{أن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين} قوله تعالى: {وسيدا}: قال قتادة: أي والله سيد في الحلم والعبادة والورع، قال اللن عطية: من فسر السؤدد بالحلم، فقد أحرز أكثر معنى السؤدد، ومن جرد تفسيره بالعلم والتقى ونحوه، فلم يفسره بحسب كلام العرب، وقد تحصل العلم ليحيى- عليه السلام- بقوله: {مصدقا بكلمة من الله}، وتحصل التقى بباقي الآية، وخصه الله بذكر السؤدد الذي هو الاعتمال في رضا الناس على أشرف الوجوه، دون أن يوقع في باطل هذا اللفظ يعم السؤدد، وتفصيله أن يقال: بذل الندى، وهذا هو الكرم، وكف الأذى، وهنا هي العفة بالفرج، واليد، واللسان، واحتمال العظائم، وهنا هو الحلم وغيره من تحمل الغرامات والإنقاذ من الهلكات، وجبر الكسير، والإفضال على المسترفد، وانظر قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أنا سيد ولد آدم، ولا فخر» ، وذكر حديث الشفاعة في إطلاق الموقف، وذلك منه اعتمال في رضا ولد آدم، ثم قال ابن عطية: أما أنه يحسن بالتقي العالم أن يأخذ من السؤدد بكل ما لا يخل بعلمه وتقاه، وهكذا كان يحيى- عليه السلام-.
{ قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر قال كذلك الله يخلق ما يشاء} وجاءت العبارة في أمر زكريا: «يفعل» ، وجاءت هنا: «يخلق»، من حيث إن أمر زكريا داخل في الإمكان الذي يتعارف، وإن قل، وقصة مريم لا تتعارف البتة، فلفظ الخلق أقرب إلى الاختراع، وأدل عليه.
{ واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا} واعلم أن كل من كان وجهه إلى الدنيا، كان معاديا لأكثر الخلق، ومن كان وجهه إلى خدمة المولى سبحانه، لم يكن معاديا لأحد لأنه يرى الكل أسيرا في قبضة القضاء والقدر، ولهذا قيل: إن العارف، إذا أمر، أمر برفق، ونصح لا بعنف وعسر، وكيف، وهو مستبصر بالله في القدر.
{ يوم تبيض وجوه وتسود وجوه}.. ولما كان للذهن أن يقف هنا في الوجه الذي به خص الله قوما بعمل يرحمهم من أجله، وآخرين بعمل يعذبهم عليه، ذكر سبحانه الحجة القاطعة في ملكه جميع المخلوقات، وأن الحق ألا يعترض عليه وذلك في قوله: {ولله ما في السماوات وما في الأرض ... الآية}.
{قد بدت البغضاء من أفواههم} خص سبحانه الأفواه بالذكر دون الألسنة، إشارة إلى تشدقهم وثرثرتهم في أقوالهم هذه، ثم قال سبحانه للمؤمنين: {قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون} تحذيرا وتنبيها، وقد علم سبحانه أنهم عقلاء، ولكن هذا هز للنفوس، كما تقول: إن كنت رجلا، فافعل كذا وكذا
{وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض} حق على من فهم كلام ربه أن يبادر ويسارع إلى ما ندبه إليه ربه، وألا يتهاون بترك الفضائل الواردة في الشرع، قال النووي- رحمه الله-: اعلم أنه ينبغي لمن بلغه شيء في فضائل الأعمال أن يعمل به، ولو مرة ليكون من أهله، ولا ينبغي أن يتركه جملة، بل يأتي بما تيسر منه لقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق على صحته: «وإذا أمرتكم بشيء فافعلوا منه ما استطعتم».
{ حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون} تأمل (رحمك الله) ما يوجبه الركون إلى الدنيا، وما ينشأ عنها من الضرر، وإذا كان مثل هؤلاء السادة على رفعتهم وعظيم منزلتهم، حصل لهم بسببها ما حصل من الفشل والهزيمة، فكيف بأمثالنا، وقد حذر الله عز وجل ونبيه- عليه السلام- من الدنيا وآفاتها بما لا يخفى على ذي لب.
{ إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم} مدح له صلى الله عليه وسلم؛ فإن ذلك هو موقف الأبطال في أعقاب الناس، ومنه قول الزبير بن باطا: ما فعل مقدمتنا إذا حملنا، وحاميتنا إذا فررنا، وكذلك كان صلى الله عليه وسلم أشجع الناس، ومنه قول سلمة بن الأكوع: كنا إذا احمر البأس، اتقيناه برسول الله صلى الله عليه وسلم.
{ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم} قدّم القتل هنا؛ لأنه الأشرف الأهم، ثم قدم الموت في قوله تعالى: {ولئن متم أو قتلتم}؛ لأنها آية وعظ بالآخرة والحشر، وآية تزهيد في الدنيا والحياة، وفي الآية تحقير لأمر الدنيا، وحض على طلب الشهادة، والمعنى: إذا كان الحشر لا بد في كلا الأمرين، فالمضي إليه في حال شهادة أولى.