{سيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها} قوله: {فتحت} جواب «إذا» ، والكلام هنا يقتضي أن فتحها إنما يكون بعد مجيئهم، وفي وقوفهم قبل فتحها مذلة لهم، وهكذا هي حال السجون ومواضع الثقاف والعذاب، بخلاف قوله في أهل الجنة: {وفتحت}، فالواو مؤذنة بأنهم يجدونها مفتوحة كمنازل الأفراح والسرور.
{وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين} ومن هذه الآية جعلت: الحمد لله رب العالمين، خاتمة المجالس والمجتمعات في العلم، قال قتادة: فتح الله أول الخلق بالحمد، فقال: {الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض} [الأنعام: 1] وختم القيامة بالحمد في هذه الآية. قال ابن عطية: وجعل سبحانه الحمد لله رب العالمين فاتحة كتابه، فبه يبدأ كل أمر وبه يختم.
{غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول} ذي الطول معناه: ذي التطول والمن بكل نعمة، فلا خير إلا منه سبحانه، فترتب في هذه الآية وعيد بين وعدين، وهكذا رحمته سبحانه تغلب غضبه، قال ابن عطية: سمعت هذه النزعة من أبي- رحمه الله- وهو نحو من قول عمر- رضي الله عنه-: «لن يغلب عسر يسرين».
{وقال فرعون ذروني أقتل موسى ... الآية}، الظاهر من أمر فرعون أنه لما بهرتهم آيات موسى عليه السلام انهد ركنه، واضطربت معتقدات أصحابه، ولم يفقد منهم من يجاذبه الخلاف في أمره، وذلك بيّن من غير ما موضع من قصتهما، وفي هذه الآية على ذلك دليلان: أحدهما: قوله: {ذروني} فليست هذه من ألفاظ الجبابرة المتمكنين من إنفاذ أوامرهم. والدليل الثاني: مقالة المؤمن وما صدع به، وإن مكاشفته لفرعون أكثر من مساترته، وحكمه بنبوة موسى أظهر من توريته في أمره، وأما فرعون فإنما نحا إلى المخرقة والتمويه والاضطراب، ومن ذلك قوله: {ذروني أقتل موسى وليدع ربه} أي: إني لا أبالي برب موسى، ثم رجع إلى قومه يريهم النصيحة والحماية لهم، فقال: {إني أخاف أن يبدل دينكم
{ادفع بالتي هي أحسن} آية جمعت مكارم الأخلاق وأنواع الحلم.. قال ابن عباس: أمره الله تعالى في هذه الآية بالصبر عند الغضب، والحلم عند الجهل، والعفو عند الإساءة، فإذا فعل المؤمنون ذلك، عصمهم الله من الشيطان، وخضع لهم عدوهم.
قال الفخر: اعلم أنه تعالى لما قال: {والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون} أردفه بما يدل على أن ذلك الانتصار يجب أن يكون مقيدا بالمثل؛ فإن النقصان حيف، والزيادة ظلم، والمساواة هو العدل، فلهذا السبب قال تعالى: {وجزاء سيئة سيئة مثلها}.
{يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور} بدأ في هذه الآية بذكر الإناث تأنيسا بهن ليهتم بصونهن والإحسان إليهن.. وقال واثلة بن الأسقع: من يمن المرأة تبكيرها بالأنثى قبل الذكر؛ لأن الله تعالى بدأ بذكر الإناث.
{إن في السماوات والأرض لآيات للمؤمنين (3) وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون (4) واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون (5)} ذكر تبارك وتعالى هنا الآيات التي في السموات والأرض مجملة غير مفصلة، فكأنها إحالة على غوامض تثيرها الفكر، ويخبر بكثير منها الشرع فلذلك جعلها للمؤمنين، ثم ذكر سبحانه خلق البشر والحيوان، وكأنه أغمض فجعله للموقنين الذين لهم نظر يؤديهم إلى اليقين، ثم ذكر اختلاف الليل والنهار، والعبرة بالمطر والرياح، فجعل ذلك لقوم يعقلون إذ كل عاقل يحصل هذه ويفهم قدرها