{إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ} إنما أُجري الظن مجرى العلم؛ لأن الظن الغالب يقوم مقام العلم في العادات والأحكام؛ ولأن ما يدرك بالاجتهاد قلما يخلو عن الوسواس والخواطر، وهي تفضي إلى الظنون، فجاز إطلاق لفظ الظن عليها لما لا يخلو عنه.
{وَلاَ يَحُضُّ على طَعَامِ المسكين} فيه دليل قوي على عظم جرم حرمان المسكين؛ لأنه عطفه على الكفر، وجعله دليلاً عليه، وقرينة له، ولأنه ذكر الحض دون الفعل ليُعلم أن تارك الحض إذا كان بهذه المنزلة فتارك الفعل أحق.
{لأخَذْنَا مِنْهُ باليمين} لقتلناه صبراً، كما يفعل الملوك بمن يتكذب عليهم، معاجلة بالسخط والانتقام، فصور قتل الصبر بصورته ليكون أهول، وهو أن يأخذ بيده وتضرب رقبته، وخص اليمين؛ لأن القاتل إذا أراد أن يوقع الضرب في قفاه أخذ بيساره، وإذا أراد أن يوقعه في جيده وأن يكفحه بالسيف -وهو أشد على المصبور لنظره إلى السيف- أخذ بيمينه.
{إِنَّا خلقناهم مّمَّا يَعْلَمُونَ} أي: من النطفة المذرة، ولذلك أبهم، إشعاراً بأنه منصب يستحيا من ذكره، فمن أين يشترفون؟ ويدعون التقدم؟ ويقولون: لندخلن الجنة قبلهم؟.
{ثُمَّ إِنّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً} وهكذا يفعل الآمر بالمعروف يبتدئ بالأهون ثم بالأشد فالأشد فافتتح بالمناصحة في السر، فلما لم يقبلوا ثنّى بالمجاهرة، فلما لم تؤثر ثلت بالجمع بين الإسرار والإعلان، و(ثم) تدل على تباعد الأحوال؛ لأن الجهار أغلظ من الإسرار، والجمع بين الأمرين أغلظ من إفراد أحدهما.
{مّمَّا خطيئاتهم أغرقوا فَأُدْخِلُواْ نَاراً} تقديم (مّمَّا خطيئاتهم) لبيان أن لم يكن إغراقهم بالطوفان وإدخالهم في النيران إلا من أجل خطيئاتهم.. وكفى بها مزجرة لمرتكب الخطايا.. والفاء في (فأدخلوا) للإيذان بأنهم عذبوا بالإحراق عقيب الإغراق، فيكون دليلاً على إثبات عذاب القبر.
{وأنه لما قام عبد الله يَدْعُوهُ} لم يقل: نبي الله أو رسوله؛ لأنه من أحب الأسماء إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ ولأنه لما كان واقعا في كلامه صلى الله عليه وسلم عن نفسه جيء به على ما يقتضيه التواضع، أو لأن عبادة عبد الله لله ليست بمستبعد حتى يكونوا عليه لبداً.
{رَّبُّ المشرق والمغرب لاَ إله إِلاَّ هُوَ (فاتخذه) وَكِيلاً} فائدة الفاء: ألا تلبث بعد أن عرفت في تفويض الأمور إلى الواحد القهار؛ إذ لا عذر لك في الانتظار بعد الإقرار.