
(وثالثها): بربكم أيها السامعون فاسمعون على العموم، كما قلنا في قول الواعظ حيث يقول: يا مسكين ما أكثر أملك وما أنزر عملك، يريد به كل سامع يسمعه.
وفي قوله (فاسمعون) فوائد:
(أحدها): أنه كلام مترو متفكر حيث قال: (فاسمعون) فإن المتكلم إذا كان يعلم أن لكلامه جماعة سامعين يتفكر.
(وثانيها): أن ينبه القوم يقول: إني أخبرتكم بما فعلت حتى لا تقولوا: لم أخفيت عنا أمرك ولو أظهرت لآمنا معك.
و(ثالثها): أن يكون المراد السماع الذي بمعنى القبول. ويقول القائل: نصحته فسمع قولي: أي قبله.
فإن قلت: لم قال من قبل: {وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي} وقال ههنا: {إِنِّي آَمَنْتُ بِرَبِّكُمْ} ولم يقل: آمنت بربي؟.
نقول: قولنا الخطاب مع الرسل أمر ظاهر. لأنه لما قال: {إِنِّي آَمَنْتُ بِرَبِّكُمْ} ظهر عند الرسل أنه قبل قولهم وآمن بالرب الذي دعوه إليه. ولو قال (بربي) لعلهم كانوا يقولون: كل كافر يقول: لي رب وأما مؤمن بربي.
وأما على قولنا: الخطاب مع الكفار فقيه بيان للتوحيد، وذلك لأنه لما قال: {أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي} ثم قال {آَمَنْتُ بِرَبِّكُمْ} فهم أنه يقول: ربي وربكم واحد وهو الذي فطرني وهو بعينه ربكم، بخلاف ما لو قال: آمنت بربي. فيقول الكافر: وأنا أيضًا آمنت بربي. ومثل هذا قوله تعالى: {اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ} {الشورى:15}" (1)
وجاء في (البحر المحيط): "ثم صرح بإيمانه وصدع بالحق فقال مخاطبًا لقومه: {إِنِّي آَمَنْتُ بِرَبِّكُمْ} أي الذي كفرتم به، فاسمعون أي: اسمعوا قولي وأطيعون فقد نبهتكم على الحق، وإن العبادة لا تكون إلا لمن منه نشأتكم وإليه مرجعكم. والظاهر أن الخطاب بالكاف والميم وبالواو هو لقومه، والأمر على جهة المبالغة والتنبيه... وقيل: الخطاب في (بربكم) وفي (فاسمعون) للرسل" (2).
وجاء في (روح المعاني): "الظاهر أن الخطاب لقومه شافههم بذلك وصدع بالحق إظهارًا للتصلب في الدين وعدم المبالاة بما يصدر منهم...
وإضافة الرب إلى ضميرهم لتحقيق الحق والتنبيه على بطلان ما هم عليه من اتخاذ الأصنام أربابًا، أي: إني آمنت بربكم الذي خلقكم.
(فاسمعون) أي فاسمعوا قولي فإني لا أبالي بما يكون منكم على ذلك.
وقيل: مراده دعوتهم إلى الخير الذي اختاره لنفسه" (3).
(1) التفسير الكبير 26/59 – 60.
(2) البحر المحيط 7/329.
(3) روح المعاني 22/227 – 228.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 116 إلى ص 120.
الوقفة كاملة
|
| ٤٩٢ |
{قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (27)}
* * *
{قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ}
لقد طوى القرآن ذكر ما حصل له بعد قولته التي قالها وما فعل به قومه وكيف واجهوه.
إلا أنه بين أنه لم يكد يتم قوله حتى قيل له: {ادْخُلِ الْجَنَّةَ} ولم يذكر أمرًا أو مشهدًا بين الدنيا والآخرة. ومعنى ذلك: أنهم لم يمهلوه بعدها البتة. فإنه ما إن قال ذلك حتى وجد نفسه على باب الجنة يقال له: ادخل الجنة.
فاختصر كل ما لا حاجة له به وإنما دل عليه المقام.
ومن مظاهر الاختصار أنه بنى الفعل للمجهول فقال: (قيل) ولم يذكر القائل؛ لأنه لا يتعلق غرض من ذكر القائل، ولعل القائل هم الملائكة.
كما أنه لم يقل: (قيل له) لأن ذلك معلوم من السياق.
جاء في (الكشاف) :"قيل ادخل الجنة، ولم يقل: (قيل له) لانصباب الغرض إلى المقول وعظمه لا إلى القول له مع كونه معلومًا" (1).
وهكذا يطوي ما حصل له بعد قولته، ويطوي الفاعل فيبني الفعل للمجهول، ويطوي المقول له ولا يذكر إلا قوله: {ادْخُلِ الْجَنَّةَ}.
فيسير التعبير في نسق واحد وفي جو تعبيري واحد.
جاء في (روح المعاني) في قوله: {قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ}: "استئناف لبيان ما وقع له بعد قوله ذلك. والظاهر أن الأمر إذن له بدخول الجنة حقيقة، وفي ذلك إشارة إلى أن الرجل قد فارق الدنيا، فعن ابن مسعود أنه بعد أن قال ما قال: قتلوه بوطء الأرجل حتى خرج قصبه من دبره وألقى في بئر وهي الرس {وقيل: قتل بغير ذلك من أنواع القتل – راجع ص 228}... والجمهور على أنه قتل، وادعى ابن عطية أنه تواترت الأخبار والروايات بذلك" (2).
{قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ}
ما إن أدخل الجنة حتى تمنى أن قومه يعلمون بإكرامه وحسن عاقبته، فإنهم لو علموا ذلك لاهتدوا وآمنوا بمثل ما آمن به ونالهم من الكرامة مثل ما ناله، وهو لم يتمن ذلك في نفسه فقط، بل قال ذلك بلسانه، فواطأ القلب اللسان، وفي ذلك إشارة إلى تمني الهداية لقومه وحب الخير لهم. ولم يمنع من ذلك سوء ما فعلوه به. فإن المؤمن يحب الهداية للخلق ولو كانوا ألد أعدائه، بل ولو أساءوا إليه وعذبوه، بل ولو قتلوه.
جاء في (الكشاف): "وإنما تمنى علم قومه بحاله ليكون علمهم بها سببًا لاكتساب مثلها بالتوبة عن الكفر والدخول في الإيمان والعمل الصالح المفضيين بأهلهما إلى الجنة.
وفي حدث مرفوع (نصح قومه حيًا وميتًا). وفيه تنبيه عظيم على وجوب كظم الغيظ والحلم عن أهل البغي، والتشمر في تخليصه والتلطف في افتدائه، والاشتغال بذلك عن الشماتة به والدعاء عليه. ألا ترى كيف تمنى الخير لقتله والباغين له الغوائل وهم كفرة عبدة أصنام" (3).
وجاء في (روح المعاني): "وإنما تمنى علم قومه بحاله ليحملهم ذلك على اكتساب مثله بالتوبة عن الكفر والدخول في الإيمان والطاعة جريًا على سنن الأولياء في كظم الغيظ والترحم على الأعداء. وفي الحديث: نصح قومه حيًا وميتًا" (4).
وفي هذا القول إشارة للدعاة وللمسلمين ليحبوا الهداية لعموم الخلق وأن يترفعوا عن الحقد والضغينة.
لقد تمنى أن يعلم قومه أمرين:
1- مغفرة ربه له وذلك ليتوبوا ولا ييأسوا من رحمة الله.
2- وإكرامه ليحفزهم ذلك إلى العمل لينالوا حسن العاقبة.
(1) الكشاف 2/585.
(2) روح المعاني 22/228، وانظر الكشاف 2/585.
(3) الكشاف 2/585.
(4) روح المعاني 22/229.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 120 إلى ص 123.
الوقفة كاملة
|
| ٤٩٣ |
{وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ (28)}
أي لم يحتج إنزال جند من السماء ليهلكهم (1)، فهم أتفه من ذلك.
وقوله: {وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ} يعني أنه ما كان يصح في حكمتنا وتقديرنا أن ننزل عليهم جندًا من السماء ولا ينبغي ذلك (2)؛ لأنهم أقل شأنًا من هذا.
وقيل أيضًا إن المعنى أننا: "ما كنا ننزل الملائكة على الأمم إذا أهلكناهم بل نبعث عليهم عذابًا يدمرهم" (3).
وعلى هذا يكون معنى قوله: {وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ} أنه لا ينبغي أن ننزل على هؤلاء جندًا من السماء لإهلاكهم، وإننا لم نكن نفعل ذلك فيما مضى.
فيكون المعنى نفي الإنزال على وجه العموم بدءًا من الماضي إلى هؤلاء القوم.
وأما إنزال الجنود لنصرة رسولنا محمد في بدر والأحزاب فذلك إنما كان تعظيمًا لشأن سيدنا محمد ، وهو لا يشمله قوله: {وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ} فإن ذلك متعلق بالأمم الماضية.
جاء في (التفسير الكبير): "{وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ} أية فائدٍة فيه مع أن قوله: (وما أنزلنا) يستلزم أنه لا يكون من المنزلين؟.
نقول: قوله: (وما كنا) أي ما كان ينبغي لما أن ننزل؛ لأن الأمر كان يتم بدون ذلك فما أنزلنا وما كنا محتاجين إلى إنزال. أو نقول: (وما أنزلنا، وما كنا منزلين) في مثل تلك الواقعة جندًا في غير تلك الواقعة. فإن قيل: فكيف أنزل الله جنودًا في يوم بدر وفي غير ذلك حيث قال: {وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا} {التوبة: 26}؟ نقول: ذلك تعظيمًا لمحمد ". (4)
وذهب قوم إلى أن (ما) في قوله: {وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ} ليست نافية وإنما هي اسم موصول معطوف على (جند) أي ما أنزلنا على قومه من جند من السماء والذي كنا ننزله على الأمم من أنواع العذاب. ورده أبو حيان بأن ذلك يعني عطف المعرفة على النكرة المجرورة بمن الزائدة وهو لا يصح. جاء في (البحر المحيط): "وقالت فرقة: (ما) اسم معطوف على جند. قال ابن عطية: أي من جند ومن الذي كنا منزلين على الأمم مثلهم انتهى.
وهو تقدير لا يصح لأن (من) في (من جند) زائدة، ومذهب البصرين غير الأخفش أن لزيادتها شرطين:
أحدهما: أن يكون قبلها نفي أو نهي أو استفهام.
والثاني: أن يكون بعدها نكرة.
وإن كان كذلك فلا يجوز أن يكونن المعطوف على النكرة معرفة، لا يجوز (ما ضربت من رجل ولا زيد) وإنه لا يجوز (ولا من زيد)، وهو قدر المعطوف بـ (الذي)، وهو معرفة، فلا يعطف على النكرة المجرورة بمن الزائدة" (5).
ورد أبي حيان في نظر، فإن العطف في نحو هذا جائز. غير أنه لا يعطف على اللفظ وإنما يعطف على الموضع. فإنه لا يصح أن نقول (ما جاءني من امرأةٍ ولا محمود) بجر محمود، وإنما نقول ذلك برفع محمود. ولا يصح أن نقول: (ما رأيت من امرأةٍ ولا خالدٍ) بجر خالد، وإنما نقول: (ما رأيت من امرأة ولا خالدًا) بالنصب؛ لأنه لا يمكن توجه العامل إلى المعرفة.
جاء في (المغني) في باب (العطف على اللفظ): "وشرطه إمكان توجه العامل إلى المعطوف، فلا يجوز في نحو (ما جاء من امرأة ولا زيد) إلا الرفع عطفًا على الموضع لأن (من) الزائدة لا تعمل في المعارف" (6).
ونحو هذا يكون في العطف على اسم (لا) النافية للجنس، فإن اسم (لا) هذه لا بد أن يكون نكرة، فإن عطفت عليه معرفة تعين رفعه لأن (لا) لا تعمل في المعارف نحو (لا امرأة فيها ولا زيد) بالرفع فإنه لا يصح في (زيد) النصب أو بناؤه على الفتح. (7)
وعلى هذا فما المانع في الآية من أن تكون (ما) معطوفة على الموضع فتكون (جند) مجرورة و(ما) منصوبة مثل (ما رأيت من امرأة ولا زيدًا)؟
والمعنيان صحيحان يحتملها التعبير ويتسع لهما معًا، فيكون ذلك من التوسع في المعنى.
وقد أسند الإنزال إلى نفسه فقال: {وَمَا أَنْزَلْنَا} ليدل على أنه هو الذي أنزل العقوبة ، فهو الذي أرسل الرسل وهو الذي عززهم بثالث، وقد أسند ذلك إلى نفسه فقال: {إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ}
فناسب أن يسند الإنزال إلى نفسه أيضًا ليدل على أن الجهة المرسلة والمعاقبة واحدة، إذ لا يليق أن يكون هو المرسل والمعاقب غيره.
جاء في (التفسير الكبير) في قوله: {وَمَا أَنْزَلْنَا}: "قال ههنا: {وَمَا أَنْزَلْنَا} بإسناد الفعل إلى نفسه.
وقال في بيان حال المؤمن: {قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ} بإسناد القول إلى غير مذكور، وذلك لأن العذاب من باب الهيبة فقال بلفظ التعظيم. وأما في {ادْخُلِ الْجَنَّةَ} فقال: (قيل) ليكون هو كالمهنأ بقول الملائكة حيث يقول له كل ملك وكل صالح يراه: ادخل الجنة خالدًا فيها" (8).
وقال: (على قومه) بإضافة القوم إلى ضمير الرجل القتيل، ذلك أن هذا الرجل أضافهم إلى نفسه فقال لهم: {يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ}، فهم قومه وقد دعاهم بــ (يا قوم) ليتعطفهم ويدعوهم إلى ما يحييهم فقتلوه فقتلهم ربه سبحانه.
وقال: (من بعده) ولم يقل (بعده) للدلالة على أنه أنزل العذاب عليهم بعده مباشرة ولم يمهلهم. فإن (من) تفيد ابتداء الغاية. ولو قال: (وما أنزلنا على قومه بعده) لاحتمل الزمن القصير والطويل، فجاء بـ (من) ليدل على أنه عاجلهم بالعقوبة من دون إمهال.
جاء في (البحر المحيط): "وقوله: (من بعده) يدل على ابتداء الغاية، أي لم يرسل إليهم رسولًا إليهم ولا عاتبهم بعد قتله بل عاجلهم بالهلاك" (9).
وقال: (من جند) فجاء بـ (من) الدالة على الاستغراق ليدل على أنه لم ينزل جندًا قلوا أو كثروا.
فقد استغرق نفي الإنزال كل الجند، ولو لم يذكر (من) لاحتمل نفي إنزال الجنس وفي الوحدة، فقد يحتمل أنه أنزل جنديًا أو جنودًا كما يحتمل أنه لم ينزل أصلًا.
واختار كلمة (جند) على (ملك) لأنه في مقام العقوبة والمحاربة فكان اختيار لفظ الجند أنسب؛ فإن قومه حاربوا الله ورسله فحاربهم الله سبحانه من غير جند.
واختار الجند على الجنود فقال: (من جند) ولم يقل: (من جنود) ذلك أن الجنود جمع جند، فإن (الجند) يجمع على أجناد وجنود (10)، ونفي الجند يعني نفي الجنود، أما نفي الجنود فلا يعني نفي الجند؛ ذلك أن نفي الواحد مع (من) الاستغراقية يعني نفي الجنس كله، بخلاف نفي الجمع، فإنه إذا قال: (ما أنزلنا من جند) فإن هذا ينفي إنزال الجند والجنود.
ونحوه إذا قلت: (ما حضر من رجال) فإنك نفيت الجمع ولكن لم تنف الواحد أو الاثنين، فقد يكون حضر رجل أو رجلان. أما إذا قلت: (ما حضر من رجل) فقد نفيت الجنس على سبيل الاستغراق سواء كان واحدًا أم مثنى أم جمعًا فلم يحضر أحد.
فقوله: (من جند) نفى إنزال الجند والجنود، ولو قال: (من جنود) لم ينف إنزال الجند، فكان ما ذكره أعم وأشمل.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أن (الجند) اسم جنس جمعي مفردة جندي، فالياء للواحد وحذفها يفيد الجنس مثل رومي وروم (11)، وزنجي وزنج.
أما الجنود فهو جمع تكسير. ومن المعلوم أن اسم الجنس يقع على القليل والكثير، فهو يقع على الواحد والاثنين والجمع. فإنك إذا عاملت روميًا واحدًا أو روميين جاز لك أن تقول: (عاملت الروم) أما الجمع فلا يصح فيه ذلك، وإنما يقع على الجمع فقط (12).
فقوله: {وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ} نفي الواحد والاثنين والجمع لأنه نفى اسم الجنس الجمعي، ولو جاء بالجنود لم ينف الواحد والاثنين، فكان ما ذكره أولى من كل وجه.
واختار (ما) في النفي على (لم) فلم يقل: (ولم ننزل) وذلك لأن (ما) أقوى في النفي من (لم) (13).
وقد أكد النفي أيضًا بذكر (من) الاستغراقية المؤكدة، فأكد النفي باستعمال الحرف (ما) واستعمال (من) الاستغراقية.
وهناك أمر آخر حسن ذكر (ما) دون (لم) وهو ذكر (من) الاستغراقية، فإن القرآن لم يأت البتة بــ (من) الاستغراقية مع (لم) بخلاف (ما).
وقال: (من السماء) ولم يقل: (من السماوات)؛ لأن السماء أعم وأشمل من السماوات، فهي تشمل السماوات وتشمل أيضًا الجو والسحاب وما علاك على وجه العموم، فهي تشمل السماوات وزيادة (14)، فكان ذلك أشمل وأعم، كما ناسب ذكر (من) الاستغراقية ذكر السماء فإن كليهما للاستغراق والعموم.
وقد تقول: وما الحاجة إلى ذكر (السماء) وهو لم ينزل عليهم جندًا أصلًا لا من الارض ولا من السماء؟
فنقول: إنه ذكر أنه لم ينزل عليهم جندًا من السماء وإنما أهلكهم بصيحة منها.
فالسماء هي مبدأ إنزال العذاب لكن ليس بالجند وإنما بالصيحة.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أنه لم يذكر السماء لكانت الآية على النحو الآتي: (وما أنزلنا على قومه من بعده من جند وما كنا منزلين).
وهذا المعنى لا يصح؛ لأن قوله: {وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ} ينفي إنزال الجنود على أية حال سواء كام من السماء أم من غيرها. في حين أن الله سبحانه أنزل جنودًا وأقوامًا على آخرين فحاربوهم ودفع بعضهم ببعض وعاقب بعضهم ببعض.
وكل إتيان من مكان عال فهو نزول أو إنزال. وكل حرب حصلت بين قومين أو أقوام وانحدر أحدهما من مكان عال فهو نزول. وقد يعذب الله بعض الناس ببعض، ويدفع بعضهم ببعض، ويبعث بعضهم على بعض، كما قال تعالى: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ} {الحج: 40}، وقال: {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا} {الأسراء: 5}.
ولا يخلو ذلك من إنزال جند. وكان يأجوج و مأجوج ينزلون من الجبل فيفسدون في الأرض. فلو حذف( من السماء) لم يستقم المعنى ولم يصح.
هذا وإنه لو حذف أي قيد لم يصح المعنى، فإن الآية هي {وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ} :
1- فإنه لو حذف (على قومه) لم يصح المعنى؛ لأن الله سبحانه أنزل جنودًا من السماء بعده وذلك لنصرة سيدنا محمد .
2- لو حذف (من بعده) لم يصح المعنى؛ لأن القصد هو معاقبة قومه بعد قتله، فإذا حذف الظرف لم يفهم أن العقوبة بسبب قتله. والمراد بيان ذلك.
3- ولو حذف (من جند) لم يصح المعنى؛ لأنه لا يعلم المنفي على وجه التحديد، ولكان النفي عامًا، وهو لا يصح، إذ سيكون التعبير: (وما أنزلنا على قومه من بعده من السماء وما كنا منزلين) وهو النفي لإنزال الجنود ولكل أنواع العذاب من السماء، بل هو نفي لكل إنزال من السماء سواء كان خيرًا أم شرًا، وهو لا يصح، لأن الله سبحانه أنزل عليهم وعلى من قبلهم عذابًا من السماء ولكن ليس جندًا كما أخبرنا ربنا سبحانه، فقد قال في قوم موسى: {فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} {البقرة: 59}، وقال في قوم لوط: {إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} {العنكبوت: 34}.
وأرسل على قومه وعلى من قبلهم الصيحة من السماء. والسماء كلمة عامة تشمل كل ما علا سواء كان سحابًا أم غيره، وقد فسر ربنا الرجز النازل على قوم لوط من السماء بأنه الصيحة وإرسال الحجارة، قال تعالى: {فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (73) فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ} {الحجر: 73 - 74}، فلا يصح الحذف.
4- ولو حذف (من السماء) لم يصح لما ذكرناه.
فكان أعدل الكلام وكلام ربنا سبحانه.
جاء في (التفسير الكبير): "قال: (من السماء) وهو تعالى لم ينزل عليهم ولا أرسل إليهم جندًا من الأرض فما فائدة التقييد؟
نقول: الجواب عنه من وجهين:
(أحدهما): أن يكون المراد: وما أنزلنا عليهم جندًا بأمر من السماء فيكون للعموم.
(وثانيهما): أن العذاب نزل عليهم من السماء، فبين أن النازل لم يكن جندًا لهم عظمة، وإنما كان ذلك بصيحة أخمدت نارهم وخربت ديارهم" (15).
(1) انظر التفسير الكبير 26/61، فتح القدير 4/356.
(2) انظر الكشاف 2/586، التفسير الكبير 26/62، روح المعاني 23/12، فتح القدير 4/356.
(3) تفسير ابن كثير 3/569.
(4) التفسير الكبير 26/62.
(5) البحر المحيط 7/331 – 332 وانظر روح المعاني 23/2.
(6) مغني اللبيب 2/473.
(7) انظر شرح الأشموني 2/12.
(8) التفسير الكبير 26/61.
(9) البحر المحيط 7/331.
(10) المصباح المنير (جند) 1/111.
(11) انظر المصباح المنير (جند) 1/111.
(12) انظر شرح الرضي على الشافية 2/178.
(13) انظر معاني النحو 4/227.
(14) انظر التعبير القرآني 52.
(15) التفسير الكبير 26/61.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 129 إلى ص 137.
الوقفة كاملة
|
| ٤٩٤ |
{إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ (29)}
أي ما كانت العقوبة أو الأخذة إلا صيحة واحدة (1)، واسم كان ضمير مستتر. ونفي بإن ولم ينف بما، ذلك لأن (إن) أقوى من (ما) (2) ولذلك كثيرًا ما تقترن بإلا لإفادة القصر. ويتبين ذلك من مواطن اجتماعهما. قال تعالى: {مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ} {يوسف: 31}، فإثبات الملكية ليوسف يحتاج إلى قوة ولذلك نفى بما أولًا ثم نفى وأثبت بإن وإلا لما هو أقوى.
ونحو ذلك ما ذكرناه في قوله: {مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ} فنفى أولًا بما، ثم نفى وأثبت بإن وإلا.
ونحوه ما مر قريبًا وهو قوله تعالى: {وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ (28) إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً} {يس: 28 - 29}، فنفى بما أولًا، ثم نفى وأثبت بإن وإلا.
وقوله: (واحدة) نعت مؤكد، وقد أفاد أمرين:
بيان بالغ قدرة الله، وبيان هوانهم وضعفهم، فإنهم لم يحتاجوا إلى أكثر من صيحة واحدة.
وأضمر اسم (كان) لظهوره ووضوحه، فإنه دل عليه المقام وإن لم يجر له ذكر.
وجاء بالفاء وإذا الفجائية للدلالة على سرعة هلاكهم، فإن الفاء تفيد الترتيب والتعقيب، وإذا تفيد المفاجأة، وجاء بهما معًا للدلالة على سرعة المفاجأة بحيث لم تكن بين الصيحة وخمودهم مهلة.
ولا يؤدي أي حرف هذا المؤدي، فلو جاء بثم فقال: (ثم إذا هم خامدون) لدل على أن خمودهم إنما حصل بعد مدة من الصيحة، نظير قوله تعالى: {وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ} {الروم: 20}.
ولو جاء بالواو لم يدل ذلك على التعقيب أيضًا ولم يدل أن ذلك إنما كان بسبب الصيحة، فإن الواو لا تفيد السبب بل تفيد الإتباع، فجاء بالفاء للدلالة على معنيي السبب والسرعة، ولا يؤدي أي حرف مؤداها.
جاء في (التفسير الكبير): "وقوله: (واحدة) تأكيد لكون الأمر هينًا عند الله.
وقوله: {فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ} فيه إشارة إلى سرعة الهلاك، فإن خمودهم كان مع الصيحة وفي وقتها لم يتأخر" (3).
وجاء في (البحر المحيط) في قوله: {فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ} :"أي فاجأهم الخمود إثر الصيحة لم يتأخر" (4).
وجاء في(روح المعاني): "و(إن) نافية، و(كان) ناقصة، واسمها مضمر، و(صيحة) خبرها، أي ما كانت هي، أي الأخذة أو العقوبة، إلا صيحة واحدة...
و(إذا) فجائية وفيها إشارة إلى سرعة هلاكهم بحيث كان مع الصيحة. وقد شبهوا بالنار على سبيل الاستعارة المكنية" (5).
وقال (خامدون) إشارة إلى سرعة هلاكهم وانطفاء حياتهم كانطفاء السراج.
واختيار هذا الوصف أحسن اختيار، فإنه مأخوذ من خمود النار وهو سكون لهبها وذهاب حسيسها، يقال: "خمدت النار تخمد خمودًا: سكن لهبها ولم يطفأ جمرها، وهمدت همودًا: إذا أطفئ جمرها البتة، وأخمد فلان ناره، وقوم خامدون: لا تسمع لهم حسًا. جاء في التنزيل العزيز {إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ} قال الزجاج: فإذا هم ساكتون قد ماتوا وصاروا بمنزلة الرماد الخامد الهامد" (6).
وفي (القاموس المحيط): "خمدت النار: كنصر وسمع خمدًا وخمودًا سكن لهبها، ولم يطفأ جمرها" (7).
وفي (المصباح المنير): "خمدت النار خمودًا من باب قعد: ماتت فلم يبق منها شيء، قيل: سكن لهبها وبقي جمرها" (8).
وفي (أساس البلاغة): "نار خامدة وقد خمدت خمودًا: سكن لهبها وذهب حسيسها" (9).
يتضح مما مر أن الفعل (خمد) يحمل المعاني الآتية:
1- يقال: خمدت النار، أي سكن لهبها ولم يطفأ جمرها.
2- وقيل أيضًا: خمدت النار، إذا ماتت ولم يبق منها شيء.
3- ويقال: خمد القوم، إذا سكتوا فلا تسمع لهم حسًا.
4- وخمد القوم: سكتوا وماتوا وصاروا بمنزلة الرماد الخامد الهامد.
أما همود النار فهو انطفاؤها وعدم بقاء أثر منها.
جاء في (لسان العرب): "وهمدت النار تهمد همودًا: طفئت طفوءًا وذهبت البتة فلم يبين لها أثر...
الأصمعي: خمدت النار: إذا سكن لهبها، وهمدت همودًا إذا طفئت البتة" (10).
وجاء في (القاموس المحيط): "الهمود: الموت وطفوء النار أو ذهاب حرارتها" (11).
وجاء في (المصباح المنير): "همدت النار همودًا من باب قعد: ذهب حرها ولم يبقى منها شيء" (12).
واختيار الخمود على الهمود أنسب من عدة نواح منها:
1- أن في ذلك إشارة إلى سرعة سكونهم وانقطاع حركتهم، فإن الخمود أسرع من الهمود؛ ذلك أن إطفاء السراج والشعلة إنما يكون في أسرع وقت.
جاء في (التفسير الكبير): "والخمود في أسرع زمان فقال: (خامدين) بسبها، فخمود النار في السرعة كإطفاء سراج أو شعلة" (13).
2- بيان أن حركتهم وأصواتهم قد خمدت فلا تسمع لهم حسًا وذلك بعد التوعد والتهديد والضجيج والصخب الذي ملأ القرية، وبعد البطش والتنكيل بالرجل الناصح. وبعد كل ذلك إذا هم ساكتون خامدون لا تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزًا.
3- ثم إن اختيار الخمود مناسب لقوله: {إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً} وذلك أنه إذا كان في موضع ما ضجيج وصياح وصخب فإنه لا يسكته إلا صوت أو صيحة أعلى منه. فصاح بهم صيحة أسكتتهم وأخمدتهم.
4- إن في اختيار الخمود على الهمود إشارة إلى البعث بعد الموت، فإن الخمود لا يعني الفناء وإنما يعني ذهاب اللهب والحرارة وبقاء الجمر، فكأن ذلك إشارة إلى مفارقة الأرواح للأبدان وليس فناءها.
حاء في (روح المعاني): "ولعل في العدول عن (هامدون) إلى (خامدون) رمزًا حفيًا إلى البعث بعد الموت" (14).
5- اختيار الخمود على الهمود في صورة فنية أخرى، وهي صورة الجمر الذي يغطيه الرماد، وهي شبيهة بحالة الجثة التي يعلوها تراب القبر، وفيها إشارة إلى أنهم يحترقون بالنار في داخلها وإن كان لا يظهر ذلك للناظرين.
6- ومن معاني الخمود: الموت أيضًا كالهمود، فأعطى الخمود معنى الهمود مع معان أخرى لا يؤديها الهمود كسرعة الهلاك والسكوت بعد الصيحة، والرمز الخفي إلى البعث بعد الموت وأن ظاهرهم ساكن بارد وحقيقتهم نار تحرق.
فكان اختيار الخمود أولى والله أعلم.
(1) الكشاف 2/586.
(2) انظر معاني النحو 4/235.
(3) التفسير الكبير 26/62.
(4) البحر المحيط 7/332.
(5) روح المعاني 23/2.
(6) لسان العرب (خمد) 4/144.
(7) القاموس المحيط (خمد) 1/292.
(8) المصباح المنير (خمد) 1/181.
(9) أساس البلاغة (خمد) 250.
(10) لسان العرب 4/448 (همد).
(11) القاموس المحيط (همد) 1/348.
(12) المصباح المنير (همد) 2/64.
(13) التفسير الكبير 26/62.
(14) روح المعاني 23/2 – 3.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 137 إلى ص 142.
الوقفة كاملة
|
| ٤٩٥ |
{يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (30)}
* * *
{يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ}
الحسرة: أشد الندم، والغم يركب الإنسان حتى يكون حسيرًا منقطعًا لا يستطيع فعل شيء لتدارك ما فاته.
جاء في (لسان العرب): "الحسرة أشد ندم حتى يبقى النادم كالحسير من الدواب الذي لا منفعة فيه" (1).
وقال الزجاج: "الحسرة أمر يركب الإنسان من كثرة الندم على ما لا نهاية له حتى يبقى حسيرًا" (2).
و"الحسرة على ما قال الراغب: الغم على ما فات والندم عليه، كأن المتحسر انحسر عنه قواه من فرط ذلك أو أدركه إعياء عن تدارك ما فرط منه" (3).
ومعنى: {يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ} على أشهر الأقوال أنه نداء للحسرة مجازًا، أي أقبلي يا حسرة فهذا وقت حضورك.
جاء في (الكشاف) في قوله: {يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ}: "نداء للحسرة عليهم، كأنما قيل لها: تعالي يا حسرة فهذه أحوالك التي حقك أن تحضري فيها وهي حال استهزائهم بالرسل، والمعنى: أنهم أحقاء بأن يتحسر عليهم المتحسرون ويتلهف على حالهم المتلهون، أو هم متحسر عليهم من جهة الملائكة والمؤمنين من الثقلين" (4).
ويقوي الدلالة على النداء قوله تعالى: {وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (13) لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا} {الفرقان: 13 - 14}، وقوله: {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (10) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا} {الانشقاق: 10 - 11}.
ومعنى دعاء الثبور مناداته للحضور بأن يقولوا: واثبوراه، أو: يا ثبوراه، أي احضر يا ثبور فهذا وقتك وحينك.
والثبور: الهلاك (5).
ولا يقصد حقيقة النداء ولكن المقصود بيان أن العباد أوقعوا أنفسهم في أمر عظيم لا يستطيعون منه مخرجًا تركبهم منه الحسرة مركبًا عظيمًا لا تفارقهم، وينالهم من الغم والندم ما يملأ نفوسهم، فليس في نفوسهم مكان لغير الكرب والندم، وليس فيها موضع استرواح رائحة أمل ولا تنسم نسمة فرج، فهم متحسرون نادمون منقطعون لا تفارقهم الحسرة والندم والغم أبد الأبدين.
وعبر عن ذلك تفظيعًا لما يصيبهم، وهو نظير قولنا عن شخص وقد عمل عملًا نعلم أنه سيلحقه منه خسران كبير: يا خسارته، يا ويله مما سيحصل، نقول ذلك استفظاعًا لما يصيبه واستعظامًا له.
والعباد هم المكذبون بالرسل المستهزئون بهم.
جاء في (التفسير الكبير): "من المتحسر؟
تقول فيه وجوه:
(الأول): لا متحسر أصلًا في الحقيقة، إذ المقصود بيان أن ذلك وقت طلب الحسرة حيث تحققت الندامة عند تحقق العذاب.
وههنا بحث لغوي: وهو أن المفعول قد يرفض رأسًا إذا كان الغرض غير متعلق به، يقال: (إن فلانًا يعطي ويمنع) ولا يكون هناك شيء معطي، إذ المقصود أن له المنع والإعطاء، ورفض المفعول كثير، وما نحن فيه رفض الفاعل وهو قليل، والوجه فيه ما ذكرنا، أن ذكر المتحسر غير مقصود، وإنما المقصود أن الحسرة متحققة في ذلك الوقت.
(الثاني): أن قائل (يا حسرة) هو الله على الاستعارة تعظيمًا للأمر وتهويلًا له حيث يكون كالألفاظ التي وردت في حق الله كالضحك والنسيان والسخر والتعجب والتمني.
أو نقول: ليس معنى قولنا: يا حسرة و يا ندامة، أن القائل متحسر أو نادم، بل المعنى أنه مخبر عن وقوع الندامة ولا يحتاج إلى تجوز في بيان كونه تعالى قال: (يا حسرة) بل يخبر به على حقيقته إلا في النداء فإن النداء مجاز والمراد الإخبار" (6).
وجاء في (تفسير ابن كثير): "{يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ} أي يا ويل العباد، وقال قتادة: {يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ} أي يا حسرة العباد على أنفسهم على ما ضيعت من أمر الله وفرطت في جنب الله" (7).
وجاء في (روح المعاني): "ولعل الأوفق للمقام المتبادر إلى الأفهام نداء حسرة كل من يتأتى منه التحسر، فقيه من المبالغة ما فيه " (8).
(1) لسان العرب (حسر) 5/262.
(2) البحر المحيط 7/332.
(3) روح المعاني 23/3.
(4) الكشاف 2/586، وانظر التفسير الكبير 26/62، البحر المحيط 7/332ـ روح المعاني 23/3.
(5) انظر الكشاف 2/401، 3/325، البحر المحيط 6/485، 8/447، روح المعاني 18/244، 3/81.
(6) التفسير الكبير 26/62 – 63.
(7) تفسير ابن كثير 3/570.
(8) روح المعاني 23/4.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 142 إلى ص 145.
* * *
{وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ}
وهذا بيان سبب الحسرة والندم.
قوله: (من رسول) يفيد الاستغراق، والمعنى: أنه لم يسلم رسول من الاستهزاء.
وقد تقول: ولم قال ههنا: (من رسول) وقال في الزخرف: (من نبي)؟
فنقول: إن كل لفظة ناسبت الموطن الذي وردت فيه.
فقد قال في الزخرف: {وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (6) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} {الزخرف: 6 - 7}.
فقوله: (كم أرسلنا) يفيد التكثير، فإن (كم) هذه خبرية وهي تفيد التكثير، والأنبياء أكثر من الرسل، فإن كل رسول نبي وليس كل نبي رسولًا، فناسب كلمة (نبي) كم الخبرية.
جاء في (ملاك التأويل): "لما تقدم في آية الزخرف لفظ (كم) الخبرية، وهي للتكثير، فناسب ذلك كله من يوحى إليه من نبي مرسل أو نبي غير مرسل. فورد ما يعم الصنفين عليهم السلام" (1).
وتقديم (به) على الفعل للاهتمام، إذ المفروض أن يستقبل العباد رسولهم بالطاعة والاستجابة والإكرام لأنه مرسل إليهم من ربهم ولكنهم استقبلوه بالاستهزاء والسخرية.
وذهب صاحب (روح المعاني) إلى أن هذا التقديم للحصر الادعائي أو لمراعاة الفاصلة. قال: "وبه متعلق بيستهزئون، وقدم عليه للحصر الادعائي، وجوز أن يكون لمراعاة الفواصل" (2).
ومعلوم أن تقديم المعمول على عامله لا يقتصر على معنى الحصر.
نعم إن إرادة الحصر فيه كثيرة ولكن قد يكون التقديم لغير ذلك من مواطن الاهتمام وذلك كقوله تعالى: {وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ} {النحل: 16}، فإن التقديم هنا لا يفيد الحصر، إذ الاهتداء لا يقتصر على النجوم، بل إن وسائل الاهتداء كثيرة قال تعالى: {وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} { النحل: 15}، فذكر من وسائل الاهتداء الجبال والأنهار والسبل (3).
والأظهر فيما نرى أن التقديم ههنا إنما هو للعناية والاهتمام، ويجوز أيضًا أن يكون لما ذكره صاحب( روح المعاني) والله أعلم.
(1) ملاك التأويل 2/584.
(2) روح المعاني 23/4.
(3) انظر كتابنا (الجملة العربية تأليفها وأقسامها).
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 145 إلى ص 146.
الوقفة كاملة
|
| ٤٩٦ |
{أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ (31)}
أي ألم يعملوا كثرة إهلاكنا للأمم الماضية فيتعظوا، و(كم) خبرية تفيد التكثير، والقرون جمع قرن وهو الأمة.
وفي الآية مسائل:
1- أنه قال: {أَلَمْ يَرَوْا} وفي مكان آخر قال: {أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا} {السجدة: 26}.
2- وقال ههنا: (قبلهم) وقال في مكان آخر: (من قبلهم).
3- وقال ههنا: (من القرون) وقال في مكان آخر: (من قرن) فأفرد.
4- وقال ههنا: (قبلهم من القرون) فقدم الظرف على القرون.
وفي مكان آخر قدم القرون على الظرف فقال: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ} {الإسراء: 17}، وقال: {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ} {يونس: 13}.
فما سر هذا الاختلاف؟
فنقول:1- إن معنى (ألم يهد لهم): (ألم يتبين لهم)، ومعنى (ألم تر) و(ألم يهد لك) متقاربان إلى حد كبير، ولكن القرآن خص كل تعبير بموطن، فقد استعمل الرؤية في نحو هذا من موطنين وهما آية (يس) هذه، والموطن الآخر قوله تعالى في سورة الأنعام: {أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آَخَرِينَ} {الأنعام: 6}.
واستعمل (ألم يهد) في موطنين أيضًا وهما قوله تعالى في سورة السجدة: {أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ} {السجدة: 26}، وقوله في سورة طه: {أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى} {طه: 128}.
والملاحظ أنه يستعمل فعل الرؤية في سياق ذكر العقوبات الدنيوية فيقول: (ألم يروا) ولعل ذلك لأن عقوبات الدنيا يمكن أن ترى آثارها.
أما في سياق الآخرة وأحوالها وعقابها فيستعمل: (ألم يهد لهم) ولعل ذلك – والله أعلم – أنه من باب الهداية العقلية والتبصر الذهني وهو ألصق بالهداية والتبين من الرؤية.
وإليك إيضاح ذلك.
فإنه بعد أن ذكر عقوبة أهل القرية في سورة (يس) بقوله: {إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ}، قال: {أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ} {يس: 31}.
وقال في سورة الأنعام: {فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} {الأنعام: 5} فحذرهم، ثم ذكر الآية: {أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا} {الأنعام: 6}، بعدها. وفيها قوله: {فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آَخَرِينَ} {الأنعام: 6}، ثم يلفت نظرهم إلى ما أوقعه من عقوبات على الأمم المكذوبة قبلهم وذلك نحو قوله:
{وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (10) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} {الأنعام: 10 - 11}.
فأنت ترى أن الآية ذكرت في سياق العقوبات الدنيوية فذكر (ألم يروا).
وأما قوله: {أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ} {السجدة: 26}، فقد جاء في سياق أحوال الآخرة. قال تعالى: {أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (18) أَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (19) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ} {السجدة: 18 - 20}.
وقال: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (25) أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ} {السجدة: 25 - 26}.
فقال: {أوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ} في سياق ذكر أحوال الآخرة.
وكذلك الحال في آية طه، فقد قال تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (126) وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآَيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى (127) أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ.....} {طه: 124 - 128}.
فقال: {أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ} في سياق أحوال الآخرة أيضًا ولم يذكر شيئًا من العقوبات الدنيوية.
2- وأما قوله: (قبلهم) و(من قبلهم) فإن (من) تفيد ابتداء الغاية، فتفيد الزمن الذي قبل المعنيين بالضمير مباشرة فما قبله. وأما (قبلهم) فيفيد الزمن القريب والبعيد كما هو معلوم. فقوله: {كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ} فيه تهديد وتوعد أكبر من قوله: (قبلهم) من دون (من)؛ وذلك لأن إهلاك القريب أدعى إلى الموعظة والعبرة من إهلاك البعيد، وهو أشد تأثيرًا في النفوس، فكلما كان الهالك أقرب زمنًا إلى الشخص كان أدعى إلى الموعظة من ذوي الأزمان السحيقة، ولذلك هو يستعمل (من قبلهم) في مواطن التهديد والتوعد الشديد. وإليك بيان ذلك:
قال تعالى: في سورة (يس): {أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ} .
وقال في السجدة: {أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ (26) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ} {السجدة: 26 - 27}.
ولو نظرنا في سياق الآيتين لاتضح لنا أن التهديد في السجدة أكبر وأشد مما في (يس) وذلك من جملة نواح، منها:
1- أنه قال في السجدة: {يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ} أي يمرون عليها ويمشون فيها ويبصرونها، وذلك أدل على التوعد وأدعى للموعظة والعبرة، فإن دخول مساكن المهلكين والمشي فيها يبعث آثارًا عميقة في النفس، والتهديد بأن مصيرهم كمصير أولئك أوضح.
2- قال في السجدة: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ}، ولم يقل مثل ذلك في (يس).
3- أنه عقب بعد ذلك بقوله: {أَفَلَا يَسْمَعُونَ} تقريعًا لهم، أي ألا يسمعون حديثهم وأخبارهم؟
4- ثم قال بعدها: {أَفَلَا يُبْصِرُونَ} زيادة في التقريع.
5- وقد تهددهم وتوعدهم قبل هذه الآية بأن يذيقهم العذاب في الدنيا قبل عذاب الآخرة بقوله: {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} {السجدة: 21}، ولم يقل مثل ذلك في (يس).
6- ذكر من آثار رحمة الله ونعمه عليهم في سورة (يس) من إخراج الحبوب وإنشاء الجنات وتفجير العيون ما لم يذكره في سورة السجدة، فإنه لم يذكر في السجدة إلا إخراج الزرع الذي يأكل منه الأنعام والناس.
فكان المقام والسياق في السجدة يدل على التهديد والتوعد أشد مما هو في سورة (يس)، فجاء بـ (قبلهم) في (يس)، و(من قبلهم) في السجدة.
ونحو ذلك قوله تعالى في سورة (ص): {كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ} {ص: 3}.
وقوله في سورة (ق): {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ} {ق: 36}.
فقال في (ص): {مِنْ قَبْلِهِمْ}، وقال في (ق): {قَبْلَهُمْ} .
ومن النظر في السياق الذي وردت فيه كل من الآيتين يتضح أن التوعد والتهديد في (ص) أشد مما في (ق)، فإنه في (ق) لم يزد على أن قال بعد هذه الآية: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} {ق: 37}، ثم انتقل إلى أمر آخر، ثم إلى الحشر في الآخرة. وأما في (ص) فإن السياق يختلف، فقد ذكر من موجبات توعدهم ما لم يذكره في (ق)، فقد قال بعد هذه الآية: {وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (4) أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (5) وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آَلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (6) مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآَخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ (7) أَؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ} {ص: 4 - 8}.
1- فقد ذكر أنهم قالوا: هذا ساحر كذاب.
2- وتعاهد الملأ على نصرة الآلهة وتواصوا بذلك.
3- وقالوا إن ما أتى به الرسول إنما هو اختلاق وكذب.
4- وعجبوا كيف ينزل عليه الذكر من بينهم.
في حين لم يزد في (ق) على أن قال: {بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ} {ق: 2}، واستبعدوا البعث بقولهم: {أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ} {ق: 3}، وليس فيها مثل تلك الخصومة والمواجهة.
وعلاوة على ذلك فقد توعدهم بالعذاب بقوله: {بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ} {ص: 8}، أي لم يذوقوه بعد وسيذوقونه.
ثم تهددهم مرة أخرى بقوله: {وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ} {ص: 15}.
فالفرق بين المقامين واضح، فإن موقف الكفار من الرسول في (ص) أشد وكان تهديده وتوعده لهم أشد، فقال في (ص): (من قبلهم)، وقال في (ق): (قبلهم).
فاتضح الفرق بين قوله: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ} و{مِنْ قَبْلِهِمْ} .
وهناك أمر آخر حسن قوله: (قبلهم) في سورة (يس) إضافة إلى ما ذكرناه، وهو أنه قال في ختام الآية: {أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ} وذلك ليدل على أن الأمم لا ترجع إلى الدنيا وإن تطاول عهدها بالفناء وابتعد زمانها، وأن الأمم الهالكة جميعها لا تعود إلى الدنيا، وليس ذلك مختصًا بما زمنه قريب منهم، فإنه لم ترجع أمة أبيدت وأهلكت منذ أول الدنيا إلى الآن، ولن ترجع إليها في المستقبل، وإنما سيجمعها ربها ويرجعها إليه. وهذا أدعى إلى حذف (من) ليشمل جميع الأمم ابتداء من أول الدنيا.
3- وأما تقديم الظرف (قبلهم) على (القرون) أو تأخيره عنها فذلك بحسب القصد، فإنه إذا أراد تهديد المشركين قدم (قبلهم) يقول مثلًا: {أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ} أو {أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ}. وإن لم يرد ذلك قدم القرون على الظرف فيقول مثلًا {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ} {الإسراء: 17}، أو {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا} {يونس: 13}.
فتقديم ما يتعلق بهم وهو الزمن المضاف إليهم يعني تهديدهم، بخلاف تأخيره فإنه لا يفيد ذاك. وكل ما ورد بقصد التهديد تقدم فيه الظرف على القرون نحو قوله: {أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ} {السجدة: 26}، وقوله: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا} {مريم: 74}، وذلك في ثمانية مواطن من القرآن الكريم.
وقدم القرون على الظرف (قبلهم) في موطنين وهما:
قوله تعالى: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ} {الإسراء: 17}.
وقوله: {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا} {يونس: 13}.
أما قوله تعالى: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ} فليس الموطن موطن تهديد لقوم الرسول، وإنما الكلام على من بعد نوح من القرون، قال تعالى: {مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (15) وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (16) وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (17) مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (18) وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (19) كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا} {الإسراء: 15 - 20}.
فليس المقام مقام تهديد لقوم الرسول خاصة.
وأما قوله: {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا} فهو ليس تهديدًا لهم أيضًا، كما أنه ليس السياق والمقام في ذلك. قال تعالى: {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (13) ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} {يونس: 13 - 14}.
ويدل على أن المقام ليس مقام تهديد بالإهلاك قوله تعالى: {ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} فالمقام في جعلهم خلائف من بعدهم لا في إهلاكهم.
فاتضح الفرق.
4- وأما إفراد القرون وجمعها بعد (كم) فإن ذلك إنما يكون لغرض فإنه يفرد إذا كان يريد ذكر صفة القرن المهلك أو حالة من حالاته أو لأي سبب آخر يقتضيه السياق. ويجمع إذا لم يرد ذلك وإنما يريد ذكر المجموع على العموم، أو يريد أن يبين أن هذه القرون المهلكة سيحييها ربها ويجمعها أو لأي سبب آخر يقتضيه السياق.
وإليك إيضاح ذلك:
قال تعالى: {أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آَخَرِينَ} {الأنعام: 6}.
فهو ذكر صفة القرن الذي أهلكه بقوله:
1- مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم.
2- أرسلنا السماء عليهم مدرارًا.
3- وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم.
ثم ذكر بعد ذلك أنه أنشأ بعده قرنًا آخرين، فاهلك قرنًا وأنشأ بعده قرنًا آخر.
فناسب ذلك الإفراد.
وقال: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا} {مريم: 74}.
فوصف القرن المهلك بأنه أحسن أثاثًا وأحسن منظرًا.
وقال في (ق): {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ} {ق: 36}.
فذكر صفة القرن بأنهم أشد بطشًا كم الكفرة في زمن الرسول وأنهم نقبوا في البلاد.
وقال في (ص): {كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ} {ص: 3}، أي فجأروا وصاحوا وصرخوا واستغاثوا.
فذكر حالتهم هذه عند الإهلاك.
وقد تقول: ربما كان هذا شأن المهلكين جميعًا.
فنقول ليسوا كلهم كذلك بدليل قوله تعالى في سورة (يس) في أصحاب القرية: {إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ}.
وقال في آخر سورة مريم: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا} {مريم: 98}.
والسياق يقتضي الإفراد، ذلك أنه قال قبل هذه الآية: {إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (93) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (94) وَكُلُّهُمْ آَتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا} {مريم: 93 - 95}.
فأنت ترى أن السياق في الإفراد، فقد ذكر أنه سبحانه أحصى كل من في السماوات والأرض واحدًا واحدًا وعدهم عدًا، وإن كل واحد منهم سيأتيه يوم القيامة فردًا.
فناسب ذلك الإفراد، فأفرد القرن لذلك، والله أعلم.
في حين قال: {أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ} {يس: 31}.
وقال: {أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ} {السجدة: 26}.
وقال: {أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى} {طه: 128}.
وقال: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا} {الإسراء: 17}.
فذكر القرون على العموم من دون تخصيص قرن منها أو مجموعة منها بأمر معين.
هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى أنه قد يذكر القرون مجموعة في مقام ذكر الآخرة؛ لأنه سيحييها كلها ويجمعها فقال في سورة (يس): {أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ (31) وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ} .
فذكر أنه سيجمعها كلها ويحضرها لديه سبحانه.
وقال في سورة السجدة: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (25) أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ} .
فذكر سبحانه أنه يفصل بينهم يوم القيامة.
وقال في سورة طه: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (126) وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآَيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى (127) أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى}.
فأنت ترى أنه ذكر القرون مجموعة في هذه الآيات في سياق ذكر الآخرة.
أو يكون السياق يقتضي الجمع لأمر آخر وذلك نحو قوله تعالى: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا} .
فأنت ترى أنه ذكر القرون من دون وصف لها، وقد أراد بيان كثرة القرون المهلكة المتطاولة من بعد نوح. ثم إن السياق لم يخل من إشارة إلى الآخرة، فقد جاء بعد هذه الآية: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (18) وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (19) كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (20) انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا} {الإسراء: 18 - 21}.
وقد تقول: إن صيغتي الجمع والإفراد كافيتان في التفريق بينهما ولا حاجة إلى هذه الإطالة.
فنقول: لولا ورودهما بعد (كم) الخبرية لم نكلف أنفسنا بتسويد سطر واحد، ولكن المفرد بعد (كم) الخبرية لا يدل على الواحد، وإنما يدل على الكثرة، فقولك: (كم رجل أكرمت) لا يدل على أنك أكرمت رجلًا واحدًا وإنما يدل على إكرام الكثير، فكان المفرد ههنا دالًا على الجمع فاقتضى التفريق بينهما، والله أعلم.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 146 إلى ص 157.
* * *
{أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ}
والمعنى: ألم يروا لا يرجعون إليهم؟
وقدم الجار والمجرور (إليهم) لإرادة الاختصاص، أي لا يرجعون إليهم بل إلينا، وفيه إلماح إلى الحشر والحياة بعد الموت. وأكد ذلك بالآية بعدها: {وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ} فقد أثبت الحشر ضمنًا بتقديم الجار والمجرور، وصرح بذلك في الآية بعدها. ونفى بـ (لا) دون (لم) للدلالة على أن الرجوع إلى الدنيا مرة ثانية لا يكون أصلًا في زمن المخاطبين ولا في المستقبل، ولو نفاه بـ (لم) لكان نفى الرجوع في الماضي دون المستقبل.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 157 إلى ص 158.
الوقفة كاملة
|
| ٤٩٧ |
{وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (32)}
لما بين أن المهلكين لا رجعة لهم إلى الدنيا ذكر أنهم كلهم راجعون إليه محضرون لديه. وفي الآية تنبيه على أن من أهلكه الله في الدنيا وعاقبة لا يتركه سدى بل سيرجعه إليه ويحاسبه ويعاقبه.
جاء في (التفسير الكبير): "لما بين الإهلاك بين أنه ليس من أهلكه الله تركه، بل بعده جمع وحساب وحبس وعقاب" (1).
و(إن) نافية، و(لما) بمعنى (إلا).
و(كل) مبتدأ، وخبره (جميع)، وليست (جميع) ههنا بمعنى (كل) وإنما معنى (جميع) ههنا (مجموعون) فهي فعيل بمعنى اسم المفعول. والمعنى أن كلهم مجموعون محضرون. و(جميع) قد تكون بمعنى مجموعين، وبمعنى مجتمعين، تقول: قوم جميع أي مجتمعون (2).
وتقول: (الطلاب جميع) أي الطلاب مجتمعون، و(نحن جميع) أي مجتمعون، فهذا كلام تام.
جاء في (الكشاف): "فإن قلت: كيف أخبر عن (كل) بجميع، ومعناهما واحد؟
قلت: ليس بواحد؛ لأن كلًا يفيد معنى الإحاطة وأن لا ينفلت منهم أحد.
والجميع معناه الاجتماع، وأن المحشر يجمعهم، والجميع: فعيل بمعنى مفعول، يقال: حي جميع، وجاءوا جميعًا" (3).
والمقصود بـ (محضرون) أنهم محضرون للحساب، و(لدينا) ظرف قدم على متعلقه (محضرون) لإفادة الحصر، بمعنى أن الإحضار لديه وليس لدى غيره. وهو نظير تقديم الجار والمجرور في قوله: {أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ}.
و{مُحْضَرُونَ} إما خبر ثان أو نعت لـ (جميع) على المعنى، ويصح إفراده حملًا على اللفظ فيقال: (وإن كل لما جميع لدينا محضر) كما قال تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ} {القمر: 44}.
وقد تقول: ولم حمل على المعنى في (يس) وحمل على اللفظ في القمر؟
فنقول: لما ذكر القرون المهلكة الكثيرة في (يس) ناسب أن يجمع فيقول: (محضرون).
أما في سورة القمر فإنهم فريق واحد أو جمع واحد وليس جموعًا كما قال تعالى بعدها: {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} {القمر: 45}، فناسب ذلك الإفراد.
ثم إن الانتصار إنما هو وصف للفريق كله أو للجمع كله وليس لكل فرد. فيقول الفريق المنتصر أو الجيش المنتصر: (نحن انتصرنا) أو (جيشنا انتصر). ولا يقول الجندي: أنا انتصرت. فالنصر وصف للمجموع لا لكل فرد على حدة، فوحد الوصف لأنه وصف للفريق أو للجمع لا لأفراده واحدًا. بخلاف الإحصار للحساب أمام الله فإن كل فرد سيحضر أمام ربه ويمثل للحساب كما قال تعالى: {وَكُلُّهُمْ آَتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا} {مريم: 95}، فناسب الجمع في (يس) من جهة أخرى.
وقد تقول: ولم قال إذن في سورة الشعراء: {وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ} {الشعراء: 56}، فجمع ولم يفرد؟
والجواب: أن ذلك لأكثر من سبب ويدلل عليه السياق، قال تعالى: {فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (53) إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (54) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (55) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ} {الشعراء: 53 - 56}.
فإن فرعون أرسل في المدائن المتعددة أناسًا يحشرون الناس ويجمعونهم يبلغونهم قرار فرعون المذكور، فهم جموع متعددة لا جمع واحد، فناسب الجمع من جهة.
ومن جهة أخرى لم يقل: (وإنا لجميع حاذر) لأنه لم يرد أن يجعل الحذر وصف الفريق على العموم، بل أراد أن يجعله وصفًا لكل فرد، فكل فرد بعينه ينبغي أن يكون حاذرًا، فهو ليس مثل (نحن جميع منتصر) الذي هو وصف الجمع لا وصف الأفراد، فإن هذا وصف كل فرد في المجموع. فناسب الجمع ههنا.
فاتضح أن كل تعبير هو أنسب في مكانه، والله أعلم.
(1) التفسير الكبير 26/64.
(2) انظر لسان العرب (جمع) 9/404.
(3) الكشاف 2/587 وانظر روح المعاني 23/6.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 158 إلى ص 160.
الوقفة كاملة
|
| ٤٩٨ |
{وَآَيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (33) وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (34) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (35) سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ (36)} .
لما ذكر الحشر في الآية السابقة وهي قوله تعالى: {وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ} ذكر الدليل على إمكان وقوعه وعلى أن ذلك بمقدوره سبحانه، فاستدل بإحياء الأرض الميتة وإخراج الحب والجنات فيها فقال: {وَآَيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا} ومعنى الآية العلامة والدليل، فجعل إحياء الأرض الميتة دليلًا على إحياء الموتى في الآخرة.
ولا يقتصر الاستدلال بهذه الآية على إحياء الموتى، وإنما فيها دلائل على أمور أخرى، منها توحيد الله وقدرته البالغة ورحمته، فذكر جملة من نعمة عليهم.
جاء في (التفسير الكبير): "{وَآَيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ} وفيه مسائل:
(المسألة الأولى): ما وجه تعلق هذا بما قبله؟.
نقول: مناسب لما قبله من وجهين:
(أحدهما): أنه لما قال (وإن كل لما جميع) كان ذلك إشارة إلى الحشر، فذكر ما يدل على إمكانه قطعًا لإنكارهم واستبعادهم وإصرارهم وعنادهم، فقال: {وَآَيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا} كذلك نحيي الموتى.
و(ثانيهما): أنه لما ذكر حال المرسلين وإهلاك المكذبين وكان شغلهم التوحيد، ذكر ما يدل عليه، وبدأ بالأرض لكونها مكانهم لا مفارقة لهم عند الحركة والسكون...
وأما بالنسبة إلى التوحيد فلأن فيه تعدد النعم، كأنه يقول: آية لهم الأرض، فإنها مكانهم ومهدهم الذي في تحريكهم وإسكانهم والأمر الضروري الذي عنده وجودهم وإمكانهم، وسواء كانت ميتة أو لم تكن فهي مكان لهم لابد لهم منها فهي نعمة.
ثم إحياؤها بحيث تخضر نعمة ثانية فإنها تصير أحسن وأنزه.
ثم إخراج الحب منها ثالثة فإن قوتهم يصير في مكانهم...
ثم جعل الجنات فيها نعمة رابعة لأن الأرض تنبت الحب في كل سنة، وأما الأشجار بحيث تؤخذها منها الثمار فتكون بعد الحب وجودًا. ثم فجرنا فيها من العيون ليحصل لهم الاعتماد بالحصول، ولو كان ماؤها من السماء لحصل، ولكن لم يعلم أين تغرس وأين يقع المطر وينزل القطر.
وبالنسبة إلى إحياء الموتى كل ذلك مفيد؛ وذلك لأن قوله: {وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا} كالإشارة إلى الأمر الضروري الذي لا بد منه، وقوله: {وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ} كالأمر المحتاج إليه الذي إن لم يكن لا يغن الإنسان عنه لكنه يبقى مختل الحال.
وقوله: {وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ} إشارة إلى الزينة التي إن لم تكن لا تغن الإنسان ولا يبقى في ورطة الحاجة لكنه لا يكون على أحسن ما ينبغي" (1).
لقد قال: {وَآَيَةٌ لَهُمُ} فجعل الآية لهم مع أنها لا تخصم وحدهم بل هي آية لعموم العقلاء من خلق الله؛ وذلك لأنهم ينكرون الحياة بعد الموت، ولأنهم مشركون لا يقرون بالتوحيد، فحاجهم بما يدل على إحياء الموتى وبما يدل على التوحيد.
جاء في (التفسير الكبير): "الأرض آية مطلقًا فلم خصصها بهم حيث قال: {وَآَيَةٌ لَهُمُ} ؟
نقول: الآية تعدد وتسرد لمن لم يعرف الشيء بأبلغ الوجوه، وأما من عرف الشيء بطريق الرؤية لا يذكر له دليل" (2).
والضمير في (لهم) يعود على أهل مكة ومن يجري مجراهم في إنكار الحشر (3).
وقدم (آية) وهي الخبر على المبتدأ وهي الأرض ولم يقل (والأرض الميتة آية لهم) وذلك لأن الكلام على العلامات الدالة على قدرته وليس الكلام على الأرض. وقد ساق الليل والنهار والشمس والقمر دلائل على قدرته وليس لذاتها ولذا قال: {وَآَيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ ... وَآَيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ ... وَآَيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ }.
ثم إنه قدم الآية على الجار والمجرور فقال: {وَآَيَةٌ لَهُمُ} للدلالة على أنها آية لهم ولكنها لا تخصهم وحدهم، ولو قدم الجار والمجرور فقال: (ولهم الأرض الميتة آية) لكان ذلك يعني تخصيص الآية بأنها لهم دون غيرهم، في حين أنها آية للجميع وليست آية خاصة بهم. فالتقديم في نحو هذا أكثر ما يفيد التخصيص وذلك نحو قوله تعالى: {هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آَيَةً} {الأعراف: 73}، فقدم (لكم) على (آية) لأنها آية خاصة بهم دون غيرهم.
ونحوه قوله: {رَبِّ اجْعَلْ لِي آَيَةً} {آل عمران: 41}، فقدم الجار والمجرور لأنه طلب آية خاصة دون غيره.
وبدأ بذكر الأرض لأنها مسكنهم ومستقرهم (4).
(1) التفسير الكبير 26/65 – 66.
(2) التفسير الكبير 26/65.
(3) البحر المحيط 7/334، روح المعاني 23/6.
(4) انظر البحر المحيط 7/334.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 161 إلى ص 164.
* * *
{وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ}
بدأ بالحب لأنه طعام الإنسان وقوته وهو أهم ما يأكله البشر، وهم من دونه جياع، وإذا فقد الحب هلك الناس.
وقدم الجار والمجرور (منه) على الفعل (يأكلون) لأهميته، لبيان أن البشر إنما يأكلون منه، ولا يكون قوت من دون الحب، وهو من أجل النعم، وكأن الأكل لا يكون إلا منه.
جاء في (الكشاف): "{فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ} بتقديم الظرف للدلالة على أن الحب هو الشيء الذي يتعلق به معظم العيش ويقوم بالارتزاق منه صلاح الإنس، وإذا قل جاء القحط ووضع الضر، وإذا فقد جاء الهلاك ونزل البلاء" (1).
وجاء في (روح المعاني): "(فمنه) أي من الحب بعد إخراجنا إياه، والفاء داخلة على المسبب، و(من) ابتدائية، أو تبعيضية، والجاء والمجرور متعلق بقوله تعالى: (يأكلون) والتقديم للدلالة على أن الحب معظم ما يؤكل ويعاش به لما في ذلك من إبهام الحصر للاهتمام به حتى كأنه لا مأكول غيره" (2).
(1) الكشاف 2/587.
(2) روح المعاني 23/7.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 164 إلى ص 164.
الوقفة كاملة
|
| ٤٩٩ |
{وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (34) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (35)}
بعد أن ذكر الحب – وهو الأهم - ذكر الجنات من النخيل والأعناب، وهما دون الحب بالنسبة إلى طعام الناس.
والمقصود بالنخيل والأعناب هما الشجر وليس الثمر، ولذلك قال فيما بعد: {لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ} ولم يقل: (ليأكلوا منه). ثم إن قوله: (جنات) يدل على ذلك أيضًا.
وقدم شجرة النخيل على العنب لأنها أفضل منها، فإن فوائد النخلة كثيرة ولا يخلو أي جزء منها من فائدة. ولا تقاس شجرة العنب بالنخلة من حيث الفائدة، فشجر العنب ضئيلة الفائدة بخلاف ثمرها.
جاء في (التفسير الكبير): "في المواضع التي ذكر الله الفواكه لم يذكر التمر {بل ذكره} (1) بلفظ شجرته وهي النخلة، ولم يذكر العنب بلفظ شجرته بل ذكره بلفظ العنب والأعناب، ولم يذكر الكرم؛ وذلك لأن العنب شجرته بالنسبة إلى ثمرته حقيرة قليلة الفائدة، والنخل بالنسبة إلى ثمرته عظيمة جليلة القرد كثيرة الجدوى. فإن كثيرًا من الظروف منها يتخذ وبلحائها ينتفع ولها شبه بالحيوان فاختار منها ما هو الأعجب منها" (2).
وقد تقول: ولكنه قدم العب على النخل في موطن آخر من القرآن الكريم وهو قوله تعالى: {فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (25) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (26) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (27) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (28) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (29) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (30) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا} {عبس: 24 - 31}.
فنقول: لما يتقدم العنب على النخل في القرآن إلا في موطنين:أحدهما: في آيات عبس هذه.
والموطن الآخر: في سورة الرعد وهو قوله تعالى: {وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ} {الرعد: 4}.
أما آيات عبس فإنه ذكر فيها الأطعمة، فقد قال: {فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ} ، ثم ذكر عددًا منها فذكر الحب والعنب والزينون. أما النخل فإنه ليس بطعام وإنما هو اسم للشجرة التي تحمل التمر، في حين أن المذكور قبلها هو الثمر. فكل من العنب والزيتون ثمر، والحب طعام، أما النخل فهو شجر، فلما قال: {فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ} قدم الأطعمة وأخر الشجر، ولذا جعل النخل بجنب الحدائق فقال: {وَنَخْلًا (29) وَحَدَائِقَ غُلْبًا}.
هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى أنه رتب المذكورات بحسب الكثرة، فالحب أكثر المذكورات وجودًا وإنتاجًا في العالم، ثم العنب وهو أقل من الحب وأكثر من الزيتون. إن العنب ينبت في أجواء متباينة تباينًا كبيرًا وإنتاجه في العالم أضعاف إنتاج الزيتون.
ثم ذكر الزيتون وهو أقل من العنب.
ثم النخل وهو أقل، وإنتاجه في العالم أقل بكثير من الزيتون، وهو لا يثمر إلا في أجواء خاصة وليس منتشرًا في الأرض انتشار الزيتون.
فرتب الأطعمة بحسب كثرتها في العالم.
أما آية الرعد فإنه ذكر فيها المتجاور من النبات واختلافه في الأكل، فبدأ بجنات الأعناب ثم انتهى إلى أقرب المتجاور وهو النخل الصنوان الذي أصله واحد وهو أقرب من كل متجاورين.
فبدأ بجنات الأعناب وهو قطع متجاورة من البساتين، ثم ذكر ما هو أقرب تجاورًا وهو الزرع في الحقل الواحد أو الحقول المتقاربة.
والزرع أقرب إلى بعضه من أشجار العنب، فإنه إذا كان في حقل واحد فهو أقرب إلى بعضه من الجنات المتعددة وإن كانت متجاورة. ثم إن نبتة الزرع أقرب إلى أختها من أشجار الكرم، إذ إن أشجار الفاكهة ينبغي أن تتباعد عن بعضها ليكثر ثمرها ويحسن، والزرع لا يحتاج إلى مثل ما يحتاج إليه الشجر من المسافات.
ثم انتهى إلى النخل الصنوان وغيره، وهو أقرب من كل شيء، إذ الصنوان: هو النخل الذي يخرج من أصل واحد، وهي الفسائل المتعددة التي تخرج من أصل النخلة، وهذه أقرب من كل شيء إلى بعضها، فهي أقرب المذكورات تجاورًا.
فرتبها بحسب التجاور، فبدأ بالجنات وانتهى إلى الأشجار التي تخرج من أصل واحد وهي الفسائل التي تخرج من نخلة واحدة.
فكان التقديم بحسب ما يقتضيه السياق.
وقال في الحب: {فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ} وقال في الثمر: {لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ} بذكر لام التعليل؛ ذلك أن الناس يأكلون من الحب على الدوام وهم مستمرون على ذلك. أما الفاكهة فليست كذلك فهم لا يأكلون منها على الدوام وإنما يأكلونها في أوانها. ثم إن كثيرًا من الناس ليس بوسعهم أن يأكلوا الفاكهة إلا في أوقات متباعدة. ففرق بين ما هم مستمرون على أكله وما ليس كذلك.
وهناك سؤال وهو أنه لماذا ذكر الأكل بعد ذكر الحب مباشرة فقال: {وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ}، وأخر الأكل عن الثمار إلى ما بعد ذكر تفجير العيون ولم يجعلها بعد ذكر الجنات مباشرة فقال: {وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (34) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ} ؟
قيل: إن سبب ذلك أن الحب لا يحتاج إلى العيون والأنهار الجارية، وإنما قد يكفيه ماء السحاب، بخلاف الجنات فإنها تحتاج إلى ماء مستديم لسقيها، وذلك يكون من العيون والآبار والأنهار، فحاجة الجنات إلى العيون والماء المستديم أكثر من حاجة الحب، فالعيون أو ما قام مقامها هو الشرط الأول لقيام الجنات، وهو مبدأ قيامها.
جاء في (التفسير الكبير): "لم أخر التنبيه على الانتفاع بقوله: (ليأكلوا) عن ذكر الثمار حتى قال: {وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ} وقال في الحب: {فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ} عقب ذكر الحب، ولم يقل عقب ذكر النخيل والأعناب ليأكلوا؟.
نقول: الحب قوت وهو يتم وجوده بمياه الأمطار، ولهذا يرى أكثر البلاد لا يكون بها شيء من الأشجار والزرع والحراثة لا تبطل هناك اعتمادًا على ماء السماء، وهذا لطف من الله حيث جعل ما يحتاج إليه الإنسان أعم وجودًا.
وأما الثمار فلا تتم إلا بالأنهار ولا تصير الأشجار حاملة للثمار إلا بعد وجود الأنهار فلهذا أخر" (3).
وقد تقول: ولم أخر ذكر تفجير العيون عن ذكر الحب والفاكهة مع أن الماء سابق لهما وهو شرط لوجودهما؟
والجواب أن ذلك لأكثر من سبب:
1- منها أنه قدم المطعوم على المشروب، وذلك لأن الطعام أهم والحصول عليه أعسر، والناس يجهدون للحصول عليه، بخلاف الشرب فإن الحصول عليه أيسر، فقدم الطعام على المشروب.
وتقديم الطعام على المشروب هو الشائع في القرآن الكريم، فهو يقدم الطعام على الشراب إذا اجتمعا، قال تعالى: {كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ} {البقرة: 60}، وقال: {وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ} {الشعراء: 79}، وقال: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (63) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ} {الواقعة: 63 - 64}، ثم قال بعدها: {أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ} {الواقعة: 68}، وكذلك ههنا.
2- ومنها أن السياق في إحياء الموتى، فذكر الأرض الميتة وإحياءها وإخراج الحب والجنات منها دليلًا على ذلك، فقدم ما فيه آية عليه. فإحياء الأرض وإخراج الحب والجنات أدل على ذلك من تفجير العيون.
3- أنه ذكر الأكل ولم يذكر الشرب، فقد قال في الحب: {فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ} ، وقال في الجنات: {لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ}، ولم يقل في العيون: (ليشربوا منها) فلذلك قدم ما يؤكل وأخر ما لم يجر له ذكر، هذا إضافة إلى أنه ذكر تفجير العيون لغرض الأكل وهو إحياء الأرض وإنشاء الجنات وليس للشرب، فقدم ما عليه مدار الكلام والسياق.
4- أنه قال: {وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ}، والضمير في (فيها) يعود إما على الجنات أو يعود على الأرض.
فإن عاد على الجنات أي: (وفجرنا في الجنات من العيون) كانت العيون متأخرة عن الجنات في الوجود لأن التفجير كام في الجنات فتكون الجنات سابقة لها، وعلى هذا تكون العيون متأخرة عنها في الوجود، فناسب تأخيرها وتقديم ما قدم لسبقه.
وإن كان الضمير يعود على الأرض لا على الجنات أي: (وفجرنا في الأرض من العيون) فالتفجير لا علاقة له بجنات النخيل والأعناب؛ لأن التفجير سيكون في الجنات وغيرها، وقد يكون سابقًا للجنات أو متأخرًا عنها.
5- إن الماء هو السبب الأول لإخراج الحب والجنات وليست العيون، فإن المهم هو توفر الماء لإنبات الزرع وإخراج الحب والجنات، سواء كان ذلك عن طريق العيون أم عن غيرها. وإن أكثر الجنات في الأرض ليس فيها عيون ماء وإنما تسقى بالماء. أما تفجير العيون فيها فللزيادة في النعمة، ولذا فالعيون لا ترتبط بالجنات. فقد تكون في الجنات عيون ماء وقد لا تكون. وقد تتفجر عين في جنة من الجنات بعد مدة غير قليلة من وجودها فيكون ذلك زيادة في الخير، كما قال تعالى: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (32) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آَتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا (33) وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ } {الكهف: 32 - 34}. فذكر الجنتين وأن كلًا منهما آتت أكلها ولم تظلم منه شيئًا، ثم قال: {وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا}، مما يدل على أن التفجير كان في زمن متأخر زيادة في الاختبار والابتلاء، إذ التفجير كان خلال الجنتين.
فلا ارتباط مكانيًا أو زمانيًا لازم بين الجنات والعيون، إذ قد تكون جنات وليس فيها عيون ماء، وقد تكون عيون وليس ثمة جنات.
ثم إن الجنات أهم وأفضل من عيون الماء؛ لأنه بها غذاء الناس وطعامهم، أما الماء فمقدور عليه الغالب.
إن الشائع في التعبير القرآني أنه إذا اجتمعت الجنات والعيون قدم الجنات على العيون، قال تعالى: {أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آَمِنِينَ (146) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} {الشعراء: 146 - 147}.
وقال: {فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} {الشعراء: 57}.
وقال: {كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} {الدخان: 25}.
وقال: {أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (133) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} {الشعراء: 133 - 134}.
وقال: {وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا} {نوح: 12}.
غير أنه يقدم الماء إذا أراد أن يبين أنه سبب الإنبات كما قال تعالى: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ (18) فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} {المؤمنون: 18 - 19}.
وقال: {وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ} {ق: 9}.
وقال: {وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ} {الأنعام: 99}.
وقال: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (14) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (15) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا} {النبأ: 14 - 16}.
وغير ذلك.
فحسن تقديم ما قدم من الحب والجنات من كل وجه، والله أعلم.
ثم لننظر من ناحية أخرى أنه قال: {وَفَجَّرْنَا فِيهَا} بتضعيف العين للدلالة على الكثرة، فإن (فعل) المضعف العين يفيد التكثير والمبالغة، أما الفعل الثلاثي فلا يفيد التكثير، قال تعالى: {وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (90) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا} {الإسراء: 90 - 91}،
فقال: (تفجر) بالتخفيف؛ لأنه ينبوع واحد. في حين قال: (فتفجر الأنهار) بالتضعيف لأنه ذكر أنهارًا لا ينبوعًا.
وقال تعالى: {وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ} {القمر: 12} وذلك أنه جعل الأرض عيونًا ناكلها.
وقد تقول: ولكنه قال: {وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا} {الكهف: 33} بالتشديد.
فنقول: إن ذلك يدل على كثرة الماء في هذا النهر وغزارته مما يدل على كثرة التفجير.
(1) زيادة يقتضيها السياق.
(2) التفسير الكبير 26/67.
(3) التفسير الكبير 26/67 وانظر روح المعاني 23/7 – 8.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 165 إلى ص 172.
* * *
{وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ}
تحتمل أن تكون (ما) نافية، أي أن الثمر لم تعمله أيديهم وإنما هو من فعل الله كقوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ} {يس: 71}، فالثمر لم تعمله أيدي الناس وإنما عملته يد القدرة الإلهية.
وتحتمل أن تكون اسمًا موصولًا أيضًا، والمعنى: (ليأكلوا من ثمرة ومن الذي عملته أيديهم).
والموصولة تكون على أكثر من معنى.
من ذلك أن المعنى: ليأكلوا من ثمره ومما يعلمون من الثمار من الشراب والدبس وغيرهما مما يعمله الناس من الثمار.
وقيل: إن المعنى على الموصولة: ليأكلوا مما عملته أيديهم من الغرس والسقي والكد والقيام على أمرها حتى تنضج.
وقيل: إن المعنى يحتمل أيضًا أن يذكرنا أن الثمر على نوعين:
قسم لا يدخل فيه عمل الإنسان وإنما يخرجه الله دون أن تعمل فيه يد الإنسان.
وقسم يتعب فيه الإنسان ويكد من غرس وتعهد وتأبير وما إلى ذلك فتعمل فيه يد الإنسان.
فذكر هنا نوعي الثمر: ما لم تعمل أيديهم وما عملته أيديهم.
والوجه الأول أقوى في معنى الموصولة.
ويترجح عندي معنى النفي، وكلاهما محتمل.
جاء في (الكشاف): "{لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ} والضمير لله تعالى، والمعنى: ليأكلوا مما خلقه الله من الثمر، ومما (عملته أيديهم) من الغرس والسقي والآبار وغير ذلك من الأعمال إلى أن بلغ الثمر منتهاه وإبان أكله. يعني أن الثمر في نفسه فعل الله وخلقه، وفيه آثار من كد بني آدم. وأصله (من ثمرنا) كما قال: وجعلنا، وفجرنا، فنقل الكلام من التكلم إلى الغيبة على طريقة الالتفات. ويجوز أن يرجع إلى النخيل وتترك الأعناب غير مرجوع إليها؛ لأنه علم أنها في حكم النخيل فيما علق به من أكل ثمره.
ويجوز أن يراد من ثمر المذكورات وهو الجنات...
ولك أن تجعل (ما) نافية على أن الثمر خلق الله ولم تعمله أيدي الناس ولا يقدرون عليه" (1).
وجاء في (التفسير الكبير): "(ما) في قوله: { وَمَا عَمِلَتْهُ} من أي الماءات هي؟
نقول: فيها وجوه:
(أحدها) نافية، كأنه قال: وما عملت التفجير أيديهم بل الله فجر.
و(ثانيها) موصولة بمعنى (الذي) كأنه قال: والذي عملته أيديهم من الغراس بعد التفجير يأكلون منه أيضًا ويأكلون من ثمر الله الذي أجرجه من غير سعي من الناس...
(المسألة الرابعة): على قولنا (ما) موصولة، يحتمل أن تكون بمعنى: وما عملته - أي بالتجارة - كأنه ذكر نوعي ما يأكل الإنسان بهما، وهما الزراعة والتجارة. ومن النبات ما يؤكل من غير عمل الأيدي كالعنب والتمر وغيرهما، ومنه ما يعمل فيه عمل صنعة فيؤكل كالأشياء التي لا تؤكل إلا مطبوخة، وكالزيتون الذي لا يؤكل إلا بعد إصلاح" (2).
وجاء في (روح المعاني): "{ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ}: (ما) موصولة في محل جر عطف على (ثمره)... أي وليأكلوا من الذي عملوه أو صنعوه، والمراد به ما يتخذ من الثمر كالعصير والدبس وغيرهما...
وقيل: (ما) نافية وضمير (عملته) راجع إلى الثمر" (3).
{أَفَلَا يَشْكُرُونَ}
أي ألا يستدعي ذلك شكر المنعم الذي أمدهم بهذه النعم الجليلة؟
قال ذلك بصيغة الاستفهام، ولم يقل: (فليشكروا لي) بصيغة الأمر وذلك لأنه أراد أن يقول لهم: ألا يستوجب ذلك شكر ربهم؟
وهو عرض لطلب الشكر مع إنكار لعدم الشكر، وفيه بيان أن عدم شكر المنعم قبيح، وجاء بالفاء الدالة على السبب؛ لأن ما ذكر من النعم السابقة من الدواعي الموجبة للشكر، فالنعم سبب للشكر ومدعاة إليه.
جاء في (روح المعاني): "{أَفَلَا يَشْكُرُونَ} إنكار واستقباح لعدم شكرهم للمنعم بالنعم المعدودة بالتوحيد والعبادة. والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام، أي: أيرون هذه النعم أو أينتعمون بها فلا يشكرون المنعم بها" (4).
وقد تقول: لقد قال في موطن آخر: {أَفَلَا يَشْكُرُونَ} {الواقعة: 70}، فجاء بـ (لولا) الدالة على التحضيض وهو الطلب بحث وشدة، وهنا جاء بما يفيد العرض مع استثارة النفوس لشكر المنعم فما الفرق؟
فنقول: إن السياق في سورة (يس) هو تعداد النعم وذكر الآيات والدلائل ومظاهر الرحمة بهم.
أما في الواقعة فهو في مقام التحذير والتوعد والتهديد بالعقوبة وزوال النعمة، قال تعالى: {نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (60) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ (61) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ (62) أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (63) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (64) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (65) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (66) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (67) أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (68) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (69) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ} {الواقعة: 60 - 70}.
فناسب هذا التهديد والتحذير الحض على الشكر والحث عليه.
فاتضح الفرق.
ثم من الملاحظ أنه أطلق الشكر ولم يفيده، فإن الشكر قد يكون للنعمة وقد يكون للمنعم، قال تعالى: {وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} {النحل: 114}، وقال: {رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ} {النمل: 19}.
فهذا من شكر النعم.
وقد يكون الشكر للمنعم، قال تعالى: {وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} {البقرة: 172}.
وقال: {كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ} {سبأ: 15}.
وهنا أطلق الشكر ليتناول شكر النعمة وموليها.
(1) الكشاف 2/587.
(2) التفسير الكبير 26/68.
(3) روح المعاني 23/8.
(4) روح المعاني 23/9.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 172 إلى ص 176.
الوقفة كاملة
|
| ٥٠٠ |
{وَآَيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (37)}
بعد أن ذكر الأرض واستدل بأحوالها على التوحيد والحشر استدل بالليل والنهار على ذلك فكان استدلاله بالمكان والزمان، فالمكان هو الأرض التي يعيشون عليها، والزمان هو الليل والنهار اللذان يتعاقبان عليهم.
جاء في (التفسير الكبير): " لما استدل الله بأحوال الأرض وهي المكان الكلي استدل بالليل والنهار وهو الزمان الكلي، فإن دلالة المكان والزمان مناسبة، لأن المكان لا تستغني عنه الجواهر، والزمان لا تستغنى عنه الأعراض؛ لأن كل عرض فهو في زمان" (1).
وقد تقول: لقد قدم الاستدلال بالأرض على الاستدلال باليل والنهار، وفي موطن آخر قدم الليل والنهار على الأرض، فقد قال في سورة (فصلت) {وَمِنْ آَيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (37) فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ (38) وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} {فصلت: 37 - 39}.
فما السبب؟
والجواب: أن السياق في سورة (يس) هو الاستدلال على الحشر، وقد وقعت الآية بعد قوله: {وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ}. والاستدلال بإحياء الأرض الميتة أدل على ذلك من الاستدلال باليل والنهار وإن كان فيهما استدلال من طريق آخر.
أما الكلام في سورة (فصلت) فهو في توحيد الله وإفراده بالعبادة والنهي عن عبادة غيره، وقد كان قسم المشركين يعبدون الشمس والقمر ويسجدون لهما فقال: {لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ} ، فكان تقديم الليل والنهار وآيتيهما اللتين يسجد لهما طائفة من الناس أولى. بل إن السياق إنما هو في عبادة الله وتوحيده، فإنه بعد أن نهى عن السجود للشمس والقمر وعبادتهما ذكر أن الذين عند ربك يعبدون الله ويسبحونه بالليل والنهار. بل إن الأرض التي يعيشون عليها إنما هي خاضعة خاشعة لرب العالمين. واستعمال الخشوع أنسب شيء في هذا المقام العبادة (2).
فكان كل تعبير مناسبًا لمكانه الذي ورد فيه.
جاء في (التفسير الكبير): أن المقصود في سورة (فصلت): "إثبات الوحدانية بدليل قوله تعالى: {لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ} ثم الحشر بدليل قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى} {فصلت: 39}، وههنا المقصود أولًا إثبات الحشر؛ لأن السورة فيها ذكر الحشر أكثر يدل عليه النظر في السورة. وهناك ذكر التوحيد أكثر بدليل قوله تعالى: {قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ} {فصلت: 9} إلى غيره، وآخر السورتين يبين الأمر" (3).
والليل والنهار آية دالة على الموت والنشور، فإن الليل كالموت، والنهار كالحياة، والناس في الليل أموات ينشرهم ربهم في النهار كما أخبر سبحانه بقوله: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا} {الفرقان: 47}.
فكان ذلك مناسبًا للسياق من وجهة ثانية.
جاء في (التفسير الكبير): "لو قال قائل: إذا كان المراد منه الاستدلال بالزمان، فلم اختار الليل حيث قال: {وَآَيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ}؟
نقول: لما استدل بالمكان الذي هو المظلم وهو الأرض وقال:
{وَآَيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ} استدل بالزمان الذي فيه الظلمة وهو الليل.
ووجه آخر: وهو أن الليل فيه سكون الناس وهدوء الأصوات، وفيه النون – وهو كالموت – ويكون بعده طلوع الشمس كالنفخ في الصور فيتحرك الناس، فذكر الموت كما قال في الأرض: {وَآَيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ} فذكر من الزمانين أشبههما بالموت، كما ذكر من المكانين أشبههما بالموت" (4).
ومعنى {نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ} نزيله منه، من (سلخ جلد الشاة) إذا كشطه عنها وأزاله (5).
ومعنى (مظلمون) داخلون في الظلام (6)، كما يقال: أصبحنا: أي دخلنا في الصباح، وأعتمنا: أي دخلنا في العتمة، والمعنى أن الليل نزيل عنه النهار فيكون الناس في ظلام.
ويفيد هذا التعبير أن الليل مغطى بالنهار، ذلك أنه جعل الليل كالشاة ونحوها، والنهار كالجلد الذي يغطيها ويعلوها، فيسلخ منه النهار كما يسلخ الجلد فيكون تحته الليل، فجعل الليل أصلًا والنهار غلافًا له أو جلدًا.
وقد فهم المفسرون ذلك فقالوا: إنه جعل الليل أصلًا.
جاء في (البحر المحيط): "واستدل قوم بهذا على أن الليل أصل، والنهار فرع طارئ عليه" (7).
وجاء في (روح المعاني): "وفي الآية على ما قال غير واحد دلالة على أن الأصل الظلمة، والنور طارئ عليها يسترها بضوئه" (8).
والأمر كذلك فإن النهار إنما يأتي بسب الشمس، فإن ضوء الشمس يعلو الأرض ويغطيها فيكون النهار، فهو يأني من فوق فإذا زالت الشمس وذهب ضوؤها ظهر الأصل وهي الظلمة، فالظلمة هي الأصل والنهار طارئ.
ولم يقل: (وآية لهم النهار نسلخ منه الليل فإذا هم مبصرون)، أو فإذا هم (منهرون) أي داخلون في النهار؛ لأن ذلك لا يصح؛ لأن معنى ذلك أن الليل يأتي من فوق ويغطي النور، فإذا زال الليل ظهر النور الذي تحته وهو ضوء الأرض، وهذا لا يصح لأن الأرض مظلمة وليست مضيئة.
ثم من المعلوم أن الضوء هو الذي يزيل الظلمة، وليست الظلمة هي التي تزيل النور وتمحوه، ولو قال: (وآية لهم النهار نسلخ منه الليل فإذا هم مبصرون) لكان يعني أن الظلمة تزيل النور، ولا يصح ذلك.
وقال: (نسلخ) بإسناد الفعل إلى نفسه، ولم يقل (ينسلخ) ليدل على أن ذلك يجري بفعل الله وقدرته ولم يحصل من نفسه من دون تدبير مدبر ولا فعل فاعل، فيكون ذلك آية على توحيد الله وقدرته.
وقال: {فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ} ولم يقل: (فإذا الأرض مظلمة) ليبين أثر ذلك فيهم وفي حياتهم، فإنهم هم الذين يدخلون في الظلام بعد النهار فيكون ذلك آية لهم، وليبين أثر النعمة عليهم في الضياء والإظلام، فذكر نعمتي الضياء والإظلام عليهم، والنعمة إنم تكون بتعاقبهما لا أن يكون واحد منها سرمدًا إلى يوم القيامة. كما قال تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (71) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} {القصص: 71 - 72}.
وجاء بــ (إذا) التي تفيد المفاجأة للدلالة على سرعة التغير.
جاء في (التفسير الكبير): " فإن قيل: فالليل في نفسة آية، فأية حاجة إلى قوله: {نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ} ؟
نقول: الشيء تتبين بضده منافعه ومحاسنه، ولهذا لم يجعل الله الليل وحدة آية في موضع من المواضع إلا وذكر آية النهار معها.
وقوله: {فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ} أي داخلون في الظلام، و(إذا) للمفاجأة، أي ليس بيدهم بعد ذلك أمر ولا بد لهم من الدخول فيه" (9).
(1) التفسير الكبير 26/69.
(2) انظر في ظلال القرآن 5/3125.
(3) التفسير الكبير 26/70.
(4) التفسير الكبير 26/70.
(5) الكشاف 2/587.
(6) الكشاف 2/587.
(7) البحر المحيط 7/336.
(8) روح المعاني 23/11، وانظر فتح القدير 4/358.
(9) التفسير الكبير 26/70.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 176 إلى ص 181.
الوقفة كاملة
|