{حسبتهم لؤلؤا منثورا} قال الفخر: وفي كيفية التشبيه وجوه:
أحدها: أنهم شبهوا في حسنهم، وصفاء ألوانهم، وانبثاثهم في مجالسهم ومنازلهم في أنواع الخدمة- باللؤلؤ المنثور، ولو كانوا صفا لشبهوا باللؤلؤ المنظوم ألا ترى أنه تعالى قال: {ويطوف عليهم ولدان} فإذا كانوا يطوفون كانوا متناثرين.
الثاني: أن هذا من التشبيه العجيب؛ لأن اللؤلؤ إذا كان متفرقا يكون أحسن في المنظر لوقوع شعاع بعضه على بعض.
الثالث: أنهم شبهوا باللؤلؤ الرطب إذا نثر من صدفه لأنه أحسن وأجمل.
{وهو يخشى (9) فأنت عنه تلهى} فحملة الشرع والعلم مخاطبون بتقريب الضعيف من أهل الخير وتقديمه على الشريف العاري من الخير، مثل ما خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم في هذه السورة، قال عياض: وليس في قوله تعالى: عبس وتولى الآية، ما يقتضي إثبات ذنب للنبي صلى الله عليه وسلم، أو أنه خالف أمر ربه سبحانه، وإنما في الآية الإعلام بحال الرجلين، وتوهين أمر الكافر، والإشارة إلى الإعراض عنه، انتهى، قال السهيلي: وانظر كيف نزلت الآية بلفظ الإخبار عن الغائب فقال: {عبس وتولى} ولم يقل: عبست وتوليت، وهذا يشبه حال العاتب المعرض، ثم أقبل عليه بمواجهة الخطاب فقال: {وما يدريك لعله يزكى} الآية، علما منه سبحانه أنه لم يقصد بالإعراض عن ابن أم مكتوم إلا الرغبة في الخير ودخول ذلك المشرك في الإسلام إذ كان مثله يسلم بإسلامه بشر كثير، فكلم نبيه حين ابتدأ الكلام بما يشبه كلام المعرض عنه العاتب له، ثم واجهه بالخطاب تأنيسا له عليه السلام، انتهى
قال الغزالي: وإيثار الحياة الدنيا طبع غالب على الإنسان، ولذلك قال تعالى:{ بل تؤثرون الحياة الدنيا} ثم بين سبحانه أن الشر قديم في الطباع وأن ذلك مذكور في الكتب السالفة فقال: {إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى}.
{إن ربك لبالمرصاد} إذا علم العبد أن مولاه له بالمرصاد ودامت مراقبته في الفؤاد، حضره الخوف والحذر لا محالة، و{اعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه} [البقرة:235] قال أبو حامد في «الإحياء» : وبحسب معرفة العبد بعيوب نفسه، ومعرفته بجلال ربه وتعاليه واستغنائه، وأنه لا يسأل عما يفعل تكون قوة خوفه، فأخوف الناس لربه أعرفهم بنفسه وبربه، ولذا قال صلى الله عليه وسلم: «أنا أخوفكم لله» ، ولذلك قال تعالى: {إنما يخشى الله من عباده العلماء} [فاطر: 28] ..ثم قال: واعلم أنه لا تنقمع الشهوات بشيء كما تنقمع بنار الخوف، انتهى.
{ثم كلا سوف تعلمون} وفي الآية تهديد عظيم للعلماء؛ فإنها دالة على أنه لو حصل اليقين لتركوا التكاثر والتفاخر، فهذا يقتضي أن من لا يترك التكاثر والتفاخر أن لا يكون اليقين حاصلا له، فالويل للعالم الذي لا يكون عاقلا ثم الويل له.