{وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ} لعجل لكم العذاب، وكرر المنة بترك المعاجلة بالعقاب مع حذف الجواب، مبالغة في المنة عليهم، والتوبيخ لهم.
لم يغلط الله تعالى في القرآن في شيء من المعاصي تغليظه في إفك عائشة رضى الله عنها، فأوجز في ذلك وأشبع، وفصل وأجمل، وأكد وكرر، وما ذلك إلا لأمر.
{وَلْيَسْتَعْفِفِ الذين لاَ يَجِدُونَ نِكَاحاً} انظر كيف رتب هذه الأوامر، فأمر أولاً بما يعصم من الفتنة ويبعد عن مواقعة المعصية، وهو غض البصر، ثم بالنكاح المحصن للدين المغني عن الحرام، ثم بعزة النفس الأمارة بالسوء عن الطموح إلى الشهوة عند العجز عن النكاح إلى أن تقدر عليه.
{يُسَبّحُ لَهُ فِيهَا بالغدو والآصال} أي: يصلي له فيها بالغداة صلاة الفجر، وبالآصال صلاة الظهر والعصر والعشاءين، وإنما وحّد الغدو؛ لأن صلاته صلاة واحدة، وفي الآصال صلوات.
{فإذا استأذنوك لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لّمَن شئت منهم} فيه رفع شأنه عليه الصلاة والسلام {واستغفر لَهُمُ الله إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ} وذكر الاستغفار للمستأذنين دليل على أن الأفضل أن لا يستأذنوه، قالوا: وينبغي أن يكون الناس كذلك مع أئمتهم ومقدميهم في الدين والعلم يظاهرونهم، ولا يتفرقون عنهم إلا بالإذن.
{إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لَوْلاَ أَن صَبْرَنَا عَلَيْهَا} دليل على فرط مجاهدة رسول الله صلى الله عليه وسلم في دعوتهم وعرض المعجزات عليهم، حتى شارفوا بزعمهم أن يتركوا دينهم إلى دين الإسلام لولا فرط لجاجهم واستمساكهم بعبادة آلهتهم.
{أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُون} إنما ذكر الأكثر؛ لأن فيهم من لم يصده عن الإسلام إلا حب الرياسة، وكفى به داء عضالاً؛ ولأن فيهم من آمن.
{لّنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً وَنُسْقِيَهِ مِمَّا خلقنا أنعاما وأناسي كثيرا} قدّم إحياء الأرض على سقي الأنعام والأناسي؛ لأن حياتها سبب لحياتهما، وتخصيص الأنعام من الحيوان الشارب؛ لأن عامة منافع الأناسي متعلقة بها فكأن الإنعام بسقي الأنعام كالإنعام بسقيهم.. ولما كان سقي الأناسي من جملة ما أُنزل له الماء وصفه بالطهور إكراما لهم، وبيانا أن من حقهم أن يؤثروا الطهارة في بواطنهم وظواهرهم؛ لأن الطهورية شرط للإحياء.