{أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون} قال الثعلبي: كانت هذه الآية تسمى مبكاة العابدين.
{ كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار} وإذا علمت- أيها الأخ- أن الدنيا أضغاث أحلام، كان من الحزم اشتغالك الآن بتحصيل الزاد للمعاد، وحفظ الحواس، ومراعاة الأنفاس، ومراقبة مولاك، فاتخذه صاحبا، وذر الناس جانبا.
{ ولا تلمزوا أنفسكم} معناه: بعضكم بعضا، كما قال تعالى: {أن اقتلوا أنفسكم} [النساء: 66] كأن المؤمنين كنفس واحدة، إذ هم إخوة، كما قال صلى الله عليه وسلم: "كالجسد الواحد".
{ يتنازعون فيها كأسا لا لغو فيها ولا تأثيم} قال الفخر: ويحتمل أن يقال: التنازع: التجاذب، وحينئذ يكون تجاذبهم تجاذب ملاعبة، لا تجاذب منازعة، وفيه نوع لذة، وهو بيان لما عليه حال الشراب في الدنيا فإنهم يتفاخرون بكثرة الشرب، ولا يتفاخرون بكثرة الأكل
{فأوحى الله إلى عبده ما أوحى} في قوله: {ما أوحى} إبهام على جهة التفخيم والتعظيم، قال عياض: ولما كان ما كاشفه عليه السلام من ذلك الجبروت، وشاهده من عجائب الملكوت، لا تحيط به العبارات، ولا تستقل بحمل سماع أدناه العقول- رمز عنه تعالى بالإيماء والكناية الدالة على التعظيم، فقال تعالى: {فأوحى إلى عبده ما أوحى} وهذا النوع من الكلام يسميه أهل النقد والبلاغة بالوحي والإشارة، وهو عندهم أبلغ أبواب الإيجاز
قال عياض: وقوله تعالى: {لقد رأى من آيات ربه الكبرى} انحصرت الأفهام عن تفصيل ما أوحى، وتاهت الأحلام في تعيين تلك الآيات الكبرى، وقد اشتملت هذه الآيات على إعلام الله بتزكية جملته عليه السلام وعصمتها من الآفات في هذا المسرى، فزكى فؤاده ولسانه وجوارحه؛ فقلبه بقوله تعالى: {ما كذب الفؤاد ما رأى} [النجم: 11] ، ولسانه- عليه السلام- بقوله تعالى: {وما ينطق عن الهوى} [النجم: 3] ، وبصره بقوله تعالى: {ما زاغ البصر وما طغى}.