{ووجدك عائلا فأغنى} وقال مقاتل: فرضاك بما أعطاك من الرزق، واختاره الفراء، وقال: لم يكن غنيا عن كثرة المال ولكن الله رضاه بما آتاه وذلك حقيقة الغنى.. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قد أفلح من أسلم ورزق كفافا وقنعه الله بما آتاه".
قال ابن مسعود: أحكم آية في القرآن "فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره". وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسميها الجامعة الفاذة حين سئل عن زكاة الحمر فقال: "ما أنزل علي فيها شيء إلا هذه الآية الجامعة الفاذة: "فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره". وتصدق عمر بن الخطاب وعائشة بحبة عنب، وقالا: فيها مثاقيل كثيرة. وقال الربيع بن خيثم: مر رجل بالحسن وهو يقرأ هذه السورة فلما بلغ آخرها قال: حسبي قد انتهت الموعظة
{وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير} خَصَّ هنا سبحانه صفتَهُ الَّتي هي القدرةُ- بالذِّكُر لأنه قد تقدَّم ذكر فعلٍ مضمَّنه الوعيدُ والإِخافةُ، فكان ذكر القدرة مناسباً لذلك
{فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَة} في قوله جل وعلا: (وَلَنْ تَفْعَلُوا) إِثَارةٌ لِهِمَمِهِمْ، وتحريكٌ لنفوسهم ليكون عجزهم بعد ذلك أبدع، وهو أيضاً من الغيوب التي أخبر بها القرآن.. ووصف النار بأنها تتقد بالناس والحجارة وذلك يدلُّ على قوتها، نجَّانا اللَّه منها برحمته الواسعة، وقرَنَ اللَّه سبحانه النَّاسَ بالحجارة لأنهم اتخذوها في الدنيا أصناماً يعبدونها.
{قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم} قال بعض العلماء: إن في قوله تعالى: {فلما أنبأهم} نبوءة لآدم عليه السلام؛ إذ أمره الله سبحانه أن ينبئ الملائكة بما ليس عندهم من علم الله عز وجل.
{ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين} وفي قوله تعالى: {إلى حين} فائدة لآدم عليه السلام ليعلم أنه غير باق فيها، ومنتقل إلى الجنة التي وعد بالرجوع إليها، وهي لغير آدم دالة على المعاد.
{واستعينوا بالصبر والصلاة} قال مجاهد: الصبر في هذه الآية الصوم، ومنه قيل لرمضان: شهر الصبر، وخص الصوم والصلاة على هذا القول بالذكر لتناسبهما في أن الصيام يمنع الشهوات، ويزهد في الدنيا، والصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، وتخشع، ويقرأ فيها القرآن الذي يذكر بالآخرة.
قال عياض: ومن الوجوه البينة في إعجاز القرآن: آيٌ وردت بتعجيز قوم في قضايا، وإعلامهم أنهم لا يفعلونها، فما فعلوا ولا قدروا على ذلك، كقوله تعالى لليهود: {قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة}... الآية، قال أبو إسحاق الزجاج: في هذه الآية أعظم حجة، وأظهر دلالة على صحة الرسالة لأنه قال لهم: {فتمنوا الموت} وأعلمهم أنهم لن يتمنوه أبدا، فلم يتمنه واحد منهم.