{قَالَ إِنّي لِعَمَلِكُمْ مّنَ القالين} هو أبلغ من أن يقول: (قالٍ)؛ فقولك: فلان من العلماء، أبلغ من قولك: فلان عالم؛ لأنك تشهد بأنه مساهم لهم في العلم.
{وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العزيز الرحيم} كرر في هذه السورة في أول كل قصة وآخرها ما كرر، تقريرا لمعانيها في الصدور، ليكون أبلغ في الوعظ والزجر، ولأن كل قصة منها كتنزيل برأسه، وفيها من الاعتبار مثل ما في غيرها، فكانت جديرة بأن تفتتح بما افتتحت به صاحبتها، وأن تختم بما اختتمت به.
.
{ولقد آتينا داود وسليمان علماً وقالا الحمد لله الذي فضّلنا على كثيرٍ مّن عباده المؤمنين} في الآية دليل على شرف العلم، وتقدم حملته وأهله، وأن نعمة العلم من أجلّ النعم، وأن من أوتيه فقد أوتي فضلاً على كثير من عباده.. وفيها: أنه يلزمهم لهذه النعمة الفاضلة أن يحمدوا الله على ما أتوه، وأن يعتقد العالم أنه إن فضل على كثير، فقد فضل عليه مثلهم.
{فَتَوَكَّلْ عَلَى الله إِنَّكَ عَلَى الحق المبين} علل التوكل بأنه على الحق الأبلج، وهو الدين الواضح الذي لا يتعلق به شك، وفيه بيان أن صاحب الحق حقيق بالوثوق بالله وبنصرته.
{إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ} خص مكة من بين سائر البلاد بإضافة اسمه إليها؛ لأنها أحب بلاده إليه وأعظمها عنده، وأشار إليها بقوله: هذه، إشارة تعظيم لها وتقريب، دالاً على أنها موطن نبيه ومهبط وحيه، ووصف ذاته بالتحريم الذي هو خاص وصفها.
{آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} قال الزجّاج: جعل الله تعالى إيتاء العلم والحكمة مجازاة على الإحسان؛ لأنهما يؤديان إلى الجنة التي هي جزاء المحسنين، والعالِم الحكيم من يعمل بعلمه؛ لأنه تعالى قال: (وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ لو كانوا يعلمون)، فجعلهم جهالا إذ لم يعملوا بالعلم.
{فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِى عَلَى استحياء} أي: مستحية، وهذا دليل كمال إيمانها وشرف عنصرها؛ لأنها كانت تدعوه إلى ضيافتها، ولم تعلم أيجيبها أم لا، فأتته مستحية قد استترت بكم درعها.