قال أبو الفضل عياض في «الشفا» : قوله تعالى: {ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا}: قيل: عاتب الله تعالى نبينا عليه السلام قبل وقوع ما يوجب العتاب ليكون بذلك أشد انتهاء ومحافظة لشرائط المحبة، وهذه غاية العناية، ثم انظر كيف بدأ بثباته وسلامته قبل ذكر ما عاتبه عليه، وخيف أن يركن إليه، وفي أثناء عتبه براءته، وفي طي تخويفه تأمينه. قال عياض رحمه الله: ويجب على المؤمن المجاهد نفسه الرائض بزمام الشريعة خلقه أن يتأدب بآداب القرآن في قوله وفعله ومعاطاته ومحاوراته فهو عنصر المعارف الحقيقة، وروضة الآداب الدينية والدنيوية انتهى.
{ ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا } هذه مبالغة في صفتهم، ومدح لهم وحض لكل من توسم بالعلم، وحصل منه شيئا أن يجري إلى هذه الرتبة النفيسة وحكى الطبري عن التميمي، أن من أوتي من العلم ما لم يبكه لخليق ألا يكون أوتي علما ينفعه لأن الله سبحانه نعت العلماء، ثم تلا هذه الآية كلها.
{إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها ... الآية}: بسط في التسلية، أي: لا تهتم بالدنيا وأهلها، فإن أمرها وأمرهم أقل لفناء ذلك وذهابه، فإنا إنما جعلنا ما على الأرض زينة وامتحانا واختبارا
{إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا} قال هرم بن حيان: ما أقبل عبد بقلبه إلى الله تعالى إلا أقبل الله بقلوب أهل الإيمان عليه حتى يرزقه مودتهم ورحمتهم.
{وما تلك بيمينك ياموسى (17) قال هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى} قال ابن العربي في «أحكامه» : وأجاب موسى عليه السلام بقوله: هي عصاي ... الآية، بأكثر مما وقع السؤال عنه وهذا كقوله صلى الله عليه وسلم: «هو الطهور ماؤه، الحل ميتته» لمن سأله عن طهورية ماء البحر. والمستحسن من الجواب: أن يكون مطابقا للسؤال، أو أعم منه كما في الآية، والحديث، أما كونه أخص منه، فلا. انتهى.
{ واضمم يدك إلى جناحك تخرج بيضاء من غير سوء} كل مرعوب من ظلمة ونحوها فإنه إذا ضم يده إلى جناحه، فتر رعبه، وربط جأشه، فجمع الله سبحانه لموسى عليه السلام تفتير الرعب مع الآية في اليد
{ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما} لله در ابن العربي حيث قال: يجب تنزيه الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- عما نسب إليهم الجهال. ولكن الباري سبحانه بحكمه النافذ، وقضائه السابق أسلم آدم إلى الأكل من الشجرة متعمدا للأكل، ناسيا للعهد، فقال في تعمده: {وعصى آدم} وقال في بيان عذره: {ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي}، فمتعلق العهد غير متعلق النسيان، وجاز للمولى أن يقول في عبده لحقه: عصى تثريبا، ويعود عليه بفضله فيقول: نسي تقريبا، ولا يجوز لأحد منا أن يطلق ذلك على آدم، أو يذكره إلا في تلاوة القرآن أو قول النبي صلى الله عليه وسلم