{ ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين} لما كانت أخبار المنافقين تصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم تارة بإخبار الله له، وتارة بإخبار المؤمنين، وهم عدول، ناسب اتصال قوله سبحانه: يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين بما قبله، ويكون التصديق هنا خاصا بهذه القضية، وإن كان ظاهر اللفظ عاما إذ من المعلوم أنه صلى الله عليه وسلم لم يزل مصدقا بالله.
{ ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله} السين في قوله: {سيرحمهم}: مدخِلة في الوعد مُهلةً، لتكون النفوس تنعم برجائه سبحانه، وفضله سبحانه زعيم بالإنجاز.
{ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن} يظهر من قوله: {في التوراة والإنجيل والقرآن} أن كل أمة أمرت بالجهاد، ووعدت عليه
قال الفخر: واعلم أن هذه الآية مشتملة على أنواع من التأكيدات:
فأولها: قوله سبحانه: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم}، فكون المشتري هو الله المقدس عن الكذب والحيلة من أدل الدلائل على تأكيد هذا العهد.
والثاني: أنه عبر عن إيصال هذا الثواب بالبيع والشراء، وذلك حق مؤكد.
وثالثها: قوله: {وعدا}، ووعد الله حق.
ورابعها: قوله: {عليه}، وكلمة «على» للوجوب.
وخامسها: قوله: {حقا}، وهو تأكيد للتحقيق.
وسادسها: قوله: {في التوراة والإنجيل والقرآن}، وذلك يجري مجرى إشهاد جميع الكتب الإلهية، وجميع الأنبياء والمرسلين على هذه المبايعة.
وسابعها: قوله: {ومن أوفى بعهده من الله}، وهو غاية التأكيد.
وثامنها: قوله: {فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به}، وهو أيضا مبالغة في التأكيد.
وتاسعها: قوله: {وذلك هو الفوز}.
وعاشرها: قوله: {العظيم}.
فثبت اشتمال هذه الآية على هذه الوجوه العشرة في التأكيد والتقرير والتحقيق.
{ التائبون العابدون الحامدون السائحون} قال الفخر: ولما كان أصل السياحة الاستمرار على الذهاب في الأرض، سمي الصائم سائحا لاستمراره على فعل الطاعة وترك المنهي عنه من المفطرات. قال الفخر: عندي فيه وجه آخر، وهو أن الإنسان إذا امتنع من الأكل والشرب والوقاع، وسد على نفسه باب الشهوات، انفتحت له أبواب الحكمة وتجلت له أنوار عالم الجلال.
{وليجدوا فيكم غلظة واعلموا أن الله مع المتقين} وعد سبحانه في آخر الآية وحض على التقوى التي هي ملاك الدين والدنيا، وبها يلقى العدو، وقد قال بعض الصحابة: إنما تقاتلون الناس بأعمالكم، ووعد سبحانه أنه مع المتقين، ومن كان الله معه، فلن يغلب.
{ ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون} قال عمر رضي الله عنه: إن الله تعالى إنما جعلنا خلفاء لينظر كيف عملنا فأروا الله حسن أعمالكم في السر والعلانية
{ فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون} قال ابن عطية: وعبارة القرآن في سوق هذه المعاني تفوت كل تفسير براعة وإيجازا ووضوحا، وحكمت هذه الآية بأنه ليس بين الحق والضلال منزلة ثالثة في هذه المسألة التي هي توحيد الله تعالى، وكذلك هو الأمر في نظائرها من مسائل الأصول التي الحق فيها في طرف واحد..
{ وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين} وهذه الآية عظيمة الموقع لأهل المراقبة تثير من قلوبهم أسرارا، ويغترفون من بحر فيضها أنوارا.