{ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا} .. وقال قتادة: أمر الله بالأسراء أن يحسن إليهم، وإن أسراهم يومئذ لأهل الشرك.. وهذا قول الحسن وقتادة، أن الأسير كان من أهل الشرك، وفيه دليل على أن إطعام الأسارى، وإن كانوا من أهل الشرك، حسن يرجى ثوابه..
{ويطوف عليهم ولدان مخلدون إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا} قال عطاء: يريد في بياض اللؤلؤ وحسنه، واللؤلؤ إذا نثر من الخيط على البساط، كان أحسن منه منظوما. وقال أهل المعاني: إنما شبهوا بالمنثور لانتثارهم في الخدمة، فلو كانوا صفا لشبهوا بالمنظوم.
{وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين} أي أعلمهم أن المشيئة في التوفيق إليه وأنهم لا يقدرون على ذلك إلا بمشيئة الله، وفيه إعلام أن أحدا لا يعمل خيرا إلا بتوفيق الله ولا شرا إلا بخذلانه.
{كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون} قال أكثر المفسرين: عن رؤيته. قال الحسن: لو علم الزاهدون العابدون أنهم لا يرون ربهم في المعاد لزهقت أنفسهم في الدنيا. قال الحسين بن الفضل: كما حجبهم في الدنيا عن توحيده حجبهم في الآخرة عن رؤيته. وسئل مالك عن هذه الآية فقال: لما حجب أعداءه فلم يروه تجلى لأوليائه حتى رأوه. وقال الشافعي رضي الله عنه في قوله: "كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون": دلالة على أن أولياء الله يرون الله عيانا
{قد أفلح من تزكى} تطهر من الشرك وقال: لا إله إلا الله.. وقال آخرون: هو صدقة الفطر، {وذكر اسم ربه فصلى} قال خرج إلى العيد فصلى.. وقال بعضهم: لا أدري ما وجه هذا التأويل؟ لأن هذه السورة مكية، ولم يكن بمكة عيد ولا زكاة فطر، [قال الشيخ الإمام محيي السنة رحمه الله]: يجوز أن يكون النزول سابقا على الحكم؛ كما قال: "وأنت حل بهذا البلد" فالسورة مكية، وظهر أثر الحل يوم الفتح حتى قال عليه الصلاة والسلام: "أحلت لي ساعة من نهار"، وكذلك نزل بمكة: "سيهزم الجمع ويولون الدبر"، قال عمر بن الخطاب: كنت لا أدري أي جمع يهزم، فلما كان يوم بدر رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يثب، في الدرع ويقول: "سيهزم الجمع ويولون الدبر".
{أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت} قال أهل التفسير: لما نعت الله تعالى في هذه السورة ما في الجنة عجب من ذلك أهل الكفر وكذبوه، فذكرهم الله تعالى صنعه فقال: {أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت} وكانت الإبل من عيش العرب لهم فيها منافع كثيرة، فكما صنع لهم ذلك في الدنيا صنع لأهل الجنة فيها ما صنع.. وتكلمت الحكماء في وجه تخصيص الإبل من بين سائر الحيوانات؛ فقال مقاتل: لأنهم لم يروا بهيمة قط أعظم منها.. وقال الكلبي: لأنها تنهض بحملها وهي باركة. وقال قتادة: ذكر الله تعالى ارتفاع سرر الجنة وفرشها، فقالوا: كيف نصعدها فأنزل الله تعالى هذه الآية.
{ولسوف يعطيك ربك فترضى} قال عطاء عن ابن عباس: هو الشفاعة في أمته حتى يرضى، وهو قول علي والحسن.. وقال حرب بن شريح سمعت أبا جعفر محمد بن علي يقول: إنكم يا معشر أهل العراق تقولون: أرجى آية في القرآن: "قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله"، وإنا أهل البيت نقول: أرجى آية في كتاب الله "ولسوف يعطيك ربك فترضى