{وفوق كل ذي علم عليم} قال ابن عطاء: اعلم أن العلم حيث ما تكرر في الكتاب العزيز، أو في السنة، فإنما المراد به العلم النافع الذي تقارنه الخشية، وتكتنفه المخافة.
{ وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن} ترك ذكر إخراجه من الجُب؛ لأن في ذكره تجديد فعل إخوته وخزيهم، وتحريك تلك الغوائل، وتخبيث النفوس، ووجه آخر أنه خرج من الجب إلى الرق، ومن السجن إلى الملك، فالنعمة هنا أوضح.
{ ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون} عن أبي عمران الجوني أنه قال: والله ما قص الله نبأهم ليعيرهم إنهم الأنبياء من أهل الجنة، ولكن الله قص علينا نبأهم لئلا يقنط عبده.
{ وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل} إنما نص على الصنوان في هذه الآية لأنها بمثابة التجاور في القطع تظهر فيها غرابة اختلاف الأكل.. وقال قتادة: المعنى: قرى متجاورات وهذا وجه من العبرة، كأنه قال: وفي الأرض قطع مختلفات بتخصيص الله لها بمعان فهي تسقى بماء واحد، ولكن تختلف فيما تخرجه، والذي يظهر من وصفه لها بالتجاوز أنها من تربة واحدة، ونوع واحد، وموضع العبرة في هذا أبين، وقال الحسن: هذا مثل ضربه الله لقلوب بني آدم: الأرض واحدة، وينزل عليها ماء واحد من السماء، فتخرج هذه زهرة وثمرة، وتخرج هذه سبخة وملحا وخبثا، وكذلك الناس خلقوا من آدم، فنزلت عليهم من السماء تذكرة، فرقت قلوب وخشعت، وقست قلوب ولهت. قال الحسن: فو الله، ما جالس أحد القرآن إلا قام عنه بزيادة أو نقصان، قال الله تعالى: "وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا".
{الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق..} قال عبد الله بن المبارك: هذه ثمان خلال مسيرة إلى ثمانية أبواب الجنة، وقال أبو بكر الوراق: هذه ثمان جسور، فمن أراد القربة من الله عبرها
{وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها} قال طلق بن حبيب: إن حق الله تعالى: أثقل من أن يقوم به العباد، ونعمه أكثر من أن يحصيها العباد، ولكن أصبحوا توابين، وأمسوا توابين.
{واجنبني وبني أن نعبد الأصنام} هذا الدعاء من الخليل عليه السلام يقتضي إفراط خوفه على نفسه ومن حصل في رتبته، فكيف يخاف أن يعبد صنما، لكن هذه الآية ينبغي أن يقتدى بها في الخوف، وطلب حسن الخاتمة.
وقوله: {ومن عصاني فإنك غفور رحيم} حمله على هذه العبارة ما كان يأخذ نفسه به من القول الجميل، والنطق الحسن، وجميل الأدب صلى الله عليه وسلم، قال قتادة: اسمعوا قول الخليل صلى الله عليه وسلم، والله ما كانوا طعانين ولا لعانين، وكذلك قول نبي الله عيسى عليه السلام: {وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم}..وكان إبراهيم التيمي يقول: من يأمن على نفسه بعد خوف إبراهيم الخليل على نفسه من عبادة الأصنام.
{ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة} جمعه الضمير في قوله: {ليقيموا} يدل على أن الله قد أعلمه أن ذلك الطفل سيعقب هناك، ويكون له نسل