تفسير و تدارس

٣٨١١ خواطر الشيخ الشعراوى سورة هود الوقفة كاملة
٣٨١٢ خواطر الشعراوى , سورة التوبة الوقفة كاملة
٣٨١٣ خواطر الشيخ الشعراوى سورة هود الوقفة كاملة
٣٨١٤ خواطر الشعراوى , سورة التوبة الوقفة كاملة
٣٨١٥ برنامج محاسن التأويل الوقفة كاملة
٣٨١٦ خواطر الشعراوى , سورة التوبة الوقفة كاملة
٣٨١٧ خواطر الشعراوى , سورة التوبة الوقفة كاملة
٣٨١٨ خواطر الشيخ الشعراوى سورة هود الوقفة كاملة
٣٨١٩ خواطر الشيخ الشعراوي سورة هود الوقفة كاملة
٣٨٢٠ خواطر الشعراوى , سورة التوبة الوقفة كاملة

أسرار بلاغية

٣٨١١ {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ} [هود: 75]. الحليم : الذي لا يعجل في الانتقام ممن أساء إليه. والأواه: الكثير الحزن، وقيل: الرحيم الرقيق المتضرع، والكثير التأوه من الذنوب والتأسف على الناس. والمنيب: الراجع إلى الله تعالى (1). "وهذه الصفات دالة على رقة القلب والرأفة والرحمة، فبّين أن ذلك مما حمله على المجادلة فيهم رجاء أن يرفع عنهم العذاب ويمهلوا لعلهم يحدثون التوبة والإنابة كما حمله على الاستغفار لأبيه" (2). وجاء في (روح المعاني): "والمقصود من وصفه عليه السلام بهذه الصفات المنبئة عن الشفقة ورقة القلب بيان ما حمله على ما صدر عنه من المجادلة، وحمل الحلم على عدم العجلة والتأني في الشيء مطلقًا. وجعل المقصود من الوصف بتلك الصفات بيان ما حمله على المجادلة وإيقاعها بعد أن تحقق ذهاب الروع ومجيء البشري لا يخفى حاله" (3). وقدم الحليم لأن المقام مقام غضب وعقوبة وانتقام، والحلم يقتضي عدم التعجيل بالعقوبة والانتقام. وهذه صفة تتعلق بالموقف من الآخرين. ثم جاء بالأواه بعده لمقام التأسف على ما صدر من قوم لوط، والتأوه من ذنوبهم التي أفضت إلى غضب الله عليهم والانتقام منهم. وقد دعته رحمته بهم وتأوهه عليهم إلى المجادلة في أمرهم. والأواه صفة تتعلق بالفرد وبالآخرين، فهو كثير التأوه إذا أذنب، وكثير التضرع والحزن، وكثير التأسف على الآخرين إذا أذنبوا، والرحمة بهم. وأما المنيب فهو الراجع إلى الله، وهذا أمر يتعلق بالفرد ذاته. فقدم ما يتعلق بالآخرين لأن المقام يقتضي ذلك وهو الحلم، ثم ذكر بعده ما يتعلق به وبالآخرين، ثم ذكر بعده ما يتعلق به هو. ولم يرد في القرآن الكريم وصف نبي من الأنبياء بهذه الصفات في غير خليل الله إبراهيم عليه السلام. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثالث من ص 279 إلى ص 281. (1) انظر روح المعاني 12/104. (2) الكشاف 2/107. (3) روح المعاني 12/104. الوقفة كاملة
٣٨١٢ {يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آَتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ} [هود: 76]. {يَا إِبْرَاهِيمُ} نداء على تقدير القول، أي قلنا أو قالت الملائكة (1). ولم يقل: قلنا أو نحو ذلك، وإنما حذف ذلك لنكون كأننا نسمع النداء يصدر إلى إبراهيم وأمره بالكف عن الجدال. وتقدير (قلنا) مناسب لقوله: (يجادلنا). وتقدير (قالت الملائكة) مناسب لقولهم: {إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ} وحذف القول ليحتمل الأمرين المناسبين للسياق. {إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ} بإدخال (إن) المؤكدة على ضمير الشأن لتفخيم الأمر وتعظيمه. فلم يقل: (إن أمر ربك قد جاء) بل جاء بضمير الشأن الدال على التعظيم والتفخيم. {قَدْ جَاءَ} جاء بـ (قد) التي تدل على التحقيق والتوقع والتقريب، أي إن مجيء الأمر قد تحقق وقرب وقوع العذاب، وهو متوقع وقوعه على هؤلاء القوم المجرمين. {وَإِنَّهُمْ آَتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ} أي غير مردود "بجدال ولا بدعاء ولا بغيرهما" (2). وجاء باسم الفاعل (آتيهم)، وباسم المفعول (غير مردود) للدلالة على ثبوت الأمر واستقراره، ولم يقل: (يأتيهم) ولا (لا يردّ) الدالين على الحدوث، بل جاء بما يدل على الثبوت والاستقرار. فانظر كيف جاءت الآية بكل ما يدل على التأكيد والتفخيم والتعظيم: 1- فقد قال: {يَا إِبْرَاهِيمُ} فحذف فعل القول للإيجاز وكأن النداء صدر من العلي الأعلى بالكف. ۲- وقال: {أَعْرِضْ عَنْ هَذَا} فأمره بالكف عن الكلام في هذا الأمر، ولم يقل: (كف عن هذا) وذلك لأن الإعراض أبعد في الكف، فإن معنى (أعرض عنه) صدّ عنه وولى عنه وليس مجرد ترك الكلام. فكأنه أراد أن يصد عن الكلام والانصراف عنه، وهو أبعد من مجرد السكوت عن الكلام. 3- وجاء بـ (إن) المؤكدة فقال: (إنه). 4- وأدخلها على ضمير الشأن الدال على التفخيم والتعظيم. 5- وجاء بـ (قد) التي تدل على التحقيق والتوقع والتقريب. 6- وأدخلها على الفعل (جاء) ولم يأت بالفعل (أتى) وذلك للدلالة على شدة الأمر وصعوبته، فإن (جاء) يستعمل في القرآن لما هو أعسر وأصعب من (أتى) الذي هو المجيء بسهولة (3). 7- وجاء بـ (الأمر) الذي يدل على الشأن، ويدل على الأمر واحد الأوامر من: أمره بالشيء. 8- وأضافه إلى (الرب) لتعظيمه، والرب هو المعلم والمربي والموجه والمرشد، فهو الذي يعلم أحاسن الأمور وأحكمها وكيف يعاقب من خالف أوامره وتوجيهه وإرشاده. 9- وأضافه إلى ضمير الخطاب، فهو ربك الذي رباك وأحسن إليك وعلمك وأرشدك فلا تجادله فهو أعلم منك. والإنسان لا يحسن به أن يجادل من علمه ورباه في أمر هو من أمور التعليم والتوجيه وما هو من شؤون الرب. 10- وقال: {وَإِنَّهُمْ} فجاء بـ (إن) المؤكدة وأدخلها على ضميرهم وهم قوم لوط. 11- وقال: {آَتِيهِمْ عَذَابٌ} فجاء باسم الفاعل الدال على الثبوت. وهذا التعبير أعني {وَإِنَّهُمْ آَتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ} يحتمل دلالتين. الأولى: أن (آتيهم) خبر مقدم، و(عذاب) فاعل اسم الفاعل، وجاء باسم الفاعل للدلالة على الثبوت، والجملة مؤكدة بـ (إن). والدلالة الثانية: أن (آتيهم) خبر (إن)، و(عذاب) مبتدأ مؤخر، وقد قدم الخبر للاهتمام والقصر، أي ليس آتيهم إلا العذاب، كما تقول: (قائم أنا) أي لست إلا قائمًا، والجملة خبر (إن). وقد تقول: ولِمَ لَمْ يقل: (وإنه آتيهم عذاب غير مردود) بإدخال (إن) على ضمير الشأن للدلالة على التفخيم والتعظيم، نظير قوله: {إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ} فنقول: لو قال ذلك لم يكسب المعنيين اللذين ذكرناهما، وذلك أنه لو قال: (وإنه أتيهم عذاب غير مردود) لم يكن له إلا دلالة واحدة وهي (آتيهم) خبر مقدم، و(عذاب) مبتدأ مؤخر، ولا يصح أن يكون (أتيهم) خبر (إن) لأن الشأن لا يدخل إلا على جملة فيفوت أحد المعنيين المرادين ضمير، والله أعلم. ۱۲- وقال: {غَيْرُ مَرْدُودٍ} فوصفه ونفى رده بالاسم الدال على الثبوت وهو (غير)، ولم يقل: (ليس مردودًا) فينفيه بالجملة الفعلية الدالة على الحدوث، فنفاه بما هو أقوى وأثبت. 13- وقال: {غَيْرُ مَرْدُودٍ} فجاء باسم المفعول الدال على الثبوت، ولم يقل: (لا يرد) بالفعل. فكانت كل كلمة نضا في المعنى المقصود والذي يناسب المقام. نظرة بيانية في هذه القصـة من الملاحظ أن جانب التبسط والإكرام لإبراهيم والملائكة في سورة هود أكثر مما في المواضع الأخرى. 1- فقد عجل بذكر البشرى له قبل ذكر إيجاس الخوف منهم، في حين كانت البشرى بعد التصريح بالخوف منهم كما في الحجر، أو بعد الإحساس بالخوف كما في الذاريات، فقال ههنا: {وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى} وهذا أدعى إلى الاطمئنان. ٢- التصريح بأنهم رسله سبحانه أدل على التكريم من قوله: (ضيف إبراهيم)، فقد أضاف الرسل إليه فقال: {وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ}. في حين قال في الحجر: {وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ}، وفي الذاريات {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ}. ورسل الله أكرم من ضيف مكرم. 3- قال ههنا: {فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ} لم يبطئ في المجيء. وقال في الذاريات: {فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ}. وقوله: {فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ} أدل على السرعة من قوله: {فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ}. فالأولى تدل على التعقيب في عدم الإبطاء في المجيء، أي أسرع فيه. والثانية تدل على التعقيب في الروغان إلى أهله. والأولى أسرع. 4- قال في هود: {بِعِجْلٍ حَنِيذٍ} أي سمين مشوي حار يقطر ودكه. وقال في الذاريات: {بِعِجْلٍ سَمِينٍ} فزاد في الوصف في هود على سمين بأنه مشوي وأنه حار. ولا يدل في الذاريات على أنه حار. 5- إنكاره إياهم في هود بعد أن رأى أيديهم لا تمتد إلى الطعام {فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ}. في حين كان إنكاره في الذاريات بعد رد التحية: {قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ}. فقد كان بعد رد التحية في هود المجيء بالعجل، وكان بعد رد التحية في الذاريات قوله: {قَوْمٌ مُنْكَرُونَ}. 6- بعد الإيجاس بالخوف في هود ذكروا له أمرين مطمئنين: الأول: أنهم أرسلوا إلى قوم لوط وليسوا مرسلين إليه فلا داعي للخوف. والآخر: التبشير بالولد. في حين كان بعد التصريح بالوجل في الحجر أو الشعور بالخوف في الذاريات إنما هو التبشير بالغلام، ثم سألهم عن مهمتهم في الموضعين فأجابوه أنهم أرسلوا إلى قوم لوط. ولا شك أن الموقف الأول أدعى إلى الطمأنينة. 7- ذكر في هود أن امرأته ضحكت، وهي قد ضحكت سرورًا. ولم يذكر ذلك في موضع آخر. ٨- إنهم بشروها في هود بالولد وولد الولد. ولم يبشروه بغير الولد في الحجر والذاريات، والأول أدعى إلى زيادة السرور. 9- إن فحوى البشارة في هود أن ترى ولدها وولد ولدها، أي أنها ستعيش حتى ترى يعقوب، وقد حصل لها ذلك، وهو ما يدل على طول العمر والزيادة في السرور. 10- تبسط امرأة إبراهيم مع الملائكة في هود أكثر، وهو أدل على الطمأنينة والراحة. 11- الدعاء أو الإخبار لأهل البيت بقولهم: {رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} أدل على الإكرام والزيادة في إدخال المسرة. ولم يرد ذلك في موضع آخر. ۱۲- ورود البشرى في هود أكثر من ورودها في المواطن الأخرى، فقد جاءته الرسل بالبشرى، ثم بشروا امرأته، ثم ذكر مجيء البشرى مرة أخرى بقوله: {فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى}. ثم إن البشرى في هود وردت عامة ووردت مخصصة، فقد قال: {وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى}، وقال: {فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى} والبشرى هنا عامة غير مخصصة بأمر. ووردت مخصصة بقوله: {فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ}. في حين كانت البشرى في الحجر والذاريات مخصصة بالغلام. فما في هود أعم وأشمل. 13- أسند البشارة إليه في هود فقال: {فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ}، وأسند البشارة إلى الملائكة في الحجر والذاريات: {قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ} [الحجر: 53]، وفي الذاريات: {وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ}[الذاريات: ۲۸]. ولاشك أن إسناد البشارة إلى الله أكرم وأتم. ولما كانت البشارة مسندة إلى الله في هود ذكر الزيادة في البشرى وهي الولد وولد الولد. ١٤- إن البشرى في هود أتم وأعلى مما في الحجر والذاريات، فإن البشرى في هود جاءت بها الرسل كما قال: {وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى}. وجاءت هي كما قال: {فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى}. فالبشرى جيء بها مرة، وجاءت هي مرة أخرى. وأما في الحجر والذاريات فقد ذكر أنهم بشروه، وكذلك قال في هود غير أنه أسند التبشير إليه سبحانه كما ذكرنا. ولاشك أن ما ورد في هود أتم وأعلى. 15- ذكر ذهاب الروع وهو الفزع في هود فقال: {فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ}، ولم يقل مثل ذلك في الحجر ولا في الذاريات. وهو أدل على الطمأنينة. ١٦- ذكر في هود مجادلة إبراهيم للملائكة في قوم لوط مما يدل على زيادة اطمئنانه. ولم يذكر ذلك في الحجر ولا في الذاريات. ۱۷- ذكر من صفات المدح والثناء على إبراهيم في هود ما لم يذكره في المواضع الأخرى، وذلك قوله: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ}. فدل ذلك على ما ذكرناه. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثالث من ص 281 إلى ص 288. (1) روح المعاني 12/104. (2) روح المعاني 12/104. (3) انظر مفردات الراغب (جاء) و(أتى)، وانظر كتابنا (من أسرار البيان القرآني) باب المفردات. قصة لوط وردت هذه القصة في الأعراف وهود والحجر والأنبياء والشعراء والنمل والعنكبوت والصافات والذاريات والقمر. ونقول ما قلناه في سائر القصص الأخرى إنها ليست متطابقة، بل قد يذكر في موضع ما لا يذكره في موضع آخر بحسب ما يريد أن يركز عليه وبحسب السياق الذي وردت فيه. والملاحظ في هذه القصة أنه لم يذكر فيها أن لوطًا دعا قومه إلى عبادة الله وتوحيده في جميع ما ورد منها، وإنما ذكر أنه أمرهم بتقوى الله وذلك عندما راودوه عن ضيفه، وذكر ذلك أيضًا في سياق ما ورد نحوه على لسان الرسل الآخرين وذلك في سورة الشعراء، فكان الرسول يقول لقومه: {إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (107) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ}. ونحو ذلك قال لوط لقومه. إن التركيز في قصة لوط إنما هو على ذكر الفاحشة التي ما سبقهم بها من أحد من العالمين، وهي إتيان الذكور شهوة من دون النساء. وكانت هي السبب الرئيس لعقوبتهم واستئصالهم. وذلك إشارة – والله أعلم – أن ربنا قد يهلك عباده بالمعصية إن عمت وعظمت كما قال ربنا في هؤلاء القوم: {إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} [العنكبوت: 34]. وحذر الظالمين في كل حين أن يفعل بهم ما فعل بقوم لوط فقال في الحجارة التي أمطرها عليهم: {وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ} [هود: 83]. 1- ففي سورة الأعراف ذكر أن لوطًا أنكر على قومه سوء فعلهم في أنهم كانوا يأتون الفاحشة ما سبقهم بها من أحد من العالمين (80). فكان جواب قومه أنط طلبوا إخراجه من القرية فإنهم أناس يتطهرون. فنجاه الله وأهله إلا امرأته، وذكر أنه أمطر عليهم مطرًا، ولم يذكر ما هذا المطر، وما ماهيته. وهذا ما ورد منها في سورة الأعراف: {وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (80) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (81) وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (82) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (83) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ} [الأعراف: 80 - 84]. 2- وأما في سورة هود فذكر ورود رسل الله على لوط على هيئة ضيوف وضاق بهم نبي الله لوط، وجاءه قومه يهرعون إليه. وحاول لوط منعهم ودفعهم، وجرى بينه وبينهم كلام ومحاورة، وحاول منعهم بعرض بناته عليهم فأبوا، فأعلموه أنهم رسل به أرسلوا لعقوبة قومه، وطلبوا منه أن يسري بأهله. ثم ذكر عقوبتهم وذلك أنه جعل عاليها سافلها وأمطر عليها حجارة من سجيل. وهذا الجانب من القصة لم يرد في الأعراف؛ وذلك لأنه كان أول تبليغ لهم فلا يناسب ذكر مجيء الرسل إليهم، وإنما تأتي الرسل بعد التبليغ ومضي الزمن وإصرار القوم على ما هم عليه، ثم بعد ذلك تأتي الرسل لعقوبة القوم. فكان ذكر ذلك فيما بعد الأعراف هو المناسب. 3- وذكر في الحجر مجيء رسل ربه إليه فأنكرهم، فأخبروه بالغرض من مجيئهم وطلبوا منه أن يسري بأهله وأن يتبع أدبارهم. كما ذكر مجيء أهل القرية مستبشرين فحاول منعهم، وعرض عليهم بناته. ثم ذكر عقوبتهم وهي الصيحة وأنه جعل عاليها سافلها وأمطر عليهم حجارة من سجيل. وهذا ما ورد منها في هذه السورة. {فَلَمَّا جَاءَ آَلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (61) قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (62) قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ (63) وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (64) فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ (65) وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (66) وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (67) قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ (68) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ (69) قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ (70) قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (71) لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (72) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (73) فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (74) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (75) وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (76) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ} 4- وأما في الأنبياء فقد ذكر لوطًا بصورة موجزة، وذكر أنه آتاه حكمًا وعلمًا ونجّاه من القرية التي كانت تعمل الخبائث. قال تعالى: {وَلُوطًا آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ (74) وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ} [الأنبياء: 74 – 75]. 5- وأما في الشعراء فقد بدأت القصة بما تبدأ به عموم قصص رسل الله في السورة: {كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (160) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ (161) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (162) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (163) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 160 – 164]. ثم بكتهم على معصيتهم وسوء فعلهم وهو إتيان الذكور وترك الأزواج، فهددوه إن لم ينته بإخراجه. فدعا ربه أن ينجيه وأهله، فنجاه وأهله إلا عجوزًا في الغابرين، ولم يذكر أنها امرأته، وقد ذكر ذلك في مواضع أخرى. ولم يذكر ضيفه. قال تعالى: {كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (160) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ (161) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (162) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (163) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (164) أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (165) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (166) قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ (167) قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ (168) رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ (169) فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (170) إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (171) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآَخَرِينَ (172) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (173) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (174) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [الشعراء: 160 – 175]. 6- وفي سورة النمل ذكر أنه بكتهم على سوء فعلهم من اتيان الفاحشة، فكان جواب قومه أن طلبوا إخراجه من القرية، فأنجاه الله وأهله إلا امرأته وأمطر عليهم مطرًا ولم يذكر ما هذا المطر، قال تعالى: {وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (54) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (55) فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آَلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (56) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ (57) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِين} [النمل: 54 – 58]. 7- وأما في سورة العنكبوت فقد ذكر من سوء أفعالهم ما لم يذكره في المواضع الأخرى. فقد ذكر إضافة إلى إتيان الرجال من دون النساء أنهم يقطعون السبيل ويأتون في ناديهم المنكر. وتحدوه بأن يأتيهم بعذاب الله إن كان من الصادقين. ثم ذكر مجيء ضيف إبراهيم بالبشرى، فذهابهم إلى قوم لوط وبرمه بهم فأمنوه وذكروا له أنهم منجّوه وأهله إلا امرأته وأنهم منزلون على أهل القرية رجزًا من السماء، ولم يذكر نوع هذا الرجز. قال تعالى: {وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (28) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (29) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ (30) وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ (31) قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (32) وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (33) إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (34) وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آَيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} 8- ولم يذكر في الصافات إلا أن لوطًا من المرسلين، وأن الله نجّاه وأهله أجمعين إلا عجوزًا، ولم يذكر أنها امرأته، ثم ذكر أنه دمر الآخرين، ولم يذكر كيف كان تدميرهم. ثم ذكر أنهم - أي قريشًا - يمرون عليهم في أسفارهم في الليل والنهار. قال تعالى: {وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (133) إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (134) إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (135) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآَخَرِينَ (136) وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (137) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ}ـ 9- وأما في الذاريات فقد ذكر أن إبراهيم سأل ضيفه عن مهمتهم فذكروا أنهم أرسلوا إلى قوم مجرمين ليرسلوا عليهم حجارة من طين معلمة بعلامة من عند ربه. ثم ذكر أنهم أخرجوا المؤمنين فلم يجدوا فيها غير بيت واحد . وهذا لم يذكر في موضع آخر. ثم ذكر أنه ترك فيها آية بينة للذين يخافون العذاب الأليم، ولم يذكر ماذا فعل بهم غير ما ذكره الملائكة لإبراهيم. قال تعالى: {قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (31) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (32) لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (33) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ (34) فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (35) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (36) وَتَرَكْنَا فِيهَا آَيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ} [الذاريات: 31 - 37]. 10- وأما في سورة القمر فقد ذكر تكذيب قوم لوط بالنذر، وهو ابتداء عموم القصص في هذه السورة. ثم ذكر أنه أرسل عليهم حاصبا ولم يذكر ذلك في موضع آخر. وذكر أيضًا أنهم راودوه عن ضيفه وأنه طمس أعينهم، ولم يذكر في موضع آخر أنه طمس أعينهم. ثم ذكر أنهم صبحهم العذاب ولم يذكر نوع ذلك العذاب. قال تعالى: {كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (33) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آَلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ (34) نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ (35) وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ (36) وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (37) وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ (38) فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (39) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} موقف قومه منه: ذكر في الأعراف أنهم طلبوا إخراجه من القرية. وأما في هود فقد ذكر موقفهم من ضيفه. وذكر أنهم جاؤوا يهرعون إليه، أي يشتدون في الإسراع إليه، فحاول دفعهم فلم يقو على ذلك. وفي الحجـر ذكـر أيضًـا مـوقفهـم مـن ضيفـه وذكـر أنهـم جـاؤوا يستبشرون، وهو وصف لم يذكره في هود. فقد قال هود إنهم جاؤوا مسرعين، وذكر في الحجر أنهم جاؤوا مستبشرين وهو وصف آخر غير الإسراع. وفي الشعراء ذكر أنهم هددوه بإخراجه من القرية إن لم يكف عنهم. وفي النمل طلبوا إخراجه. وفي العنكبوت تحدوه بأن يأتيهم بعذاب الله إن كان صادقًا. وأما في القمر فقد ذكر أن قومه كذبوا بالنذر، وأنه أنذرهم بطشة ربهم فكذبوا بها، وأنهم راودوه عن ضيفه فطمس الله أعينهم. ويتضح من هذا أنهم هددوه أو طلبوا إخراجه من القرية في الأعراف والشعراء والنمل. وذكر أنهم راودوه عن ضيفه في هود والحجر. وذكر في العنكبوت أنه جاءته رسل ربه وأنه ضاق بهم ذرعًا. ولم يذكر موقف قومه منه. ولم يذكر موقف مواجهة بينه وبين قومه في المواضع الأخرى. عاقبة القوم: 1- ذكر في الأعراف أنه نجاه وأهله إلا امرأته، وأنه أمطر عليهم مطرًا ولم يذكر ما هذا المطر. ٢- في هود ذكر أنه جعل عاليها سافلها وأمطر عليها حجارة من سجيل منضود، وهذه الحجارة معلمة بعلامة خاصة. 3- وذكر في الحجر أنهم أخذتهم الصيحة مشرقين، أي بعد شروق الشمس، ولم يذكر الصيحة ولا هذا التوقيت في موضع آخر. كما ذكر أنه جعل عاليها سافلها وأمطر عليهم حجارة من سجيل. فقد ذكر في هود أنه أمطر عليها يعني القرية. وقال في الحجر أنه أمطر عليهم يعني القوم. فدل ذلك أنه أمطر على القوم وعلى القرية. وقد ذكرنا في كتابنا (من أسرار البيان القرآني) في باب (الذكر والحذف) سبب المغايرة بين التعبيرين. 4- ذكر في الشعراء أنه دمر غير المؤمنين وأمطر عليهم مطرًا، ولم يذكر ما حقيقة هذا المطر ولا فصل فيه. 5- وقال في النمل: إنه أمطر عليهم مطرًا، وهو نحو ما ذكر في الشعراء. 6- وقال في العنكبوت: إن الرسل وعدوه بإنزال رجز من السماء، وهو تعبير لم يذكر في المواضع الأخرى. 7- وفي الصافات ذكر تدمير قومه، غير أنه لم يذكر كيف كان تدميرهم. ٨- وفي الذاريات ذكر الرسل لإبراهيم أنهم مرسلون إلى قوم لوط لإنزال حجارة من طين عليهم، مسوّمة أي معلمة بعلامة خاصة. فذكر أن الحجارة من طين. 9- وذكر في سورة القمر أنه أرسل عليهم حاصبًا، وأنه صبحهم بكرة عذاب مستقر، أي في أول النهار. ومن هذا يتضح أنه ذكر المطر على العموم في الأعراف والشعراء والنمل. وذكر الإمطار بالحجارة في هود والحجر والذاريات. وذكر إنزال الرجز في العنكبوت. وذكر إرسال الحاصب في القمر. ومن الملاحظ أنه ذكر إمطار المطر بعد تبكيت قومه على فعل الفاحشة. وذكر الإمطار بالحجارة وجعل عاليها سافلها عند مجيء أهل القرية مسرعين عندما علموا بمجيء الضيوف ومحاولة دفعهم ببناته. وهو أشد من الموقف الأول؛ لأن ذلك كان تبكيتًا على فعل قد لا يكون موجودًا في أثناء دعوته لهم. وأما الموقف الآخر فهو المجيء لتنفيذ هذا الفعل السيء والإصرار عليه ومحاولة دفعهم ببناته، فرفضوا. وهذا قلب للفطرة التي خلق الله الناس عليها، فقلب الله عليهم الأرض كما قلبوا الفطرة. فاشتد عليهم العذاب لما كان الموقف أشد. ولما لم يكن في الذاريات مراودة ولا مجيء الضيوف إلى لوط لم يذكر قلب عاليها سافلها. وذكر إنزال الرجز في العنكبوت لما ذكر من معاصيهم ما هو أكثر مما ذكر فيه إنزال المطر. والرجز أشد من المطر لأن الرجز هو العذاب. وأما المطر فقد لا يكون عذابًا في أصل التعبير في اللغة. وأما في القمر فإنه ذكر الحاصب مناسبة لما ذكر من طمس أعينهم؛ لأنه كأنه حصبهم فسقط من ذلك في أعينهم فطمسها، وإن كان المقصود بذكر الحاصب هو ما ذكر من العذاب، غير أن ذكره كان مناسبًا لطمس أعينهم. والله أعلم. نجاة المؤمنين ذكر في الأعراف والنمل والعنكبوت نجاته وأهله إلا امرأته. وأما في هود فقد طلب منه الإسراء بأهله إلا امرأته، ولم يصرح بنجاته ومن معه. وكذلك في الحجر فإنه طلب منه الإسراء بأهله وأن يتبع أدبارهم ولم يذكروا امرأته، لأنهم ذكروا في القصة نفسها لنبي الله إبراهيم أنهم منجون آل لوط إلا امرأته، فلم يعيدوا ذكرها مرة أخرى. وفي سورة الأنبياء ذكر أنه نجاه من القرية التي كانت تعمل الخبائث ولم يذكر أهله معه. وفي الشعراء والصافات ذكر أنه نجاه وأهله إلا عجوزًا في الغابرين، ولم يذكر أنها امرأته، وقد مر بيان هذه العجوز في مواضع أخرى. وذكر في الذاريات أنه لم يجدوا في القرية غير بيت واحد من المسلمين. ومعنى ذلك أنه لم يؤمن له إلا آل بيته عدا امرأته. وقد ذكر ذلك أيضًا في سورة القمر بقوله: {إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آَلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ} [القمر: 34] فقد استثنى آل لوط وهم أهله. ومن الملاحظ أنه لم يذكر ناجيًا معه غير أهله في جميع المواضع، مما يدل على أنه لم يؤمن له من القرية أحد غير أهل بيته إلا امرأته. قد تقول لقد قال في أكثر من موضع: {فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ} وذلك في هود والحجر، فذكر القطع من الليل. وقال في موضع آخر: {إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ} فذكر الصبح وليس الليل. وقال: {فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ}. وقال في القمر: {نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ}. وقال: {وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ} أي عند الصباح. فما حقيقة الأمر أهي النجاة في الليل أم في الصبح؟ فنقول: إن النجاة كانت في الليل، فقد طلب منه الإسراء في ذلك الوقت. وأما نزول العذاب فهو عند الصبح، ذلك أن النجاة لم تكن في وقت نزول العذاب بل قبله. ومن الملاحظ أنه ذكر دعاءه بالنجاة في الشعراء وذلك قوله: {رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُون}، ودعاءه بالنصر في العنكبوت وذلك قوله: {قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ}. وكل مناسب لموضعه، ففي الشعراء بعد أن بكتهم على إتيان الذكران وترك الأزواج هددوه إن لم ينته بإخراجه من القرية فقال لهم: {قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ (168) رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ} فلما ذكر قلاه وبغضه لعملهم دعا ربه أن ينجيه وأهله من عملهم. وأما في العنكبوت فقد ذكر إضافة لعملهم الفاحشة أنهم يقطعون السبيل، وهو عدوان على عباد الله، فدعا بالنصر عليهم وليس مجرد نجاته منهم. فإن نجاته منهم لا تمنعهم من ذلك، وإنما النصر عليهم هو الذي يمنعهم فدعا بالنصر عليهم. وكل مناسب لموضعه. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثالث من ص 289 إلى ص 300. الوقفة كاملة
٣٨١٣ {وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ} [هود: 77] {سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا} أي لحقته المساءة بسببهم وضاق ذرعه بهم، أي ضاق صدره بمجيئهم. والذرع يوضع موضع الطاقة والجهد، "يقال: ضقت بالأمر ذرعًا إذا لم تطقه ولم تقو عليه. وأصل الذرع بسط اليد، فكأنك تريد مددت يدي إليه فلم تنله ... ونصبه على أنه تمييز محول عن الفاعل، أي ضاق بأمرهم وحالهم ذرعه" (1). والتحويل عن الفاعل إلى التمييز إنما يكون بقصد المبالغة والشمول مثل قولنا (اشتعلت نار البيت) و(اشتعل البيت نارًا ) (۲). ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثالث من ص 300 إلى ص 300. (1) روح المعاني 12/105 وانظر البحر المحيط 5/246، تفسير الرازي 6/378. (2) انظر كتابنا (معاني النحو) ج2 – باب التمييز. {وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ} "أي شديد، وأصله من العصب بمعنى الشد، كأنه لشدة شره عصب بعضه ببعض، وقال أبو عبيدة: سمي بذلك لأنه يعصب الناس بالشر" (1). والآية أظهرت غاية الضيق بمكانهم، فإنها ذكرت أنهم أدخلوا المساءة عليه، وهذه حالة أولى. ثم ذكر حالة بعدها أشد وهي أنه ضاق بهم ذرعًا، وهذه أشد من مجرد المساءة، فإنه قد يسيء مجيء شخص شخصًا ولكن قد لا يضيق به ذرعًا فيكون تحمله فوق طاقته. ثم إنه لم يكتم ذلك في نفسه بل صرح به وقال: {هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ}. ثم انظر كيف وصف ضيقه بأن حول الفاعل إلى تمييز بقصد المبالغة فقال: {وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا} والأصل: فضاق ذرعه بهم، وكيف وصف اليوم بأنه (عصيب)، ولم يقل: (هذا أمر عصيب) أو (هذا شيء عصيب) بل جعل الشدة لليوم كله، وذلك لاشتمال الشدة على اليوم وليس على أمر فيه. ثم إن الوصف بالعصيب له دلالته، فإنه لم يقل: (هذا يوم شديد) وذلك أن الوصف بعصيب أشد؛ ذلك لأنه كأنه يعصب الإنسان بالشر، وأنه معصوب بعضه ببعض، فالشر متصل فيه. وقد بحثنا في كتابنا (التعبير القرآني) الفرق بين قوله هنا: {وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ}، وقوله في العنكبوت: {وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ} [العنكبوت: 33] بزيادة (أن) في آية العنكبوت. فلا نعيد القول فيه (2). ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثالث من ص 301 إلى ص 301. (1) روح المعاني 12/105. (2) التعبير القرآني – باب الذكر والحذف 127 – 129. الوقفة كاملة
٣٨١٤ {وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ} [هود: 78] لقد قال: {وَجَاءَهُ قَوْمُهُ}، ولم يقل: (نفر من قومه) أو جماعة منهم، للدلالة على شيوع هذه الفاحشة فيهم. فالقوم كلهم جاؤوا يهرعون إليه، كما قال في موضع آخر: {وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ} فإن أهل المدينة كلهم جاؤوا إليه وليس مجموعة منهم. وقلنا: (كلهم) لأنهم أهلكوا أجمعون لم يستثن أحدًا منهم. {يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ} أي "يسرعون كأنما يدفعون دفعًا" (۱). {وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ} أي كانوا مستمرين على عمل السيئات وإن ذلك كان "ديدنهم وعادتهم أصروا على ذلك ومرنوا عليه" (2). لقد قال:{ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ}، ولم يقل: (ومن قبل عملوا السيئات) وذلك للدلالة على أن هذه عادتهم. {قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي} ناداهم بـ (يا قوم) تعطفًا لقلوبهم، وعرض عليهم بناته وقال: {هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ}، فجاء بالضمير (هن)، ولم يقل: (هؤلاء بناتي أطهر لكم) ليدل على قصر الطهر فيهن وأنه ليس وراء ذلك طهر. ودعاهم إلى تقوى الله ومراعاة حق الضيف، كل ذلك ليرشدوا ويرعوا، ثم قال متحسرًا منكرًا عليهم بما ملؤه الأسى ومستثيرًا لذوي اللب إن كان فيهم من هو كذلك {أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ} "يهتدي إلى الحق ويرعوي عن القبيح" (3). فقد ترى أنه حاول دفعهم بكل ما يستطيع: 1- بمناداتهم (يا قوم) تعطفًا لقلوبهم. 2- وعرض ما هو أفضل وأطهر. ٣- ودعوتهم إلى تقوى الله وأن يخشوا عقابه. 4- وإلى مراعاة حرمة الضيف. 5- وأن لا يخجلوا ويخزوا واحدًا من قومهم فيفضحوه ويسيئوا إلى سمعة القرية. 6- ودعا ذوي اللب والرشد إن كان فيهم أحد كذلك ينصح هؤلاء الرعاع. ومن أين يأتي الرشد إذا كانوا كلهم جاؤوا مسرعين إليه. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثالث من ص 302 إلى ص 303. (1) الكشاف 2/108. (2) البحر المحيط 5/246. (3) تفسير البيضاوي 303. الوقفة كاملة
٣٨١٥ {قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ} [هود: 79] فأجابوه أن ليس لهم في بناته أرب ولا غرض، وإنك تعلم غرضنا وما نريد، فلا تدعنا إلى ما ليس لنا فيه أرب ولا إرادة. وجيء بالمؤكدات كلها في ه هذا التعبير: 1- فقد قالوا: (لقد) فأكدوا ذلك بالقسم، فإن (لقد) قسم كما هو معلوم. ٢- وقالوا: (علمت) فجعلوا ذلك من علمه وأنه ليس من باب الظن. 3- وجاؤوا بالجملة الاسمية المنفية بـ (ما) للدلالة على ثبوت هذا الأمر و وكادته ولم يقولوا: (ليس لنا في بناتك من حق). 4- وجاؤوا بـ (من) الدالة على الاستغراق والتوكيد ليبينوا على أنه ليس لهم أي غرض في بناته وذلك على سبيل الاستغراق والشمول. 5- وأكدوا علمه بما يريدون بـ (إن) واللام فقالوا: {وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ} فقد أكدوا علمه أولاً بأنه ليس لهم في بناته من حق. وأكدوا علمه بما يريدون بعد ذلك. 6- ثم إن قوله: {وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ} يحتمل عدة معان: منها: أن (ما) اسم موصول فيكون المعنى: إنك تعلم الذي نريده، وحذف العائد. ومنها: أن تكون (ما) مصدرية فيكون المعنى: وإنك لتعلم إرادتنا. ويحتمل أيضًا أن تكون (ما) استفهامية فيكون المعنى: وإنك لتعلم ما الذي نريده. وهذه المعاني كلها محتملة: فهو يعلم الذي يريدونه، ويعلم إرادتهم. ويعلم أي شيء يريدون. ولو قال: (لتعلم ما نريده) لانتفى احتمال المصدرية. ولو قال (لتعلم الذي نريده) لانتفى احتمال الاستفهامية والمصدرية. ولو قال: (لتعلم ماذا نريد) لتعينت الاستفهامية وانتفى احتمال ما عداها. وجاء بهذا التعبير ليحتمل كل المعاني، وهي كلها مرادة ومطلوبة، فهو يعلم إرادتهم على العموم، ويعلم الذي يريدونه في مجيئهم هذا، ويعلم ما الذي يريدونه. قد تقول: ولكن لا يتبين وجه الاختلاف في المعنى من كل تعبير، فهو في النتيجة يدل على أمر واحد وهو أنه يعلم غرضهم. فنقول: نعم إنه يعلم غرضهم ولكن لكل تعبير معنى خاص به. فقولك: إنك تعلم إرادتنا، معناه أنك تعلم رغبتنا في أي شيء تكون، فهو يعلم إرادتهم مطلقًا سواء في هؤلاء أم في غيرهم، وسواء كان هناك ما يحقق الرغبة أم لا. وقولك: إنك تعلم الذي أريد، يدل على أمر معين يطلبه. فـ (الذي) اسم موصول معرفة، والمعرفة ما دل على شيء معين. وأما قولك: إنك تعلم ماذا أريد، فمعناه أنك تعلم أي شيء أريده على وجه العموم. فالمصدر يدل على العلم بالحدث، والاسم الموصول يدل على شيء معين، والاستفهام يدل على عموم ما يريد، فهو يدل على علمه بجواب الاستفهام. ومن الملاحظ أنه قدم ههنا عرض بناته على قومه قبل ذكر الضيف فقال: {قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي} فذكر البنات ثم ذكر الضيف بعد ذلك. وقدم في الحجر ذكر الضيف قبل عرض البنات قائلًا: {قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ (68) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ (69) قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ (70) قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ} [الحجر: 68 - 71]. ذلك أنه في هود لم يجر حديث مع الضيف ولا حوار قبل مجيء القوم، وإنما كان الكلام مع أهل المدينة في غيبة الضيف، فلم يجر مع الضيف حديث بعد، فحاول الدفع ببناته. وأما في الحجر فإنه كان له حديث مع الضيف قبل مجيء قومه، فقد قال لضيفه: {قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (62) قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ (63) وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} [الحجر: 62 - 64] فكان مع ضيفه حديث ومحاورة، فلما جاء أهل المدينة أشار إلى ضيفه: {قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ (68) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ} [الحجر: 68 - 69]. فلما كان الحديث مع الضيف ناسب تقديمهم والإشارة إليهم في الحجر. ولما لم يكن مع ضيفه كلام في هود بل لا يزال الحديث مع قومه والضيف غائبون لم يشر إليهم لأنهم غير حاضرين، فقدم عرض بناته أولًا. فناسب كل موضعه . ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثالث من ص 303 إلى ص 306. الوقفة كاملة
٣٨١٦ {قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آَوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ} [هود: 80] أي لو أن لي طاقة فأمنعكم "يقال: ما لي به قوة وما لي به طاقة. ونحوه {لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا} وما لي به يدان؛ لأنه في معنى: لا أضطلع به ولا أستقل به. والمعنى: لو قويت عليكم بنفسي أو أويت إلى قوي أستند إليه وأتمنع به فيحميني منكم. فشبه القوي العزيز بالركن من الجبل في شدته ومنعته. ولذلك قالت الملائكة وقد وجدت عليه: إن ركنك لشديد. وقال النبي  "رحم الله أخي لوطًا كان يأوي إلى ركن شديد" (۱). قال ذلك سيدنا لوط على سبيل التفجع والتمني. فهو تمنى أن يكون له قوة في نفسه أو يكون له من يأوي إليه فيستعين به على دفعهم. جاء في (تفسير الرازي): "واعلم أن قوله: {لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آَوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ} لا بد من حمل كل واحد من هذين الكلاميين على فائدة مستقلة، وفيه وجوه: الأول: المراد بقوله: {لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً} كونه بنفسه قادرًا على الدفع، وكونه متمكنًا إما بنفسه وإما بمعاونة غيره على قهرهم وتأديبهم. الثاني: والمراد بقوله: {أَوْ آَوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ} هو أن لا يكون له قدرة على الدفع لكنه يقدر على التحصن بحصن ليأمن من شرهم بواسطته. الثالث: أنه لما شاهد سفاهة القوم وإقدامهم على سوء الأدب تمنى حصول قوة قوية على الدفع، ثم استدرك على نفسه وقال: بل الأولى أن آوي إلى ركن شديد وهو الاعتصام بعناية الله تعالى" (۲). ويحتمل أن تكون (لو) شرطية وفيها معنى التمني حذف جوابها ليذهب الذهن كل مذهب فيما سيفعله لردعهم، نظير قوله تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ} [الأنفال: 50] أي لرأيت شيئًا مهولًا لا يقدر على وصفه. جاء في (الكشاف): "جواب (لو) محذوف كقوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّ قُرْآَنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ} يعني لو أن لي بكم قوة لفعلت بكم وصنعت" (3). وجاء في (تفسير الرازي): "وحذف الجواب ههنا لأن الوهم يذهب إلى أنواع كثيرة من المنع والدفع" (4). وجاء بـ (لو) ولم يأت بـ (ليت) فيقول: (ليت لي بكم قوة) ليشمل معنيي التمني والشرط إضافة إلى حذف الجواب للعموم. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثالث من ص 306 إلى ص 308. (1) الكشاف 2/108. (2) تفسير الرازي 6/380. (3) الكشاف 2/108. (4) تفسير الرازي 6/380. الوقفة كاملة
٣٨١٧ {قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ} [هود: 81] نادوه باسمه ليعلموه أنهم يعرفونه فيستمع إليهم. ثم أمنوه بقولهم: {إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ} وأضاف الرب على ضمير المخاطب ليدل على أن ربه القيم على أمره والمتولي أمره هو الذي أرسلهم إليه فيكون أدعى إلى تطمينه. والرسول إنما يرسل ليبلغ رسالة فطمأنوه بقولهم {لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ}. وجاء بـ (لن) المؤكدة الدالة على الاستقبال ليدل على أنهم لا يستطيعون أن يؤذوه في المستقبل إضافة إلى الحال فليطمئن. وقال: {لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ} ولم يقل: (لن يؤذوك) ذلك أنه نفى الوصول فانتفى الأذى من باب أولى. فإنه لو قال: (لن يؤذوك) لاحتمل الوصول إليه من غير أذى فيناله منهم إزعاج وانقباض نفس. ولكن نفى ما هو أبعد من ذلك، فنفى الوصول إليه فانتفى الأذى. ثم أبلغوه رسالة ربه بقولهم: {فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ} والقطع من الليل: الطائفة منه، أو بقطعة منه (1) أي لا تتأخر إلى الصبح. {إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ} الهاء ضمير الشأن وهي تفيد تعظيم ما سيصيبهم وتهويله. و(مصيبها) خبر مقدم وليس مبتدأ، ذلك لأن الإضافة غير محضة. فإن اسم الفاعل ههنا للاستقبال فهو نكرة. و(ما أصابهم) معرفة فهو مبتدأ مؤخر. وقدم الخبر المتصل بضمير المرأة لأن الكلام عليها والاهتمام بذكر عاقبتها. وقال: {مَا أَصَابَهُمْ} فجاء بالاسم الموصول (ما) الدال على العموم والإبهام للدلالة على عظم ما سيصيبهم. وقال: {مُصِيبُهَا} ولم يقل: (يصيبها) للدلالة على ثبات ذلك وتحققه. وقال: {أَصَابَهُمْ} بالفعل الماضي ولم يقل: (يصيبهم) وذلك للدلالة على تحقق الوقوع. فانظر كيف أكد بإن وجاء بضمير الشأن، وعدل عن الفعل إلى الاسم في (مصيبها)، وقدم الخبر، وجاء بـ (ما) الدالة على الإبهام، وعدل عن الفعل المضارع إلى الماضي في (أصابهم) للدلالة على عظم ما سيحل بهم وتحققه. جاء في (روح المعاني): "وضمير (إنّه) للشأن، و(ما أصابهم) مبتدأ، و(مصيبها) خبره، والجملة خبر إن ... والمراد من (ما) العذاب، ومن (أصابهم) يصيبهم، والتعبير به دونه للإيذان بتحقيق الوقوع. وفي الإبهام، واسمية الجملة، والتأكيد، ما لا يخفى" (2). ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثالث من ص 308 إلى ص 310. (1) انظر البحر المحيط 5/248. (2) روح المعاني 12/112. {إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ} أي موعد هلاكهم (1). وقدم الموعد لأنه هو المقصود والمطلوب لسيدنا لوط. وقوله: {أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ} يشعر باستطالة سيدنا لوط للوقت وكأنه يريد أسرع من ذلك. وهذا بين مقدار مساءته وضيق ذرعه ومقدار برمه بقومه. "ويروى أن لوطًا عليه السلام قال: أريد أسرع من ذلك، فقالت له الملائكة: أليس الصبح بقريب" (2). وفي المجيء بالاستفهام التقريري وزيادة الباء في خبر (ليس) دون القول (إن الصبح لقريب) أو نحو ذاك ما لا يخفى. وعلى أية حال هو يدل كما ذكرنا على مقدار برمه وضيق ذرعه. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثالث من ص 310 إلى ص 310. (1) البحر المحيط 5/249. (2) البحر المحيط 5/249. الوقفة كاملة
٣٨١٨ {فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ} [هود: 82] جاء بالفاء للدلالة على القرب ذلك أن موعدهم الصبح وهو قريب من وقت إخبارهم له. و(الأمر) يحتمل واحد الأوامر أي الأمر بالعذاب، بمعنى أمرناهم بذاك. كما يحتمل واحد الأمور بمعنى الشأن كما في قوله تعالى: {إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [لقمان: 17]، وقوله: {لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ} [التوبة: 48]. جاء في (روح المعاني): "{فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا} أي عذابنا، أو الأمر به. فالأمر على الأول: واحد الأمور، وعلى الثاني: واحد الأوامر" (1). {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ} قيل في (السجيل) إنها كلمة معربة من سنكل ومعناها حجر وطين مختلط (2)، وقيل: ماء وطين (3). قيل في (السجّيل) مأخوذ من (السجل) بكسر السين وسكون الجيم بمعنى الصلب الشديد (4). و(السجيل) بفتح السين: الصلب الشديد، والسجيل: حجارة كالمدر (5). وقال أبو عبيدة هو: "الشديد من الحجارة الصلب" (6). و(منضود) متتابع أرسل بعضه إثر بعض (7) كقطار الأمطار (8). وذكر هنا وفي الحجر أن الحجارة من سجيل ولم يقل كما قال في الذاريات: {لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ} [الذاريات: 33] وذلك لأنه ذكر من معاصيهم ومواقفهم في هود والحجر ما لم يذكره في الذاريات، فجاء بما يدل على شدة هذه الحجارة وصلابتها في السورتين دون الذاريات. فكان كل تعبير مناسبًا لموضعه. وذكر في (هود) أنه منضود أي متتابع، ولم يذكر ذلك في الحجر، وذلك لأنه قال في هود: {مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ} [هود: 83] ولم يقل مثل ذلك في الحجر. فلما زاد في وصف الحجارة في هود فقال: {مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ ...} زاد في الوصف فقال: (منضود). ثم إنه لما قال إن مثلها يمكن أن يكون للظالمين على وجه العموم وليس ذلك مختصًا بقوم لوط جاء بـ (منضود) للدلالة على الكثرة. والمنضود هو الذي نضد بعضه فوق بعض، أي تتابع، فناسب ذكر ذلك في هود. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثالث من ص 310 إلى ص 312. (1) روح المعاني 12/112. (2) مفردات الراغب (السجل)، وانظر الكشاف 2/109. (3) البحر المحيط 5/249. (4) انظر القاموس المحيط (السجل). (5) لسان العرب (سجل). (6) البحر المحيط 5/249، وانظر روح المعاني 12/113. (7) انظر الكشاف 2/109. (8) روح المعاني 12/113. الوقفة كاملة
٣٨١٩ {مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ} مسومة، أي عليها سيما، وهي العلامة يعلم من شاهدها أنها ليست من حجارة الأرض (1). {وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ} "أي الحجارة الموصوفة بما ذكر. (من الظالمين) من كل ظالم. (ببعيد) فإنهم بسبب ظلمهم مستحقون لها. وفيه وعيد لأهل الظلم كافة" (۲). وقال: {وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ} ولم يقل: (وليست من الظالمين بعيدًا) أو (ببعيد) فجاء بالجملة الاسمية المنفية بـ (ما) وزاد الباء في الخبر لتوكيد عدم بعدها عنهم. وقال: (ببعيد) ولم يقل: (ببعيدة) لأنه لا يريد البعد في المكان بل أراد البعد في الوقوع. وقدم الجار والمجرور (من الظالمين) على متعلقه (بعيد) وذلك لأن الكلام على الظالمين وهم مدار الحديث، والعقوبة إنما كانت لهم. وقد تقول: أليس من الأولى لو قال: (وليست هي من الظالمين ببعيد) فيؤكد الضمير المستتر في (ليست) فيفيد ذلك زيادة في التوكيد؟ فنقول: لا، وذلك لعدة أوجه: منها: أن ذلك لا يخرجها عن كونها جملة فعلية، والاسمية أثبت من الفعلية وأكد. ومنها: أن النفي بـ (ما) أقوى وأكد من النفي بـ ( ليس) (3). والأمر الآخر: أنه لو قال: (وليست هي من الظالمين ببعيد) لاحتمل أنه يفيد اختصاص عدم البعد بهذه العقوبة دون غيرها، أما غيرها من العقوبات فقد يكون بعيدًا منهم. وهذا المعنى غير مراد ولا يصح. أما في الآية فإنه ذكر عدم بعد أمثال هذه العقوبة من الظالمين ولم يخصها بالبعد بل قد يعاقبهم بغيرها. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثالث من ص 312 إلى ص 313. (1) البحر المحيط 5/250، وانظر روح المعاني 12/113. (2) روح المعاني 12/114. (3) انظر معاني النحو 4/568. الوقفة كاملة
٣٨٢٠ قصة مدين وشعيب قال تعالى: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (84) وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (85) بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (86) قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (87) قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (88) وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (89) وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (90) قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ (91) قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (92) وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ (93) وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (94) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ} [هود: 84 – 95]. وردت هذه القصة في الأعراف وهود، ووردت لها إشارة قصيرة في العنكبوت مقدارها آيتان. قال تعالى: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآَخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (36) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ} [العنكبوت: 36 - 37]. إن ما ورد في هاتين الآيتين إنما هو تلخيص لما مر من قصة شعيب مع مدين. فقد ذكر دعوته لهم ملخصة بقوله: {يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآَخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} [العنكبوت: 36]. فذكر ما يتعلق بالعقيدة وهو قوله: {اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآَخِرَ} وذكر سلوكهم في الأرض وهو قوله: {وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} ثم ذكر موقفهم وعاقبتهم بـ أوجز تعبير وذلك قوله: {فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِين}. لقد ذكرنا ما ورد من هذه القصة في سورتي الأعراف وهود والتشابه والاختلاف فيها في كتابنا (من أسرار البيان القرآني) فلا نعيد القول فيها. غير أننا سنذكر إشارات بيانية قليلة في هذه السورة مما لم نذكره في ذلك الموضع. قال تعالى: {وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (84) وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (85) بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ} [هود: 84 - 86] لقد قال أولاً: {وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ}، فنهاهم عن النقص فيهما، ثم قال بعد ذلك: {أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ}، فأمرهم بالإيفاء. قيل: ومن المعلوم أن عدم النقص يعني الإيفاء، فكان الأمر بالإيفاء كالتكرار لما سبق. جاء في (الكشاف): "فإن قلت: النهي عن النقصان أمر بالإيفاء فما فائدة قوله: (أوفوا)؟ قلت: نهوا أولاً عن القبيح الذي كانوا عليه من نقص المكيال والميزان؛ لأن في التصريح بالقبيح نعيًا على المنهي وتعبيرًا له، ثم ورد الأمر بالإيفاء الذي هو حسن في العقول مصرحًا بلفظه لزيادة ترغيب فيه وبعث عليه" (1). ويمكن أن يقال: إنه بدأ بالنهي عن النقص في المكيال والميزان لأن ذلك أسبق من الإيفاء، فإنه لا بد أن يكون حجم المكيال وما يتعلق بالميزان سالمًا من النقص حتى يكون الإيفاء بالقسط، فإن لم يكونا سليمين فلا يكون إيفاء بالقسط، فنهى عن نقص المكيال والميزان أولاً ثم أمر بالإيفاء بالقسط بعدهما فلا يكون تكرارًا، وإنما قدم السبب على المسبب. وقد يكون ذلك لتعظيم هذا الأمر فيكون ذلك كالتوكيد وذلك نحو قوله: (أقول له ارحل لا تقيمن عندنا) فقوله: (لا تقيمن عندنا) بمعنى ارحل. ونحو قولك: (امش لا تقف) و(استيقظ لا تنم) وذلك غير عزيز في اللغة. وهو من الحسن بمكان إذا اقتضاه الحال. وأما تقييده بالقسط وهو العدل فلإعطاء كل ذي نصيب نصيبه من دون بخس، واختيار (القسط) ههنا أنسب من العدل؛ وذلك لأن من معاني القسط: الحصة والنصيب. والغرض من الكيل والوزن أن يأخذ الشخص نصيبه، فناسب ذلك ذكر القسط. هذا إضافة إلى أنه لم يذكر مع الوزن في القرآن غير القسط، وهو أنسب. {إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ} أي إنكم في سعة من العيش ورخص في الأسعار فلماذا تلجأون إلى نقص المكيال والميزان، فاستديموا هذا الخير بإعطاء كل ذي حق حقه حتى لا يزول عنكم ما أنتم فيه من الخير. جاء في (الكشاف) في قوله تعالى: {إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ}: "يريد بثروة واسعة تغنيكم عن التطفيف أو أراكم بنعمة من الله حقها أن تقابل بغير ما تفعلون أو أراكم بخير فلا تزيلوه عنكم بما أنتم عليه" (2). وقال: {إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ} ولم يقل: (وإنكم بخير) فجعل خيرهم ظاهرًا للعيان يبدو للرائي وليس أمرًا مستورًا كمن يخفي ما عنده من الخير. {وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ}. وصف اليوم بالإحاطة ولم يقل (إني أخاف عليكم عذابًا محيطًا) فجعل اليوم محيطًا لا ينفك عنهم ساعة، وذلك أبلغ وأعم. وقد قال: (إني أخاف عليكم عذابًا محيطًا) لجعل العذاب محيطًا بهم وقد يكون ذلك في ساعة من ساعات اليوم أو وقت من أوقاته، فجعل العذاب شاملاً طوال اليوم. جاء في (الكشاف): "وأصله من إحاطة العدو. فإن قلت: وصف العذاب بالإحاطة أبلغ أم وصف اليوم بها؟ قلت: بل وصف اليوم بها؛ لأن اليوم زمان يشتمل على الحوادث، فإذا أحاط بعذابه فقد اجتمع للمعذب ما اشتمل عليه منه كما إذا أحاط بنعيمه" (3). {وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ} جاء ذلك بعد قوله: {أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ}. وهو أعم من إيفاء المكيال والميزان، فإن البخس قد يكون في غير ما يكال وما يوزن من نحو الاستئجار والتأجير وبيع أو شراء ما لا يكال أو يوزن كالبساتين والدور وعموم الأملاك وعموم ما يشترى أو يباع، وتقويم البضائع وغيرها من الأمور. قال تعالى في يوسف عليه السلام: {وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ} [يوسف: 20] وقال في كتابة الدين: {وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا} [البقرة: 282]. وقال في توفية الأعمال: {نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ} [هود: 15]. جاء في (روح المعاني): "{وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ} يحتمل أن يكون تعميمًا بعد تخصيص، فإنه يشتمل الجودة والرداءة، وغير المكيل والموزون أيضًا. فهو تذييل وتتميم لما تقدم" (4). ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثالث من ص 315 إلى ص 320. (1) الكشاف 2/109، وانظر البحر المحيط 5/252. (2) الكشاف 2/109، وانظر البحر المحيط 5/256، روح المعاني 12/114. (3) الكشاف 2/109، وانظر البحر المحيط 5/252. (4) روح المعاني 12/116. {وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} وهو أعم من البخس في الحقوق، فإنه يعم جميع مصالح العباد وعموم العدوان على خلق الله والإفساد في الأرض. جاء في (الكشاف): "والعثي في الأرض نحو السرقة والغارة وقطع السبيل" (1). وجاء في (روح المعاني) أن "العثي يعم تنقيص الحقوق وغيره؛ لأنه عبارة عن مطلق الفساد" (2). وجاء في (تفسير الرازي): {وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} معناه ولا تسعوا في إفساد مصالح الغير، فإن ذلك في الحقيقة سعي منكم في إفساد مصالح أنفسكم. والثاني: أن يكون المراد من قوله: {وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} مصالح دنياكم وآخرتكم. والثالث: ولا تعثوا في الأرض مفسدين مصالح الأديان" (3). فتدرج من الخصوص إلى العموم، ومن السيء إلى الأسوأ، ومن الكبيرة إلى ما هو أكبر. فبدأ بالنقص في المكيال والميزان، ثم تدرج إلى البخس وهو أعم لأنه يكون في المكيال والميزان وغيرهما، ثم تدرج إلى ما هو أعم وأعظم وهو العثي في الأرض إفسادًا. فبدأ بنقص الحقوق وانتهى بالعدوان والإفساد. {بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } أي ما يبقيه الله لكم من الرزق الحلال خير لكم إن كنتم مؤمنين. وإضافة البقية إلى الله من حيث إنها رزقه (4). ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثالث من ص 320 إلى ص 321. (1) الكشاف 2/110. (2) روح المعاني 12/116. (3) تفسير الرازي 6/386. (4) انظر الكشاف 2/110، البحر المحيط 5/252، تفسير الرازي 6/386. الوقفة كاملة


إظهار النتائج من 3811 إلى 3820 من إجمالي 26698 نتيجة.